إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. مساعد الطيار
  5. عرض كتاب الإتقان
  6. عرض كتاب الإتقان (88) - النوع الثامن والسبعون في معرفة شروط المفسر وآدابه [9]

عرض كتاب الإتقان (88) - النوع الثامن والسبعون في معرفة شروط المفسر وآدابه [9]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما ينبغي للمفسر مراعاته عند التفسير: أن يطابق التفسير المفسر، وأن يبدأ بذكر أسباب النزول وفضائل القرآن. وأن يحذر من ذكر الزائد في القرآن، والترادف، والتكرار، وأن ينظر إلى السياق وإن خالف الوضع اللغوي، وألا يستطرد في التفسير في معلومات خارجة عنه.

    1.   

    ما يبتدئ به المفسر عند كتابة التفسير

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    لم يبقَ عندنا من كتاب الإمام السيوطي الإتقان في علوم القرآن في النوع الثامن والسبعين إلا فصل وفائدة، ولعلنا نأخذها سريعًا.

    ذكر نقلًا عن الزركشي قوله: (يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يحترز بذلك من نقص عما يحتاج إليه في إيضاح المعنى أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسر فيه زيغ عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف والغرض الذي سيق له الكلام، وأن يؤاخي بين المفردات، ويجب عليه البداءة بالعلوم اللفظية، وأول ما تجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بالمعاني ثم البيان ثم البديع ثم يبين المعنى المراد ثم الاستنباط ثم الإشارات).

    طبعًا هذا الكلام تنظير، ولو ذهبنا نبحث في كتب التفسير كلها عن تطبيق لهذا الترتيب، فيمكن أن نقول: لا نجد هذا إلا نادرًا؛ لكي لا ننفي عدم الوجود مطلقًا، لكن كما نلاحظ هذا التنظير لا يكاد يوجد، ولذا أقول: إن التفاسير كل واحد منها على منهج وطريقة تختلف عن الآخر، وليست متناسقة على منهج واحد، هذا المنهج الذي طرحه الزركشي رحمه الله تعالى لا تكاد تجده على هذا الترتيب، صحيح أنه يوجد بعض التفاسير رتبت على حسب علوم القرآن كما سبق التنبيه على هذا، وبعضها يرتب على حسب المقاطع، وهذا هو الأغلب منها، بحيث أنه يأخذ الجمل، جملة جملة ولكن بهذا الترتيب الذي ذكره لا يكاد يوجد، وأقول: إن المفسر حينما يبدأ بالتفسير، هو أمام خلط من المعلومات تترتب عنده على حسب ما يتهيأ حال كتابته، ولهذا يبتدئ بمعلومة مرة ولا يبتدئ بهذه المعلومة مرة أخرى، على حسب الأنواع المذكورة، فقد يبتدئ ببيان اللفظ، ومرة يبتدئ ببيان السبب، وقد يبين المعنى ثم ينتقل إلى الألفاظ، فإذاً: ليس هناك طريقة متناسقة يمشي عليها المفسرون كما ذكر الزركشي .

    مطابقة التفسير المفسر

    أما قوله: (يتحرى في التفسير مطابقة المفسر) فهذا أيضًا من حيث التنظير لو تأملناه فإنه قد يكون مطلبًا، لكن عمل المفسرين، خصوصًا عمل مفسري السلف على خلافه في كثير من التفسير، والسبب في هذا هو أن بعض المعاني الخفية لا تأتي بأسلوب المطابقة، لا بد من أسلوب التضمن وأسلوب الالتزام، ولهذا عندنا تفسير باللازم، وتفسير بالنتيجة وبيان المقصد، وكذلك تفسير بجزء من المعنى، فكل هذه هي خروج عن المطابقة بين التفسير والمفسر وعدول عنها، وهذا الخروج والعدول له مقاصد تتحقق به ولا تتحقق بالمطابقة، ولهذا نقول: هذا المطلب فيما لو أراد أن ينشئ تفسيرًا فنعم، ولكن الواقع في تفاسير المتقدمين خلاف هذا الغرض الذي ينشده الزركشي .

    ذكر أسباب النزول قبل البدء بالتفسير

    أيضًا: الزركشي ذكر في أوائل البرهان؛ لأنه تكلم عن أسباب النزول في أول الكتاب أنه: (جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول)، ثم قال: (ووقع البحث في أنه أيهما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب، أو بالمناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام وهي سابقة على النزول).

    وهذا أيضًا نفس القضية تنظير، وعمل المفسرين على خلافه في الغالب، ولكن أيضًا بحث مثل هذه الدقائق مهم وجيد، بحيث أن طالب العلم عنده بصر ومعرفة بهذه الأمور، ولهذا ذكر هو: (أن التحقيق في هذا التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقف على سبب النزول)، أو لا يكون متوقفاً على سبب النزول، ثم بدأ يفصل في هذا الموضوع، فقال هنا: (إذا كان وجه المناسبة متوقفًا على سبب النزول.. قال: فهنا ينبغي فيه تقديم ذكر السبب؛ لأنه حينئذٍ من باب تقديم الوسائل على المقاصد)؛ لأنها لا تفهم المناسبة إلا بفهم السبب.

    قال: وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة، أي: المناسبة بين الآية والآية.

    ذكر فضائل السور قبل البدء بالتفسير

    وفي موضع آخر ذكر: ما جرت عليه عادة المصنفين في ذكر فضائل القرآن، وعادة يذكرونها في كل أوائل كل سورة إلا الزمخشري فإنه كان يذكرها في آخر السورة.

    فضائل السورة بما أنها من علوم السورة، فذكرها في أوائل السورة أولى، إلا أن عمل الزمخشري في جعلها في آخر السورة كان له نظرة فيها، ولما سأله مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: لماذا وضعتها في الآخر، مع أن المصنفين يضعون الفضائل في أول السورة؟ قال: لأنها صفات لها، يعني: فضل السورة صفة للسورة، والصفة تستدعي تقديم الموصوف، فكأن السورة موصوفة بهذا الفضل! فانظروا إلى مثل هذه الفلسفة الذي نظر إليها الزمخشري وجعلها مقصدًا من مقاصد التآليف عنده، فأخر الفضائل لهذه العلة.

    1.   

    تنبيهات ينبغي على المفسر مراعاتها

    استخدام عبارة: حكى الله كذا

    ثم ذكر أيضًا قضية تكثر فيها التفسير وهي عبارة: (حكى الله كذا) وبعض العلماء خصوصًا من المتكلمين يتحاشى مثل هذه العبارة؛ لأن عندهم أن لفظ الحكاية يستلزم المحاكاة لشيء، فلما أقول: حكى الله كذا، كأنه حاكى شيئًا وهذا نوع من التدقيق الذي لا داعي له؛ لأن هذه عبارة سائغة ومعروفة، ومعروف أن حكى الله كذا، معناه: قال الله كذا، فما دامت هذه العبارة سليمة فلا إشكال في هذا، ولهذا تساهل كثير من العلماء في إطلاق هذه العبارة ولم يكن في ذهنهم مثل هذا الإشكال الوارد.

    إطلاق لفظة زائد على بعض حروف القرآن

    كذلك أيضًا: نبه على ما يقع في كلامهم من إطلاق الزائد على بعض الحروف، وسبق نقاش هذا الموضوع في أحد الأنواع السابقة، في نوع الإعراب، وبينا التحقيق في قضية التعبير باللفظ الزائد، وأنه إن كان المراد بالزائد أنه زائد من جهة المعنى فهذا باطل بلا ريب، وإن قيل: إنه زائد من جهة الإعراب، وإلا فإن المعنى فيه إضافة وزيادة فهذا لا ريب أنه حق، وهو الذي يريده أغلب العلماء، إذا قالوا: مثلًا: (من) زائدة، في مثل قوله تعالى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ [فاطر:3]، فنقول: (من) زائدة، وليس مرادهم زائدة أنه يستغنى عنها، أو يصح أن يستغنى عنها في مثل هذا المقام والسياق، وإنما قصدهم أنها من حيث الإعراب زائدة، لكن لو قلنا: (هل خالق غير الله) و(هل من خالق غير الله) المعنى الكلي الذي دلت عليه هذه العبارة واحد.

    لكن إذا جئنا إلى المعنى التفصيلي، لا شك أن عبارة: (هل من خالق) أبلغ؛ لأنها أبلغ في النفي.

    فإذاً: صار (من) الآن لها دلالة، فإذا عبر العلماء وقالوا: زائد، فكأنهم أرادوا هذا المعنى، فإذا أرادوا هذا المعنى، فهذا سائغ ومستخدم عند العلماء ولا يثرب عليهم في هذا، لكن لو كان صنيعهم مثل ما ورد عن أبي عبيدة وهو ثابت عنه في كتابه مجاز القرآن من نسب الزيادة لبعض الحروف التي لا يمكن أن توصف بالزيادة، مثل: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ[البقرة:30]، فقال (إذ) زائدة، وإنما المعنى: وقال ربك، فهذا لا شك أنه باطل، يعني: القول بالزيادة في مثل هذا لا شك أنه باطل وهو الذي يشنع عليه.

    إذاً يجب أن نفرق بين هذا وبين ذاك.

    استخدام لفظ التكرار في بعض ألفاظ القرآن

    أيضًا: ذكر قضية التكرار، [وعلى المفسر أن يجتنب ادعاء التكرار ما أمكنه].

    التكرار أنواع، هو الآن يتكلم عن مسألة، يقول: [مما يدفع توهم التكرار في عطف المترادفين نحو: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ [المدثر:28]، ومثل قوله: صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:157]، أي: أن يعتقد أن مجموع المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يحدث معنى زائدًا، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى فكذلك كثرة الألفاظ].

    وهذا كلام حق لا إشكال فيه، لكن أيضًا يجب أن يكون عندنا عناية أيضًا بالاعتدال في مثل هذه الموضوعات، يعني: هل يوجد في القرآن تكرار، أو لا يوجد في القرآن تكرار؟

    بعض العلماء وحتى بعض المعاصرين يشن على هذا وأنه لا يوجد في القرآن تكرار، والسؤال: هل التكرار عيباً في الكلام؟ إذا كان التكرار عيباً في الكلام، وعي في الكلام وهو عيب متفق عليه فهنا نقول: إن التكرار لا يمكن أن يكون في كلام الله، لكن إذا كان التكرار أسلوب من أساليب العرب، وهو مستخدم وله أغراض، فما المانع من القول بالتكرار، ولهذا نحن إذا رجعنا إلى أئمة هذا الشأن، نعلم من خلال كلامهم: أن التكرار وارد عند العرب وأن له مقاصد، فما المانع من القول به! لكن ليس على الأسلوب: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ [المدثر:28]، لأن: (تبقي) كلمة، و(تذر) كلمة، وكل واحدة لها معنى، لكن التكرار الآخر الذي هو تكرار جملة من الجمل، مثل: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]، هذا لا شك أنه تكرار، فطلب معنى خاص بكل جملة مستقل عن المعنى الأول لا يمكن، وإنما طلب الحكمة من إيراد هذا التكرار هو الممكن.

    فإذاً المقصد من ذلك: أن يكون هناك اعتدال في طرح مثل هذه القضية خصوصًا: أن علماءنا السابقين، وأغلب العلماء مشوا على هذه المصطلحات، وتعاملوا معه على هذا الأسلوب، ولم يكن عندهم إشكال في مثل هذه المصطلحات، وهي: الزيادة والتكرار وغيرها، فيحسن أن نعرف مناهج هؤلاء العلماء، وكيف تعاملوا مع هذه المصطلحات، وهل تعاملهم معها سليم أو ليس بسليم؟ والنتائج التي وصلوا إليها هل هي سليمة أو لا؟ فإذا كانت وكنت ترى أنت أنه من باب التأدب مع كلام الله: ألا تلفظ بهذه المصطلحات فهذه قضية خاصة بك، يحمد لك هذا، لكن أن تنتقد مناهج العلماء التي سارت عليها قرونًا وليس فيها إشكال إلا ما تتخيله أنت في ذهنك، فتريد أن ترد على ما تتخيله أنت، وتحمل العلماء وزر هذا التخيل فهذا لا شك أنه منهجيًا غير سديد، ولذا نقول دائمًا: يجب أن يكون عندنا هذه النظرة إلى مصطلحات العلماء ومناهجهم؛ لكيلا ننتقد فيما ليس محلًا للنقد.

    النظر إلى سياق النص وإن خالف الوضع اللغوي

    أيضًا: ذكر الزركشي في البرهان وهذه في الحقيقة قواعد مهمة أنا أتمنى لو كان الوقت يسعفنا أننا نأخذ عليها أمثلة، لكن نأخذها سريعًا، يقول: [ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز].

    فالنظر إلى اللغة كمصدر، ومحاولة تفسير القرآن من جهة اللغة فقط لا شك أنه سيحدث عندنا خللاً في بعض الآيات، وبما أنه ثابت التجوز يعني: التوسع في اللغة، سواء من جهة إطلاق المفردات، أو من جهة الأساليب، فإذا كان التوسع موجودًا فإن العمل بهذا التوسع خصوصًا إذا نص عليه السلف وكان من تفسير السلف لا شك أنه أولى.

    على سبيل المثال في قوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، هل: لَعَمْرُكَ)) هو قسم بحياة لوط؟ لأن السياق يدل على أن القسم لأول وهلة هو بحياة لوط عليه الصلاة والسلام، ولكن إجماع مفسري السلف على أن القسم بحياة محمد صلى الله عليه وسلم، فلو راعينا الوضع اللغوي الأولي سنقول: إن القسم بحياة لوط ؛ لأن كل الخبر إنما هو عن لوط عليه الصلاة والسلام، فإذاً: ترك هذه المراعاة السياقية اللغوية لما ذكره السلف لا شك أنه أولى؛ لأنهم أعلم بهذا، ولا شك أن هذا من باب تشريف محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا لم يقل بأن المقسم به لوط عليه الصلاة والسلام إلا متاخرًا، ولا أدري هل سبق الزمخشري بهذا القول أو لا؟

    استخدام لفظ الترادف في القرآن

    أيضًا ذكر قضية الترادف: وأنه [على المفسر مراعاة مجاز الاستعمالات في الألفاظ التي يظن بها الترادف، والقطع بعدم الترادف ما أمكن] وهذه أيضًا قاعدة مهمة جدًا، وسبق التنبيه على مثل: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ [المدثر:28]، والقول بالترادف وعدم الترادف أيضًا مسألة علمية دقيقة تحتاج في الحقيقة إلى تأمل، وهي: أنه من ينكر الترادف من حيث أنه لا يوجد عنده مترادفات، فهل هو ينكر الترادف في الذوات أو في الأوصاف، مثال ذلك: لما أقول: الحسام والمهند والسيف، بعض العلماء يقول: هذه أسماء مترادفة تطلق على السيف، فالسيف يسمى: الحسام والمهند.. إلخ، وبعض العلماء يقول: لا، لأنه نظر إلى الأوصاف، فيقول: الحسام غير المهند، غير السيف، غير المسلول، فالذي نفى الترادف فيما يبدو والله أعلم نظر إلى الأوصاف، فإذا نظر إلى الأوصاف فإنها تختلف المعاني لأن معنى كون السيف مهندًا، غير معنى كون السيف حسامًا؛ لأن الحسام مأخوذ من مادة الحسم، يعني: يحسم، ومهندًا: إما أنه مما صنع في الهند، أو أنه مما يكون الذي صنعه حديده أحد من الهند.

    فالمقصد من ذلك: أنه نسب إلى هذه البلدة، فالمقصد من ذلك أن الوصف اختلف، فيبدو والله أعلم أن من قال بالترادف نظر إلى الذوات، وأن هذه كلها في النهاية تعود إلى ذات واحدة، وهي التي سماها بعض المناطقة وكذلك شيخ الإسلام في مقدمته، مقدمة في أصول التفسير سماها: الأسماء المتكافئة، فإذا نظر إلى الذات وأنها تعود إلى ذات واحدة قال بالترادف، وإذا نظر إلى الوصف في كل اسم من هذه الأسماء قال: بأنها متباينة؛ لأن معنى هذا غير معنى هذا، وعليه تحمل أسماء الله سبحانه وتعالى، وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أسماء القيامة، وكل ما كثرت أسماؤه عند العرب، مما يقال: إنها أسماء هو بالنظر إلى أنها أوصاف.

    وبعض الأوصاف كما هو معلوم تنتقل بالغلبة إلى أن تكون أسماءً، وهذه مسألة مرتبطة بفقه اللغة، وكيفية انتقال الاسم من الوصفية إلى العلمية، وهذه قضية ليست مجالنا، ولكن المقصد من ذلك أنه لا شك أن الأصل هو عدم الترادف، مثل ما ذكر المؤلف، ومهما أمكن البعد عن القول بالترادف فهو أولى؛ لأن كل لفظ له معنًى لا يؤديه اللفظ الآخر.

    ويمكن أن نعرف الفروق بالرجوع إلى كتاب أبي هلال العسكري ، المعتزلي في كتابه الفروق فقد ذكر في مقدمته بعض الضوابط في معرفة الفروق، ومما ذكره: قضية الضد، يعني: لما تأتي إلى (تُبقي) (أبقى) ضده ماذا؟ (يذر) ضده ماذا؟ فإذا اختلف الضد دل على اختلاف اللفظتين، فهذه أحد الفروق التي ذكرها، أو ضابط في معرفة الفروق، كذلك السياق والاستعمالات.. إلخ: أن تضع كلمة مكان كلمة ثم تنظر هل تنطبق بحيث أنها تأتي بجميع تصريفاتها أو لا؟ وعدم الإتيان بجميع التصريفات دلالة على اختلاف أيضًا اللفظين، وأن بينهما خلافاً في المعنى.

    ثم ذكر أيضًا عن أبي حيان قضية مهمة، أبو حيان رحمه الله تعالى يقول: [كثيرًا ما يشحن المفسرون تفاسيرهم عند ذكر الإعراب بعلل النحو، ودلائل مسائل أصول الفقه، ودلائل أصول الدين].

    اشتغال المفسر بعلوم غير التفسير عند تأليفه التفسير

    الآن يتكلم أبو حيان عن مسألة معينة: أن بعض علماء التفسير يتكلمون عن علل النحو، ويتكلمون عن دلائل مسائل أصول الفقه، ويتكلمون عن دلائل أصول الدين، يعني: كأنك وأنت تقرأ في كتاب التفسير تناقش مسألة نحوية بعللها، أو تناقش مسألة في أصول الفقه، أو تناقش مسألة في دلائل أصول الدين، ونضرب مثالاً من المعاصرين الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في كتابه أضواء البيان، فهو رحمه الله تعالى حينما يأتي عند مسألة من مسائل أصول الفقه كأنك تقرأ في كتاب من كتب أصول الفقه.

    فـ أبو حيان ينبه على هذه المسألة عند بعض المؤلفين فيقول: [وكل ذلك مقرر في تواليف هذه العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مسلمًا في علم التفسير دون استدلال عليه].

    وهذه قاعدة علمية مهمة جدًا، بمعنى: أنني حينما أؤلف في علم معين، وعرضت لي مسألة من علم آخر لا آتي في كتابي هذا في هذا العلم المعين وأحرر هذه المسألة في كتابي.

    افترض أنك تكتب مثلًا في تفسير سورة (الصمد) وجاءك حديث قال فيه الترمذي : (حديث حسن صحيح)، ثم أنت تقول: قلت: ومراد الترمذي بقوله: حسن صحيح، ثم تشرح في صفحة أو صفحتين أو ثلاث صفحات، فهذا ليس محل هذه الفائدة. فـ أبو حيان كأنه يعترض على هذا الأسلوب، الاستطرادات التي تخرج خروجًا تامًا عن أن تكون مرتبطة بالآية من جهة من الوجوه، فيقول: يؤخذ ذلك مسلمًا في التفسير دون استدلال عليه.

    فلما نأتي إلى علماء أصول الفقه، ما هو تعريف الأمر عندكم، ما هو تعريف النهي عندكم؟ ما هو تعريف كذا عندكم؟ فنأخذه مسلمًا، فأنا لما أذكره اعتمادًا على من كتب في أصول الفقه، انتهى الأمر عندي هنا، وكون هذا التعريف عليه كلام أو فيه كذا، هذه قضية أخرى ليس هذا مجالها.

    ذكر ما لا يصح من أسباب نزول وآحاديث فضائل وروايات إسرائيلية

    ثم قال بعد ذلك: [وكذلك أيضًا ذكروا ما لا يصح من أسباب نزول وأحاديث في الفضائل، وحكايات لا تناسب وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير].

    لا شك أن ما ذكره كلام عام، ونحن من حيث الإجمال نقول: نعم، لكن من حيث التفصيل: نقول: قد يكون ذكر بعض هذه الأمور له علاقة بالآية ولو من جهة، لكن من حيث الإجمال نحن نوافق أبا حيان رحمه الله تعالى على ما قال، لكن في قضية مهمة نبه أبو حيان : بقوله: لا ينبغي ذكرها في علم التفسير.

    هنا نقول: أبو حيان عنده إطار لعلم التفسير. يعني: أين يبدأ وأين ينتهي، فإذاً هذه قضية مهمة ننتبه لها، أن علماءنا المتقدمين: الذين ليسوا من جيل القرون الثلاثة ومن بعدهم، يعني: بعيد القرون الثلاثة، بدأوا ينبهون على مصطلح التفسير، ما هو التفسير، واختلفت عباراتهم كثيراً، واختلفوا فيما يدخل وما لا يدخل في علم التفسير، وهذه مسألة اجتهادية.

    والذي ظهر لي من خلال عملهم، أن بعضهم ينظر إلى البيان الخاص، وبعضهم ينظر إلى البيان العام.

    البيان الخاص هو: بيان المعاني، بمعنى: أنني أريد أن أفهم ما هو معنى هذه الجملة من القرآن، ما معنى قول الله سبحانه وتعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [قريش:1-2]، إذا انتهى المعنى انتهى البيان الخاص.

    ثم ينتقل بعضهم إلى البيان العام الذي دخل فيه أبو حيان وغيره، ولهذا تعريف أبي حيان رحمه الله تعالى للتفسير، هو تعريف للبيان العام، وليس تعريفًا للبيان الخاص، فمن اعتمد البيان الخاص في مفهوم التفسير فإنه يخرج كثيرًا مما يدخله العلماء في البيان العام، ومن اعتمد البيان العام فإنه يدخل عنده بلا ريب البيان الخاص.

    فإذاً: إذا كنا نريد بيان معاني القرآن، فهذا بيان خاص، وهو المراد بعلم التفسير أصالة، فإذا أدخلنا كل ما يتعلق بالآية بوجه من الوجوه فهذا دخل في البيان العام، وصار بيانًا للقرآن بيانًا عامًا، فيدخل فيه الإعراب والقراءات بتوجيهاتها، غير التوجيهات المرتبطة بالمعنى، والبلاغة بأنواعها، وكثير من العلوم التي لها علاقة بالقرآن، وكثير من الاستنباطات التي يذكرها العلماء وهي خارج إطار البيان.

    هذا الذي تحرر عندي من جهة تعامل العلماء رحمهم الله تعالى لما أرادوا أن يبينوا معنى التفسير ما هو؟ لكن الذي يهمنا جدًا: أن نقول: إن علماءنا رحمهم الله تعالى، كان عندهم حدود وأطر للتفسير، وكل واحد منهم نظر إلى التفسير من الزاوية التي يراها هو، اتفقوا في بعض الأشياء، واختلفوا في أشياء، وبعضهم قد يدخل شيئًا يراه من علم التفسير، وآخر ينتقد عليه ويراه ليس من علم التفسير بناءً على نظرته لما هو التفسير.

    وأما قوله: [ما لا يصح من أسباب نزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايات لا تناسب، وتواريخ إسرائيلية] أنا أقول: هذه ليست على إطلاقها، يعني: عمل السلف بالذات في بعض هذه الأمور كان مخالفًا للذي يذكره هو، أنا لا أريد أن أطيل في هذا؛ لأن المسألة تطول، وأنا بينت هذه في أكثر من موطن، لكن مثلًا: قضية الأسباب الضعيفة إذا كان الاعتماد على سبب واحد ضعيف، فنعم، لكن هذه فيها تفصيل، إذا ورد عندي أكثر من سبب ضعيف، أو أكثر من سبب فيه إرسال، والإرسال نوع من أنواع الضعف، هل أثبت أصل السبب أو ما أثبته؟ لا أريد أن أدخل في هذه التفاصيل والتفريعات، لكن من حيث الجملة ما ذكره صحيح، لكن من حيث التفصيل ستجد أننا نعالج الأمثلة كل على حسبه.

    الفرق بين قراءة يخدعون ويخادعون

    السؤال: [ ما هوالفرق في المعنى بين يخدعون ويخادعون ]؟

    الجواب: إي، (يخادعون، ويخدعون) أحيانًا قد تكون بمعنًى واحد، وأحيانًا قد تكون بأكثر من معنى، من جهة هذه الزيادة، زيادة في اللفظ، مثل المشهور في ذلك: تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ[الكهف:82]، و تَسْتَطِعْ [الكهف:78]، هل بينهما فرق؟ طبعًا: العلماء لهم في هذا أقوال: بعضهم يقول: بمعنى واحد، وإنما هو مجرد تفنن في الخطاب، وهنا تأتي مسألة أيضًا: هل التفنن في الخطاب مقصد من مقاصد البليغ، أو ليس مقصدًا من مقاصد البليغ، فإذا قلت: إن التفنن في الخطاب مقصد من مقاصد البليغ، مثل: قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [الأعراف:129]، ليس فيه إشكال، وإذا قلنا: لا، إننا لا نرى هذا، فيلزم البحث في الفروق، نعم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047194337

    عدد مرات الحفظ

    738393740