إسلام ويب

مختصر صحيح مسلم - كتاب الوضوءللشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان الوضوء شرطاً في صحة الصلاة، جعلت له واجبات ونواقض، فمن واجباته: الترتيب، والموالاة. ومن نواقضه: أكل لحوم الإبل، أما النوم فليس ناقضاً بذاته ولكنه مظنة لنقض الوضوء. وقد شرع للمسلم المسح على الخفين بتوقيت من الشارع، وكذلك شرع المسح على العمامة.

    1.   

    باب من ترك من مواضع الوضوء شيئاً غسله وأعاد الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علماً وعملاً يا كريم.

    وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: من ترك من مواضع الوضوء شيئاً غسله وأعاد الصلاة.

    عن جابر رضي الله عنه قال: أخبرني عمر بن الخطاب : ( أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وقد تفرد به عن الإمام البخاري .

    الترتيب في الوضوء

    في هذا الحديث مسألة وهي: اشتراط الموالاة في الوضوء؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى موضع درهم على رِجل رَجل أمره أن يعيد الوضوء، إلا أن في رواية مسلم أمره فقال له: ( ارجع فأحسن وضوءك )، فهل إحسان الوضوء دلالة على الإعادة، أم غسل العضو الذي لم يصبه الماء؟ فعلى هذا فالحديث فيه مسألتان: الموالاة والترتيب، وقد اختلف أهل العلم في هاتين المسألتين، والراجح والله تبارك وتعالى أعلم هو أن الترتيب في الوضوء واجب، وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة:6]، وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، والقاعدة: أن كل ما أجمل وجاء أمره في القرآن وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله فإنه يدل على أنه مأمور به، وقد قرر هذه القاعدة الإمام الشافعي في كتابه الرسالة وغير واحد من أهل العلم وهي أنه إذا جاء الأمر بالفعل على بيان المجمل، وجاء تفسيره من فعله صلى الله عليه وسلم دل على أن فعله مأمور به.

    الموالاة في الوضوء

    وأما المسألة الثانية: وهي الموالاة، فإن الراجح والله أعلم هو مذهب الحنابلة والشافعية وقول عند المالكية: أن الموالاة واجبة مع القدرة، وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه كما في الأوسط: أنه توضأ خارج المسجد وترك موضع بعض أعضائه ثم دخل المسجد فأكمل وضوءه، وقد استدل أبو العباس ابن تيمية بهذا الأثر على أن الموالاة واجبة وتسقط مع العجز، مثل: قلة الماء أو شدة البرودة أو شدة الحرارة حتى تجف بعض الأعضاء من غير اعتياد.

    ودليلهم على هذا ما جاء عند الإمام أحمد من حديث خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد ترك موضع ظفر لم يصبه الماء، فقال: ارجع فأعد وضوءك ). وقد نقل الأثرم عن الإمام أحمد أنه يحسنه؛ وذلك لأن بقية بن الوليد رواه بالتصريح بالسماع عن بحيرة عن خالد بن معدان ، و بقية إذا صرح بالتحديث في كل طبقة من طبقات الإسناد فالحديث حسن، والله أعلم.

    1.   

    باب ما يكفي من الماء في الغسل والوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: ما يكفي من الماء في الغسل والوضوء.

    عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ) ].

    هذا الحديث متفق عليه.

    ويفيد استحباب عدم الإسراف في الماء، والمبالغة في الإسراف فيه على سبيل الاعتياد تدل على الكراهة الشديدة، وقد جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: ( سيكون في آخر الزمان قوم يعتدون في الطهور والدعاء ) وأما حديث: ( ولو كنت على نهر جار ) فهذا حديث ضعيف عند عامة أهل العلم.

    ومن الاعتداء في الطهور المبالغة في الماء؛ ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم من حديث جابر أنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع، فقال رجل من الحاضرين: هذا لا يكفيني، فقال جابر : قد كان يكفي من هو أوفر منك شعراً وخيراً منك ) أو ( من هو خير منك ).

    1.   

    باب المسح على الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: المسح على الخفين.

    عن همام قال: ( بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بال ثم توضأ ومسح على خفيه )، قال الأعمش : قال إبراهيم : كان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ].

    والحديث متفق عليه.

    حكم المسح على الخفين والمفاضلة بينه وبين الغسل

    والحديث يفيد مشروعية المسح على الخفين.

    وقول إبراهيم النخعي : (وكان يعجبهم هذا الحديث)؛ لأن فيه رداً على أهل البدع الذين قالوا: إن المسح على الخفين إنما كان قبل فرضية الوضوء، فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن آية الوضوء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] في سورة المائدة، وكان إسلام جرير بعد نزول سورة المائدة، وهو الذي روى المسح على الخفين، والمسح على الخفين من الأحاديث المتواترة.

    مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب

    ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين وهذا بعض

    كما يقول الحافظ ابن حجر، وهذا منها، والله أعلم.

    وأيهما أفضل أن يمسح أو يغسل؟

    في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحسنها ما اختاره أبو العباس ابن تيمية : أنه على حسب حال قدمه فإن كانت قدمه فيها الخفان مسح، وإن كانت قدمه ليس فيها شيء غسل، فلا يتكلف خلع الخف ليغسل قدمه، ولا يتكلف اللبس ليمسح.

    التيسير فيما عمت به البلوى من النجاسات ونحوها

    قال المؤلف رحمه الله: [ عن أبي وائل قال: ( كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال فانتبذت منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ ) زاد في رواية: ( فتوضأ فمسح على خفيه ) ].

    هذا الحديث متفق عليه إلا قوله: ( فمسح على خفيه ) فإنها لم يروها البخاري.

    والحديث يفيد عند أهل العلم أن ما عمت به البلوى ويشق التحرز منه فإنه يغتفر من النجاسات وغيرها، فكان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة خوفاً من تراش هذا البول على ثيابه، فكان حذيفة يقول: ( لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، فلقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى سباطة قوم ) يعني: مكاناً يجتمع فيه ذلك الشيء، (فبال قائماً) صلى الله عليه وسلم، ووجه الدلالة: أن من عادة من يبول قائماً أن بعض البول ربما يتراش إلى ثيابه.

    وهذا الحديث ليس فيه مخالفة بينه وبين حديث ابن عباس كما في الصحيحين، حينما قال: ( أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله )، ومعنى الاستتار: لا يتوقى من البول، فربما يكون فيه بقع ظاهرة، هذا لا إشكال فيه؛ لأنه يجب فيه الغسل، ولكن كما يقول ابن القيم : على مقدار رأس الإبرة فهذا مغتفر، يقول العلماء: وهذا مما عمت به البلوى.

    وقد أشار أبو العباس بن تيمية إلى أن بعض الصحابة أصحاب حرف، ولربما علق تحت أظفارهم بعض الأوساخ، فتحبس هذه الجلدة بشيء من التراب، ومع ذلك فمثل هذه التي لم يصبها الماء مما عمت به البلوى فيغتفر، ومثل صاحب العجين إذا كان يعجن، فإنه لو توقى ما توقى فلا بد أن يبقى بعض الأشياء التي يصعب التحرز منها فتكون مغتفرة، ومثل ذلك في واقعنا المعاصر ما تصنعه بعض النساء من الطلاء على أظفارها فإنها مأمورة بإزالته، وأما ما يعلق تحت الجلد فإن ذلك مما يخفف فيه إذا صعب إزالته، والله أعلم.

    استحباب الاستتار عن أعين الناس عند قضاء الحاجة

    1.   

    باب التوقيت في المسح على الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: التوقيت في المسح على الخفين.

    عن شريح بن هانئ قال: ( أتيت عائشة رضي الله عنها أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بـابن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألناه فقال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وفيه دلالة على وجوب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.

    وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال كثيرة، أصحها: هو مذهب أهل الحديث وفقهاء أهل الحديث خلافاً لـمالك ، فإن مالكاً لا يرى في هذا وينقل عن عمر بن الخطاب كما في قصة عقبة بن عامر : أنه جاءه مع البريد فقال: ( ما كنت تصنع بخفيك؟ قال: لم أزل أمسح حتى وصلت، قال: أصبت السنة ). والصحيح أن رواية (أصبت السنة) منكرة، وعلى هذا فالراجح وجوب التوقيت إلا لخائف، فمن المعلوم أن الإنسان إذا خاف على نفسه ترك بعض الأركان والواجبات، فترك الركوع والسجود خوفاً من العدو، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239]، وأما ما عدا ذلك فالأصل وجوب التوقيت في المسح على الخفين.

    1.   

    باب المسح على الناصية والعمامة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: المسح على الناصية والعمامة.

    عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ( تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفت معه، فلما قضى حاجته، قال: أمعك ماء؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة فأخرج يده من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه، ثم ركب وركبت فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة، فلما أحس بالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم، فلما سلم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وجوب إسباغ الوضوء

    في هذا الحديث فائدة: وهي وجوب إسباغ الوضوء على الأعضاء؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأراد أن يحسر كميه فلم يستطع، فألقى الجبة وغسل يديه إلى المرفقين، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس في الشتاء يحسر ثيابه وربما لا ترتفع فلا يغسل المرافق، وهذا لا يجوز، وهذا يدخل في الوعيد كما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ومن حديث عائشة ومن حديث أبي هريرة : ( ويل للأعقاب من النار ) .

    أقوال العلماء في حكم المسح على العمامة

    وفي الحديث فائدة: وهي جواز المسح على العمامة، وهو مذهب الحنابلة، وأما مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية فمنعوا من ذلك، وجوزها الشافعي إذا كان قد مسح على الناصية؛ لأنه لا يرى وجوب التعميم في الرأس كما هو مذهب مالك و أحمد.

    والراجح: هو مذهب جمهور الصحابة أنه مسح على العمامة، وهو قول عمر و أبي موسى و أنس و ابن عمر ، وقد حكى هذه الأقوال عنهم ابن المنذر في الأوسط.

    مشروعية صلاة المؤتم إماماً إذا تأخر الإمام الراتب

    والحديث فيه فائدة: وهي أنه إذا تأخر الإمام عن الوقت المعتاد جاز للمأمومين أن يصلي بهم أحدهم كما صنع الصحابة، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أحسنتم أو أصبتم، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها ) وليس فيها افتيات في حق إمام المسجد، أما الصلاة قبل الوقت المعتاد ففيه افتيات ولكن الصلاة صحيحة، خلافاً للرواية الأخرى عند الحنابلة حيث قالوا: لا تصح، والصحيح صحة ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل في هذا الأمر سواء تقدمت أو تأخرت، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

    1.   

    باب المسح على الخمار

    قال المؤلف: [ باب: المسح على الخمار.

    عن بلال رضي الله عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    ومعنى (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين والخمار) أي: أذن بالمسح على الخمار، وقد روى البيهقي و ابن المنذر عن أم سلمة : أنها كانت تمسح على الخمار.

    والمقصود بالخمار أي: خمار المرأة التي ربطت رأسها بغلالة، ولا بد أن تكون هذه الغلالة محكمة في الرأس شبيهة بالعمامة، وأما أن تكون مربوطة كيفما اتفق مثل أن تلوي على رأسها فهذا لا يكفي، فلا بد أن يكون محكماً بحيث يشق نزعه أو لنزعه كلفة، والله أعلم.

    وهذا مذهب الحنابلة خلافاً للجمهور، وهذا يحصل مثل ما لو وضعت المرأة على رأسها غلالة بعد الحناء فإن لها في هذه الحالة أن تمسح.

    وهل يشترط الطهارة في ذلك؟ ذهب بعض الحنابلة إلى ذلك، والراجح أنه لا يشترط لها الطهارة؛ وذلك لأن الطهارة إنما هي في حق من ينتقل فيه هذا العضو من غسل إلى مسح، وأما من مسح إلى مسح كالرأس فهذا لا يشترط فيه الطهارة، أما المسح على الخفين فإن الأصل في الرجل الغسل، فإذا انتقل إلى المسح بلبس الخفين فلا بد فيه من طهارة؛ لحديث المغيرة بن شعبة : ( فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما ).

    وأما إذا كانت الأذن قد غطيت بالعمامة فلا تمسح، وإذا كانت لم تغط فإنها تمسح.

    أما لماذا خالف الجمهور الحنابلة فلأنهم يقولون: إن هذا إنما هو في مسح العمامة إذا وجدت فيه الناصية، وهذا اختصار من بعض الرواة، والصحيح أن الرسول مسح على العمامة مع خروج ناصيته ومسح على العمامة من غير خروج الناصية، والله أعلم.

    1.   

    باب في الصلوات بوضوء واحد

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: في الصلوات بوضوء واحد.

    عن بريدة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر رضي الله عنه: لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، قال: عمداً صنعته يا عمر !) ].

    الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وهو يفيد جواز أن يصلي الإنسان بأكثر من فرض بطهارة الأول، وإن كان الأفضل أن يتوضأ لكل صلاة؛ لقوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6].

    1.   

    باب القول بعد الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: القول بعد الوضوء.

    عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ( كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة. قال: فقلت: ما أجود هذه؟ فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر رضي الله عنه قال: إني قد رأيتك جئت آنفاً، قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) ].

    الحديث رواه مسلم في صحيحه.

    وفيه فائدة: أنه يستحب للإنسان إذا رأى من نفسه ضيقاً أو شيئاً أن يتوضأ فيصلي ركعتين، وفي هذا قد جاء نصاً في صلاة التوبة الذي رواه علي بن أبي طالب عن أبي بكر .

    وفيه فائدة أيضاً وهي: أن الإنسان يستحب له إذا توضأ أن يقول: ( أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )، ولم يصح رفع الأصبع ورفع البصر حال ذلك، فقد رواه الترمذي وفي سنده عبد الملك بن أبي الشوارب وهو ضعيف.

    1.   

    باب في غسل المذي والوضوء منه

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: في غسل المذي والوضوء منه.

    عن علي رضي الله عنه قال: ( كنت رجلاً مذاءً وكنت أستحيي أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: يغسل ذكره ويتوضأ ) ].

    هذا الحديث متفق عليه.

    وفيه فائدة وهي أنه يدل على أن المذي نجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على ذلك، وفي المسألة خلاف ولكنه غير معتبر، وقد ذكره المجد أبو البركات في كتابه المحرر في الفقه، والأقرب أن ذلك محل إجماع، إلا أنه يخفف في الثوب فينضح، كما في حديث سهل رضي الله عنه: (انضح فرجك وثوبك).

    وفيه فائدة أيضاً: أن الواجب على من أمذى أن يغسل ذكره أي: رأس الذكر، وأما الأنثيان فإن غسلهما فحسن لكنه ليس بواجب، وأما حديث: (اغسل ذكرك وانثييك) فالصواب أن ذلك مدرج من قول عروة.

    1.   

    باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: نوم الجالس لا ينقض الوضوء.

    عن أنس رضي الله عنه قال: ( أقيمت الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نجي لرجل ) وفي حديث عبد الوارث : ( ونبي الله صلى الله عليه وسلم يناجي الرجل فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم ). وفي حديث شعبة : ( فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه, ثم جاء فصلى بهم ) ].

    وفي نسخة ( حتى نام الصحابة ).

    الحديث متفق عليه، وفي رواية مسلم : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة حتى تخفق رءوسهم، فيخرج صلى الله عليه وسلم فيقول: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي ).

    وفيه فائدة: وهي أن الصحيح أن النوم ليس ناقضاً بنفسه، ولكنه مظنة نقض الوضوء.

    وفيه فائدة: أن خفقان الرأس أو وجود الغطيط ليس هو النوم الذي ينقض الوضوء، وإنما الذي ينقض الوضوء أن يخرج الإنسان إلى عقله الباطن، كما أشار إلى ذلك الخطابي و أبو العباس ابن تيمية ، ولا أثر لحالة الإنسان؛ ولهذا جاء في حديث أنس : ( ولهم غطيط ) فوجود الغطيط ليست دلالة على التعمق في النوم، ولكن التعمق في النوم هو أن يحدث له مثل أن يرى رؤيا وغير ذلك.

    وفيه فائدة: أنه لا بأس بأن تقام الصلاة ثم يتأخر، وسوف يأتي ذكر المؤلف لحديث أبي هريرة : ( أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أشار بيده، ثم ذهب فخرج وإن رأسه لينطف ماء ).

    1.   

    باب الوضوء من لحوم الإبل

    قال المؤلف: [ باب: الوضوء من لحوم الإبل.

    عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: ( أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا ) ].

    هذا الحديث إسناده صحيح، رواه مسلم في صحيحه، وقد صححه الإمام أحمد ، والسبب في قولي صحيح؛ أن الحديث يروى من طريق جعفر بن أبي وحشية عن جابر ، وقيل: إن جعفر هذا فيه جهالة، والصحيح أنه قد روى عنه أكثر من رجلين، وقد جاء من حديث عبد الله بن عبد الله الحبلي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ، وقد جاء في ذلك سبع طرق عن الصحابة كما ذكر ذلك الإمام أحمد.

    فالحديث في نقض الوضوء من لحم الإبل جاء من حديث جابر بن سمرة وحديث البراء ، فالأول من طريق جعفر بن أبي وحشية عن جابر بن سمرة ، والثاني: عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء .

    وقد توقف الشافعي عن القول به؛ لأنه لم يعلم صحته، فقال: إن صح حديث نقض الوضوء من لحم الجزور قلت به.

    ومن الطرائف أن الإمام البيهقي عندما ذكر هذه المسألة قال: وهذا قول الشافعي ؛ لأنه قال: إن صح الحديث قلت به.

    وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك، ولعلهم لم يبلغهم هذا الحديث والله أعلم، وقالوا: إن سبب الوضوء هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( توضئوا مما مست النار ) وهذا حديث ضعيف، بل قال بعض أهل العلم: ليس هناك حديث أصلاً بهذا اللفظ وإنما روي بالمعنى.

    1.   

    باب الوضوء مما مست النار

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: الوضوء مما مست النار.

    عن عمر بن عبد العزيز أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره: أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( توضئوا مما مست النار

    ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم.

    وقوله: ( توضئوا مما مست النار ) نسخ، أنا قلت: ليس بحديث: ( كان آخر الأمرين من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) فهذا حديث ضعيف، والله أعلم.

    وأما ( توضئوا مما مست النار ) فقد جاء نسخه بفعله صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي بعده وهو حديث جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، والحديث هذا رواه مسلم في صحيحه، والله أعلم.

    والأقط: معروف وهو البقل.

    1.   

    باب نسخ الوضوء مما مست النار

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: نسخ الوضوء مما مست النار.

    عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه قال: ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتز من كتف شاة فأكل منها، فدعي إلى الصلاة فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ ) ].

    هذا الحديث متفق عليه من حديث عمرو بن أمية الضمري ، ورواه أيضاً ابن عباس و ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث ابن عباس : ( فألقاها والسكين ).

    وفيه دلالة على أن هذا الذي أكله من كتف الشاة وقد كانت مطبوخة ومع ذلك لم يتوضأ، فدل ذلك على أن: ( توضئوا مما مست النار ) هذا في أول عهد الإسلام، وأما اليوم فإن الوضوء منه رفع، وليس بسنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا ) ومن المعلوم أن كلمة: لا، سواء كان مطبوخاً أو غير مطبوخ، فدل على أن قوله: (لا) للنسخ، ولا يقال: إنه رفع الوجوب؛ لأن الوجوب قد رفع بفعله، والله أعلم.

    قال المؤلف: [ عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض وقال إن له دسماً ) ].

    هذا الحديث متفق عليه، وفيه فائدة وهي: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد الدخول في الصلاة أن يتعاهد نفسه بالنظافة بأن يتأكد حتى لا ينشغل في الصلاة، فالرسول صلى الله عليه وسلم تمضمض حتى لا يبتلع ريقه وقد علق على فمه شيء من الطعام.

    1.   

    باب الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) ].

    حديث أبي هريرة رواه مسلم ، ورواه البخاري و مسلم من حديث عبد الله بن زيد في: ( الرجل يخيل إليه أنه يجد شيئاً في الصلاة، فقال: لا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ).

    وفيه فائدة وهي: أن اليقين لا يزول بالشك، ولا ينبغي الالتفات إلى مثل هذه الوساوس، وقد جاء من طريق يذكر عند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يأتي الشيطان أحدكم فينزع من مقعدته شعرة فيخيل إليه أنه أحدث، فإذا وجد ذلك فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) والحديث في سنده بعض الضعف، لكن أصله ثابت.

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985989202

    عدد مرات الحفظ

    715423795