إسلام ويب

الحقوق الزوجية [2]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للزوجة حقوق على زوجها، فمن حقوقها عليه: الصداق، والنفقة، والمسكن، وأن يعاملها معاملة حسنة، وأن يعاشرها بالمعروف، ولا تسقط النفقة إلا في حال نشوزها، أو إعسار الزوج، أو موته أو تطليقها طلاقاً بائناً ولم تكن حاملاً أو مرضعاً.

    1.   

    تلخيص لما سبق ذكره من حقوق الزوج على زوجته

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فتقدم معنا الكلام في أن معرفة الحقوق الزوجية، والقيام بها على الوجه الأكمل هو أعظم عوامل نجاح الحياة الزوجية، فحين يعرف كل من الزوجين حقه، فيقوم به على الوجه الأكمل، يكون في ذلك قيام بحدود الله عز وجل في بيت الزوجية، وقد تقدم معنا الكلام بأن هناك حقوقاً تجب للزوج على زوجته، وحقوقاً تجب للزوجة على زوجها، وحقوقاً مشتركة تجب لكل منهما من الآخر، وفرغنا من الكلام عن حق الزوج على زوجته، وعرفنا بأن أول هذه الحقوق: حق الطاعة؛ لأن الله عز وجل قال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:34]، فيجب على الزوجة أن تطيع زوجها، وأن تعظم أمره، ويشمل ذلك عدة أمور:

    الأمر الأول: طاعته في الوطء، فلو أنه أرادها في الفراش فيجب عليها أن تجيب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا: ( أنه إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات وهو عليها غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ).

    الأمر الثاني: طاعته في تربية الأولاد، فلا ينبغي للزوجة أن تعاند زوجها لو أراد أن يربي ولده، وأن يقيمه على الصراط السوي، وأن يؤدبه على الإتيان بالصلاة في أوقاتها، ونحو ذلك من الحقوق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والرجل راع في بيت أهله ومسئول عن رعيته ).

    الأمر الثالث: يجب عليها أن تطيع الزوج في الانتقال إلى بيت الزوجية، فلو أنه أراد أن يسافر فلتسافر معه، ولو أراد أن ينتقل من حي إلى حي، أو من مكان إلى مكان فلا ينبغي لها أن تعانده، وأن تقف حجر عثرة في طريقه، وهذا بشروط ذكرناها فيما مضى:

    الشرط الأول: أن تأمن الزوجة على نفسها في المكان الذي يريد أن ينتقل إليه.

    الشرط الثاني: أن يكون البلد المنتقل إليه مأموناً، ولا يكون بلد حرب وكفر، بل يكون بلداً مأموناً.

    الشرط الثالث: أن تمكن الزوجة من الاتصال بأهلها، والاطمئنان عليهم، والسؤال عن أحوالهم ونحو ذلك.

    الأمر الرابع: يجب على الزوجة أن تطيع زوجها في خدمة البيت الخدمة المعقولة في الكنس، والعجن، والطبخ، وترتيب الفراش، وتنظيف الأثاث، ونحو ذلك، وهو ما اصطلح العلماء على تسميته بالخدمة الباطنة، أما الخدمة الظاهرة التي بمعنى التكسب فلا ينبغي للزوج أن يطالب بها زوجته، فلا ينبغي للزوج أن يطالب زوجته بأن تنسج، أو أن تخيط، أو أن تغزل وتبيع؛ لأن التكسب واجب على الزوج؛ لأن الله عز وجل قال: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34].

    الحق الثاني الذي يجب للزوج على زوجته: أن تحفظ عرضه، فتتعفف، وتبتعد عن التزين إذا خرجت من بيتها، فلا تتزين، ولا تتطيب، ولا تأذن في بيته لرجل أجنبي في غيابه حال كونها وحدها، أو ليس معها محرم، وإذا كان معها طفل صغير فإنه لا يعد محرماً، فالمحرم هو الذكر البالغ العاقل، الذي يحرم نكاحه على التأبيد، فالمرأة لا تتزين لغير زوجها، ولا تأذن لغير محرم بدخول بيتها في غياب الزوج.

    الحق الثالث: الإرضاع، فيجب على الزوجة أن ترضع الأطفال؛ لأن الله عز وجل قال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، والآية خرجت مخرج الأمر، فهي بصيغة الخبر لكنها في معنى الأمر.

    الحق الرابع: يجب على الزوجة أن تعامل أقارب الزوج معاملةً حسنة، بمعنى: أن تعامل أمه وأباه، وأخته وأخاه معاملةً حسنةً، وتحسن إليهم ما استطاعت، ولا تعمد إلى محاولة التفريق بين الرجل وأهله.

    الحق الخامس: إلحاق الولد بأبيه في الدين والنسب، ويلحق بهذا مسألة يكثر السؤال عنها، وهي: أن كثيراً ما يحصل النزاع بين الزوج والزوجة في تسمية المولود، فهو يريد أن يسمي المولود مثلاً مصطفى أو محمداً أو كذا، وهي تأبى، أو رزقوا ببنت، وهو يريد أن يسمي البنت مثلاً بخيتة على اسم أمه، وهي تأبى تريد أن تسميها رشا -مع أن الرشا نوع من البقر- أو المها -وهو أيضاً نوع من البقر- أو لبنى، أو من الأسماء الجديدة هذه، وهو يريد أن يسميها بخيتة، أو خديجة، فيحصل بينهما نزاع، فهنا نقول: إن التسمية حق الأب، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني رزقت البارحة بغلام، وسميته على اسم أبي إبراهيم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم استقل بتسمية الولد وسماه على اسم أبيه، ولم يعط للأم حقاً في ذلك. نعم المشورة مطلوبة، فلا مانع أن أستشيرها: أنا أريد أسميه كذا ما رأيك؟ بحيث أن نصل إلى اتفاق، لكن في حال الاختلاف فالقول قول الزوج، وقول الأب.

    1.   

    حقوق الزوجة على زوجها

    إذا علمنا هذا فهنا نتكلم عن حقوق الزوجة على زوجها.

    وأول هذه الحقوق: الصداق، وقد مضى الكلام عنه تفصيلاً، وعرفنا بأن هذا الصداق حق للمرأة، وأنه لا حد لأكثره، أما أقله على قول المالكية: فهو ربع دينار، وأما على قول الجمهور فهو ما ينتفع به ولو كان شيئاً معنوياً، فالصداق حق للمرأة.

    حق المرأة في النفقة

    الحق الثاني للمرأة: النفقة.

    المقصود بالنفقة

    والنفقة تشمل: الطعام، والإدام، والكسوة، والسكن، والأثاث، وآلة التنظيف، وأجرة الخادم إن كانت الزوجة ممن يخدم، أي: إن كانت الزوجة -كما يعبر المالكية- شريفة، يعني: أنت تزوجتها من بيت تخدم فيه، وعندك طاقة أن تأتيها بمن يخدمها، ففي هذه الحالة يجب عليك أن تأتيها بمن يخدمها.

    ويجب عليك أن تنفق عليها، ولو كانت غنيةً موسرة؛ لأن الله عز وجل قال: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، ويقول سبحانه: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وجاء في حديث معاوية القشيري رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت).

    وكذلك قول الله عز وجل: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6]، وهذا في حق المطلقة، ففي عدتها يجب عليك أن تسكنها، فإذا كان المطلقة يجب عليك أن تسكنها، فمن باب أولى الزوجة.

    وسبب وجوب النفقة على الزوج أن الزوجة حبست نفسها في البيت على هذا الزوج، ومكنته من نفسها، وأنفقت وقتها في خدمته، والقيام على أمره، والاشتغال بمصالحه، ورعاية أولاده، فكما أنها قامت بهذه الواجبات كلها، فيجب على الزوج في مقابل ذلك أن ينفق عليها؛ لأن كل حق يقابله واجب.

    شروط وجوب النفقة على الزوجة غير المدخول بها

    لكن ما هي الشروط لوجوب هذه النفقة؟

    نقول: يجب على الزوج أن ينفق على زوجته بشروط:

    الشرط الأول: إذا دعته للدخول بعد إعطائه المدة الكافية للتجهيز، فلا تجب النفقة على الزوجة إلا بعد الدخول، فمثلاً: إنسان عقد على امرأة في شعبان، وما دخل بها إلا في شوال، فهذان الشهران شعبان ورمضان لا تجب عليه نفقة، اللهم إلا إذا كانت الزوجة قد دعته أو أهلها وقالوا: لو شئت خذ زوجتك واذهب حيث تريد، لكنه هو الذي تقاعس، فقال: أنا غير جاهز، أو قال: أنا أفضل أن أنتظر؛ لأن عمي سيأتي من كذا، وخالي سيأتي من كذا، ففي هذه الحالة تجب عليه النفقة؛ لأن التأخير من قبله هو.

    الشرط الثاني: أن تكون الزوجة ممن يمكن وطؤها، فإذا تزوج إنسان فتاةً صغيرة فلا تجب عليه النفقة؛ لأنه لا يمكن من الدخول بها، والدليل على ذلك: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت ست، وبنى بها وهي بنت تسع)، ولم ينفق عليها خلال تلك السنوات الثلاثة.

    وكذلك لو كانت الزوجة مريضةً مرضاً شديداً، قد أشرفت معه على الموت، بحيث إن الزوج لا يستطيع الدخول بها، ولا الاستمتاع بها، ففي هذه الحالة أيضاً لا تجب نفقتها عليه.

    وهذا بالنسبة للزوجة غير المدخول بها، فلا تجب النفقة عليها، اللهم إلا إذا مكن الزوج من الدخول ودعي إليه وهو الذي تقاعس وتأخر.

    شروط وجوب النفقة على الزوجة المدخول بها

    أما الزوجة المدخول بها فتجب النفقة عليها بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكون الزوج موسراً، عنده طاقة للنفقة؛ لأن الله عز وجل لما قال: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7] قال بعدها: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، فإذا كان الزوج معسراً كأن يكون قد فقد عمله، فليس عنده شغل ولا وسيلة للتكسب، ففي هذه الحالة نقرأ هذه الآية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، وتجب عليه النفقة متى ما أيسر، فإذا أيسر فليس للزوجة حق في أن تطالب بالمدة التي كان فيها معسراً، مثلاً: هو كان يعمل مديراً في بنك، فكان موسراً، وكان ينفق عليها، ثم ترك وظيفته أو أزيح منها، وبقي سنةً ليس عنده شيء، وكانت الزوجة تعيش على الكفاف، ثم بعد عام شاء الله أن يجد وظيفةً أخرى كالتي فقدها أو خيراً منها، وبدأ ينفق مرةً أخرى، فليس من حق الزوجة أن تطالب بالسنة التي لم ينفق عليها فيها؛ لأن الله عز وجل بين أن المعسر غير مكلف بالنفقة، فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، ومن لم يكلف بالشيء فإنه لا يكون ديناً في ذمته، يعني: شيء أسقطه الله عز وجل عني فكيف يكون ديناً في ذمتي؟

    فالشرط الأول لوجوب النفقة على الزوجة المدخول بها: أن يكون الزوج موسراً.

    الشرط الثاني: أن تكون الزوجة مستعدةً للقيام بحقوق الزوج التي تقدم بيانها، وهي أن تكون الزوجة مطيعة، تمتثل أمره، وتخدم بيته، وترعى عياله، وتكرم أهله، ولا تتزين إذا خرجت، ولا تتطيب، ولا تأذن في بيته لغير محرم في غيابه، فإذا كانت الزوجة قائمةً بهذه الحقوق فالنفقة واجبة، أما إذا كانت الزوجة تخل بهذه الحقوق، فكلما قال لها كلمة فإنها تجمع متاعها، وتستدعي سيارة، وتلحق ببيت أهلها، فإذا قيل لها: يا أمة الله! اتقي الله، تقول: لا، لابد أن تأتي لتعتذر، فهذه ناشز؛ فالتي تريد كل يوم رحلات مكوكية، ومفاوضات لولبية، ووساطات وشفاعات، وتنشر كل شيء يحدث بينها وبين زوجها، هذه ناشز، كذلك التي تترفع عن خدمة زوجها فمثلاً: كل يوم يأتي في ساعة الغداء ولا غداء، فإذا قال لها: أين الغداء يا أمة الجبار؟ قالت له: الثلاجة فيها جبنة وزيتون -حتى حصل له ضغط من الجبنة والزيتون؛ لأن كلاهما مالح- فهذا لا يجب عليه أن ينفق عليها.

    فإذا أخلت الزوجة بحقوق الزوجية، وامتنعت عن القيام بما وجب عليها، وأعلنت العصيان، كما لو امتنعت من الوطء مثلاً، أو ترفعت عليه في الفراش، كلما أرادها أعطته ظهرها، أو تدخل غرفتها وتغلق الباب بالمفتاح، ويبقى هو على الباب كالكديس، ينتظر الرحمة، فمثل هذه أيضاً ناشز، ولا تجب لها النفقة.

    كذلك لو امتنعت من حقوق الله تعالى، كأن تكون امتنعت من الصلاة مثلاً -نسأل الله العافية- فلا شك أنها شر من الأولى، وشر من تلك التي تغديك جبنة وزيتوناً، فالتي لا تصلي، أو تمتنع من غسل الجنابة لا حق لها في النفقة كما تقدم.

    الطعام الواجب في النفقة

    والنفقة تشمل سبعة أصناف: الطعام، والإدام، والسكنى، والأثاث، والكسوة، وآلة التنظيف، وأجرة الخادم.

    أما آلة التنظيف فهي تختلف باختلاف الأعراف، فلعلها في بعض البلاد صابوناً وجردلاً ومقشة، وفي بعض البلاد الأخرى آلة التنظيف غسالة كهربائية، ومكنسة كهربائية، وبخاخاً للزجاج، وفوطاً مخصوصة، فهذا يختلف باختلاف أعراف الناس وأحوالهم.

    وأول شيء نتكلم عنه الطعام، ما الذي يجب عليك أن توفره لزوجتك أيها الرجل؟

    نقول: الطعام الواجب في النفقة هو القوت والإدام، والقوت هو الشيء الذي لا بد منه، الذي هو العيش والخبز، أو ما يقوم مقامه، فمثلاً في بعض الأقاليم عندنا يوجد القراصة، لا يعرفون غيرها، وفي بعضها كسرة لا يعرفون غيرها، وفي بعض بلاد الله عصيدة، وفي بعض بلاد الله رزاً، وفي بعضها مكرونة، فكل هذا نسميه قوتاً، ومع القوت لابد من إدام، والإدام هو الملاح، فيجب عليك أن توفر هذين، ثم ما يتبع ذلك من اللوازم الضرورية مثل الملح، والبصل، يجب عليك أن توفر لها الغاز، وفي هذه البلاد قبل عشرين سنة كان عندهم غاز بسيط، وكان الوقود فحماً، والعهد قريب، والآن لا يصح هذا، لا بد أن تأتي لها بالغاز، فهذا كله يدخل في الطعام والإدام؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    وبعض الناس قد يقول: ما دام أنه طعام وإدام، فإذاً سأجلب لها كل يوم بطاطاً وطماطم وماء ورغيفاً، وقليلاً من الملح، ويكفي، فنقول: لا، بل يجب عليك أن توفر لها حد الكفاية والشبع، فتأتي لها بالشيء الذي يشبعها، ويراعى في تقدير مستواه حال الزوج والزوجة معاً، فقد يستطيع الرجل أن يطعم زوجته طعاماً جيداً، وقد يطعمها طعاماً متوسطاً، وقد يطعمها دون ذلك، هذا كله داخل في قول ربنا: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، فبعض الناس قد يطعم نفسه وزوجته عدساً وفولاً طوال الشهر، ويكون اللحم أو الدجاج استثناءً في اليوم الأول أو الثاني من الشهر، وكما قال الشيخ كشك عليه رحمة الله يقول: أحد الموظفين سألوه: كيف الشهر معك؟ قال: الشهر كله طيب، ما عدا تسعة وعشرين يوماً الأخيرة، فنقول: بأن الإنسان يوفر حسب طاقته إما طعاماً جيداً، أو طعاماً وسطاً، أو دون ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـهند بنت عتبة : ( خذي من ماله بالمعروف ).

    وأنبه على مسألة قد تعجبون منها، وهي: لو كانت الزوجة مريضةً لا تأكل، مثلاً: عندها ملاريا لم تأكل لمدة سبعة أيام مثلاً، فإذا صحت لا يحق لها المطالبة بما مضى، يعني: مثل ما قلنا في مسألة: إذا كان الزوج معسراً ثم أيسر لا يحق لها المطالبة بما كان حال الإعسار، كذلك لو كانت الزوجة مريضةً ففاتها حظها من الطعام ثم صحت، فلا يحق لها أن تقول: الشهر هذا تركت الطعام سبعة أيام، فأريد البديل النقدي كما يسمونه، فليس من حقها ذلك.

    والزوج مخير بين أن يحضر لها ما يكفيها من الطعام أو أن يعطيها نقوداً، والناس في ذلك ليسوا سواء، فبعض الأزواج قد يجد متعةً في أن يدخل السوق، وينتقي من الطعام أطيبه، ومن الخضار، ومن الفاكهة، ومن اللحم، ثم يأتي به للبيت، ثم يذهب مرةً أخرى إلى البقالة فينتقي الأشياء الطيبة، وبعض الأزواج لا طاقة له بدخول السوق قط، ولذلك يعطي للزوجة مثلاً في أول الشهر مالاً ويقول لها: هذه نفقتك ونفقة العيال، وبعد ذلك تدبر الزوجة نفسها، وهو فقط يأتي وما وجده أكله، فالأمر في ذلك واسع، والحمد لله رب العالمين.

    ويقدر في النفقة ما جرت به العادة من اللحم والفاكهة.

    كذلك من النفقة الواجبة: أجرة التوليد، فيجب عليك أن تنفق على زوجتك في ترددها على الطبيبة، أو على المستشفى، ولو احتاجت إلى جراحة فيجب عليك أن تنفق على إجراء هذه الجراحة، ويجب عليك أن تأتيها بالأكل الذي جرت به العادة في الولادة، فمثلاً: جرت العادة في الولادة بأن الزوجة لا بد أن تطعم مثلاً لحماً، وتكثر من اللبن، أو الطحينية وغير ذلك من الأشياء التي تعطيها قوة من أجل أن يدر لبنها ويقوى وليدها، فيجب عليك أن توفر هذه الأشياء في حال الولادة، وقد عرفنا أن الطعام ما حدده الشرع، فتطعمها بحسب الطاقة، لكن تطعمها حد الكفاية والشبع، وأنت مخير بين أن تأتيها بهذا الطعام، أو أن تدفع إليها بالنقود لتأتي بالطعام الذي تشتهيه.

    ومن سوء العشرة أن يعمد الزوج إلى أن يطعم نفسه الطعام الطيب، ويدع أهله وعياله للطعام الذي دون ذلك.

    الكسوة الواجبة في النفقة

    الحق الثاني في النفقة: الكسوة، قال الله عز وجل: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، والكسوة مثل الطعام تقدر بحال الزوج من الفقر والغنى، وحال البلد وعادته في اللباس، فمثلاً: جرت عادة أهل هذه البلاد بأن النساء إلى عهد قريب ما كن يعرفن إلا ما يسمى بالثوب، أما الآن الحمد لله انتشرت العباءة، ولا شك أن العباءة أكثر حشمةً، وأيسر لبساً، وأستر للمرأة، وفي الوقت نفسه أرخص ثمناً، ولذلك نسأل الله أن يأتي على أهل هذه البلاد يوم ينقرض فيه الثوب تماماً، من أجل أن نستريح؛ لأن ثمنه غال، وكلفته غالية، ثم بعد ذلك ليس بساتر الستر الكافي، بدليل أن المرأة إذا ركبت في السيارة ثم نزلت فإنها تحتاج إلى تعديله، والعباءة لا تحتاج إلى ذلك.

    إذاً نقول: يلزم الرجل أن يلبس امرأته ما جرت به العادة في بلده، ويلزمه في ذلك كسوتان: كسوة للصيف، وأخرى للشتاء، ويجوز له أن يكتفي بواحدة إذا كانت تؤدي الغرض صيفاً وشتاءً، وكانت حال الزوجين لا تسمح بأكثر من ذلك، كذلك لا يجب على الزوج شراء كسوة الخروج للمرأة لتتزين بها في الأفراح والزيارات، وهذا سبب في وقوع الطلاق، فمثلاً: المرأة يكون عندها عرس أختها، وتطالب الزوج بأن يأتيها بثوب جديد، فأبى، فقالت له: والله أن هذه عيشة ما رأيت مثلها، وأن هذه عيشة غير نافعة، وهو كان غاضباً، فقال لها: والله إن لم تعجبك فانظري لك عيشة تعجبك، فأخذت متاعها وذهبت إلى بيت أبيها، واتسع الخرق على الراقع بسبب ظلم الزوجة، وبسبب حماقة الزوج، لكن إذا هي طالبت، فالمفروض منه أن يقول لها: يا أمة الله! هذا الشيء ليس واجباً علي، لكن أنا تفضلاً سآتي به، ثم لا تكرريها، أو إذا كان ما عنده يقول لها: والله كان يسعدني أن آتيك بما تشتهين، لكن والله ما عندي طاقة، و لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق:7]، فيطمئنها بهذه الكلمات، لكن بعد ذلك لو تمردت وقالت له: أصلاً أنت دائماً في هذا العسر منذ رأيناك، واليسر هذا ما رأيناه! ففي هذه الحالة يلزم الصمت، أو يغادر بيته ويأتي إلى بيت الله، والحمد لله بعض المساجد ما عندها أبواب، فإذا وقعت المشكلة في الليل أو في النهار فممكن أن تأتي المسجد وتأخذ فيه راحتك حتى يذهب الشيطان عنكما، ويصلح الله ما بينكما.

    ومن النفقة الواجبة: تكاليف العلاج، فيجب عليك أن تعالج الزوجة لو أصابها مرض وفق ما جرى به عرف الناس.

    ومن أسباب الخلاف بين الزوجين: أن الزوجة تتمارض كثيراً، ففي كل يوم تريد أن يذهب بها إلى الطبيب، فهي اليوم تشكو من وجع في الأسنان من كثرة ما طحنت، وغداً تقول لك: عيني هذه كذا، وبعد غد عندها صداع، وبعد غد ركبتها، وبعد غد ظهرها، وكل يوم مرض جديد، وتعرفون أن الأطباء لم يعد الأمر عندهم لله، وإنما للحصول على الأجور الكبيرة، ثم بعد ذلك حتى لو أن الإنسان نجا من الطبيب فإنه لا ينجو من الصيدلي، وهذا مما يعكر الحياة الزوجية، فنقول: يجب على الزوجة أن تتقي الله عز وجل، فليس كل وجع يستلزم طبيباً، ويمكن أن تستعين بالرقية، أو تصبر إلى أن يزول المرض بإذن الله.

    كذلك مما يجب على الزوج أن يوفره لزوجته -وهذا يلحق بالكسوة- الزينة، والزينة ما تتزين به، فيأتي لها بالكحل، والحناء، والخضاب، ويأتي لها بالحقيبة التي تتزين بها، ويأتيها بالمرآة التي تنظر فيها، ويأتيها بالدهن وما أشبه ذلك من الأشياء التي تتضرر المرأة لو تركتها؛ لأن المرأة لو تركت الزينة، وما تخضبت، سيصبح كفاها ككفي الرجل، وعما قريب سيزهد فيها زوجها، وكذلك لو أنها ما اكتحلت وادهنت وتطيبت فكذلك سيزهد فيها، لذلك يجب عليه أن يوفر لها هذه الأشياء، ولكن ليس عليه أجرة المزينة والماشطة إلا إذا شرطتها الزوجة، فهو يوفر لها الحناء، لكن لا يلزمه حق الحنانة خمسين ألفاً أو عشرين ألفاً، بل نقول للزوجة: حنني نفسك بنفسك، أو حنني جارتك وجارتك تحننك، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

    السكن الواجب على الزوج لزوجته

    الشيء الثالث: على الزوج أن يوفر لزوجته مسكناً ملائماً حسب الطاقة، وأقله حجرة مستقلة، بمرافقها مطبخ ومرحاض، فلو أنك وفرت للزوجة غرفة ومعها مطبخ وحمام فقد أديت ما عليك، فتوفر لها مكاناً يمكن أن تغلق بابها وهي مطمئنة أن أحداً لن يقتحم عليها.

    والآن بعض الناس يتزوج ثم يسكن الزوجة مع أهله في بيت المرفق فيه واحد، وفي البيت إخوانه وهم بالغون، ولربما أيضاً بنو العمومة وبنو الخئولة كلهم في البيت، والزوجة المسكينة تخاف على دينها، وتخاف على عرضها، ولا يمكن أن تمكث سائر اليوم وهي بحجابها خاصةً في أيام الحر، فلا شك بأن هذا من التقصير، بل لا بد أن يوفر لها مسكناً مستقلاً.

    أما الأثاث وما يحتاج إليه البيت من أوان ومعدات فإنها على الزوجة، والناس الذين يريدون أن يتزوجوا عليهم أن يحفظوا هذا الكلام: أن الأثاث وما يحتاج إليه البيت من أوان ومعدات فإنها على الزوجة، إن أمهرها الزوج صداقاً يكفي لما تحتاجه مثلها من أثاث، وهو ما جرى به عرف إخواننا المصريين.

    ففي مصر الرجل يوفر مهراً، ثم بعد ذلك يأتي بالشقة، ثم بعد ذلك هذه الشقة على الزوجة أن تملأها بالفراش، والأثاث، والتحف، والقناء، والمعدات، والأواني، حتى الشوك والسكاكين، كله على الزوجة، هكذا جرى عرفهم.

    قال ابن حبيب : بذلك مضت السنة، وابن حبيب من المالكية صاحب الواضحة، وقد جهز النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما زوج فاطمة من علي رضي الله عنهما، هو الذي جهزها، لكن جهزها بخميل وقربة ووسادة أدم حشوها ليف، والخميل هو القطيفة، وقربة من أجل السقاء، ووسادة أدم من جلد حشوها ليف، فإن كان الصداق لا يكفي لذلك فعلى الزوج أن يوفر لها الضروري الذي لا يستغنى عنه كالفراش، والغطاء، والسرير.

    يعني إذا دفعت مهراً كافياً فقل لأهل الزوجة: عليكم أن تجهزوا كل شيء.

    وهنا مسألة لو امتنعت الزوجة من السكنى مع أقارب الزوج، وهذه المسألة واقعية، ونحن نعيش واقعاً مراً. مثلاً: الآن الشاب لو تزوج من أجل أن يؤجر بيتاً، فإنه يحتاج في الشهر إلى مليون مثلاً، أو دونها بقليل، وكثير من الشباب قد لا يستطيع ذلك، فهو يريد أن يسكنها مع أهله، ففي بيت أهله يمكن أن يجد فيه مدخلاً، أو ملجئاً، أو مغارة يدخل فيها على نحو ما، فإذا شرط الزوج على الزوجة عند العقد أن تسكن مع أقاربه كوالديه وإخوته، فإنه يلزمها أن تفي بالشرط، وليس لها الحق في أن تطالب بسكن منفرد، سواء كانت الزوجة ذات قدر وحسب، أو كانت غير ذلك؛ لأن (المسلمين على شروطهم، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، اللهم إلا إذا ثبت تضررها من السكنى معهم، كما ذكرت في المثال القريب: أن يكون الحمام مشتركاً، ولو كان الزوج ومعه أمه وأبوه فالأمر هين أن يكون الحمام مشتركاً، أما إذا كان في البيت صبيان بالغون، فيكون في هذا ضرر على الزوجة، ولها الحق حينئذ في طلب الانتقال، ويجبر الزوج على ذلك.

    وعلماؤنا المالكية دائماً في مثل هذه المباحث يفرقون بين الشريفة والوضيعة، فالشريفة هي ذات القدر والحسب التي أخذتها من بيت هي تسكن في مستوى معين، أما الوضيعة فهي التي أخذتها من بيت عادي، قليلة الحال، فيفرقون دائماً بين هذه وهذه، فيقولون: الزوجة الشريفة ذات القدر التي هي من أهل اليسار والغنى لها الامتناع عن السكنى مع الأقارب؛ لأنها تتضرر من السكنى معهم باطلاعهم على أمرها، وكشف شئونها الخاصة، فمثلاً: لو أنها ما طبخت فستعرف أمه وستسأله قائلة: الليلة ما شمينا رائحة بصل ولا لحمة، ما الخبر يا عبد الله؟ فإذا زاغ منها فسيضطر في النهاية إلى الإقرار بأن الزوجة ما طبخت، وفي هذه الحالة ستبدأ في تحريضه على طلاقها، أو تحريضه على الزواج بأخرى، وفي هذا ضرر على الزوجة. ونحن نتكلم الآن على الزوجة التي لم يشترط عليها زوجها في العقد أنها ستسكن مع أهله، فهذه الزوجة ذات القدر واليسار الشريفة لها الحق في الامتناع، أما إذا كانت الزوجة قليلة الحال، يسيرة الصداق، فليس لها الحق في الامتناع من السكنى مع الأقارب، ما دام في البيت متسع، ولم يثبت تضررها منهم بتتبعهم عوراتها، فإن ثبت تضررها كان لها الحق كذلك في الانتقال.

    مسقطات النفقة

    ما هي مسقطات النفقة؟

    قلنا: النفقة واجبة على الزوج والدليل قول الله عز وجل: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ [البقرة:233]، (على المولود) الذي هو الوالد، (رزقهن) رزق الزوجات، وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233].

    كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن تطعمها مما طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت )، لكن هذه النفقة عندها مسقطات:

    أول هذه المسقطات: نشوز الزوجة، وخروجها عن طاعة زوجها، وقد مضى ذكر أمثلة النشوز، كما لو ترفعت عن خدمته، أو امتنعت من فراشه، فهذا نشوز تسقط معه النفقة.

    ثانياً: الإعسار، فإذا كان الزوج غير قادر على الإنفاق لفقره فلا تجب عليه نفقة، والزوجة مخيرة: إما أن ترضى بالبقاء معه من غير نفقة، وإما أن تطلب الطلاق، ويطلق رغم أنفه، لكن أحياناً قد يكون الزوج معسراً ليس عنده شيء، والزوجة قد وسع الله عليها إما بإرث قد أتاها، أو وظيفة تيسرت لها، وغير ذلك من الأسباب، فترضى بالزوج لما رأت من حسن خلقه، وجميل معاشرته، وغير ذلك من الأسباب، وهذا لا مانع فيه.

    ولو رضيت الزوجة بالبقاء مع زوجها المعسر، وأنفقت على نفسها من مالها، فليس لها بعد يسر الزوج وغناه أن تطالبه بما أنفقت، مثلاً: الزوجة تشتغل في شركة النيل الكبرى للبترول، مرتبها اثنين مليون ونصف، والزوج فقد وظيفته، فمكث خمس سنوات والزوجة هي التي تنفق، وبعد السنوات الخمس يسر الله أمره، ونفس كربه، وأتاح له وظيفةً أخرى، فليس للزوجة أن تقول له: عندك خمس سنوات في اثني عشر شهراً بستين شهراً، وفي الشهر أنفقت عليك مليوناً ونصفاً، فأنت مطالب بتسعين مليوناً، فمعنى ذلك: أن يجلس حتى يموت وهو مدين، فنقول: ليس للزوجة الحق في ذلك؛ للقاعدة التي ذكرناها سابقاً وهي: لا يجب قضاء ما لم يجب أصلاً.

    مثلاً: المرأة الحائض هل الصلاة واجبة عليها؟

    لا، إذاً لا يجب عليها قضاؤها بخلاف الصيام، فالصيام واجب عليها حال الحيض، ولذلك يجب عليها القضاء بعد الطهر، فهنا الزوج لما كان معسراً كانت النفقة غير واجبة عليه، ولذلك لا يطالب بالقضاء؛ ولأن الزوجة قد تبرعت بهذه النفقة، وليس للمتبرع أن يطالب بالعوض، لكن من باب حفظ الكرامة، ومن باب مكافئة المعروف بالمعروف، والإحسان بالإحسان أن يرجع عليها بالنفقة المعتادة التي ليس فيها إسراف.

    إذاً: من مسقطات النفقة: نشوز الزوجة، ومن مسقطات النفقة: إعسار الزوج.

    ومن مسقطات النفقة كذلك: موت الزوجة أو الزوج، فلو أن الزوجة ماتت، أو الزوج مات سقطت النفقة؛ لأن سبب النفقة الزوجية، والزوجية انتهت بموت أحدهما، فهذه المسألة ثمرتها لو أن الزوج أعطى لزوجته نفقة سنة مقدماً، فماتت بعد شهر، فليس من حق أهلها أن يعتبروا الباقي ميراثاً، وإنما تعاد إلى الزوج، فنفقة الأحد عشر شهراً ليست داخلةً في التركة؛ لأنها ليست هبة، أي أنه ما أعطاها نفقة العام هبةً، إنما أعطاها في مقابل الزوجية.

    السبب الرابع لإسقاط النفقة: الطلاق البائن، فلو أن الزوج طلق امرأته الطلقة الثالثة فليس لها نفقة، كما جاء من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: ( أنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة النفقة وهي بائن، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ليس لك عليه نفقة )، اللهم إلا إذا كانت المطلقة حاملاً، يعني: لو أن رجلاً طلق امرأته الطلقة الثالثة وهي حامل فإنه يجب عليه أن ينفق عليها مدة الحمل، من أجل حق الجنين؛ لأنها الآن لا تأكل لنفسها فقط، بل تأكل لنفسها وللطفل الذي في بطنها، وكذلك لها أجرة الرضاع إذا كانت مرضعاً، فمثلاً: لو أن الرجل طلق امرأته بعدما ولدت، وكانت الطلقة الثالثة، فيجب عليه أن ينفق عليها حال إرضاعها؛ لأنها تحتاج إلى طعام خاص.

    أحوال لا تسقط معها النفقة

    وهناك أمور لا تسقط معها النفقة:

    أولها: مرض الزوجة مرضاً يمتنع معه الاستمتاع، فأحياناً قد تبتلى المرأة بمرض لا يمكن معه المعاشرة الزوجية، ففي هذه الحالة يجب على الزوج أن يستمر في الإنفاق عليها؛ لأنها ما امتنعت منه بإرادتها، وإنما الله عز وجل قد ابتلاها، فمن الظلم أن يمتنع في هذه الحالة من الإنفاق عليها؛ لأنها لا تتحمل التبعة.

    ومثله أيضاً لو حبست الزوجة ظلماً، والزوج يعلم بأنها مظلومة، فلا ينبغي له أن يمتنع من الإنفاق عليها حال حبسها، كذلك لو أن الزوجة حبست في دين لا تقدر على تسديده، مثلاً: في زماننا هذا بعض الزوجات من أجل أن تعين زوجها تدخل في بعض المعاملات، خاصةً ما يسمى بالمرابحة، وهذه مصيبة من مصائب الدهر، تدخل في مرابحة في مكائن خياطة وكذا، ثم تفاجأ بأنها مطالبة بمال كثير لا طاقة لها به، وفجأة يؤتى بأمر القبض، وتجد نفسها في الحبس، وهي مسكينة لا تقدر على السداد، ففي هذه الحالة يجب على الزوج أن ينفق عليها حال حبسها.

    إذاً: لا تسقط النفقة على الزوجة إذا كانت مريضةً مرضاً يمتنع معه الاستمتاع، أو كانت محبوسةً ظلماً، أو محبوسةً في دين لا تقدر على تسديده.

    الحالة الثانية: سفر المرأة للحج وغيره، إذا كان هذا السفر على الوجه المشروع، ولو لم يكن بإذن الزوج، وأعني بذلك حجة الفريضة، مثلاً: الزوجة ما حجت، فجاءت إليك وقالت لك: يا زوجي العزيز! أنا ذاهبة إلى حج الفريضة، فقلت لها: لا، فخالفتك وذهبت للحج، فهذه لا تعد ناشزاً؛ لأن حق الله مقدم على حق الزوج، فإذا خرجت ومعها محرم، أو معها رفقة مأمونة -على قول المالكية والشافعية- إذا خرجت على هذه الصفة المشروعة فيجب على الزوج أن ينفق عليها حال سفرها، بما يماثل نفقته عليها حال حضرها، فمثلاً: قدر الزوج بأن هذه الزوجة في سكناها وطعامها وكسوتها، و و.. إلى آخره، في الشهر تحتاج إلى ثلاثمائة ألف جنيه، فإذا أرادت السفر للحج فإنه يعطيها هذه النفقة.

    أما إذا كانت تسافر لحجة التطوع أو للعمرة بغير إذن الزوج ففي هذه الحالة يعتبر هذا نشوزاً تسقط معه النفقة.

    الحالة الثالثة التي لا تسقط معها النفقة: غياب الزوج، أو حبسه، فلا تسقط عنه النفقة إذا كان غائباً، بل يجب عليه أن ينفق على زوجته، فإذا كان محبوساً وهو مستطيع للنفقة فيجب عليه أن ينفق، وكذلك لو كان مريضاً مرضاً لا يستطيع معه المعاشرة الزوجية فلا تسقط عنه النفقة أيضاً.

    حق الزوجة في زيارة والديها

    أيضاً من حقوق الزوجة: أن تمكنها من زيارة والديها، فبعض الأزواج يتعمد أن يمنع الزوجة من زيارة والديها، وهذا ظلم، والله عز وجل قال: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]، فهذا حرام أن يأمر الرجل زوجته بأن تقطع رحمها، وألا تبر والديها، قالوا: ولو حصل التنازع فإنه يقضى على الزوج بأن يمكنها من زيارة أهلها مرةً في الجمعة إذا كانا في بلد واحد، لا إفراط ولا تفريط؛ لأن بعض النساء تريد في كل يوم الذهاب لأمها، فتقعد معها ساعتين وثلاثاً في قيل وقال، لذلك نقول: تذهب مرة في كل جمعة يكفي، ويتحقق بذلك صلة الرحم، وليس من حق الزوج أن يمنعها من ذلك.

    أسأل الله أن يتقبل منا أجمعين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.