إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب إيجاب التشهد) إلى (باب نوع آخر من التشهد)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب إيجاب التشهد) إلى (باب نوع آخر من التشهد)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان الصحابة لا يعلمون ماذا يقولون في جلوس التشهد حتى علمهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بأدائه، وقد ثبت بعدة صيغ.

    1.   

    إيجاب التشهد

    شرح حديث ابن مسعود: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إيجاب التشهد.

    أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هكذا، فإن الله عز وجل هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) ].

    يقول النسائي رحمه الله: باب إيجاب التشهد.

    المقصود من هذه الترجمة: هو بيان أن التشهد واجب؛ لازم على المصلي أن يأتي به، فقد أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كنا نقول قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقولوا هكذا، وقولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) .

    هذا هو التشهد الذي علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إياه، وأرشدهم إلى أن يأتوا به وأن يقولوه، ونهاهم أن يقولوا مثل ما كانوا يقولونه من قبل، وهو أنهم يقولون: السلام على الله قال: لأن الله هو السلام، والسلام: هو دعاء للمسلم عليه، والله عز وجل يدعى ولا يدعى له، والذي يسلم عليه يدعى له؛ لأن قوله: فالسلام عليك يعني: هو دعاء لأن يسلمه الله عز وجل، السلام عليك ورحمة الله وبركاته دعاء للمسلم عليه بأن يسلمه الله عز وجل، والله عز وجل يدعى ولا يدعى له، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقولوا هكذا)، وأرشدهم إلى أن يأتوا بالتشهد الذي بينه لهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وكانوا يقولون أيضاً: (السلام على جبريل وميكائيل)، وقد أتى النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد بشيء يشمل هذا ويزيد عليه، وهو (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فإن كلمة: (عباد الله الصالحين) تشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، ويدخل في ذلك جبريل وميكائيل من الملائكة وغيرهم، وكذلك يدخل عباد الله الصالحون في الأرض، فإنها تشمل كل عبد صالح في السماء والأرض. فإذاً: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) تؤدي ما تؤديه العبارة التي كانوا يقولونها وهي: السلام على جبريل وميكائيل، وهذا السلام العام الذي هو لكل عبد صالح في السماء والأرض.

    إذاً: فقد نهى رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقال: السلام على الله من عباده؛ لأن الله تعالى هو السلام، وهو الذي يدعى والمسلم عليه يدعى له، والله تعالى هو الذي يدعى وغيره يدعى له.

    ثم قال: ولكن قولوا: (التحيات لله) و(التحيات) من المعلوم أن من يحيى يعظم التعظيم الحقيقي، والتحيات الحقيقيات التي هي مشتملة على التعظيم لمن يحيى إنما هي في الحقيقة لله سبحانه وتعالى، فهو المستحق لذلك على الحقيقة.

    (والصلوات) يشمل الصلوات المفروضة والنوافل، وكذلك أيضاً يمكن أن يكون المراد به أيضاً: الدعوات يعني: أن الصلاة هي في اللغة الدعاء: وفي الشرع: هي الصلوات التي هي أقوال، وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فالصلاة المفروضة التي هي الخمس وغيرها من النوافل التي هي أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير مختتمة بالتسليم هي لله عز وجل، وكذلك الدعاء لله تعالى، فهو الذي يدعى وهو الذي يرجى وهو الذي يعول عليه.

    (والطيبات)، الطيبات من القول، والفعل كل طيب هو لله عز وجل، (والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً)، فيدخل في ذلك الكلام الطيب والثناء الحسن، فإنه لله عز وجل، فهو المستحق لذلك على الحقيقة، وإن كان غيره يثنى عليه، لكن بحسب ما يليق به ودون تجاوز للحدود، أو غلو وإطراء يخرج بالمخلوق عما يستحقه إلى ما لا يستحقه، فالمستحق لذلك هو الله سبحانه وتعالى.

    (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، النبي عليه الصلاة والسلام يدعى له، ولهذا فإن السلام على النبي عليه الصلاة والسلام فيه دعاء له بالسلامة وكذلك الدعاء له بالرحمة والبركة.

    (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، السلام علينا يعني: هو دعاء لنا ودعاء لعباد الله الصالحين، فيشمل ذلك كل عبد صالح في السماء والأرض، ثم يدل هذا على أن الإنسان إذا وفقه الله عز وجل لأن يكون من أهل الصلاح والاستقامة، فإن له نصيب من دعاء الداعين الذين يدعون بهذا الدعاء، حيث يقول كل مصل في صلاته وفي تشهده: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فإذا صلح الإنسان فإنه يكون أهلاً لهذه الدعوات، التي تحصل من كل مصل يدعو لنفسه، ويدعو لعباد الله الصالحين، فإذا كان العبد صالحاً مستقيماً على أمر الله، مستقيماً على طاعة الله عز وجل فإنه يكون بذلك من أهل هذه الدعوات، التي تصدر من كل مصل يدعو لنفسه ويدعو لعباد الله الصالحين، وهذه من ثمرة الصلاح والاستقامة على أمر الله، أن الله عز وجل يعطيه، ويجعل كل مصل يدعو بهذا الدعاء، ويكون ذلك شاملاً لعباد الله الصالحين.

    (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، والشهادة لله عز وجل بأنه الإله الحق الذي لا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، بل العبادة: إنما هي حقه فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له.

    ومعنى: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أشهد أنه لا إله يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى، وإلا فإن الآلهة الذين لا يستحقونها كثيرون، وكل من يعبد غير الله فإنما يعبد آلهة من دون الله، ولكن تلك الآلهة لا تنفع أصحابها، بل إنهم يتضررون من عبادتهم لها؛ لأنهم أشركوا بالله عز وجل غيره، والذي يعبد الله وحده هو الذي صرف العبادة لمن يستحقها، ولم يصرفها لغير من يستحقها، فإذا قال العبد: أشهد أن لا إله إلا الله، معنى ذلك: أنه يشهد بأن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة إلا له سبحانه وتعالى، فهو المعبود وحده لا شريك له، وكما أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، فلا معبود بحق سواه سبحانه وتعالى، هو المتفرد بالخلق والإيجاد فهو الذي يستحق ويجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.

    والعبادة: هي كون الإنسان يصرف جميع أنواع العبادة لله عز وجل، فلا يستعيذ إلا بالله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يتوجه في جميع أموره وجميع حوائجه إلا إليه سبحانه وتعالى كما قال في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أي: أنك أنت المستحق للعبادة وحدك لا شريك لك، وأنت المستعان، فيشهد العبد لله عز وجل بأنه الإله الحق الذي لا يجوز أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغيره، ثم بعد ذلك يشهد بأن محمداً عبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فيشهد له بالعبودية لله عز وجل والرسالة من الله عز وجل أرسله رحمة للعالمين، فهاتان الشهادتان هما أساس الدين، وهما أصل الدين، ولا يكون العبد مسلماً إلا إذا شهد لله بالوحدانية، وشهد لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.

    ومن مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله: أن يطاع في كل ما يأمر به، وأن ينتهى عن كل ما ينهى عنه، وأن يصدق في كل ما يخبر به، وأن لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته؛ فلا يعبد تبعاً للهوى، ولا بالبدع والمنكرات والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما تكون العبادة لله خالصة، ولسنة نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه موافقة، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض، رحمة الله عليه أنه قال في قول الله عز وجل: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] فقال: العمل الأحسن هو الأخلص الأصوب، فالأخلص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذان هما شرطا قبول العمل؛ لأن كل عمل يعمله العبد لا يقبل منه إلا إذا توفر فيه شرطان: أن يكون لله خالصاً، وأن يكون لسنة نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه موافقاً، فلا بد من الإخلاص، ولا بد من المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام.

    فالعبادة تكون لله خالصة، وتكون تلك العبادة طبقاً لما شرعه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وإذا اختل أحد هذين الشرطين فإن العمل يكون مردوداً، فإذا كان العمل ليس لله خالصاً فإنه لا يقبل، ولو كان العمل مطابقاً للسنة من حيث الفعل لكن لما دخله الشرك ودخله عدم الإخلاص فإنه لا ينفع، ولو كان العمل لله خالصاً، وقصد الإنسان حسناً ولكنه كان على خلاف السنة، وكان على وفق البدعة وعلى وفق الهوى فإنه أيضاً لا يقبل؛ لأنه لم يكن طبقاً لما جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمسلم لا يعبد الله إلا طبقاً لشريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قال عليه الصلاة والسلام: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ورد) وفي رواية لـمسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وهي أعم من الرواية السابقة؛ لأنها تشمل العمل مطلقاً، سواء كان الذي عمله هو المحدث، أو أنه متابع لغيره في ذلك العمل المبتدع (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) فإنه لا بد من هذين الشرطين، ولا بد من هذين الأمرين: إخلاص العمل لله، وأن يكون ذلك مطابق لسنة رسول الله، وهذا هو الذي يقال له: تجريد الإخلاص لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، تجريد الإخلاص لله وحده فلا يعبد مع الله غيره، وتجريد المتابعة للرسول، فالذي يطاع ويتبع وهو معصوم فيما يصدر منه هو رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، كما قال الله عز وجل: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]، وقال بعض العلماء: توحيدان لا نجاة للعبد إلا بهما: توحيد الرسول وتوحيد المرسل، توحيد المرسل: وهو الله بالإخلاص وإفراده بالعبادة، وتوحيد الرسول: بالمتابعة، توحيد الرسول: وهو محمد عليه الصلاة والسلام يوحد بالمتابعة، بمعنى: أن الإنسان يسير طبقاً لما جاء به من الحق والهدى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، هذا هو التشهد الذي بينه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لأصحابه وفيه امتثال قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] فإن العبد إذا سلم هذا السلام على رسول الله في الصلاة، وفي التشهد كذلك صلى وسلم عليه، فإنه يكون بذلك ممتثلاً لقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    وقد جاء في بعض الأحاديث التي ستأتي في كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: (قد علمنا كيف نسلم عليك -أي: في التشهد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته- فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وستأتي تلك الصيغ التي هي صيغ الصلاة على النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله ...)

    قوله: [أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله].

    هو سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [حدثنا سفيان].

    وهو سفيان بن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن الأعمش].

    وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش، لقب وقد ذكرت مراراًوتكراراً أن من الأمور المهمة في علم المصطلح معرفة ألقاب المحدثين، مثل الأعمش فإنه لقب لـسليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وفائدة معرفة الألقاب: أن لا يظن الشخص الواحد شخصين؛ فيما إذا ذكر أحياناً باسمه, وذكر أحياناً بلقبه فإن من لا يعرف يظن أن سليمان بن مهران شخص وأن الأعمش شخص آخر، لكن من عرف أن الأعمش لقب لـسليمان بن مهران لا يلتبس عليه الأمر، إذا رآه جاء في بعض الأسانيد الأعمش أو رآه جاء في بعض الأسانيد سليمان فإنه يعلم بأن هذا هو هذا، وأنه ليس شخصاً آخر غير ذلك الشخص.

    ومنصور هو ابن المعتمر الكوفي أيضاً، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، والأعمش، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شقيق بن سلمة].

    هو شقيق بن سلمة الكوفي كنيته أبو وائل يأتي كثيراً في الأسانيد: أخبرنا أبو وائل ولا يذكر اسمه، وأحياناً يذكر اسمه ولا يذكر كنيته، كما ورد هنا فإن هنا قال: شقيق بن سلمة، وفي بعض الأسانيد يقول: أبو وائل، ولا يقول شقيق بن سلمة، وأبو وائل هو: شقيق بن سلمة، وهذا أيضاً مما يكون لمعرفته أهمية حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فيما إذا ذكر باسمه وذكر بكنيته، فإن من لا يعرف أن صاحب الكنية هو شقيق بن سلمة يظن أن أبا وائل شخص، وأن شقيق بن سلمة شخص آخر، لكن من عرف أن هذه الكنية هي لصاحب هذا الاسم لا يلتبس عليه الأمر، ولا يظن الشخص الواحد شخصين، وشقيق بن سلمة، ثقة مخضرم أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن مسعود].

    هو الهذلي، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وهو من علماء الصحابة، وهو ليس أحد العبادلة الأربعة من الصحابة عند الإطلاق؛ لأنه متقدم الوفاة، والأربعة من صغار الصحابة وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، هؤلاء هم العبادلة الأربعة، وبعض العلماء يقول: عبد الله بن مسعود أحدهم، ولكن الصحيح أنه ليس واحداً منهم؛ لأنه متقدم الوفاة، وأما أولئك فهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا في زمن متقارب وأدركهم كثيرون من التابعين، ولم يدركوا زمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعبد الله بن مسعود، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن

    شرح حديث ابن عباس: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن.

    أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يحيى بن آدم حدثنا عبد الرحمن بن حميد حدثنا أبو الزبير عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن) ].

    أورد النسائي هنا هذه الترجمة: تعليم التشهد كتعليم السورة من القرآن، يعني: أنه حصل الاهتمام به، والعناية بتعليمه من رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، معناه: يحفظونه ويتعلمونه كما يتعلمون القرآن، وهذا فيه دلالة على أهمية التشهد وعظيم شأنه، وأنه يتعلم كما يتعلم المتعلم السورة من القرآن يعني: هذا يدل على أهميته وعلى الاهتمام به، حيث كان عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن وقد جاء في حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وجاء أيضاً في حديث ابن مسعود في بعض الروايات: (أنه كان يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن).

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    وهو الرهاوي وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي.

    [حدثنا يحيى بن آدم].

    هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، حافظ، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عبد الرحمن بن حميد].

    هو عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا أبو الزبير].

    وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي وهو صدوق، يدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن طاوس].

    هو طاوس بن كيسان اليماني وهو ثقة، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عباس].

    هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي دعا له النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بأن يعرف تفسير كلام الله عز وجل، بأن يكون عالماً بكتاب الله عز وجل، وقد كان كذلك؛ فإن عمر رضي الله عنه وأرضاه، كان يقربه ويدنيه، ويجلسه مع كبار الصحابة، ولما قال له بعض الصحابة: كيف تأتي بـابن عباس ولنا أولاد مثله ولا تأت بهم ولا تجعلهم يأتون، فاختبره وطرح سؤالاً عليهم وعليه، وكان جوابه فيه الفهم وفيه الإصابة؛ فإنه لما سألهم عن قول عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3] فالظاهر المتبادل أنه إذا جاء نصر الله والفتح، فإنه يسبح الله عز وجل ويعظم، لكن الذي فهمه ابن عباس هو اقتراب أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا اختبره بحضورهم، وظهر دقة فهمه في كلام الله سبحانه وتعالى رضي الله تعالى عن ابن عباس.

    وعبد الله بن عباس هو: أحد العبادلة الأربعة الذين أشرت إليهم آنفاً، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، هؤلاء هم العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، فهؤلاء الصحابة السبعة -ستة رجال وامرأة واحدة- أكثر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام رواية عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    وعبد الله بن عباس هو واحد منهم وهو من صغار الصحابة، لأنه كما جاء في بعض الأحاديث في حجة الوداع يقول: (كنت ناهزت الاحتلام)، جاء على حمار أتان والرسول صلى عليه وسلم يصلي بين الناس بمنى فقال: (وكنت قد ناهزت الاحتلام)، يعني: أنه قد ناهز البلوغ في حجة الوداع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    كيف التشهد

    شرح حديث: (إن الله عز وجل هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف التشهد.

    أخبرنا قتيبة حدثنا الفضيل وهو ابن عياض عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل هو السلام، فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير بعد ذلك من الكلام ما شاء)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كيفية التشهد، يعني: الصيغة التي يكون عليها التشهد، والكيفية التي يكون عليها، وأورد فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وهو مثل الرواية السابقة، إلا أن تلك أوردها لبيان إيجاب التشهد، وهنا أوردها لبيان كيفية التشهد؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: لا تقولوا السلام على الله ولكن ليقل أحدكم عند القعدة في الصلاة: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فهذه هي كيفية التشهد، وهذه هي صيغة التشهد التي علم النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أصحابه إياها هذه كيفيتها، والنسائي أورد الحديث لبيان الكيفية، وهذه هي الكيفية: (التحيات والصلوات...) إلى آخر الحديث .

    (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء).

    أي: يتخير بعد ذلك يأتي بالدعاء، والتشهد الأخير هو موطن من مواطن إكثار الدعاء، كما أن السجود أيضاً من مواطن الدعاء، فإن الدعاء يكثر في هذين الموطنين في التشهد -أي: الأخير- وفي السجود، كما جاء في الحديث: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم) .

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله عز وجل هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل: التحيات لله ...)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    هو ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني وبغلان قرية من قرى بلخ، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا الفضيل].

    وهو الفضيل بن عياض وهو ثقة، عابد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وقوله: هو ابن عياض، هذه قالها من دون قتيبة، من دون تلميذ قتيبة وهو إما النسائي، أو من دون النسائي، وقد مر بنا مثل ذلك مراراً، وأن المراد بها: أنه من دون تلميذ زاد زيادة توضح الشخص الذي ذكر غير منسوب، لكنه ذكر بهذه الصفة، وهي أن يقال: هو ابن فلان؛ حتى يعرف أنها ليست من التلميذ وإنما هي من دون التلميذ.

    [عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله].

    وقد مر ذكرهم في حديث عبد الله بن مسعود المتقدم.

    1.   

    نوع آخر من التشهد

    شرح حديث أبي موسى الأشعري في التشهد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.

    أخبرنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام عن قتادة ح، وأخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى حدثنا هشام حدثنا قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أن الأشعري رضي الله عنه قال: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا سنتنا وبين لنا صلاتنا فقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين، يجبكم الله، ثم إذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإن الله عز وجل قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، ثم إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك، وإذا كان عند القعدة، فليكن من قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من التشهد، الذي مضى هو تشهد ابن مسعود وأورده من طريقين، وهنا أورد التشهد الذي جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو أنه قال:

    (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبنا فعلمنا سنتنا) أي: الطريقة، السنة المراد بها: الطريقة التي نسير إلى الله عز وجل بها، وهي تشمل ما كان فرضاً وما كان مستحباً؛ لأن السنة تطلق إطلاقات: تطلق على كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو معنى قوله: (من رغب عن سنتي فليس مني) فإن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما جاء به في الكتاب والسنة، وأيضاً تطلق السنة ويراد بها: ما يكون يذكر مع القرآن، كما إذا قيل: دل عليه الكتاب والسنة، تطلق ويراد بها حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا أخف من الأول؛ لأن الأول يشمل كل ما جاء من الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن والسنة، كله قال: سنة، لكن السنة تطلق أيضاً على حديث الرسول عليه الصلاة والسلام وهي كل ما أثر عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من قول، أو فعل، أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي هذا يقال له: سنة، أي: حديث، وتطلق السنة عند الفقهاء على المأمور به غير الواجب، المأمور به أمر استحباب وليس أمر إيجاب، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يعني: لولا أن أشق عليهم لأمرتهم أمر إيجاب وأما أمر الاستحباب هو موجود، لكن الذي ما وجد هو كونه يجب عليه، (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) مع أنه ندبهم إلى السواك.

    إذاً: المقصود بالسنة عند الفقهاء مثل المستحب، والمندوب، ترادف كلمة: مستحب، وكلمة: مندوب عند الفقهاء.

    (فإذا قمتم إلى الصلاة فأقيموا صفوفكم).

    يعني: إذا أردتم القيام إليها، أو أردتم الدخول بها وقمتم إليها لتصلوا، كما هو معلوم أن الإقامة: أعلام الناس بالقيام إلى الصلاة، إذا أوتي بالإقامة معناه: طلب من الناس أن يقوموا للصلاة، فإذا قاموا يسوون الصفوف، إذا قمتم فسووا صفوفكم، سووها يعني: تراصوا فيها وتقاربوا، وأكملوا الصف الأول فالأول، ولا يكون فيها فرج، هذه تسوية الصفوف.

    (ثم ليؤمكم أحدكم).

    يعني: أن الجماعة لا بد لهم من إمام يتقدمهم ويصلي بهم.

    (فإذا كبر فكبروا).

    ثم إنه بين ما يعمله المصلون وراء إمامهم فقال: فإذا كبر فكبروا، إذا دخل في الصلاة وكبر تكبيرة الإحرام أنتم كبروا وراءه، يعني: وليس لهم أن يكبروا قبله ولا معه، وإنما يكبرون بعده مباشرة، إذا انقطع صوته يكبرون، فيقولون: الله أكبر إذا فرغ من قول الله أكبر، (فإذا كبر فكبروا)؛ لأن الإمام جعل ليؤتم به فأنتم تابعوه، لا تسبقوه ولا توافقوه، ولكن تابعوه، فإذا كبر فكبروا، إذا قال: الله أكبر، وانقطع صوته من التكبير فقولوا: الله أكبر، وادخلوا في الصلاة.

    (وإذا قال: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين).

    (وإذا قال: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]) في قراءة الفاتحة (فقولوا: آمين؛ يجبكم الله)؛ لأن (آمين) معناها: اللهم استجب، إذا قال الإمام غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين.

    (ثم إذا كبر وركع فكبروا واركعوا).

    إذا قال: الله أكبر وركع، أنتم كبروا واركعوا وتابعوه في القول والفعل، ويكون تكبيركم وركوعكم بعد تكبيره وركوعه، لا تسبقوه بالتكبير والركوع ولا توافقوه، بل كونوا وراءه وكونوا بعده مباشرة وبدون موافقة وبدون تأخر طويل.

    (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) ثم قال: هذه بتلك، يعني: أنه هو يسبقكم في الركوع، ويسبقكم في القيام من الركوع، وأنتم تأتون وراءه عند الركوع وتتأخرون عنه يعني: بعد الركوع، فتلك بتلك، يعني: اللحظة التي سبقكم بها عند الركوع جاء عوضاً عنها اللحظة التي تأخرتم عنه عندما قام من الركوع، عندما قال: سمع الله لمن حمده وقام أنتم تنتظرونه حتى يفرغ من القول والقيام، ثم أنتم تأتون وراءه فيكون مقدار ركوعكم مقدار ركوعه، ولهذا قال: (فتلك بتلك) يعني: أن اللحظة التي سبقكم بها في الركوع جاء عوضاً عنها اللحظة التي تأخرتم عنه بها عند القيام من الركوع، (فتلك بتلك).

    (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد)، (إذا قال: سمع الله لمن حمده) يعني: سمع بمعنى استجاب، (سمع الله لمن حمده) يعني: استجاب الله لمن حمده، ليس المقصود منها السمع، فإن السمع يكون لكل شيء، والله تعالى سميع بصير، لكن المراد بالسمع هنا الاستجابة، يعني: استجاب الله لمن حمده؛ ولهذا جاء عن بعض التابعين أو بعض سلف هذه الأمة، قيل له: ماذا تقول في معاوية بن أبي سفيان؟ فقال المسئول من السلف: ماذا أقول في رجلٍ صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام في الصلاة: سمع الله لمن حمده -أي: استجاب الله لمن حمده- فقال معاوية وراءه: ربنا ولك الحمد، ماذا أقول في رجل أكرم بصحبة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام عند رفعه من الركوع: سمع الله لمن حمده -أي: استجاب الله لمن حمده- ثم حمده معاوية وقال: اللهم ربنا لك الحمد، يعني: ماذا أقول فيه؟ يعني: أن هذا فضل وشرف لأصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم، أن أكرمهم الله عز وجل بصحبته، وبتلقي السنن عنه وبالجهاد معه، وبالإتيان بالأعمال الجليلة التي عملوها في نصرة دين الله عز وجل، وتأييد رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    (ثم إذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا، فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم، قال نبي صلى الله عليه وسلم: فتلك بتلك)].

    وهذا مثل ما حصل في الركوع، قال: (وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا).

    (فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم) ثم قال: (فتلك بتلك) يعني: سجودكم مقدار سجوده تماماً، إلا أنه يسبقكم عند السجود وأنتم تتأخرون عنه عندما يقوم، تنتظرونه حتى يقوم من سجوده ويقول: الله أكبر، فاللحظة التي سبقكم بها حصل تعويض عنها باللحظة التي تأخرتم عنه بها لما قام من سجوده، فالكلام هنا كالكلام عند الركوع والرفع من الركوع.

    (وإذا كان عند القعدة فليكن من قول أحدكم أن يقول: التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).

    وهذا نوع آخر من التشهد، وهو مثل الذي قبله تماماً إلا في أوله، فإن الأول: (التحيات لله والصلوات والطيبات)، وهنا (التحيات الطيبات الصلوات لله).

    تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري في التشهد

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار، لقبه بندار، وهو البصري، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [حدثنا يحيى بن سعيد].

    وهو يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن هشام].

    هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن قتادة].

    هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [ح، وأخبرنا محمد بن المثنى].

    محمد بن المثنى (ح) هذه المراد بها: التحول من إسناد إلى إسناد، أو الانتقال من إسناد إلى إسناد، والإسناد الأول شيخ النسائي فيه محمد بن بشار، والإسناد شيخه فيه محمد بن المثنى، ومحمد بن المثنى هو: العنزي الملقب بـالزمن، وكنيته أبو موسى، وهو مثل محمد بن بشار شيخ لأصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وكانت وفاة الاثنين: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات أي: (252هـ)، وقد اتفق هذان الشخصان محمد بن بشار ومحمد بن المثنى أيضاً في سنة الولادة فولدا في سنة واحدة، وماتا في سنة واحدة، وهما من أهل البصرة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ؛ ولهذا قال ابن حجر في ترجمة أحدهما قال: (وكانا كفرسي رهان) يعني: ما واحد يسبق الثاني، متماثلين سنة الولادة واحدة، وسنة الوفاة واحدة، والشيوخ متماثلون، والتلاميذ متماثلون، وكل منهم من أهل البصرة.

    1.   

    نوع آخر من التشهد

    شرح حديث جابر بن عبد الله: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التشهد.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا أيمن بن نابل حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله وبالله، التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار).

    قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به، والحديث خطأ. وبالله التوفيق].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: نوع آخر من التشهد، وأرد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه قال: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان أن علمهم وقال: باسم الله وبالله. التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله).

    هو مثل تشهد ابن مسعود، إلا أنه يختلف بما فيه من الزيادات في أوله وفي آخره، الزيادات في أوله: (باسم الله وبالله)، وفي آخره: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار)، هذا هو الذي يختلف عما جاء في تشهد ابن مسعود، أوله: (باسم الله وبالله) وآخره: (أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار)، وهذا الحديث: النسائي نفسه قال: إنه خطأ، وقال: إنه لا نعلم أحداً تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وهو خطأ، وهو كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، وقد تفرد بهذا، ولم يتابعه على ذلك أحد، والنسائي نفسه الذي أخرج الحديث حكم بأنه خطأ.

    فإذاً: هو غير صحيح وغير ثابت، أي: هذا التشهد.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله: (كان رسول الله يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    وهو الفلاس، المحدث، الناقد، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أبو عاصم].

    هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو من كبار شيوخ البخاري الذين روى عنهم مباشرة، والنسائي لا يروي عنه إلا بواسطة، النسائي كما هو هنا فقد روى عنه بواسطة، وهو أبو عاصم مشهور بكنيته، وأبو عاصم اسمه: الضحاك بن مخلد، ولقبه النبيل، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا أيمن بن نابل].

    هو أيمن بن نابل المكي، وهو صدوق، يهم، أخرج حديثه البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا أبو الزبير].

    وقد مر ذكره قريباً.

    [عن جابر بن عبد الله].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام والذين ذكرتهم آنفاً.