إسلام ويب

بلوغ المرام - كتاب الطهارة [19]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند قضاء الحاجة التنزه من البول؛ لأن عامة عذاب القبر منه، ويعفى عن قليل البول كالرذاذ. ومن الآداب: أن يعتمد عند قضاء الحاجة على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، ومنها: الجمع بين الاستنجاء والاستجمار.

    1.   

    شرح الأحاديث الواردة في التنزه من البول وأن عامة عذاب القبر منه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    وبعد:

    فهذه الأحاديث مليئة بعلل الأحاديث، وطريقة تداولها وتناولها عند الأئمة، والمسائل الفقهية فيها قليلة جداً، ولا ضير في ذلك فإن القصد من شرح بلوغ المرام أمران: دراية حديثية، ودراية فقهية أصولية.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه بلوغ المرام: [ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استنزهوا من البول, فإن عامة عذاب القبر منه ) رواه الدارقطني.

    وللحاكم : ( أكثر عذاب القبر من البول ) وهو صحيح الإسناد ].

    تخريج حديث: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) ودرجته

    هذا الحديث بهذا الإسناد تكلم العلماء فيه، وذلك لأن الحديث يرويه الدارقطني من حديث محمد بن الصباح أو الصباح السمان ، قال: أنبأنا أزهر بن سعد السمان عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الحديث يقول فيه الدارقطني بعدما ذكره: الصواب أنه مرسل؛ وذلك لأن محمد بن الصباح السمان لا يعرف حاله، وكذلك لا يعرف سماع له عن أزهر ، ولهذا قال الدارقطني : مرسل. والقاعدة في المرسل: هو الانقطاع، سواء كان الانقطاع بين التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو كان بين الراوي وشيخه، فإنهم يسمونه مرسلاً، كما هي طريقة الأئمة، كما كان أحمد و أبو حاتم وغيرهم يقولون ذلك.

    وهذه فائدة لطالب العلم: أنه لا ينبغي له أن يحاكم الناس بمصطلح لم يتعودوا عليه، أو أن يحاكم الناس بمصطلح مفهوم عندهم، مثل: كلمة مرسل، فإن الإرسال عند المتقدمين يختلف عن الإرسال عند المتأخرين، وبالتالي فلا يسوغ للمتأخرين أن يحاكموا المتقدمين بمصطلحهم هم، وقل مثل ذلك في بعض المصطلحات العصرية في زماننا التي لها مدلول ومفهوم، فلا يسوغ لنا أن نأتي نحن بمصطلح ونقول: لا بأس به، وهذا المصطلح له مدلول ومفهوم عند غيرهم، كالديمقراطية: فالديمقراطية مصطلح معروف مفهوم عند الغرب، وهو أن الشعب هو الذي يقرر بموجب الاقتراحات والانتخابات وغير ذلك، والبرلمانات هي التي تقرر التجويز أو عدمه، وليست الديمقراطية هي الاقتراع والانتخابات، فإن هذا من آلياته، ولكن الديمقراطية أساسها أنه لا سلطان على الشعب في اتخاذ أحكامه.

    وأما في الإسلام: فإن الديمقراطية تخالف الإسلام في مقصدها لا في آلياتها، فإن مقصد الديمقراطية: أن الشعب لو أراد شيئاً له أن يتخذه، وهذا لا يسوغ عندنا شرعاً، أما آليات الديمقراطية فإن الشارع لا يمنع من ذلك، مثل الانتخابات والاقتراعات وغير ذلك فهذا سائغ، وهذا سائغ، كما كان عبد الرحمن بن عوف حينما أراد أن يولي عثمان بن عفان أو علي بن أبي طالب فذهب إلى الناس جميعاً فرأى أن أكثرهم يختار عثمان ، وإن كان بعضهم يخالف في طريقة الاستدلال في هذا، لكن فرق بين آليات الشيء وبين مقصده، وبالتالي لا يسوغ أن تقول: الديمقراطية الإسلامية، كما كنا في السابق عندما انتشرت الاشتراكية حاول بعضهم أن يوجد لها أصلاً في الشرع، فقال: اشتراكية أبي ذر ، وهذا كله خطأ، وعلى هذا فالمصطلحات تفهم على طريقة أصحابها، وأما أن تقرر أنت مصطلحاً تتخذه لنفسك فهذا لا بأس، لكن لا تحاكم الناس على هذا المصطلح الذي تخترعه أنت.

    وعلى هذا فإن أهل العلم رحمهم الله ذكروا أن الحديث ضعيف؛ وذلك لأن محمد بن الصباح مع جهالته وعدم معرفة حاله فإنه لم يرو عن أزهر إلا هو، وعلى هذا ضعف أهل العلم خبره، وحكموا بأن الخبر منكر.

    تخريج حديث: (أكثر عذاب القبر من البول) ودرجته

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وللحاكم : ( أكثر عذاب القبر من البول ) وهو صحيح الإسناد).

    الحافظ رحمه الله كان دقيقاً بقوله: (صحيح الإسناد)؛ لأنه لم يتحدث عن علة الحديث؛ لأن الحديث ربما يكون إسناده صحيحاً وفيه علة.

    والحديث أخرجه الإمام أحمد و ابن ماجه و الحاكم من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الإسناد في الظاهر إسناده صحيح ولا إشكال، وعلى هذا حكم بعض أهل العلم على صحته، كما نقل الترمذي في العلل الكبير على البخاري أنه قال: صحيح، وكذلك صححه الدارقطني وخلق كثير، كما صححه البوصيري و الجوزقاني في الأباطيل قال: حديث حسن مشهور.

    وبعضهم تكلم فيه من حيث الاختلاف على أبي عوانة ، وذلك لأن أحد الرواة الثقات وهو محمد بن فضيل رواه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة من قوله، والقاعدة في هذا: أنه إذا اختلف الراويان هذا يقول: مرفوع، وهذا يقول: موقوف، فقد يقدم المرفوع وقد يقدم الموقوف، وقد اختلفت الطرق في ذلك فطريقة المتأخرين أنهم يقدمون المرفوع أنه إذا تعارض مرفوع وموصول أو مرفوع وموقوف أو موصول ومرسل؛ لأن الراوي الذي رفعه أو الراوي الذي وصله عنده زيادة علم، والزيادة من الثقة مقبولة، هذا طريقة المتأخرين، وعلى هذا سار الحافظ ابن حجر في شرح النخبة بهذه الطريقة.

    وبعضهم يأخذ طريقة أخرى فيقول: إذا تعارض المرفوع والموقوف فالمقدم الموقوف؛ لأنه ليس على الجادة، فأحياناً أنا أذكر لكم وأقول: حدثنا شيخنا عبد العزيز بن باز حدثنا محمد بن إبراهيم ، وأحياناً أحدث بطريق لإسناد غير هذا فأخطئ، والحديث لم يروه لي الشيخ عبد العزيز ، فيقول: أخطأ عبد الله ؛ لأنه روى الحديث على الجادة، والإنسان إذا ذكر الإسناد يرويه على الجادة، فيقولون: المرفوع على الجادة.

    والصحيح في هذا هي طريقة المحققين من أهل الحديث: أننا لا نحكم على هذا بالرفع بالصواب، أو على هذا بالوقف على الصواب، ولكننا ننظر إلى من رفعه أو من أوقفه، فإن كان أحدهما أوثق عن الشيخ نفسه قبلنا خبره، فأوثق الناس في الأعمش هو: أبو معاوية الضرير الذي يسمى محمد بن خازم ، أبو معاوية الضرير إذا روى عن الأعمش يقبل خبره ما لو رواه عن غير الأعمش ، فلو اختلف الحديث مع أبي عوانة فننظر من هو شيخ أبي عوانة ، إن كان الأعمش قبلنا خبر أبي عوانة ؛ لأنه روايته عن الأعمش أوثق من رواية غيره، وإن كان غيره ربما يكون أوثق من أبي عوانة في نفسه، فهذه يسمونها قرائن، وهذه القرائن تختلف في أنظار أهل الحديث، فطريقة الأئمة أنهم ينظرون: فبعضهم يتقوى عنده هذه القرائن وبعضهم يتقوى عنده هذه القرائن، وإن كانوا جميعاً على الطريقة التي هو طريقة أهل الحديث، فـالبخاري رحمه الله حينما سأله الترمذي عن حديث أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة : ( أكثر عذاب القبر من البول ) قال: صحيح.

    والبخاري حينما قال: صحيح هو يستحضر أن أبا عوانة خالفه محمد بن فضيل ، ولكنه رأى أن أبا عوانة روايته عن الأعمش في هذا صحيحة فقبلها؛ لقوة القرائن، في حين أن أبا حاتم رحمه الله حينما ذكر هذا الحديث في العلل قال: هذا حديث باطل، انظر كلمة (باطل)، فلماذا حكم بالبطلان؟ يقول: لأن الحديث بالرفع لا يصح، والصواب هو رواية محمد بن فضيل عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، إذاً لماذا اختلفوا؟

    الجواب: لأجل أن هذا رأى من القرائن قوة أبي عوانة فقبله، وهذا رأى قوة محمد بن فضيل فقبله.

    والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا -سواء قلنا بالمرفوع أو بالموقوف- لا يخالف طريقة أهل الحديث؛ لأنها مبنية على القرائن، ومما يقوي أن الحديث مرفوع صحيح: أنه جاء ما يعضده من الشواهد: منها حديث ابن عباس في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين، فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير، أما أحدهما: فكان لا يستنزه ) هذه رواية مسلم ، ورواية الصحيحين: ( لا يستتر من بوله ). وكذلك حديث ابن عباس كما سوف نأتي إليه، فهذا يدل على أن المرفوع له أصل، ومن قال: إن الأصل أننا لا نحكم بالرفع إلا بيقين، قال: إنه موقوف، وهي طريقة أبي حاتم وغيره.

    على كل حال الذي يظهر والله أعلم أن أفضل الطرق هي طريقة البخاري ؛ لأن الأصل أنه ما دامت القرائن تقوي الرفع، وليس هناك ما يثبت، وأن أبا عوانة ثقة حجة، وهو أوثق من محمد بن فضيل فنقبل خبره، والله تبارك وتعالى أعلم.

    والحديث له شواهد: منها حديث ابن عباس ، وهو الذي أشار إليه الحاكم حينما قال في حديث: ( أكثر عذاب القبر منه ) قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولا أعلم له علة، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات ، وحديث أبي يحيى القتات هو حديث ابن عباس ، فإن أبا يحيى القتات رواه عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه )، وهذا الحديث في سنده أبو يحيى القتات صحح حديثه الحاكم ، وقال الحافظ ابن حجر : إسناده حسن، وليس فيه غير أبي يحيى القتات وفيه لين.

    وهذه فائدة: فليس كل حديث فيه رجل ضعيف لا تقبله، ولهذا يخطئ بعض الإخوة فيمسك تقريب التهذيب، ويمسك الإسناد فإذا قال: ضعيف. تركه، والصحيح أننا لا نحكم على الحديث بالضعف ولو كان في إسناده رجل ضعيف؛ فربما يكون ضعفه منجبراً، ولهذا تجد أن الأئمة ينتقون من أحاديث الضعيف ما علم أنه أصاب فيه، ويتركون من أحاديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، يقول المزي رحمه الله: وطريقة أبي عبد الله البخاري و مسلم بن الحجاج هي طريقة أهل الحديث، فليست هي طريقة أبي محمد بن حزم الذي يترك حديث الثقة إذا علم أنه أخطأ، أو طريقة الحاكم أنه يقبل من حديث الضعيف إذا علم أنه أصاب، وأما طريقة أهل الحديث فإنهم ينتقون، والله أعلم.

    وعلى هذا حسن الحافظ هذا الحديث، وبعضهم وكذلك الدارقطني قال: عن أبي يحيى لا بأس به، وبعضهم يتكلم في هذا الحديث ويقول: إن أبا يحيى القتات تفرد به عن مجاهد ، وأصحاب مجاهد كثر، فيبعد أن يأتي أبا يحيى الذي فيه لين فلا يقبله، وهذا لا بأس بقبول حديثه، وهو محل اجتهاد. لكني أردت من هذا أن بعض الشباب وبعض المشايخ العصريين في بحوثهم بمجرد أن الحديث فيه كلام يضعونه مباشرة، وهذه ليست طريقة أهل الحديث، فطريقة أهل الحديث أنهم ينتقون، وينظرون هل يعضده من شواهد، وهل الحديث أتى بما ينكر؟ هل.. وهل.. وهل ..؟ فهناك أشياء، أما أننا إذا جاء الحديث قلنا: قد تكلم أهل العلم في أبي يحيى القتات بأنه منكر الحديث، وكل حديث فيه اختلاف نقبل من ضعفه، فليست هذه الطريقة الصحيحة، ولهذا فإن الصحيح هي طريقة أهل الحديث مثل الإمام أحمد و البخاري .

    يقولون: إن الحديث فيه كلام، لكن وجود الكلام في الحديث لا يعني بالضرورة أنه ضعيف، ولهذا الإمام الذهبي في رواية الليث بن سعد عن محمد بن مسلم بن تدرس المكي الذي يسمونه: أبو الزبير المكي ، يقول: ولـأبي الزبير أحاديث ليست هي عن طريق الليث بن سعد ففي القلب منها شيء، يعني: في القلب منها شيء ومع ذلك نصححها، ولهذا روى مسلم في صحيحه أحاديث كثر عن أبي الزبير المكي عن جابر من غير رواية الليث ، فكونه يقول: في القلب منها شيء ليس معناه أنها ضعيفة، ولهذا في القلب من أحاديث الحسن ما ليست من أحاديث الصحيح، ومع ذلك نقبل الأحاديث، ولهذا ينبغي أن يتوسط طالب العلم.

    وربما تجد بعض الفضلاء هداهم الله حينما جاءت أحاديث الأذكار كأذكار الصباح والمساء، بدأوا يتركون أي حديث فيه كلام أو فيه لين فلم يصف من أحاديث الأذكار إلا أربعة، ولهذا بعضهم يقول: افرض أنا نجلس بعد المغرب كل يوم على أحاديث ضعيفة، فهم لم يفهموا ما المقصود بالأذكار، وما الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأذكار مقصود شرعي أن يجلس الإنسان قبل غروب الشمس وقبل طلوع الشمس، ولهذا فمن أفضل أوقات الذكر، قال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:39]، وللإنسان أن يدعو بما شاء، وأن يقرأ ما شاء، وأن يسبح ما شاء، إن شاء مائة، وإن شاء ألفاً، وإن شاء مائتين، ولسنا بحاجة إلى أن نذكر هل قالها الرسول صلى الله عليه وسلم أم لا؟ لأن الله أمرنا بذلك على اللفظ المطلق فقال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [ق:39].

    والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقيد هذا المأمور، ويقيد إذا كان الرسول قد قال، أما إذا فعل فإن فعله يدل على استحباب الفعل ولا يدل على التخصيص المطلق من نص القرآن والسنة، وهذا فقه قل أن يتأمله ويتنبه إليه بعض الناس حيث أنهم بمجرد أن يكون مطلقاً ومقيداً يقول: إن المقيد يحكم على المطلق، فليس ذلك على إطلاق، ويحكم على المطلق إذا كان من فعله، فيكون هذا على سبيل الاستحباب، والله تبارك وتعالى أعلم.

    إذاً الحديث له شواهد منها: حديث أنس وغيره، لكن أصح شيء في الباب هذان الحديثان، وأحسن منها حديث ابن عباس رضي الله عنه كما في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) وفي رواية مسلم : ( لا يستنزه من البول، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنين )، أو في رواية: ( فكسرها باثنين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا ).

    المقصود بالاستتار من البول

    هذه الأحاديث تفيد فائدة: وهو وجوب التنزه من البول. وأما رواية: الاستتار من البول فقد ذكر بعض أهل العلم على أن حديث ابن عباس في عذاب القبر يحتمل أمرين:

    الأمر الأول: أن رواية: ( لا يستتر من البول ) أن سبب العذاب هو أنه كان لا يتوقى من التبول عند الناس وكشف العورة، فيكون الحرمة لأجل التكشف، وهذا بلا شك ضعيف، وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يستتر من البول ) إنما معناها ما جاء في الرواية الأخرى: ( كان لا يستنزه من بوله ) وعلى هذا فالاستتار: هو وضع حاجب وحاجز بين بوله وبين جسده وهذا هو المقصود، وكأن هذا نوع من التوقي والحذر ليس مثل قوله: ( لا يستنزه ) فإن التنزه نوع من الاستقذار، وأما إذا قلنا: (لا يستتر) وهي رواية البخاري و مسلم فإن معناها أن الإنسان ينبغي أن يتوقى، وهذا التوقي هو توقي بالإبعاد وليس بالتكلف، فإن بني إسرائيل وهم اليهود كانوا يتوقون من البول أشد الناس، حتى إن أحدهم إذا أصابه البول في جسده يقرضه بالمقاريض، وأما النصارى فإنهم لا يستنزهون من البول، ولهذا تجد حتى -أعزكم الله- في دورات المياه التي يتبول الناس فيها قائماً لا تكاد تجد يهودياً يصنع هذا، أما النصارى فإنهم لا يبالون؛ لأن اليهود يتوقون أشد التوقي، ولهذا فإن اليهود وقايتهم من حيث الطعام ومن حيث النجاسة أشد من النصارى، وقد تحملوا الأغلال والآصار، وأما أهل الإسلام فإنهم وسط بين اليهودية والنصرانية.

    بعض ما يعين على التنزه من البول

    ومن المسائل في هذا الباب: أنه يجب على الإنسان أن يتنزه من بوله، وذلك في أمور:

    الأول: ينبغي للإنسان ألا يتعجل حال قضاء الحاجة بالقيام؛ لأن قيامه مدعاة إلى أن يقع شيء من بوله في ثيابه، فيضطر إلى الوسوسة، وهذا واقع.

    الثاني: أنه لربما خرج من بوله شيء حينما لم يتأن في قضاء بوله، ومن المعلوم أن الشيطان حريص في مثل هذه المواطن، وذلك لأن الإنسان أحياناً يحس ببرد وبرودة في أصل ذكره أو في رأس ذكره، فتجده يتحسس هذه البرودة على أنها رطوبة، فبالتالي يعالج ذكره وهو في الصلاة حتى يعصره فيخرج شيء، فإذا خرج من الصلاة وجد بللاً، فهذا الخروج لم يتأت من أصل البرودة، ولكنه من أجل النتر وغير ذلك، وعامة الوسواس منه كما جاء في بعض الروايات، وعلى هذا لا ينبغي للإنسان أن يصنع هذا، ولا ينبغي له أن يخرج؛ لأن برودة رأس الذكر واضحة وموجودة، وقد ذكرها أبو العباس بن تيمية وهي معروفة، وبالتالي فإن الإنسان لا ينبغي له أن يصنع هذا.

    سلس البول

    مسألة أخرى وهي مسألة: سلس البول، وسلس البول معروف حكمه، وهو أنه كما قلنا: الراجح أن يتوضأ لكل صلاة، وهو مذهب أبي حنيفة و الشافعي و أحمد خلافاً لـمالك فإن مالكاً يستحب ذلك، لكن السؤال الذي لم أجد له كلاماً عند الفقهاء ولكنها إشارات، أحياناً بعض الناس ليس به سلس بول دائم، ولكن به سلس بول مؤقت، وهو أنه إذا تبول فإنه بعد عشر دقائق أو ربع ساعة أو أقل أو أكثر يخرج منه قطرات، فهذا الراجح والله أعلم أنه يتوضأ لكل صلاة ما دام على هذه الحال، ثم ينقطع، وعلى هذا فلو تبول الظهر، قلنا: لو توضأ الظهر والعصر، فإن لم يتبول العصر قلنا: وضوءك صحيح ولا حاجة لأن تتوضأ، فيكون وضوءه مؤقتاً على حسب حالته، وبالتالي نقطع دابر الوسوسة.

    التنزه من النجاسات الصغيرة

    من المسائل أيضاً: أن جماهير أهل العلم وهو مذهب الحنابلة والشافعية ورواية عن مالك : وجوب التنزه من النجاسة صغرت أم كبرت، لعموم أحاديث التنزه من البول، والقول الثاني في المسألة: ذهب أبو حنيفة وهو قول المزني من أصحاب الشافعي وروي عن مالك : أن يسير النجاسة إذا كانت أقل من قدر الدرهم البغلي، والدرهم البغلي هو نوع من أنواع الدراهم الصغيرة، إذا كانت أقل يعفى عنها، فيعفى عن يسير النجاسة، واستدلوا على ذلك بأن قالوا: إنه من المعلوم أن المستنجي أو المستجمر بالحجارة يكفيه ذلك، بإجماع أهل العلم.

    ومن المعلوم أن الاستجمار بالحجارة مع وجود الماء يبقى أثر للاستجمار، وهذا الأثر لا ينقطع إلا بالماء ولا يجب الماء، فدل ذلك على أن يسير النجاسة الذي يشق التحرز منه معفو عنه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث حذيفة : ( أنه أتى سباطة قوم، فبال قائماً ).

    ومن المعلوم أن من بال قائماً في الغالب لا يسلم من رذاذ البول، ولا شك، فالجواب على هذا: أن المسلم مأمور بالتوقي والحذر من البول، إلا أن ما يصعب التحرز منه فإن هذا مما عمت به البلوى، فإن النجاسة بالسبيلين إن بقيت وجب إزالتها بالحجارة حتى يغلب على ظنه أنه أزالها، وليس معناه أنه يزيلها بالحجارة من غير توقي، بل يتوقى بالحجارة مثلما يتوقى بالماء، وما بقي بعد ذلك فإن هذا مبني على المظنة، ونحن حينما نترك هذا، فإنما تركناه لمظنة الطهارة، والقاعدة أنه إذا صعب اليقين أقيمت المظنة مقام اليقين، فنحن حينما لا نعلم شيئاً في السبيلين بسبب الحجارة فلأجل أننا أقمنا اليقين مقام الظن، وأقمنا المظنة مقام اليقين، وليس معناه أننا تساهلنا في إزالة النجاسة، هذه نقطة.

    النقطة الثانية: أنه وإن وجب على المسلم أن يتوقى من البول فإنه من المعلوم أن ما كان على رأس الإبرة فإن هذا مما لا بأس به ولا إشكال فيه، وهذا مما عمت به البلوى، من المعلوم أن من تبول لا ينبغي له أن يحتاط أشد الاحتياط، فقد تجد بعض الموسوسين والعياذ بالله إذا أراد أن يتبول يسأل: ما حكم الماء الذي يكون في المرحاض -أعزكم الله وأجلكم الله- هل يجب علي أن أغسل؟ فتجده إذا أراد أن يغسل ما بعد السبيلين غسل من سرته إلى أرجله، وهذا والعياذ بالله مرض، والله سبحانه وتعالى بين أن هذا ليس من دين أهل الإسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليرفع الآصار والأغلال.

    وكنت أقول للموسوس: هب أننا كلنا مثلك، فإذا دخل المؤذن الحمام يجس ساعة من يؤذن؟ وإذا أذن واحد من يصلي بنا؟ فهذا يدل على أن هذا ليس من دين الإسلام أصلاً، ولهذا يجب على المسلم أن يكون عنده يقين أن هذا المأمور إنما هو من الشيطان، وإذا علم أنه من الشيطان لا يسوغ له أن يقول: إن تركت سوف تكفر وتصلي، فإن الإنسان إذا بنى على اجتهاد فإنه يعذر بالإجماع، ولكن هذه هي حرب الشيطان الذي قال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17].

    كيفية التعامل مع ما لا يعلم بنجاسته

    النقطة الثالثة: ما لا يعلم بنجاسته، فإن الأصل فيها الجواز، مثل: من المعلوم أن الصحابة كانوا أصحاب فلاحة، ولربما استنجى أحدهم أو عالج النجاسة بيده، واستخدم التراب فيعلق التراب تحت أظفاره، وهذا الذي يعلق تحت الأظفار معفو عنه لأمرين:

    الأول: النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بإزالة ما تحت الأظفار.

    الثاني: أنه لا يسلم غالباً من وجود نجاسة فيه ولكن مع ذلك لم يتيقن فالأصل فيها الطهارة، وقد أشار أبو العباس بن تيمية أن مثل هذا مما يعفى ولا يلزم إزالته، وهذا من التكلف الذي نهينا عنه.

    1.   

    شرح حديث: (علمنا رسول الله في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى)

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [ وعن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء: أن نقعد على اليسرى, وننصب اليمنى ) رواه البيهقي بسند ضعيف ].

    تخريج حديث: (علمنا رسول الله في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى) ودرجته

    هذا حديث سراقة بن مالك بن جعشم قال: (رواه البيهقي بسند ضعيف)، الحديث أخرجه البيهقي و الطبراني من حديث محمد بن عبد الرحمن عن رجل من بني مدلج عن أبيه أنه قال: ( قدم علينا سراقة بن جعشم وهو ابن مالك بن جعشم فقال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء: أن نقعد ) وأما رواية البيهقي : ( أن نعتمد على اليسرى, وننصب اليمنى ).

    وهذا الحديث في سنده مجهولان: وهو الرجل الذي من بني مدلج وأبوه فإنهما لا يعرفان، ومن المعلوم أن الحديث إذا كان ضعيفاً فإنه لا يعتمد عليه لإثبات السنة، وقد أشار ابن تيمية رحمه الله أنه حاشا الأئمة أن يثبتوا سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ضعيف، ومن المعلوم أن إثبات الأحكام الشرعية بما لا تقوم به حجة لا يصح.

    ثم إن ضعف الحديث ليس معناه ضعف المدلول، كما هو حال بعض الفضلاء إذا رأى أن الحديث ضعيف يقول: ليس في الباب شيء فيضعف المدلول، وهذا ليس بجيد، فإن الإمام أحمد رحمه الله يرى أن حديث: ( توضئي لكل صلاة ) وهو من حدثه دائم، أنه من قول عروة ولا يصح مرفوعاً، ومع ذلك فإنه يوجب الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب الشافعي و أبي حنيفة خلافاً لـمالك ، ليس لأن الحديث صحيح عنده، وهو ( توضئي لكل صلاة ) في المستحاضة، ولكن لأجل أن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] فهذا دليل على أن من دخل وقته فإنه يتوضأ، خرج من ذلك حديث بريدة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، وقال: عمداً صنعته يا عمر ! )، فيبقى من به حدث أن يتوضأ لكل دخول وقت صلاة.

    إذاً ضعف الدليل المعين لا يستلزم منه ضعف المدلول، وهذه قاعدة مهمة.

    أما ابن حزم رحمه الله فإنه إذا رأى أن الحديث ضعيف فإنه يضعف الحديث ويضعف المدلول، ولا ينظر للقرائن وقرائن الأحوال، وأما طريقة الأئمة فإنهم ينظرون لطرائق الأدلة وقرائن الأحوال، وذلك -وهذا مهمة جداً- لأن النظر في ظاهر الدليل المعين شيء، والنظر في ظاهر الأدلة ومجموع الأدلة شيء آخر، قال الله في الحديث القدسي: ( عبدي استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي استطعمتك، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي )، هنا حينما قال الله: ( استطعمتك فلم تطعمني ) إنما نظر السائل أو المجيب إلى اللفظ المعين، فأراد الله أن يبين له أمراً آخر، فأجيب بإجابة أخرى، وهذه طريقة مهمة: أن ضعف الدليل المعين لا يستلزم منه ضعف المدلول، مثال: في الحج قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء )، ومن المعلوم أن كل أحاديث: ( إذا رميتم وحلقتم ) مرفوعة ضعيفة، وحديث ابن عباس في سنده الحسن العرني فلم يسمع من ابن عباس ، وحديث عائشة رضي الله عنها في سنده حبيب بن أبي ثابت ولم يسمع من عطاء ، وفي سنده الحجاج بن أرطاة وغير ذلك.

    فبعض الباحثين حينما يضعف هذا الحديث يقول: يستحب للإنسان أن يتحلل إذا رمى جمرة العقبة وهذا ليس بصحيح، فإنه إن رمى جمرة العقبة فإن المشروع في حقه أن يتحلل بالحلق، فإن تحلل بغير الحلق فقد أساء ولكن ليس عليه شيء، يعني خالف السنة، وذلك لأن الحلق نسك ومحظور من محظورات الإحرام قبل رمي جمرة العقبة، ونسك بعد رمي جمرة العقبة، فنفي الدليل المعين لا يستلزم منه نفي المدلول.

    نصب القدم اليسرى عند قضاء الحاجة

    إذا ثبت هذا فإن بعض الفقهاء كالحنابلة والشافعية يستحبون أن يقعد الإنسان عند قضاء الحاجة بأن يعتمد على اليسرى وينصب اليمنى، وقد ذكر صاحب الكشاف طريقة نصب اليمنى بأن يضع أصابعها على الأرض ويرفع قدمها، وهذا من الصعوبة بمكان، وعلى هذا فإذا لم يكن فيه سنة فإنه ليس من السنة الجلوس على هذا، لكن لو ثبت طبياً أنها تنفع هل يستحب؟ الجواب: لا، فالاستحباب لا يؤخذ من الطب، ولو ثبت طبياً نقول: هذا من حيث المصلحة يجوز، لكننا لا نقول: إنه سنة ومن المعلوم طبياً أن المرحاض الإفرنجي أنفع للإنسان من العربي، وهل نقول: الإفرنجي سنة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا طبياً من باب المصلحة، وعلى هذا فإذا ثبت طبياً هذه الصفة وهي أن نعتمد على اليسرى وننصب اليمنى فإننا نقول: هذا حسن لذات الإنسان لا لأنها سنة.

    ولهذا وجدت بعض الفضلاء حينما جاء إلى هذا الحديث قال: فإن ثبت طبياً استحب لنا فعله، والصحيح أنه لا يستحب، فالاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل شرعي، والله تبارك وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات)

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: [ وعن عيسى بن يزداد , عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات ) رواه ابن ماجه بسند ضعيف ].

    كل هذه الأحاديث ذكرها الحافظ ابن حجر من باب استكمال آداب قضاء الحاجة فلينتر ذكره؛ ليشرع بعد ذلك في الباب الذي بعده.

    تخريج حديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات)

    والحديث أخرجه ابن ماجه وأخرجه أحمد و البيهقي من طريق زمعة بن صالح عن عيسى بن يزداد عن أبيه: يزداد الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث ضعيف وفيه علل:

    العلة الأولى: زمعة بن صالح فإن جمهور أهل العلم على ضعفه، كما ذكر ذلك النووي رحمه الله، بل قال: الأكثرون على ضعفه.

    العلة الثانية: عيسى بن يزداد فإن عيسى بن يزداد الفارسي اليماني وأبوه يزداد الفارسي ليس لها صحبة، فأبوه ليس له صحبة، وعلى هذا فالحديث مرسل، و عيسى بن يزداد تكلموا فيه، ولهذا ذهب أبو حاتم و البخاري إلى أن الحديث مرسل؛ وذلك لأن يزداد ليس لهما صحبة، وإن قال ابن حبان : يقال: إن له صحبة فإن الصحبة لا تثبت إلا بيقين، والله تبارك وتعالى أعلم.

    حكم نتر الذكر بعد البول

    إذا ثبت هذا فإن بعض أهل العلم أجاز واستحب أن الإنسان إذا أراد أن يتبول أن ينتر ذكره، والنتر غير السلت، فإن السلت أن يأخذ إبهامه اليسرى مع سبابته أو مع الوسطى فيمسح من أصل ذكره إلى آخره، لأجل أن يزيل الاحتقان الموجود من البول داخله، وقد أنكر أبو العباس بن تيمية هذه الفعلة وبالغ في ذلك، حتى يقول ابن القيم : أنا راجعته في ذلك فأبى، وقال: إن الحديث لا يصح، بل ذهب أبو العباس : إلى أن السلت أو النتر بدعة ولا تصح، ويقول: إن ذلك من عامة الوسواس.

    والأطباء يقولون من حيث السلت: إنه لا بأس، وأنه أنفع للإنسان، ومسألة الحكم الشرعي فإنه لا يستحب فعل ذلك، ولكن ينبغي للإنسان ألا يتعجل من البول؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، والدليل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزرموه ) يعني لا تقطعوا عليه بوله؛ لأن العضلة الموجودة في الذكر ليست مثل العضلة الموجودة في غيره، وبالتالي فإن الإنسان ينبغي له أن يترفق في حاله، قال تعالى: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، ولهذا قال النووي: والناس يختلفون في هذا، فإذا كان الإنسان به سلس بول أو أنه أحياناً فيه هواء فيحتاج إلى أن يسلت سلتاً، وإن كان الأصل والعادة فإنه كما قال ابن تيمية : فإنه من المعلوم كما يقال: إنه كالضرع إن تركته قر، وإن حركته در، وهذا خاصة للذي به سلس البول، فينبغي لمن به سلس بول ألا يبالغ في ذلك، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يضع على ثيابه شيئاً من الماء بحيث لا يوسوس.

    وأنا أقول: هذا لأني وجدت أن الوسوسة كثرت ليس من عامة الناس بل حتى من العقلاء وبعض طلبة العلم، وأذكر أن أحدهم اتصل علي وهو طالب علم مبتدئ، فأنكرت عليه فعله عندما سألني، وقلت له: أصلاً مثل هذا الأمر معذور عنه الإنسان، فإن مالكاً في رواية وهو مذهب أبي حنيفة يتساهل في هذا، قال: الله يبشرك بالخير، فلما سمع أن مالكاً و أبا حنيفة يقولون ذلك. قال: الحمد لله، فهذا علاجه لا يصلح إلا على طريقة الفقهاء، لكن غيره أحياناً لا يصلح على طريقة الفقهاء فينبغي للإنسان أن يعرف حاله، ولا ينبغي للإنسان أن يسترسل في مثل هذا، فإن هذا مرض، والله تبارك وتعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي يسأل أهل قباء فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء)

    قال ابن حجر رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء, فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء ) رواه البزار بسند ضعيف.

    تخريج حديث: (... فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء) ودرجته

    وأصله في أبي داود و الترمذي ، وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بدون ذكر الحجارة ].

    حديث ابن عباس فيه دلالة على استحباب أن يجمع الإنسان حال قضاء الحاجة بين الماء والاستجمار، وهذا الحديث دليل على ذلك.

    والحديث هذا حديث ضعيف، فإن حديث ابن عباس يرويه رجل يقال له: محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري أنه قال: وجدت في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله و عبيد الله بن عبد الله بن الخيار هذا من كبار التابعين، عن ابن عباس : ( أنه عندما نزل قول الله تعالى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة:108] سأل النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء )، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن محمد بن عبد العزيز ووالده ضعيفان، بل كان محمد بن عبد العزيز يقول عنه النسائي : متروك، ويقول أبو حاتم : ليس له حديث مستقيم، وأبناء عبد العزيز ثلاثة: محمد و عبد الله و عمران وكلهم ضعفاء، ومر معنا أن هناك ثلاثة أبناء لشخص من الرواة كلهم ضعفاء، وهم:

    عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأخوه عبد الله بن زيد بن أسلم ، والثالث نسيته، وأحسنهم حالاً عبد الله بن أسلم .

    فهذا الحديث: ( إنا نتبع الحجارة الماء ) حديث منكر ولا يصح، بل بالغ بعض أهل الحديث وقال: لا أصل له، كما نقل ذلك المحب الطبري أن الحديث لا أصل له، ولا يعرف في كتب العلم، ويقصدون بكتب العلم يعني المسندة، فإن هذا ليس من الكتب المسندة؛ لأنه قال: وجدت في كتاب أبي.

    وعلى هذا فليس بصحيح أنه عندما ذكر الزيلعي في نصب الراية كلام النووي : إنه ليس له أصل، قال: وهذا غريب، وذهل محيي الدين النووي . و النووي إنما يقصد: أنه وجد في كتاب الزهري وليس له إسناد، هذا المقصود، وعلى هذا قال: لا أصل له، والشيء الذي ليس له إسناد لا أصل له.

    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وأصله في أبي داود و الترمذي وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة).

    تخريج حديث: (... فقالوا إنا نستنجي بالماء)

    الفرق بين حديث: (إنا نستنجي بالماء) وحديث: (إنا نتبع الماء الحجارة)

    الفرق بين الروايتين: أن الرواية الأولى تجمع بين الاستنجاء والاستجمار، وأما حديث أبي هريرة فليس إلا في الاستنجاء.

    وعلى هذا فليس هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الحجارة والماء، أو بين الاستنجاء والاستجمار، وإنما الذي ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء، كما جاء في حديث عائشة : ( مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك ) فالحديث حسنه بعض أهل العلم، وبعضهم يرى أنه معلول، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء، والدليل على ذلك: حديث أنس في الصحيحين: ( فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء ) فهذا يدل على صحة الاستنجاء بالماء، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يستجمر بلا ماء، كما ثبت ذلك في حديث عبد الله بن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي حينما أراد أن يقضي الحاجة: ائتني بثلاثة أحجار، فأتيت بحجرين وروثة، فألقى الروثة وأخذ الحجرين، وقال: إنها ركس ) فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنجي، وحديث سلمان الفارسي : ( ألا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ).

    أما الجمع بين الاستنجاء والاستجمار فهذا لا يثبت مرفوعاً، وعلى هذا فإن قول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يستنجي بالماء تارة، ويستجمر تارة، ويستنجي ويستجمر بهما تارة أخرى، لا يصح مرفوعاً، وإن كان جمهور أهل العلم قد استحبوا الجمع بينهما، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وهذا يمكن في زماننا أن الإنسان يستنجي إذا انتهى بالمناديل ثم بعد ذلك يستجمر، وقد ذكر ابن شبة في أخبار المدينة حديثاً في ذلك: أنهم قالوا: ( نتبع الحجارة أو الدراغي الماء )، وقال فيه المحقق وهو الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله: رجاله ثقات، والحديث في سنده كلام معروف لا يصح، ولكن إذا جمع الإنسان بين المناديل ثم الماء لأجل ألا يمس يده من ذلك فهذا حسن، والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم.

    وحديث أبي هريرة الذي يرويه أبو داود و الترمذي الأقرب -والله أعلم- أن إسناده ضعيف، والله تبارك وتعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    سبب ضعف حديث: (عامة عذاب القبر من البول)

    السؤال: ما سبب ضعف حديث: ( عامة عذاب القبر من البول

    الجواب: تفرد به أبو يحيى القتات ، وفيه دلالة على نوع من الضعف، ولكن لا نجزم بالضعف، فالحديث له ما يقويه، وروايته أقرب إلى الضعف، لكن الحافظ ابن حجر رأى أنه قابل للتحسين، وإن كان فيه كلام.

    رأي ابن تيمية في يسير النجاسة في الأطعمة

    الجواب: ابن تيمية يرى أن يسير النجاسة في الأطعمة معفو عنها، ولهذا أنا بحثت لـابن تيمية عما يرى في يسير النجاسة في البدن فلم أجد شيئاً لـابن تيمية ، حتى في البحث واختيارات ابن تيمية في الرسالة المطبوعة لم أجد له قولاً فيها، وإنما وجدت له أنه يعفى عن يسير النجاسة في الأطعمة أو في الطعام، وقال: ويعفى عن يسير النجاسة كعذرة الفأر، فهذا من باب الأطعمة والثياب وغير ذلك، أما الإنسان نفسه فإنه لا ينبغي له أن يترك شيئاً إلا ما يشق التحرز عنه كما أشار ابن تيمية في مسألة الأظفار، والله أعلم.

    وجه الدلالة في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة)

    السؤال: على ماذا يدل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... [المائدة:6]؟

    الجواب: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] الأصل أن هذا في كل صلاة، لكن أخرج هذا عن الوجوب حديث بريدة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بوضوء واحد، فقال: عمداً صنعته يا عمر ! ) قالوا: فهذا يدل على الجواز، ويبقى الأصل على أن من وقع في حدث أنه يتوضأ، فكل من بال أو أحدث يتوضأ، أما سلس خروج البول أثناء صلاته فنقول: هذا معفو عنه.

    من أراد الصلاة وبه سلس البول

    السؤال: شخص فيه سلس البول وأراد الصلاة فماذا يصنع؟

    الجواب: هذا شخص أحدث، وحينما أحدث وجب عليه أن يتوضأ، لكن خفف عليه أنه إن أحدث بعد ذلك مرة ومرتين يعفى عنه، فيقال: إما أن يتوضأ لكل حدث فيصعب عليه فلا يصلي؛ وإما أن حدثه سوف يقع وهو يصلي.

    والتخفيف إنما جيء به بقدر الحاجة، وقدر الحاجة أن يخفف عن حال الصلاة وحال وقتها، وكذلك المستحاضة،

    فالمستحاضة تتوضأ لكل صلاة، والأصل أن كل من أحدث يجب عليه أن يتوضأ، فيخفف على المستحاضة ويخفف على من به سلس بول دائم بألا يتوضأ لكل حدث؛ لأن معنى ذلك أن يتوضأ وهو يصلي، وهذا لا يسوغ، الله أعلم.

    الحكم على لفظ: (توضئي لكل صلاة)

    السؤال: حديث: ( توضئي لكل صلاة ) هل هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: حديث: ( توضئي لكل صلاة ) رواه البخاري ، وهذه الجملة زادها عروة ، ولم يرو مرفوعاً عند البخاري . أما هل ورد في الحديث: ( وتوضئي لكل صلاة ) ذكر وقت الصلاة؟

    الجواب: لم يرد، إنما اختلف العلماء فيه، ولهذا أنا أقول: الأقرب -والله أعلم- أنه يتوضأ لكل صلاة، سواء كان لوقتها أو الفريضة، مثل الجمعة، إذا قلنا: إن الراجح أن الجمعة تبدأ من بعد الزوال، فمن به حدث إذا توضأ قبل الزوال لأجل جمعة جاز؛ لأنه إنما توضأ لأجل الفريضة، والله أعلم.

    فإما أن يقال بوجوب ذلك لأنه حدث، وإما ألا يقال بعدم استحبابه إلا بالاستحباب.. الأدلة العامة أنه يتوضأ عند دخول الوقت، أما مالك فإنه يقول: يستحب له أن يتوضأ إذا أحدث لا لأجل دخول الوقت ولكن لأجل الحدث، وهذا يدل على أنه ليس للاستحباب دليل ثابت، والله أعلم.

    سبب ضعف سند حديث: (نهى أن يستنجى بعظم أو روث)

    السؤال: ما سبب ضعف سند حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث

    الجواب: الحديث جاء من طريق سلمة بن رجاء عن الحسن بن فرات القزاز عن أبيه عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث ).

    وهذا السند فيه إشكالان:

    أولاً: تفرد سلمة بن رجاء عن الحسن بن فرات .

    الثاني: رواية الحسن بن فرات نفسه: فقد تكلم فيه أهل العلم، فهذا الضعف مع التفرد يدل على ضعف الحديث.

    فليست العلة في سلمة فقط، فالعلة فيه وفي الحسن بن فرات .

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986020842

    عدد مرات الحفظ

    715430664