إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصيد قسمان: ما له مثل، وما ليس له مثل، فالأول ينقسم إلى: ما قضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة فيرجع فيه إلى النقل، وما ليس فيه ذلك فما قضى فيه عدلان، أما ما لا مثل له ففيه القيمة، وصيد الحرم محرم على المحرم والحلال، وهذا من جملة أحكام يختص بها

    1.   

    جزاء الصيد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب جزاء الصيد:

    في النعامة بدنة، وحمار الوحش وبقرته والإيل والثيتل والوعل بقرة، والضبع كبش، والغزال عنز، والوبر والضب جدي، واليربوع جفرة، والأرنب عناق، والحمامة شاة.

    باب صيد الحرم:

    يحرم صيده على المحرم والحلال، وحكم صيده كصيد المحرم، ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر، ويحرم صيد المدينة ولا جزاء، ويباح الحشيش للعلف، وآلة الحرث ونحوه، وحرمهما ما بين عير إلى ثور.

    باب دخول مكة:

    يسن من أعلاها، والمسجد من باب بني شيبة، فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد، ثم يطوف مضطبعاً، يبتدئ المعتمر بطواف العمرة، والقارن والمفرد للقدوم، فيحاذي الحجر الأسود بكله ويستلمه ويقبله، فإن شق قبل يده، فإن شق اللمس أشار إليه].

    تقدم معنا ما يتعلق بالفدية، وأن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أن الفدية على قسمين:

    القسم الأول: ما يكون على التخيير.

    والقسم الثاني: ما يكون على الترتيب.

    وأن الذي على التخيير ذكر فيه المؤلف رحمه الله فدية الطيب، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، هذه الخمسة فيها فدية الأذى، وأن من فعل شيئاً منها فهو مخير بين ثلاثة أمور: إما أن يطعم ستة مساكين، أو أن يصوم ثلاثة أيام، أو أن ينسك شاةً.

    والقسم الثاني مما يكون على التخيير: جزاء الصيد، وذكرنا أن الصيد لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون له مثل.

    والأمر الثاني: ألا يكون له مثل.

    وتكلمنا على جزاء الصيد وكيفيته.

    كذلك ذكر المؤلف رحمه الله القسم الثاني وهو ما يكون على الترتيب، وذكر ما يتعلق بدم المتعة ودم القران، وأن من كان متمتعاً يجب عليه الهدي، وإذا لم يقدر على الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعةً إذا رجع إلى أهله، وذكرنا ما هو وقت الجواز لصيام هذه الأيام الثلاثة، وما هو وقت الأفضلية، وكذلك ذكرنا ما هو وقت الجواز لصيام السبعة، وما هو وقت الأفضلية.

    وقلنا: إنه مما يجب على الترتيب: دم الإحصار، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أن المحصر يجب عليه دم، فإذا لم يجد دماً فإنه يصوم عشرة أيام، وذكرنا أن هذا الصيام لا دليل عليه، كذلك ذكرنا ما يتعلق بالجماع في الحج قبل التحلل، وأنه يجب عليه بدنة لقضاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإذا لم يجد فإنه يصوم عشرة أيام، وقلنا أيضاً: بأن هذا الصيام لا دليل عليه.

    وتقدم معنا ما يعذر فيه بالجهل والنسيان، وما لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، وأن المشهور من المذهب هو التفريق بين ما كان من قبيل الإتلاف فإنه لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، كتقليم الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد، والجماع، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: ذكرنا أنه لا يعذر فيه بالجهل والنسيان مطلقاً، سواء كان من قبيل الإتلاف أو لم يكن من قبيل الإتلاف.

    والرأي الثالث: يقابل هذا الرأي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأنه يعذر في الجهل والنسيان في سائر المحظورات، وذكرنا القاعدة العامة في الشريعة، وأن سائر المنهيات لا يترتب عليها أثرها إلا إذا توفرت فيه شروط ثلاثة: الأول: الذكر، والثاني: الاختيار، والثالث: العلم.

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب جزاء الصيد).

    المقصود بجزاء الصيد وحكمه

    المراد بقوله: (باب جزاء الصيد). أي: ما يستحق من بدل الصيد على من أتلفه بمباشرة أو تسبب.

    وجزاء الصيد واجب، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، فالواجب جزاء مثل ما قتل من النعم.

    يقول المؤلف رحمه الله: (في النعامة بدنة وحمار الوحش وبقرته والإيل والثيتل والوعل بقرة).

    جزاء الصيد ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما له مثل.

    والقسم الثاني: ما ليس له مثل.

    جزاء الصيد الذي له مثل

    القسم الأول: ما له مثل نرجع فيه إلى قضاء النبي صلى الله عليه وسلم إن وجد، فإن لم يوجد فإننا نرجع فيه إلى قضاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن لم يوجد فكما قال الله عز وجل: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، فما له مثل تحته هذه الأقسام الثلاثة:

    القسم الأول: أن يكون هناك قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم، فنرجع إلى قضاء النبي عليه الصلاة والسلام كما سيأتينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع.

    القسم الثاني: ألا يكون هناك قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قضاء من الصحابة، فإننا نرجع إلى قضاء الصحابة كما سيأتينا إن شاء الله عند شرح كلام المؤلف.

    القسم الثالث: ألا يكون هناك قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من الصحابة، فهذا كما قال الله عز وجل: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95]، فيوكل الأمر إلى اثنين من أهل الخبرة يحكمان في هذا الصيد الذي أتلف، وما مثله ما يشابهه من بهيمة الأنعام، فيجب على هذا المتلف ما يحكم به هذان العدلان الخبيران.

    نحن ذكرنا إن كان هناك حكم من النبي صلى الله عليه وسلم، فإننا نرجع إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الأشياء التي حكم فيها النبي صلى الله عليه وسلم الضبع، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع كبشاً كما رواه أبو داود وابن أبي شيبة والدارمي وغيرهم، وهذا الحديث صححه البخاري كما نقله الترمذي في علله الكبرى.

    قال رحمه الله: (في النعامة بدنة).

    هذا فيما يتعلق بالقسم الثاني، وهو ما قضت به الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فالنعامة حكم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن فيها بدنة، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا إجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وابن عمر وابن عباس وابن الزبير فهؤلاء حكموا أن في النعامة بدنة.

    قال رحمه الله: (وحمار الوحش) ورد أيضاً عن الصحابة الذين سبق ذكرهم وهم عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير أنهم حكموا في حمار الوحش بقرة.

    كذلك قال: (وبقرته)، أيضاً بقرة حمار الوحش وهي: أنثاه فيها بقرة، ودليل ذلك أنه وارد عن الصحابة السابق ذكرهم رضي الله تعالى عنهم.

    وكذلك أيضاً في الإيل بقرة، وأيضاً هذا وارد عن الصحابة السابق ذكرهم رضي الله تعالى عنهم.

    وكذلك أيضاً ورد عنهم أنهم قضوا في الضبع بكبش، وقضوا في الغزالة بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، هذا كله وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    قال رحمه الله: (والثيتل والوعل بقرة).

    الثيتل هو: الوعل المسن، وكذلك الوعل فيه بقرة، وهذا أيضاً وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك يقول المؤلف: (في الوعل بقرة)، وهذا وارد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والوعل هو الأروى، وهو تيس الجبل.

    قال المؤلف رحمه الله: (والضبع كبش)، الضبع قد حكم فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما سلف لنا في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه.

    قال رحمه الله: (والغزالة عنز)، وهذا ورد من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الغزالة عنزاً، وهو إجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    قال: (والوبر) الوبر هو: دويبة دون السنور، دويبة دون القط، السنور لا ذنب لها، هذا فيها جدي، والضب جدي، وهذا قضى به عمر رضي الله تعالى عنه، وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، والجدي هو: الذكر من أولاد المعز وله ستة أشهر.

    قال: (واليربوع جفرة)، هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما سلف لنا أنهم قضوا في اليربوع بجفرة، والجفرة لها أربعة أشهر، وفي الأرنب عناق، العناق هي: الأنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة، وسبق لنا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قضوا فيها بعناق.

    قال: (والحمام شاة)، الحمامة فيها شاة وقد قضى بها عمر رضي الله تعالى عنه وعثمان وابن عمر وابن عباس ... إلى آخره، قضوا في حمام الحرم بأن فيها شاة، هذه الأشياء هي التي قضى فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وقضى فيها الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    القسم الثالث: ما لم يقض به النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فهذا كما قال الله عز وجل: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، هذا فيما له مثل من الصيد.

    جزاء الصيد الذي ليس له مثل

    أما ما لا مثل له من الصيد كالعصافير ونحو ذلك فهذا فيه القيمة، العصافير والبلابل والأوز والحبارى والحجل...، هذا كله فيه قيمته، وكما تقدم لنا أنه مخير بين أن يشتري الطعام أو أن يخرج من بيته ويطعم هذا الطعام للمساكين، أو أنه يصوم بدلاً عن كل مد يوماً.

    1.   

    الأحكام المتعلقة بحرم مكة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صيد الحرم).

    الحرم المقصود به حرم مكة.

    صيد الحرم

    يقول المؤلف رحمه الله: (يحرم صيده على المحرم والحلال) وهذا بالإجماع، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة).

    قال: (وحكم صيده كصيد المحرم).

    يعني: أن فيه الجزاء، ويدل لذلك ما تقدم عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم حكموا في حمام الحرم بشاة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، خلافاً لـداود الظاهري حيث يرى أن صيد الحرم لا جزاء فيه لعدم وروده، لكن نقول: بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وهل بحرية فيه جزاء أو لا جزاء فيه؟

    لو فرض أن حرم مكة فيها بحيرة، أو حصل فيها بحيرة ماء ونحو ذلك، وصيد فيه فهل فيه جزاء، أو نقول: بأنه لا جزاء فيه؟

    المذهب: أنه يحرم صيد بحرية ولا جزاء فيه.

    والوجه الثاني في المذهب: لا يحرم ولا جزاء فيه، وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وعلى هذا لو صيد السمك في مكة فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    ولو كان من صاد في حرم مكة محرماً، فهل نقول: يلزمه جزاءان: جزاء للحرم وجزاء للإحرام، أو نقول: بأنه يلزمه جزاء واحد؟

    المشهور من المذهب: أنه يلزمه جزاء واحد؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة:95]، فعليه أن يخرج مثل ما قتل من النعم، وهذا هو الأقرب في هذه المسألة.

    يعني: أن الأحكام المتعلقة بحرم مكة، ذكر المؤلف له أحكام هي:

    الحكم الأول: (يحرم صيده على المحرم والحلال)، وهذا الحكم الأول.

    قال: (وحكم صيده كصيد المحرم)، وهذا الحكم الثاني.

    والحكم الثالث ذكرنا ما يتعلق بالبحرية، هل فيه جزاء؟ وهل يحرم أو لا؟

    وذكرنا إذا كان محرماً هل يجب عليه جزاء واحد أو جزاءان وهذا هو الحكم الرابع.

    قطع شجر الحرم

    الحكم الخامس: قال: (ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين) ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها)، وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يختلى شوكها).

    قال: (إلا الإذخر) هذا مستثنى، وهذا الحكم السادس، والإذخر هو: حشيش طيب الرائحة، فالإذخر مستثنى؛ لأن العباس بن عبد المطلب لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تحريم حرم مكة، وأنه (لا يعضد شجرها، ولا يحش حشيشها، ولا يختلى شوكها، قال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر)، وهذا الحكم السادس أن الإذخر يكون مستثنى.

    كذلك مما يستثنى ما أنبته الآدمي، كما في طرقات مكة، فالذي يوجد في طرقات مكة قطعه جائز ولا بأس به، ولا يدخل في الشجر الذي يحرم قطعها، وكذلك استثنى العلماء رحمهم الله من ذلك الثمرة، فلو أنه نمت شجر في حرم مكة وكان لها ثمار فلا بأس بأخذ الثمرة.

    كذلك استثنى العلماء رحمهم الله الكمأة فهذا لا بأس أن يؤخذ.

    كذلك استثنى العلماء رحمهم الله تعالى قطع اليابس، إذا كان هناك حشيش يابس، فإن هذا جائز أن يقطع.

    قطع ما يحتاج إليه من شجر الحرم

    وهل يقاس على أخذ الإذخر ما يحتاج إليه؟ فقد يحتاج إلى بعض أوراق شجر الحرم كالسواك، أو يحتاج إلى شيء من أغصانه في التداوي ونحو ذلك، فهل هذا جائز أو أن هذا لا يجوز؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يجوز، وأنه يتوقف على مورد النص، فلا يجوز أن نأخذ المساويك، ولا يجوز أن نأخذ ما يحتاج إليه من أوراق أو أغصان قد يحتاج إليها في صنع دواء أو في صناعة أو نحو ذلك.

    والرأي الثاني: وهو عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى: أنه يجوز أن يؤخذ ما لم يضر بالشجر أو الحشيش، قياساً على الإذخر، فيقولون: ما لم يضر بالشجر أو الحشيش، فإنه يجوز أن يؤخذ قياساً على الإذخر، والله أعلم.

    ويستثنى من ذلك رعي الحشيش فهذا لا بأس به، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأنه قال: (وتركت الأتان ترتع...)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة في ترك البيتوتة كما سيأتينا بمنى، وفي الرمي إلى آخره؛ لأن الرعاة يشتغلون برعي الإبل، فلا بأس أن ترعى الماشية في حرم مكة، لكن حش الحشيش من أجل البهائم لا يجوز، العلماء يقولون: لا يجوز اقتصاراً على مورد النص، كذلك ما قطع من الأشجار والأغصان والورق، هذا يجوز للمحرم وغير المحرم، يجوز لمن كان في مكة أو خارج مكة أن ينتفع به.

    جزاء قطع شجر مكة

    فيصيده في الحرم فيه جزاء، لكن بالنسبة لشجر الحرم، هل فيه جزاء، أو لا جزاء فيه؟ صيده كما تقدم أن المؤلف رحمه الله يقول: بأنه كصيد الإحرام فيه الجزاء كما سلف، وخالف في ذلك داود الظاهري ، لكن بقينا في شجره، هل فيه جزاء، أو نقول: بأن شجره لا جزاء فيه؟

    المشهور من المذهب، وهو قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى: أن فيه الجزاء، وأن الشجرة الكبيرة عرفاً فيها بقرة، والشجرة الصغيرة عرفاً فيها شاة، وقالوا: بأن هذا وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعند المالكية أنه لا جزاء فيه؛ لعدم الدليل، والحنفية يقولون: الجزاء القيمة.

    أما بالنسبة للحشيش فهذا فيه قيمته، وكذلك الورق فيها القيمة.

    1.   

    الأحكام المتعلقة بالمدينة

    خلاف العلماء في حرمة المدينة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم صيد المدينة).

    المدينة حرم عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لأهلها بمثلي ما دعا به إبراهيم لمكة)، وهو ثابت في الصحيحين.

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يصح أن تقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره)، رواه أبو داود في سننه.

    وعند أبي حنيفة أن المدينة ليست حرماً، والصواب ما دلت عليه السنة، وأن المدينة حرم كما ثبت في الصحيحين، وكما ذكرنا أيضاً من حديث علي رضي الله تعالى عنه في سنن أبي داود ، وحديثه وإن كان فيه ضعف، لكن قد ورد الحديث في الصحيحين كما تقدم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لأهلها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة).

    صيد المدينة وقطع شجرها وترتب جزاء ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا جزاء فيه).

    يعني: ما حرم من صيد المدينة وشجرها وحشيشها، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه لا جزاء فيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى: أن صيد المدينة فيه سلب الصائد، يعني: يؤخذ ما على الصائد من ثياب وما معه من سلاح ودابة ونحو ذلك، ويتصدق به، ويدل لذلك حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: (أنه ركب إلى قصره فوجد عبداً يقطع شجراً أو يخبطه فسلبه، وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم)، رواه مسلم في صحيحه.

    فما حرم من الصيد في المدينة وكذلك كما في الرأي الثاني أن ما حرم من صيدها وشجرها... إلى آخره، هذا فيه سلب الصائد، أو المعتدي على أشجارها ونحو ذلك، ودليل ذلك كما سلف حديث سعد رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم ، وظاهر حديث سعد رضي الله تعالى عنه أن هذا السلب يملكه من وجد من يصيد أو يقطع، والشافعي رحمه الله كما ذكرنا على الرأي الثاني، لكنه قال: يتصدق به على فقراء المدينة.

    وفيه قول للشافعي رحمه الله تعالى: أن هذا السلب للآخذ، كما جاء في حديث سعد رضي الله تعالى عنه، وهذا هو الأقرب، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويباح الحشيش للعلف) يعني: لا بأس أن يؤخذ من حرم المدينة الحشيش للعلف.

    وكذلك: (آلة الحرث)، آلة الحرث يعني: ما يحتاج إليه في الزراعة، وما يحتاج إليه في الركوب، فهذا لا بأس أن يؤخذ من شجر المدينة ما يحتاج إليه في الزراعة، وما يحتاج إليه في الركوب، يعني: آلة الركوب التي توضع على الإبل ونحو ذلك أو الحرث... إلى آخره، يقول لك المؤلف رحمه الله: بأن هذا جائز ولا بأس به، ودليل ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه، (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهم في القائمتين والوسادة والعارضة والمسند... ) إلى آخره، وهذا الحديث فيه ضعف.

    وتقدم حديث علي رضي الله تعالى عنه: (إلا أن يعلف الرجل بعيره)، في سنن أبي داود ، وهذا الحديث أيضاً فيه ضعف.

    المهم نفهم أن حرم المدينة أقل تحريماً من حرم مكة، ويفهم من ذلك أن تحريم حرم مكة أصلي، وأما تحريم حرم المدينة فحادث ليس أصلياً، وأن العلماء رحمهم الله يجمعون على أن حرم مكة حرم، وأما بالنسبة لحرم المدينة فهم يختلفون في ذلك، فالجمهور على أنه حرم، وعند أبي حنيفة أنه ليس حرم، والعلماء رحمهم الله في حرم المدينة يستثنون قطع العلف، ويستثنون ما يحتاج إليه من الأشجار في الزراعة وفي الركوب، لكن الأحاديث الواردة في ذلك فيها ضعف، لكن العلماء استثنوا ذلك كما سلف.

    حدود الحرم المدني

    قال المؤلف رحمه الله: (وحرمها ما بين عير إلى ثور).

    عير هو: جبل مشهور هناك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن عير عند الميقات، وسمي بهذا الاسم لأنه يشبه العير، أي: الحمار.

    وقال: (إلى ثور)، وثور: جبل من ناحية أحد كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فنقول: جبل من ناحية أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة، والفقهاء يقولون: بأنه خلف أحد من جهة الشمال، وما بين عير وثور هو ما بين لابتيها كما جاء في الحديث: (ما بين لابتيها حرم)، وسبق أن كتبنا قديماً فروقاً بين حرم مكة وحرم المدينة، وقد ذكرنا فروقاً كثيرة ما يقرب من عشرين أو ثلاثين فرقاً.

    الفروق بين الحرم المكي والحرم المدني

    تقدم في الدرس السابق أن أشرنا إلى الفروق بين حرمي مكة والمدينة، والحمد لله أتى بها هنا مزدوجة، وسبق أن جمعناها في بعض الدروس، وهي:

    أولاً: أن حرم مكة تحريمه أصلي، بخلاف حرم المدينة فإنه حادث.

    ثانياً: أن حرم مكة لا يدخله المشرك، بخلاف حرم المدينة فإن له أن يدخله.

    ثالثاً: أن حرم مكة يحرم فيه القتال إلا للدفاع بخلاف حرم المدينة.

    رابعاً: أن حرم مكة يشترط أن يدخله محرماً عند أكثر أهل العلم، بخلاف حرم المدينة.

    خامساً: أن تحريم صيد مكة ثابت بالنص والإجماع، بخلاف صيد المدينة وشجرها فإنه مختلف فيه.

    سادساً: أن الإثم المترتب على صيد حرم مكة أعظم من الإثم المترتب على صيد حرم المدينة.

    سابعاً: أن حرم مكة يحرم شجره وحشيشه إلا الإذخر، ولو لحاجة بخلاف شجر المدينة وحشيشها فيجوز للحاجة.

    ثامناً: أن حرم مكة فيه الجزاء، أما حرم المدينة ففي جزائه الخلاف.

    تاسعاً: أن الصيد إذا قتل في حرم مكة حرم أكله بخلاف حرم المدينة.

    عاشراً: أن الصيد إذا أدخل حرم مكة فإنه يلزم إطلاقه على خلاف، أما حرم المدينة فلا يلزم.

    الحادي عشر: أنه يحرم بيع وإجارة بيوت حرم مكة على خلاف، أما حرم المدينة فلا يحرم.

    الثاني عشر: أن حرم مكة لا تحل لقطته إلا لمنشد، بخلاف حرم المدينة فإنه كسائر البلدان.

    الثالث عشر: أن حرم مكة يعاقب فيه من هم بالسيئة بخلاف حرم المدينة.

    الرابع عشر: أن حرم مكة يحرم فيه حمل السلاح، بخلاف حرم المدينة.

    الخامس عشر: أن حرم مكة يحرم فيه إقامة الحدود والقصاص عند بعض العلماء.

    السادس عشر: أن حرم مكة تغلظ فيه الدية بخلاف حرم المدينة.

    السابع عشر: أن من جنى جنايةً ثم التجأ إلى حرم مكة لا يقتص منه على خلاف، بخلاف حرم المدينة.

    الثامن عشر: أن المضاعفة في المسجد الحرام أكثر من المسجد النبوي.

    التاسع عشر: أن المضاعفة في حرم مكة عامة في سائر الحرم عند الجمهور، أما حرم المدينة فهي خاصة بالمسجد.

    العشرون: أن ما زيد في المسجد الحرام له حكم المزيد بخلاف مسجد النبي ففيه الخلاف.

    إحدى وعشرون: إن حرم مكة يجوز فيه الصلاة في أوقات النهي عند الشافعية.

    الثاني والعشرون: أيهما أعظم بركة مكة أم المدينة؟

    الثالث والعشرون: أيهما أفضل سكنى مكة أم المدينة؟ قال بعض أهل العلم: مكة أفضل، وهناك جمع جيد وهو: أن من أراد العبادة فمكة أفضل، ومن أراد السكنى فالمدينة أفضل؛ لحديث: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل).

    1.   

    ما يشرع عند دخول مكة

    قال المؤلف رحمه الله: (باب دخول مكة).

    موضع الدخول والخروج من مكة

    قال: (يسن من أعلاها).

    يعني: يسن دخول مكة من أعلاها، من ثنية كداء، العلماء يقولون: افتح وادخل، وضم واخرج، فالسنة أن تدخل مكة من ثنية كداء، ويخرج من ثنية كُدى، والخروج يستحب أن يكون من أسفلها، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى)، والحديث في الصحيحين.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: يستحب الدخول من أعلاها، هذا النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل مكة من أعلاها، لكن هل فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل القصد أو فعله على سبيل الاتفاق؟

    إذا قلنا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل الاتفاق لم يكن سنة، وإن قلنا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل القصد كان سنة، هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل القصد، ولهذا قال: يستحب الدخول من أعلاها، وهذا ذهب إليه النووي رحمه الله تعالى، ويؤيد ذلك أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التأسي، فما دام النبي صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل القصد نتأسى به.

    وعلى هذا إذا كان طريقه على غير الثنية العليا فإنه ينحرف إليه ويدخل منه.

    والرأي الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله على سبيل الاتفاق، وإذا كان كذلك فإنه لا يكون سنة أن يتقصد المسلم الدخول من هذه الثنية؛ قالوا: لأنه كان بإزاء طريقه.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن نقول: الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التأسي، هذا يؤيده هذه القاعدة، فنقول: الأصل التأسي، وعلى هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله إن تيسر للمسلم أن يدخل من الثنية العليا فهذا هو الأحسن.

    والثنية العليا هي اليوم من جهة ما يسمى بالحجون.

    الغسل عند دخول مكة

    وهل يستحب الغسل عند دخول مكة، أو نقول: بأنه لا يستحب؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يستحب الغسل عند دخول مكة، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه كان يبيت بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ويدخل مكة نهاراً، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله).

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا اغتسل في الميقات ثم جاء قريباً فإنه لا يشرع أن يغتسل مرةً أخرى، فالنبي صلى الله عليه وسلم اغتسل في ميقات ذي الحليفة، وجلس ما يقرب من تسعة أيام يمشي، ولا شك أنه سيكون لحقه شيء من الشعث ونحو ذلك، لكن في وقتنا اليوم نجد أن الإنسان يغتسل في الميقات، ثم بعد ساعات يكون وصل إلى مكة، فهذا الغسل السابق يكفي، كما أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر أن الغسل لا يشرع للحلال، يعني: لمن دخل مكة وهو حلال، وإنما يشرع إذا دخل وهو محرم، وكذلك طال الوقت بين الغسلين، أما إذا كان الغسل قريباً فإنه لا معنى لذلك، بل يكتفى بالغسل السابق.

    الدخول إلى المسجد الحرام من باب بني شيبة نهاراً

    قال: (والمسجد من باب بني شيبة).

    يعني: يقول المؤلف رحمه الله: يستحب أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة، وباب بني شيبة الآن غير موجود؛ لأن باب بني شيبة كان في الزمن السابق قريباً من الكعبة، أما الآن فهو غير موجود، لكن المؤلف رحمه الله ذكر ذلك، ولعله كان في وقت المؤلف موجوداً، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر دخل من باب بني شيبة.

    كذلك يستحب أن يدخل مكة نهاراً؛ لما تقدم من حديث ابن عمر وحديث جابر رضي الله تعالى عنه، النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في ارتفاع الضحى، فإذا تيسر له ذلك فهذا هو السنة.

    كذلك من السنن أنه إذا دخل مكة أن أول شيء يشرع به أن يقصد المسجد الحرام، يعني: قبل كل شيء إذا تيسر له أن يقصد المسجد الحرام فهذا هو السنة، كما هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    الذكر عند رؤية البيت

    قال المؤلف رحمه الله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد).

    هل هناك ذكر خاص عند دخول المسجد الحرام، أو ليس هناك ذكر خاص؟

    الفقهاء يذكرون ذكراً خاصاً، لكن هذا لم يثبت به شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: إذا دخل يقول: باسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب فضلك، فالصواب أن يقال: بأن دخول المسجد الحرام كدخول سائر المساجد، يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسأل الله رحمته، وإذا خرج يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله فضله.

    قال رحمه الله: (فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد).

    يرفع يديه ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيماً وتشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً، كل هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالصواب في مثل هذه الأذكار: الأذكار التوقيفية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقول: لا يشرع منها إلا ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الطواف

    طواف القدوم مضطبعاً

    قال: (ثم يطوف مضطبعاً).

    في طواف القدوم أول ما يقدم مكة يطوف مضطبعاً، والاضطباع هو: أن يجعل منتصف الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وهذا الطواف -طواف القدوم- يشرع فيه سنتان:

    السنة الأولى: الاضطباع كما سلف، وهو أن يجعل منتصف ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ويدل لذلك حديث يعلى بن أمية : (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعاً).

    والاضطباع ليس من سنن الإحرام، فبعض الحجاج والمعتمرين يظنون أن الاضطباع من سنن الإحرام، فتجده من حين أن يحرم يضطبع، الاضطباع من سنن القدوم، يعني: إذا أراد أن يشرع في طواف القدوم فإنه يضطبع، وقبل ذلك يكون مرتدياً بردائه، يعني: يلف رداءه على بدنه الأعلى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة، والقارن والمفرد للقدوم، فيحاذي الحجر الأسود بكله).

    هذا المشهور من المذهب، وهذا من شروط صحة الطواف، وسيأتينا بقية شروط صحة الطواف وأنه لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه، وذلك بأن يقف مقابل الحجر الأسود مبصراً لضلعي البيت الذي عن يمينه وعن يساره، ولا يخرج شيء من بدنه، يعني: يقابل ضلعي البيت، لا بد أن يحاذيه بكل بدنه، لو حاذاه ببعض بدنه لا يجزئ، ولا يصح طوافه.

    إذاً: على المذهب تكون محاذياً للحجر الأسود بكل بدنك، فلا يخرج شيء من البدن لا جهة اليمين، ولا جهة اليسار، فلو خرج لم يصح طوافك، نعم، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام : أنه يجزئ أن يحاذي ولو ببعض بدنه، فإذا حاذى ببعض البدن فإن هذا مجزئ.

    استلام الحجر الأسود ومراتبه

    قال رحمه الله: (ويستلمه).

    ومعنى استلام الحجر الأسود: أن يمسحه بيده اليمنى، واستلام كل شيء بحسبه، ويدل لذلك حديث جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الحجر فأستلمه)، رواه مسلم في صحيحه.

    قال رحمه الله: (ويقبله).

    التقبيل هو: أن يضع شفتيه عليه دون صوت، قال العلماء: يقبله بلا صوت، وذلك بأن يضع شفتيه على الحجر الأسود، ويدل لذلك حديث عمر : (ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافاً للإمام مالك الذي لا يرى تقبيل الحجر الأسود، لكن ما دام أنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فنصير إلى ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    ويسجد عليه، يعني: بعد أن يقبله يضع جبهته وأنفه عليه، وهذا ما عليه الجمهور، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه بدعة، فهو لا يرى السجود عليه، لكن ما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما ورد عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بل ورد مرفوعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وصححه ابن خزيمة وابن السكن والحاكم وغيرهم.

    قال رحمه الله: (فإن شق قبل يده).

    يعني: المرتبة الأولى: استلام الحجر الأسود بيمينه، يمسحه بيده اليمنى، ويسجد عليه.

    فإذا شقت عليه هذه المرتبة فإنه يصير إلى المرتبة الثانية: وهي أن يستلمه بيده اليمنى، ثم بعد ذلك يقبل يده اليمنى.

    ويدل لذلك حديث ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه بيده وقبل يده).

    قال رحمه الله: (فإن شق اللمس أشار إليه).

    بقيت في مرتبة ثالثة لم يذكرها المؤلف رحمه الله، وهو أنه إذا شق عليه أن يستلمه بيده اليمنى ويقبل يده، المرتبة الثالثة: أنه يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث استلم الحجر الأسود بمحجن معه وقبل هذا المحجن.

    المرتبة الرابعة والأخيرة: إذا شق عليه فإنه يشير إليه بيده اليمنى إشارة واحدة؛ لأن البدل له حكم المبدل، الإشارة هذه تقوم مقام الاستلام، فأصبحت المراتب أربعاً:

    المرتبة الأولى: أن يستلمه بيده اليمنى ويقبله ويسجد عليه.

    المرتبة الثانية: أن يستلمه بيده اليمنى ويقبل يده اليمنى.

    المرتبة الثالثة: أن يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء.

    المرتبة الرابعة والأخيرة: أن يشير إليه.

    لذلك قال المؤلف رحمه الله: (فإن شق اللمس أشار إليه) ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر).

    قال رحمه الله: (ويقول ما ورد).

    هذا يأتينا إن شاء الله ماذا يشرع أن يقال؟

    1.   

    الأسئلة

    استعمال أدوات الوظيفة في أعمال خاصة

    السؤال: يقول: هل يجوز استعمال جهاز اللابتوب التابع للعمل في أشياء مخصوصة؟

    الجواب: لا، الآلات الخاصة بالعمل تستخدم في العمل، إلا ما جرى العرف أنها تستعمل في الأشياء الخاصة، الذي يظهر والله أعلم أنه لا بأس إذا جرى العرف، مثلاً الهاتف، عُرف النظام وضع الهاتف لكي يستفيد منه الموظف حتى في أموره الخاصة، قد يحتاجه ليتصل لأمور خاصة، فهذا يظهر أنه لا بأس، واستخدام الهاتف يختلف، لكن قد جرى العرف أنه يستخدم في حاجات خاصة داخل البلد ونحو ذلك، أما بالنسبة لاستخدام الأجهزة اللابتوب أو آلات التصوير، مثل: القلم كونه يستخدمه في أمور يسيرة، وهي: الأمور التي جرى العرف أنه يتسامح فيها فلا بأس، أما ما عدا ذلك فإنه لا يستخدم، يعني: إذا كان استخدام اللابتوب في أمور يسيرة إلى آخره، الذي يظهر أن هذا جائز ولا بأس به، فالضابط ما دل عليه العرف، فإذا كان عرف الناس والنظام أنه يتسامح في مثل هذه الأشياء، نقول: هذا جائز.

    نصيحة لتائب

    السؤال: هذا يقول: أريد منكم نصيحة والدعاء لي بقبول توبتي؟

    الجواب: نسأل الله عز وجل أن يمن عليك بقبول التوبة، وأن يثبتك على ذلك، و(من تاب تاب الله عليه)، من تاب من ذنب فإن الله يبدل سيئاته حسنات، والله سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، فإذا تاب الإنسان وأقلع عن الذنب فليبشر، فإن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، ويبشر بمحبة الله، ويبشر بثواب الله وجزائه، وأن الله سبحانه وتعالى يبدل حسناته سيئات، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن عليك بالثبات على هذه التوبة، وأن يجعلها خالصةً لله عز وجل، وأن يرزقك بدلاً من الأعمال السيئة السابقة الأعمال الصالحة إنه ولي ذلك والقادر عليه.