إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الأيمان [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله اليمين لتأكيد المحلوف عليه، ثم أمر الله عز وجل عبده المسلم بحفظ هذه اليمين من إطلاقها في كل وقت وحين، ومفهوم حفظ اليمين يبدأ من قبل أن تعقد فيحفظها من الإتيان بها وسط كل كلام، ثم يكون حفظها بعدم الحنث فيها بعد عقدها، وأخيراً يكون حفظها بالإتيان ب

    1.   

    تعريف اليمين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الأيمان.

    واليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي: اليمين بالله، أو صفة من صفاته، أو بالقرآن، أو بالمصحف، والحلف بغير الله محرم، ولا تجب به كفارة. ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط:

    الأول: أن تكون اليمين منعقدة، وهي التي قصد عقدها على مستقبل ممكن، فإن حلف على أمر ماضٍ كاذباً عالماً فهي الغموس.

    ولغو اليمين الذي يجري على لسانه بغير قصد، كقوله: لا والله وبلى والله، وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه، فلا كفارة في الجميع .

    الثاني: أن يحلف مختاراً، فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه.

    الثالث: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً، فإن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة، ومن قال في يمين مكفرة: إن شاء الله لم يحنث، ويسن الحنث في اليمين إذا كان خيراً، ومن حرم حلالاً سوى زوجته من أمة أو طعام أو لباس أو غيره لم يحرم، وتلزمه كفارة يمين إن فعله.

    فصل في كفارة اليمين: يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات].

    تقدم لنا ما يتعلق بأحكام الصيد، وذكرنا أن حكم الصيد الإباحة، هذا في الأصل؛ لقول الله عز وجل: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، وقد يكون مشروعاً إذا كان المقصود به الاكتساب وتحصيل لقمة العيش، وقد يكون محرماً إذا تضمن إيذاء الناس في حروثهم ومواشيهم، ويكون مكروهاً إذا كان المقصود به اللهو.

    وتقدم لنا أن الصيد يشترط له شروط:

    الشرط الأول: الأهلية، والأهلية تكون بأمرين: الأمر الأول: العقل، والأمر الثاني: الدين، والمقصود بالدين أن يكون مسلماً أو كتابياً يهودياً أو نصرانياً.

    والشرط الثاني: الآلة، والآلة في الصيد تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: محدد لابد أن يجرح الصيد؛ لحديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكُل)، فلابد أن يكون محدداً، له حد يجرح الصيد بحده.

    والقسم الثاني من أقسام الآلة: الجارحة، وذكرنا أن الجارحة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يصيد بنابه، كالكلاب والفهود ونحو ذلك، والقسم الثاني: ما يصيد بمخلبه، مثل الصقر والبازي ونحو ذلك.

    والذي يصيد بنابه أو يصيد بمخلبه يشترط أن يكون مُعلماً؛ لقول الله عز وجل: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ [المائدة:4] .

    وتعليم الكلب ونحوه يكون بثلاثة أمور: الأمر الأول: إذا أرسلته يسترسل، والأمر الثاني: أنه إذا زُجر ينزجر، وبينا ما المراد بالزجر، والأمر الثالث: أنه إذا أمسك لا يأكل.

    وأما تعليم ما يصيد بمخلبه من الصقور والبازي ونحو ذلك، فيكون إذا أرسلته يسترسل، وإذا دُعي فإنه يجيب، وأما الأكل فلا يشترط، فلو أكل فإن ذلك لا يخرجه عن كونه معلماً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الأيمان).

    الأيمان: جمع يمين، واليمين في اللغة تطلق على معانٍ منها: الحلف والقسم والقوة واليد الجارحة.

    وأما في الاصطلاح فاليمين هي: تأكيد المحلوف عليه بذكر لفظ الجلالة أو اسم من أسمائه سبحانه أو صفة من صفاته.

    والأصل في الأيمان القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89]، وأما السنة فقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم : (يمينك على ما يصدقك به صاحبك)، والإجماع منعقد على ذلك في الجملة.

    1.   

    حفظ اليمين

    والأصل في المسلم أنه يحفظ يمينه؛ لقول الله عز وجل: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] ، وحفظ اليمين يكون بثلاثة أمور: حفظها ابتداءً بألا يحلف، وحفظها وسطاً بألا يحنث، يعني إذا حلف فإنه لا يخالف ما حلف عليه، إلا إذا كان خيراً كما سيأتينا إن شاء الله، وحفظها انتهاءً أنه إذا حلف وحنث في يمينه فإنه يخرج الكفارة، وكما قلنا: الأصل في المسلم أن يحفظ اليمين، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتابه كتاب التوحيد بوَّب باباً: باب ما جاء في كثرة الحلف بالله عز وجل، كيف ذلك؟ لأنه إذا أكثر من الحلف بالله سبحانه وتعالى هذا يدل على عدم تعظيم الله عز وجل، وهذا نقص في التوحيد، يكون ذلك مخالفاً للتوحيد.

    1.   

    اليمين التي تجب فيها الكفارة

    قال رحمه الله: (واليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث).

    الحنث في اليمين: هي أن يفعل ما حلف على تركه أو أن يترك ما حلف على فعله، يعني مخالفة اليمين بأن يفعل ما حلف على تركه، أو أن يترك ما حلف على فعله. ‏

    اليمين بالله

    قال رحمه الله: (واليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي اليمين بالله أو صفة من صفاته أو بالقرآن أو بالمصحف).

    اليمين التي تجب فيها الكفارة يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى هي اليمين بالله عز وجل، وهذا الحصر فيه شيء؛ لأن من الأيمان ما تجب فيه الكفارة، وهي ليست يميناً بالله عز وجل كما سيأتينا إن شاء الله.

    فإذا حلف بالطلاق -وهي يمين محدثة مبتدعة بعد عهد الصحابة- أو حلف بالتحريم أو حلف بالنذر ونحو ذلك، فإن هذه الأيمان تجب فيها الكفارة كما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكما سيأتينا إن شاء الله.

    على كل حال مراد المؤلف رحمه الله بقوله: (هي اليمين بالله أو صفة من صفاته) يعني إذا حلف بمخلوق من المخلوقات، فإنها يمين محرمة ولا تجب فيها الكفارة.

    قوله: (هي اليمين بالله).

    وهذا بالإجماع كما ذكر ابن المنذر ، أن العلماء رحمهم الله أجمعوا أنه إذا قال: بالله أو والله أو تالله فحنث أن عليه الكفارة.

    اليمين بصفة من صفات الله

    قال رحمه الله: (أو صفة من صفاته).

    يعني إذا حلف بصفة من صفات من الله عز وجل؛ لأن الحلف بصفة من صفات الله عز وجل، هذا حلف بالله عز وجل، فإذا قال: وعزة الله.. وقدرة الله.. وحكمة الله.. وسمع الله.. وبصر الله، إلى آخره.

    وظاهر كلام المؤلف في قوله: (أو صفة من صفاته) سواء كانت هذه الصفة من الصفات الفعلية، أو من الصفات المعنوية، أو من الصفات الخبرية، كما لو قال: ووجه الله ونحو ذلك.

    ويدل لذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقال للرجل الذي يغمس في الجنة: هل رأيت بؤساً قط؟ قال: لا وعزتك وجلالك)، فقوله: (لا وعزتك وجلالك) حلف بصفة من صفات الله عز وجل.

    وحديث عائشة في صحيح البخاري : (كانت أكثر يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب)، وثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا وسمع الله.

    ومثل ذلك أيضاً لو حلف بعهد الله أو بأمانته ونحو ذلك، وهذه كلها من الأيمان.

    اليمين بالقرآن والمصحف

    قال: (أو بالقرآن).

    فإذا حلف بالقرآن فهذا حلف بصفة من صفات الله عز وجل؛ لأن القرآن كلام الله، والله عز وجل تكلم بالقرآن كلاماً بصوت وحرف مسموعين، فالحلف بالقرآن حلف بصفة من صفات الله، وسواء حلف بالقرآن كله، أو بسورة من سور القرآن، أو بآية من آيات القرآن، هذا كله يمين؛ لأنه حلف بصفة من صفات الله عز وجل.

    قال رحمه الله: (أو بالمصحف).

    الحلف بالمصحف فيه تفصيل، لأن القرآن المقصود به المقروء المتلو، والمصحف المقصود به الوحي المكتوب، فإذا قال: والمصحف لأسافرنَّ، فإن كان مراده أن يحلف بالمداد والورق والجلد ونحو ذلك فنقول: بأن هذا حلف بمخلوق لا يجوز؛ لأن المداد والورق مخلوقة.

    وإن أراد بقوله: (والمصحف)، الوحي المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو صفة من صفات الله، فنقول: هذا حلف بالله عز وجل كما تقدم الحلف بالقرآن؛ لأنه حلف بصفة من صفات الله عز وجل.

    أقسام اليمين بأسماء الله تعالى

    أسماء الله عز وجل تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ما كان خاصاً بالله عز وجل، فالحلف بهذا الاسم الخاص بالله عز وجل يمين، مثل: الله، الرحمن، مالك يوم الدين، رب العالمين، الإله، هذه أسماء خاصة بالله عز وجل، فالحلف بها يمين .

    القسم الثاني: ما كان مشتركاً يُسمى الله عز وجل به، وكذلك أيضاً يسمى به المخلوق، لكن يغلب إطلاقه على الله عز وجل، مثل: الجبار والرزاق والملك ونحو ذلك، فهذا إن نوى نقول: بأنه إذا حلف به يمين، لكن إن نوى أن يحلف به المخلوق فهذا حلف بالمخلوق.

    القسم الثالث: ما يسمى به الله وغيره، ويغلب إطلاقه على غير الله عز وجل، أو نقول: لا يغلب إطلاقه على الله، يسمى الله عز وجل به ويسمى به غير الله، ولا يغلب إطلاقه على الله، مثل: الحي والعزيز والمؤمن إلى آخره، فهذا إن نوى الله عز وجل فيمين، وإن نوى المخلوق فهذه ليست يميناً شرعية، وإن أطلق فهذا موضع خلاف، والصواب أنها يمين؛ لأن المسلم لا يحلف إلا بالله عز وجل، فنقول: إن نوى الحلف بالله فهذه يمين، وإن نوى المخلوق فهذه ليست يميناً شرعية، وإن أطلق فهذا موضع خلاف، والذي يظهر والله أعلم أنها يمين شرعية؛ لأن المؤمن لا يحلف إلا بالله عز وجل.

    1.   

    الحلف بغير الله

    قال رحمه الله: (والحلف بغير الله محرم).

    الحلف بغير الله من المخلوقين أو المخلوقات محرم ولا يجوز، ولم يقل المؤلف رحمه الله: شرك. مع أن الحلف بغير الله شرك؛ لأن المؤلف لا يتكلم عن العقائد، وإنما يتكلم عن الحلال والحرام، فالعقائد لها مكان آخر، هو قال لك: محرم، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] ، وقد جاء عن ابن عباس بإسناد حسن: هو قول الرجل: وحياتي وحياتك ونحو ذلك، وقول: لولا كُليبة هذا لأتانا اللصوص، فنقول: إنه محرم ولا يجوز، خلافاً للشافعي رحمه الله فإنه يرى الكراهة.

    والحلف بغير الله من الشرك في الألفاظ، شرك أصغر، وإن اعتقد أن المحلوف به معظم كتعظيم الله عز وجل فإنه شرك أكبر مخرج من الملة.

    وكيف الجواب عما جاء في حديث طلحة بن عبيد الله الذي أخرجه مسلم وفيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأل عن الإسلام: (أفلح وأبيه إن صدق)، هنا حلف بغير الله عز وجل، نعم أفلح وأبيه إن صدق.

    هذه اللفظة أجاب عنها العلماء رحمهم الله بأجوبة كثيرة:

    الجواب الأول: قالوا: إن فيها تصحيفاً، وأن الأصل: أفلح والله، لكن حصل فيها تصحيف.

    والجواب الثاني: قالوا: إن هذا في أول الأمر قبل أن ينهى عن الحلف بغير الله عز وجل.

    والجواب الثالث: قالوا: إن هذا مما يجري على الألسنة، وهذا من أضعف الأجوبة؛ لأن الشرك أمره عظيم، ولا يتساهل فيه.

    والجواب الرابع: أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الخصوص يحتاج إلى دليل.

    وأحسن الأجوبة ما ذكره ابن عبد البر: أن هذه اللفظة غير محفوظة، ولهذا أعرض عنها البخاري ، ولم يخرجها في صحيحه، وإنما انفرد بها مسلم في صحيحه، فهذه لفظة شاذة.

    قال رحمه الله: (ولا تجب به كفارة).

    يعني إذا حلف بغير الله عز وجل، يقول المؤلف رحمه الله: لا تجب به كفارة، وإنما كفارته التوبة، ما دام أن هذا محرم، هذا لم ينعقد، وإنما كفارته التوبة.

    1.   

    شروط وجوب كفارة اليمين

    قال رحمه الله: (ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: الأول: أن تكون اليمين منعقدة)، الأيمان من حيث وجوب الكفارة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: اليمين المكفَّرة، يعني التي تدخلها الكفارة.

    والقسم الثاني: اليمين الغموس.

    والقسم الثالث: اليمين اللغو. ‏

    الشرط الأول: أن تكون اليمين منعقدة

    اليمين المكفَّرة هي اليمين التي تجب فيها الكفارة، يعني: ليست كل يمين تجب فيها الكفارة، وإنما التي تجب فيها الكفارة هي اليمين المكفَّرة، وعرفها المؤلف قال: (وهي التي قصد عقدها على مستقبل ممكن).

    يعني اليمين التي تكون منعقدة لابد أن يدخلها العقد، هذا شرط، والشرط الثاني: على أمر مستقبل، والشرط الثالث: أن يكون هذا المستقبل ممكناً، ولابد من هذه الشروط الثلاثة.

    وعلى هذا فلغو اليمين ليس فيها عقد؛ لأن التي يعقدها هي التي يتصور فيها البِر والحنث، مثل لو قال: والله لأسافرن اليوم، يتصور أنه يحنث أو يبر بيمينه، هذا التي عقد، أما التي على لسانه فلغو اليمين مثل: لا والله، وبلى والله، هذه ما قصد عقدها.

    اليمين الغموس لا يتصور فيها البر والحنث؛ لأن الغموس هي التي تكون على أمر ماض: والله إني ما ذهبت، ما يتصور هنا أنه يبر ويحنث، فلابد أيضاً نقول: المكفرة يتصور فيها العقد، يعني يمكن أن يبر فيها، أو أن يحنث فيها، هذا الشرط الأول.

    والشرط الثاني: تكون على أمر مستقبل، والشرط الثالث: ممكن، فإذا كان على أمر مستحيل: والله لأطيرن، والله لأقلبن الحجر ذهباً إلى آخره، فهذه لا تدخلها الكفارة.

    حكم كفارة اليمين الغموس

    قال رحمه الله: (فإن حلف على أمر ماضٍ كاذباً عالماً فهي الغموس).

    هذه اليمين تسمى غموساً؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم تغمسه في النار.

    واليمين الغموس لها صورتان:

    الصورة الأولى: هي التي يحلفها على أمر ماضٍ كاذباً عالماً، فلو قال: والله إني ما ذهبت وكذب، والله إني ما كلمت زيداً وكذب، فهذه يمين غموس.

    الصورة الثانية: اليمين التي يحلفها ليقتطع بها مال امرئ مسلم، كقول: والله إن هذا الحق لي، هذه من اليمين الغموس.

    لكن اليمين الغموس هل فيها كفارة أو ليس فيها كفارة؟

    المؤلف رحمه الله يرى أنه ليس فيها كفارة، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقد جاء عن ابن مسعود قال: كنا نعد من الذنب الذي لا كفارة فيه اليمين الغموس. وهذا أخرجه الحاكم والبيهقي وصححه الحاكم.

    والرأي الثاني: رأي الشافعي، وهو أن اليمين الغموس فيها الكفارة، ودليله على ذلك أنه إذا وجبت الكفارة في اليمين التي تكون على أمر مستقبل، يعني في اليمين المباحة من باب أولى أنها تجب في اليمين المحرمة، ولا شك أن هذا القياس ضعيف ولا يصح؛ لأنها إذا كانت غموساً عدم إيجابها في الغموس هذا ليس من باب التخفيف، وإنما من باب التنكيل والرد لفعله، وأنها شيء عظيم.

    وأيضا ذكر ابن القيم رحمه الله قاعدة وهي أن الكفارة إنما تجب في الأمور المباحة التي أصلها مباح، ثم طرأ عليها التحريم، مثل الوطء في نهار رمضان الأصل أنه مباح، لكن إذا وطأ في نهار رمضان طرأ التحريم هنا، وجبت الكفارة، ومثله أيضاً كفارة الظهار، الأصل يباح للزوج أن يطأ زوجته، لكن طرأ المنع من الوطء لوجود الظهار، فالصواب في ذلك ما عليه جمهور أهل العلم، وأن اليمين الغموس لا كفارة فيها.

    اليمين اللغو

    قال رحمه الله: (ولغو اليمين الذي يجري على لسانه بغير قصد، كقوله: لا والله وبلى والله).

    لغو اليمين اختلف فيه العلماء رحمهم الله، المشهور من المذهب أن لغو اليمين هو ما جمع صورتين:

    الصورة الأولى: هي ما يجري على لسان الشخص، كأن يقول: ذهبت لا والله، سأذهب، لا والله بلى والله سأذهب.

    الصورة الثانية: أن يحلف على أمر يظن صدق نفسه، كما لو قال: والله إن زيداً لم يأتِ، يظن أنه ما جاء، يظن صدق نفسه، ودليل ذلك قول الذي جامع في نهار رمضان: (والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا) هذا حلف على الظن، وأنه ما تتبع بيوت المدينة، وربما يكون في المدينة من هو أفقر منه، لكنه حلف على الظن، فالحلف على الظن جائز ولا بأس به.

    فعندنا صورتان للغو اليمين: الصورة الأولى: ما يجري على اللسان كما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها في البخاري ، والصورة الثانية: أن يحلف بناءً على الظن أو على غلبة الظن كما في قصة المجامع في نهار رمضان.

    وعند الشافعي رحمه الله أن لغو اليمين هي قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وعند الحنفية والمالكية أن لغو اليمين هي ما يحلفه بناءً على الظن.

    فالحنابلة جمعوا بين الرأيين.

    أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد أضاف فقال: إذا حلف على شخص يريد أن يكرمه لا أن يلزمه، فيجعلها من لغو اليمين، إذا حلف على شخص -مثلاً- أن يأكل ولا يريد أن يلزمه بالأكل، وإنما يريد أن يكرمه، واستدل على ذلك بقصة أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يبقى وألا يتخلف، فتخلف أبو بكر ؛ لأنه فهم من النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد أن يكرمه بالبقاء، لما تخلف أبو بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ثم وجد النبي صلى الله عليه وسلم نشاطاً، فخرج فذهب أبو بكر يتأخر، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى في مكانه، ومع ذلك لم يبق في مكانه، هنا أبو بكر فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكرمه لا أن يلزمه.

    فعند شيخ الإسلام للغو اليمين ثلاث صور، والحنابلة صورتان، والشافعية والحنفية كما تقدم.

    قال رحمه الله: (وكذا يمين عقدها يظن صدق نفسه فبان بخلافه فلا كفارة في الجميع).

    الشرط الثاني: الاختيار

    قال رحمه الله: (الثاني أن يحلف مختاراً، فإن حلف مكرهاً لم تنعقد يمينه).

    وهذا قول جمهور أهل العلم، أنه لو أُكره على الحلف، قيل له: احلف إنك ما تسافر اليوم، أكره على ذلك فإن يمينه لا تنعقد؛ لأنه لم يقصد العقد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:112] ، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    والرأي الثاني رأي الحنفية: أن المكره تنعقد يمينه، واستدلوا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد، وذكر منهن اليمين)، لكن هذا الحديث لا أصل له بهذا اللفظ، يعني النكاح والطلاق واليمين، هذا لا أصل له.

    الشرط الثالث: الحنث

    قال رحمه الله: (الثالث: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً ذاكراً).

    أيضاً لوجوب الكفارة كما تقدم ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة شروط.

    الشرط الثالث: أن يحنث في يمينه، والحنث في اليمين هو مخالفة اليمين، وهو أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، مثال ذلك: حلف أن يسافر اليوم، ثم ترك السفر، حلف ألا يسافر ثم سافر، هنا الآن حنث، واشترط المؤلف رحمه الله قال: مختاراً ذاكراً؛ لأنه كما تقدم عندنا قاعدة وهي أن سائر المنهيات يشترط فيها ثلاثة شروط: الذكر، والعلم، والاختيار.

    والحنث هذا من المنهيات، فيشترط فيه الذكر والاختيار، وكذلك أيضاً العلم، وتقدمت أدلتها. ‏

    قال: (فإن فعله مكرهاً أو ناسياً)، وكذلك أيضاً جاهلاً (فلا كفارة).

    حكم الاستثناء في اليمين مع الحنث

    قال: (ومن قال في يمين مكفرة: إن شاء الله لم يحنث).

    اليمين المكفرة هي التي عقدها على أمر مستقبل ممكن، فإذا قال: إن شاء الله لم يحنث، وهذه فائدة، ينبغي للمسلم إذا احتاج إلى اليمين أن يقيد اليمين بالمشيئة، فيستفيد فائدتين، الفائدة الأولى: أنك تمتثل أمر الله عز وجل، وتقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا [الكهف:23]، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)، قال: والله إن شاء الله.

    فيستفيد فائدتين: الفائدة الأولى: امتثال أمر الله والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، والفائدة الثانية: أنه إذا حلف ما عليه شيء، قال: والله لأسافرن اليوم إلى مكة، قل: إن شاء الله، إن سافرت بررت بيمينك، وإذا لم تسافر ما عليك كفارة، فهذا مخرج، لكن كثيراً من الناس يجهلون مثل ذلك، وقلنا: إن هذا مخرج لهم حتى في الطلاق، فلو قال: إن شاء الله ما وقع الطلاق، وكذلك في النذر وغيره، فينبغي أن يقيد يمينه بالمشيئة .

    والاستثناء بالمشيئة يشترط له شروط:

    الشرط الأول: الاتصال حقيقة أو حكماً، وقلنا: الصواب أنه لا بأس بالفاصل اليسير عرفاً.

    والشرط الثاني: أن يكون الاستثناء من الحالف نفسه، لو قال: والله لأسافرن ثم قال أبوه: إن شاء الله، ما يصح، لابد أن يكون من الحالف نفسه.

    والشرط الثالث: النية، لابد أن ينوي قبل تمام المستثنى منه، والصواب أن النية ليست شرطاً كما تقدم لنا.

    الشرط الرابع: أن يتلفظ، لو أنه نوى بقلبه ما يصلح، لابد أن يتلفظ بلسانه، ولهذا الملك قال لسليمان عليه الصلاة والسلام: قُل: إن شاء الله فلم يقل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو قال: إن شاء الله كانت دركاً لحاجته) .

    الحنث في اليمين إذا كان خيراً

    قال رحمه الله: (ويسن الحنث في اليمين إذا كان خيراً).

    ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)، وحديث عائشة : ( ما حلفتُ على يمين فرأيت غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني).

    والحنث قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مباحاً.

    متى يكون الحنث واجباً؟ إذا حلف على فعل محرم أو ترك واجب، مثل قال: والله لا أصلي مع الجماعة، نقول: يجب أن تحنث.

    متى يكون مستحباً؟ إذا حلف على ترك مستحب، كأن يقول والله لا أتسوك.

    متى يكون مكروهاً؟ إذا حلف على ترك مكروه، فحنث وفعل المكروه، مثل لو قال: والله لا آكل البصل، أو والله لا آكل الثوم، فحنث وأكل الثوم، نقول هنا: يكون الحنث مكروهاً.

    ومتى يكون مباحاً؟ إذا كان على أمر مباح.

    ومتى يكون محرماً؟ إذا حلف على فعل واجب، قال: والله لأصلين مع الجماعة، كونه يحنث هذا محرم، وعلى هذا فقس.

    وإخراج الكفارة قبل الحنث يسمى تحلة، وبعد أن يحنث في يمينه تسمى كفارة، ومن ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2]، فقبل أن تحنث تخرج الكفارة تسمى تحلة، يعني حلت اليمين، وإذا حنثت وأخرجت الكفارة هذه تسمى كفارة.

    حكم الكفارة على من حرم حلالاً غير الزوجة

    قال رحمه الله: (ومن حرّم حلالاً سوى زوجته من أمة أو طعام أو لباس أو غيره لم يحرم، وتلزمه كفارة يمين إن فعله).

    إذا قال لزوجته: أنتِ عليّ حرام، فعلى المذهب هذا ظهار، وقلنا: الصواب في ذلك إن قصد باليمين الحث والمنع والتصديق فيمين، وإن قصد الطلاق فطلاق، وإن لم يقصد شيئاً وإنما قصد مجرد التحريم فيمين.

    إذاً الصواب في تحريم الزوجة إن قصد الطلاق طلاق، وإن قصد اليمين الحث والمنع والتصديق والتكذيب يمين، وإن قصد مجرد التحريم فيمين.

    قال رحمه الله: (ومن حرم حلالاً سوى زوجته).

    مثل من حرم ركوب السيارة، حرم لبس الثوب، حرم أكل الطعام ونحو ذلك، فهذا لا يحرم عليه؛ لأن التحريم والتحليل إنما هو إلى الله عز وجل، والله عز وجل قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التحريم:1].

    قال رحمه الله: (وتلزمه كفارة يمين إن فعله)، لأن الله قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم:1-2] ، قال: فرض الله لكم تحلة أيمانكم.

    وأيضاً ما ورد عن ابن عباس في الصحيحين أنه قال في الحرام: يمين يكفرها.

    حكم الكفارة على من حلف بغير الإسلام

    إذا حلف بغير الإسلام كما لو قال: هو يهودي أو نصراني إن لم يسافر، أو مرتد، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو بريء من القرآن، فهذا محرم ولا يجوز بالاتفاق، وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف بملة غير الإسلام فهو كما قال).

    والمذهب ومذهب أبي حنيفة أنه تجب عليه الكفارة؛ لأن هذا وارد عن الصحابة كما في قصة ليلى بنت العجماء لما حلفت على مولاها بأنها يهودية ونصرانية، فأفتاها الصحابة رضي الله تعالى عنهم بكفارة اليمين.

    وعند المالكية والشافعية أنه لا تجب عليه كفارة، ودليلهم على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، ما أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفارة، قال: (من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله)، خرجاه في الصحيحين.

    فهو حلف الآن بالكفر، ودواء ذلك التوحيد كما أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم الكفارة.

    1.   

    صفة كفارة اليمين

    قال رحمه الله: (فصل: يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة).

    الكفارة في اللغة تطلق على معانٍ منها الستر والتغطية، وأما في الاصطلاح فهي ما يخرجه مَن حنث في يمينه من إطعام أو كسوة أو عتق أو صيام. ‏

    أقسام كفارة اليمين

    وكفارة اليمين تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: التكفير بالمال، والقسم الثاني: التكفير بالبدن.

    القسم الأول: على التخيير، ولا ينتقل إلى التكفير بالبدن حتى يعجز عن التكفير بالمال، فعندنا القسم الأول التكفير بالمال، نقول: أنت مخير بين أن تطعم عشرة مساكين، أو أن تكسوهم، أو أن تعتق رقبة، مخير بين هذه الأمور الثلاثة، ما تنتقل إلى التكفير بالبدن القسم الثاني حتى تعجز عن التكفير بالمال.

    والتكفير بالبدن يكون بصيام ثلاثة أيام، وهذه المسألة يجهلها كثير من الناس، فكثير من الناس يظن أن كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام، وبعض الناس يصوم وهو قادر أن يطعم عشرة مساكين، وهذا لا يصح.

    في القسم الأول: تخيير وترتيب عند الانتقال إلى التكفير بالبدن، بين القسم الأول والقسم الثاني ترتيب ليس تخييراً.

    حكم كفارة اليمين وضوابط إخراجها

    وحكم الكفارة أنها واجبة، وأيضاً يجب إخراجها على الفور، ويدل على الوجوب قول الله عز وجل: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] ، وإخراج الكفارة من حفظ اليمين كما تقدم، وحديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأْتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك)، قال: (فأْتِ الذي هو خير وكفر عن يمينك) هذا أمر، والأمر الأصل فيه الوجوب.

    بالنسبة لخصال الكفارة تقدم الكلام عليها في كتاب الظهار، وشروط المُطعم تقدم الكلام عليه، والرقبة متى تجب الرقبة، وشروط صحة إخراج الرقبة، هذا كله تقدم في كتاب الظهار.

    والصيام وما الذي يقطع التتابع، هذا تقدم الكلام عليه .

    قوله: (أو كسوتهم)، الكسوة أن يعطي كل واحد ما يجزئه في الصلاة، والمرأة يعطيها قميصاً وخماراً، هذه الكسوة.

    ومثل هذه الأشياء التي أطلقها الشارع يرجع في تحديدها إلى العرف، واشترط العلماء رحمهم الله للكسوة أن يكون الثوب مما ينتفع به، وألا يكون معيباً، إلا إذا كان شيئاً يسيراً، وأن يكون مما يلبسه هو وأهله، وأن يكون مباحاً، وأن يكون طاهراً.

    قال: (فصيام ثلاثة أيام)، صيام ثلاثة أيام؛ لأن هذا وارد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قراءة ابن مسعود : فصيام ثلاثة أيام متتابعة. وهذه القراءة فيها ضعف.