إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب الصيام برؤية هلال رمضان، فإن حال دونه سحابة أو ما شابه فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً، ويجب الصوم على من رأى الهلال ولو لم تقبل شهادته، ويجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر على الصيام، والصحيح في الحائض والنفساء إذا أفطرتا أثناء النهار أنه لا

    1.   

    تابع رؤية الهلال

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوال صام. ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر.

    وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء، على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطراً. ومن أفطر لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً، ويسن لمريض يضره، ولمسافر يقصر.

    وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً.

    ومن نوى الصوم ثم جُن أو أُغمي عليه جميع النهار ولم يُفق جزءاً منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط].

    تقدم لنا جملة من أحكام الصيام، ومن ذلك تعريف الصيام في اللغة والاصطلاح، وأنه يجب بواحد من أمور ثلاثة:

    الأول: رؤية هلال رمضان، والثاني: إكمال العِدة، والثالث: إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، هل يجب الصوم أو لا يجب الصوم؟ إلى آخره. وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وأيضاً ما يتعلق بالحساب الفلكي، وأن جمهور أهل العلم على أنه غير معتبر.

    ثم قال: (وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم يُر الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفطروا).

    الصيام برؤية واحد ثلاثين يوماً ولم يُر الهلال

    هنا مسألتان:

    المسألة الأولى يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا صاموا برؤية واحد ثلاثين يوماً ولم يُر الهلال، فإننا لا نُفطر، إذاً ما العمل؟ نصوم يوماً، وعلى هذا نصوم واحداً وثلاثين يوماً.

    صورة المسألة: رؤي الهلال، وثبتت رؤيته بواحد، أتممنا العِدة ثلاثين يوماً ولم نر الهلال، فيقول المؤلف رحمه الله: نزيد يوماً، وعلى هذا نصوم واحداً وثلاثين يوماً ثم نُفطر.

    إن رأينا الهلال أفطرنا، لكن إذا لم نر الهلال، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأننا نزيد يوماً ثم بعد ذلك نفطر، لماذا نزيد يوماً؟ قالوا: لأن هلال شوال لا تثبت رؤيته إلا باثنين، ولو قلنا: بأننا نفطر إذا أتممنا ثلاثين يوماً نكون قد أفطرنا بناء على رؤية واحد، لأن الثلاثين هذه مبنية على رؤية واحد، وإذا كان كذلك فإننا لا نفطر، بل نزيد يوماً، هذا هو المشهور من المذهب، أننا إذا أتممنا ثلاثين يوماً، وكانت الرؤية مبنية على رؤية واحد، فإننا لا نفطر، بل نزيد يوماً مادمنا لم نر الهلال.

    أما إن رأينا الهلال فالأمر في هذا ظاهر، وعلتهم كما تقدم أن هذه الثلاثين التي صمناها مبنية على رؤية واحد، ولو قلنا: بأننا نفطر للزم من ذلك أن يخرج الشهر برؤية واحد، والشهر لا يخرج إلا برؤية اثنين، هذا المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني وهو رأي الشافعية، أننا إذا صمنا ثلاثين يوماً برؤية واحد، ولم نر الهلال، فإننا نفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر وغيره: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فأكملوا العِدة). والآن نحن أكملنا العِدة، صمنا ثلاثين يوماً بحجة شرعية، والواحد رؤيته معتبرة شرعاً، فنحن الآن صمنا ثلاثين يوماً، وأكملنا العِدة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول ما ذهب إليه الشافعية، وهو الصواب في هذه المسألة.

    وأما قول الحنابلة أنه يلزم من ذلك أن نكون أفطرنا برؤية واحد، فنقول: إن هذا مجاب عنه بأمرين:

    الأمر الأول: أننا لم نفطر برؤية واحد، وإنما أفطرنا بإكمال العِدة.

    الأمر الثاني: عندنا قاعدة هي أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فلو قلنا: بأننا أفطرنا بناء على رؤية واحد، فإن هذا جاء على وجه التبع، ولم يأت على وجه الاستقلال.

    1.   

    الصيام إذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لوجود الغيم

    قال رحمه الله: (أو صاموا لأجل غيم لم يُفطروا).

    هذا بناء على المذهب، لأن المذهب أننا إذا لم نر الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لوجود غيم، فإننا نصبح صائمين احتياطاً للعبادة، يعني إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر. فالحُكم في ذلك على المشهور من المذهب، أنه يجب علينا أن نصوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطاً للعبادة، وقد سبق أن بينا هذه المسألة، وقلنا: بأن هذه المسألة هي المشهور من المذهب، وذهب جمهور العلماء رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يجب الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا العِدة ثلاثين).

    وسبق أن رجحنا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة، وهي من مفردات المذهب، كما أشرنا أن القاضي أبا يعلى رحمه الله تعالى له رسالة في إيجاب الصيام ليلة الغمام، ورد عليه الخطيب البغدادي الشافعي رحمه الله في إيجابه للصيام ليلة الغمام، والنووي رحمه الله في كتابه المجموع جمع الرسالتين، فنقل رسالة أبي يعلى الحنبلي ورد الخطيب الشافعي عليه.

    ما يجب على من رأى هلال رمضان ولم تقبل شهادته

    قال رحمه الله: (ومن رأى وحده هلال رمضان ورُد قوله).

    أي: إذا رأى رجل هلال رمضان، ثم بعد ذلك رُد قوله، ولم يقبل القاضي رؤيته، فهل يجب عليه أن يصوم أو لا يجب عليه أن يصوم؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه يجب عليه أن يصوم، وهذا قول جمهور العلماء.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد ، وهي اختيار شيخ الإسلام: أنه لا يجب عليه أن يصوم.

    الذين قالوا: بأنه يجب عليه أن يصوم كما مشى عليه المؤلف، استدلوا بقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وهذا الرجل شهد الشهر، وأيضاً بحديث: (صوموا لرؤيته)، وهذا الآن رآه.

    أما أصحاب الرأي الثاني الذين قالوا أنه لا يجب عليه أن يصوم؛ فاستدلوا بحديث أبي هريرة : (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يُفطر الناس).

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رسالة اسمها رسالة الهلال، وهذه الرسالة مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى، ذكر فيها أن الهلال اسم لما يستهل به الناس، وينتشر عند الناس، وليس الهلال اسم لما يظهر في السماء، فإذا رأى هذا الشخص الهلال ورُد قوله، فإن الناس ما استهلوا بالشهر، ولا انتشر عندهم، فعلى هذا لا يجب عليه أن يصوم؛ لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس).

    ما يجب على من رأى هلال شوال ولم تقبل شهادته

    قال رحمه الله: (أو رأى هلال شوال صام).

    يعني هذا رجل رأى هلال شوال، وشهد عند القاضي، لكن القاضي رد شهادته، فيقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يصوم ولا يجوز له أن يُفطر. وهذا قول جمهور العلماء.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية وابن حزم أنه إذا رأى هلال شوال ورُد قوله فله أن يُفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته). وهذا الرجل رآه.

    واستدل من قال: يجب عليه أن يصوم؛ بحديث أبي هريرة السابق: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس)، وكما تقدم أن شيخ الإسلام يقول: بأن الهلال ليس اسم لما ظهر في السماء، وإنما هو اسم لما انتشر واستهل به الناس.

    والصواب في هذه المسألة مع جمهور العلماء، وأنه يجب عليه أن يصوم إذا رُد قوله، لأن شهر شوال لا يدخل إلا برؤية اثنين، وحتى الآن لم تكتمل الرؤية الشرعية.

    أما في المسألة الأولى: وهي إذا رأى هلال رمضان ورُد قوله، فجمهور العلماء يقولون: يجب عليه أن يصوم، فإن صام وأخذ بقول الجمهور كان هذا أحوط.

    وهنا مسألة أخرى أنه إذا كان منفرداً، ولنفرض أنه في صحراء أو في بلد غربة ونحو ذلك، فإنه إذا رأى هلال رمضان فيجب عليه أن يصوم، وإذا رأى هلال شوال فإن له أن يفطر.

    لكن إذا كان مع الناس ورأى هلال رمضان، هل يجب عليه الصيام كما يقول الجمهور أو لا يجب عليه كما يقول ابن تيمية رحمه الله؟ وإذا رأى هلال شوال، هل يجب عليه الصيام كما يقول الجمهور؟ أو يجوز له أن يفطر كما يقول الشافعية؟

    1.   

    شروط وجوب صيام رمضان

    قال رحمه الله: (ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان شروط من يجب عليه الصوم.

    شرط الإسلام

    أولاً: يجب الصوم على المسلم، أما الكافر فإنه لا يجب عليه أن يصوم.

    وقد تقدم أن ذكرنا أن الكافر يتوجه إليه خطابان: الخطاب الأول: خطاب وجوب التكليف، فالكافر مكلف بما يتعلق بخطاب وجوب التكليف، ولهذا يعذب على ترك الصيام، وسيحاسب على ذلك: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:42-44].

    والخطاب الثاني: خطاب وجوب الأداء، نقول: لا يجب عليه أن يؤدي ولا يطالب به حتى يسلم؛ لأنه فقد الأصل وهو التوحيد. وقد سبق أن ذكرنا أن النية يشترط لها الإسلام، فالنية منه غير صحيحة؛ لأن الإسلام شرط من شروط النية.

    وإن أسلم في أثناء اليوم فإنه لا يجب عليه أن يقضي ما سبق، لأنه كما ذكرنا خطاب وجوب الأداء لا يتوجه إليه، ويجب عليه أن يمسك، لكن هل يجب عليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أسلم فيه أو لا؟

    هذا موضع خلاف، والصواب أنه لا يجب عليه أن يقضي ذلك اليوم.

    وعندنا مسألتان: المسألة الأولى: وجود شرط الوجوب، والمسألة الثانية: انتفاء مانع الوجوب، لابد أن نفرق بينهم، المسألة الأولى وهي ما يتعلق بوجود شرط الوجوب، والمسألة الثانية تتعلق بانتفاء مانع الوجوب.

    إذا وجد شرط الوجوب في أثناء اليوم، في أثناء الشهر، نقول: يجب عليه أن يمسك، ويصح منه، ولو أكل في أثناء اليوم، ولا يجب عليه أن يقضي ذلك اليوم، ولا ما سلف من أول الشهر.

    ويدخل تحت هذا صور: إذا أسلم الكافر هنا وجد شرط الوجوب، إذا عقل المجنون وجد شرط الوجوب، إذا بلغ الصبي وجد شرط الوجوب، إذا قامت البينة في أثناء النهار وجد شرط الوجوب.

    ففي هذه الصور إذا حصل شيء منها نقول: يجب أن يمسك، ولا يجب عليه أن يقضي لا ذلك اليوم ولا يقضي أيضاً ما سلف من الأيام السابقة، فمثلاً إذا بلغ في أثناء اليوم نقول: يجب أن يمسك اليوم الذي بلغ فيه ولا يجب عليه أن يقضيه. وكذلك لو عقل المجنون أو أسلم الكافر أو قامت البينة في أثناء النهار.

    المسألة الثانية: انتفاء المانع، إذا انتفى المانع في أثناء النهار فإنه يجب القضاء ولا يجب الإمساك، ومثل ذلك: إذا طهرت الحائض في أثناء اليوم فإنه يجب عليها أن تقضي، ولا يجب عليها أن تمسك، وكذلك النفساء إذا طهرت، والمريض إذا برئ وقد أكل لم يصم، فنقول: لا يجب عليه أن يمسك هذا هو الصحيح كما سيأتي، لكن يجب عليه أن يقضي. وكذلك المسافر إذا قدم وقد أفطر فلا يجب عليه أن يمسك، لكن يجب عليه أن يقضي.

    شرط التكليف

    قال رحمه الله: (مكلف).

    هذا الشرط الثاني من شروط الوجوب: أن يكون مكلفاً، بأن يكون بالغاً عاقلاً، وعلى هذا إذا كان مجنوناً فإنه لا يجب عليه الصيام ولا يصح منه، وإن كان صغيراً فلا يجب عليه الصيام، لكن إن كان مميزاً فإن الصيام يصح منه.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الصغير كما يؤمر بالصلاة لسبع ويُضرب عليها لعشر، كذلك أيضاً يؤمر بالصيام إذا كان يطيقه لقوة البنية، أو لبرودة الجو ونحو ذلك.

    شرطا القدرة والإقامة

    قال رحمه الله: (قادر).

    هذا الشرط الثالث: أن يكون قادراً، وعلى هذا إذا كان عاجزاً عن الصيام فإنه لا يجب عليه الصوم، والعجز ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: عجز دائم، كالكبير، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً كما سيأتي إن شاء الله.

    والقسم الثاني: عجز غير دائم، كالمريض مرضاً يرجى برؤه ويرجى شفاؤه، فهذا يُفطر ويقضي كما سيأتي إن شاء الله.

    الشرط الرابع: أن يكون مقيماً، وعلى هذا إذا كان مسافراً فإنه لا يجب عليه الصيام كما سيأتي، لكن يجب عليه القضاء.

    1.   

    من يجب عليهم الإمساك والقضاء

    من بلغه رؤية هلال رمضان أثناء النهار

    قال رحمه الله: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه).

    قيام البينة في أثناء النهار هذا يسمى وجود شرط الوجوب، يعني صورة المسألة: أصبح الناس مفطرين، ثم بعد ذلك أُعلن أن الهلال قد رؤي بالأمس، وأنه يجب صيام مثل هذا اليوم، فيجب الإمساك لأنه الآن تبين أن الشهر قد دخل.

    ومثل ذلك أيضاً إنسان ما علم أن الشهر قد دخل، ولنفرض أنه مسافر أو نائم، ثم بعد ذلك لما أصبح قالوا: إن الشهر قد دخل، هذا يحدث كثيراً، فنقول: يجب عليه أن يمسك؛ لأنه تبين أن الشهر قد دخل، لكن هل يجب عليه أن يقضي؟ قال المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يقضي؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، والنية يجب أن تكون من الليل كما سيأتينا: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهو ما بيت النية بالليل، بل أصبح وأكل وشرب إلى آخره.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا يجب عليه أن يقضي، ويدل لذلك حديث سلمة بن الأكوع في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً من أسلم أن ينادي: أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليتم صومه)، من أصبح صائم فليتم صومه، فإن اليوم يوم عاشوراء.

    والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل فليصم بقية يومه)، وكان يوم عاشوراء في أول الإسلام كان صيامه واجباً، ومع ذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ولأن الوجوب يتبع العلم، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهم حتى الآن ما علموا أنه قد كُلف، فالوجوب يتبع العلم، فعلى هذا إذا وجد شرط الوجوب أثناء النهار فإنه يجب أن يُمسك، لكن لا يجب عليه أن يقضي.

    الحائض والنفساء إذا طهرتا أثناء النهار

    قال رحمه الله: (وكذا حائض ونفساء طهرتا).

    الحائض والنفساء إذا طهرتا هذا يسمى انتفاء المانع، إذا انتفى المانع فيجب القضاء، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، فالقضاء يجب بالإجماع.

    لكن بقينا في الإمساك: الحائض أو النفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، هل يجب عليها أن تمسك أو لا يجب عليها أن تمسك؟

    المشهور من المذهب كما ذكر المؤلف رحمه الله أنه يجب عليها أن تمسك، وهذا أيضاً قول الحنفية، والرأي الثاني رأي الشافعية أنه لا يجب الإمساك، وهذا هو الصواب أن الإمساك لا يجب.

    وقد روي عن ابن مسعود وإن كان فيه ضعف: (من أكل في أول النهار فليأكل في آخره)، ولأن الحائض والنفساء أُبيح لها الفطر، وما يترتب على المأذون غير مضمون.

    وأما تعليل الذين قالوا: يجب الإمساك، فقالوا: يجب الإمساك احتراماً للزمن، لكن هذا التعليل فيه نظر، والصواب أن الشارع أباح انتهاك هذه الحرمة، ولأن الحائض والنفساء أذن لهما بالفطر، والصواب في ذلك ما ذهب إليه الشافعية.

    المسافر إذا قدم بلاده مفطراً

    قال رحمه الله: (ومسافر قدم مفطراً).

    المسافر لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يقدم صائماً، فهذا يجب عليه أن يتم الصوم، ولا يجوز له أن يفطر، لأن سبب الترخص قد زال.

    الحالة الثانية: أن يقدم مفطراً، يعني أفطر في السفر، وقدم البلد وهو مفطر فهل يجب عليه الإمساك؟ أما القضاء فيجب عليه بالإجماع، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، لكن هل يجب عليه أن يمسك أو لا يجب عليه أن يمسك؟

    المؤلف رحمه الله ذهب إلى أنه يجب عليه أن يمسك، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، الحنفية والحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يمسك، والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يمسك، وهو قول الشافعية وهو الصواب كما سبق.

    1.   

    الإطعام عمن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه

    قال رحمه الله: (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً).

    من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه يُطعم لكل يوم مسكيناً.

    ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليست بمنسوخة، هي في الشيخ والشيخة إذا كبرا يفطران ويُطعمان عن كل يوم مسكيناً.

    وقول المؤلف رحمه الله: (أفطر لكبر) هذا يشترط أن يكون عقله باقياً، لكن بعض كبار السن الآن تجده يخرف، فلا يصلي ونحو ذلك؛ فهذا نقول: بأنه لا يجب أن يُطعم عنه، لأنه سقط التكليف عنه، لكن إذا كان عقله لا يزال باقياً، ولا يستطيع أن يصوم فإنه يفطر، أو يشق عليه الصيام مشقة ظاهرة، نقول: بأنه يفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً.

    وقوله: (أو مرض لا يرجى برؤه) أي: لا يرجى زواله، مثل بعض الأمراض الآن، كبعض الذين يصابون بالكلى، أو بعض أنواع السرطانات ونحو ذلك من الأمراض لا يرجى زواله، فهذا يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً لما تقدم.

    ويؤخذ من كلامه أنه إذا كان المرض يرجى برؤه فإنه يجب عليه أن يقضي، ولو كان البرؤ سيتأخر، فإذا قال الطبيب مثلاً: إن البرء يحتاج إلى سنة أو سنتين.. إلى آخره، فنقول: ما دام أنه يرجى برؤه وشفاؤه، نقول: بأنه يفطر ويقضي.

    كيفية الإطعام

    قال رحمه الله: (أطعم لكل يوم مسكيناً).

    وهذا رأي الجماهير يجب عليه أن يطعم (الفدية) خلافاً للمالكية فإنهم لا يوجبون هذه الفدية، واستدل جمهور أهل العلم بقول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، وفي البخاري أن أنساً لما كبر أفطر وأطعم ثلاثين مسكيناً، وكذلك أيضاً ورد عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله تعالى عنهم.

    لكن قول المؤلف رحمه الله: (أطعم لكل يوم مسكيناً)، ما هو ضابط الإطعام هل هذا الإطعام مقدر شرعاً أو أنه مقدر بالعُرف؟

    أكثر أهل العلم يرون أنه مقدر شرعاً، ولهذا المشهور من المذهب أن الذي يُطعم كالفطرة، وزكاة الفطر كما تقدم لنا تكون في خمسة أشياء: التمر، الشعير، الزبيب والأقط، والبُر، يُطعم لكل مسكين مُدا من بُر أو نصف صاع من غيره.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام أن الإطعام ليس مقدراً في الشرع، وإنما هو مقدر بالعُرف، فيُطعم ما يتعارف الناس أنه إطعام؛ لأنه ليس مقدراً في الشرع، وإنما هو مقدر في العُرف، فما تعارف الناس أنه إطعام فإنه يكون إطعاماً.

    وعلى هذا فالإطعام له كيفيتان:

    الكيفية الأولى: أن يعطيهم حباً، أن يملكهم حباً، لكل مسكين كيلو، من غالب قوت البلد.

    والكيفية الثانية: أن يصنع طعاماً ويُحضر له المساكين، طعاماً غداء أو عشاء، ويدعو المساكين إلى هذا الطعام كما فعل أنس رضي الله عنه، وعلى هذا فنأخذ أنه لا يشترط التمليك؛ لأن المشهور من المذهب أن الإطعام لا بد فيه من التمليك، ومعنى ذلك أنه لو صنع طعاماً ما صح؛ لأن هذا ليس فيه تمليك، لا بد أن يعطيهم حباً.

    لكن إذا أخذنا بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الإطعام ليس مقدراً بالشرع، وإنما هو مقدر بالعُرف، فنقول: بأن الإطعام له كيفيتان كما سلف.

    وهل يجب أن يُطعم مساكين بعدد الأيام أو أن هذا ليس واجباً؟ يعني مثلاً أفطر ثلاثين يوماً، فهل يجب أن يُطعم ثلاثين مسكيناً أو نقول: بأن هذا ليس واجباً؟

    نقول: هذا ليس واجباً، إن أطعم هذا فحسن كما فعل أنس ، وإن أطعم بعض المساكين، أعطاهم طعام ثلاثين يوماً فنقول: بأن هذا مجزئ، ولو أنه مثلاً أعطى أسرة من الأسر من الرز ما يكفي لإطعام ثلاثين مسكيناً، وعددهم عشرة أو عشرون، فنقول: بأن هذا مجزئ.

    وقت الإطعام

    العلماء رحمهم الله يقولون: بأن وقت الإطعام إما أن يطعم كل يوم بيومه أو يؤخر، فمثلاً: الكبير إذا أفطر هذا اليوم فإنه يطعم مسكيناً بنفس اليوم، أو يؤخر الإطعام إلى آخر الشهر، فإذا أفطر الثلاثين يوماً أطعم ثلاثين مسكيناً، وإن أفطر تسعة وعشرين يوماً أطعم تسعة وعشرين مسكيناً.

    أما أن يقدم الإطعام في أول الشهر، فهذا العلماء رحمهم الله يقولون: بأنه لا يجزئ؛ لأنه تقديم للعبادة قبل وجود السبب، وسبق أن ذكرنا في القواعد أنه يجوز أن تقدم العبادة بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب، أما تقديم العبادة قبل وجود السبب فإن هذا لا يجزئ.

    1.   

    من يستحب لهم الإفطار

    المريض

    قال رحمه الله: (ويسن لمريض يضره).

    يقول المؤلف رحمه الله: يسن الفطر لمريض، والمرض: هو اعتلال الصحة، فيقول المؤلف: (يسن لمريض الذي يضره)، وهذا فيه نظر، والصحيح أنه إذا كان المريض يضره الصوم، فنقول: يجب أن يفطر؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[النساء:29].

    فمثلاً بعض الناس الذين يبتلون بمرض الكلى تجد أنه يحتاج إلى شرب الماء، ولو ترك شرب الماء حصل له ضرر قد يؤدي ذلك إلى الهلاك ونحو ذلك، فهذا نقول: يجب عليه الفطر.

    وعلى هذا نقول: المريض لا يخلو من حالات:

    الحالة الأولى: أن يضره الصوم، فهذا يجب عليه أن يفطر، خلافاً لما يؤخذ من عبارة المؤلف، فإذا كان يضره الصوم فنقول: يجب عليه أن يفطر.

    الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا نقول: يسن له أن يفطر؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

    الحالة الثالثة: لا يلحقه ضرر ولا مشقة، مثل: لو انكسرت إصبعه، أو أصابه صداع يسير أو حصل له كسر في رجله أو زكام ونحو ذلك مما لا يضره ولا يشق عليه، فهذا يجب عليه أن يصوم، ولا يجوز له أن يفطر، وإن خالف بعض السلف، روي عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه يرخص له بالإفطار؛ لعموم الآية: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ[البقرة:184]، الآية، لكن الصواب في هذه المسألة ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    المسافر

    قال رحمه الله: (ولمسافر يقصر).

    أيضاً إذا كان السفر سفر قصر، يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: يُسن له أن يُفطر، وهذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أنه إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة بالصوم فإنه يجب عليه أن يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في رمضان فقيل له: (إن الناس قد شق عليهم الصيام، وهم ينظرون ما تفعل، فدعا بماء فشرب، فذُكر له من لم يُفطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة)، ولا تكون المعصية إلا على فعل محرم.

    وعلى هذا نقول: المسافر أيضاً له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا يجب عليه أن يفطر، وهذا الحكم تكليفي، لكن لو صام كحكم وضعي، فإن صيامه صحيح مبرئ للذمة، لكن نقول: بأنه يجب عليه أن يفطر.

    ودليل ذلك ما تقدم، وأيضاً حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً عليه زحام ظُلل عليه، فسأل عن ذلك فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر).

    الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة محتملة ليست شديدة، فالمشهور من المذهب أنه يكره الصيام؛ لأنه إعراض عن رخصة الله.

    الحالة الثالثة: ألا تحصل له مشقة، كما يوجد الآن في المراكب الحديثة عن طريق الطائرة أو عن طريق سيارة مريحة ونحو ذلك، المهم أنه لا تحصل له مشقة.

    هل الأفضل أن يفطر أو الأفضل أن يصوم؟

    المشهور من المذهب الأفضل أن يفطر، وعند أكثر أهل العلم أن الأفضل أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام، كما صام عبد الله بن رواحة .

    أما المذهب فيقولون: الأفضل له أن يفطر، ويأخذون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر).

    أما الجمهور فيقولون: نأخذ بالصيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء صام، وكذلك أيضاً صام عبد الله بن رواحة ، ولأنه أنشط له أن يصوم مع الناس، وأبرؤ لذمته.

    فالصواب في ذلك: أنه إذا لم يكن هناك مشقة أن الأفضل أن يصوم، لأنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما صام، وهو أنشط له وأبرأ لذمته.

    1.   

    إفطار من نوى صيام يوم ثم سافر في نهاره

    قال رحمه الله: (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر).

    هذه المسألة من مفردات الحنابلة، يعني: هناك رجل أصبح صائماً ثم خرج مسافراً، فإذا خرج من بلده فهل له أن يفطر أو ليس له أن يفطر؟

    المشهور من المذهب أن له أن يفطر، واستدلوا على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر لما خرج إلى فتح مكة في رمضان، وأُخبر أن الناس قد شق عليهم الصوم، دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فأفطر عليه الصلاة والسلام.

    الرأي الثاني: أنه إذا أصبح صائماً ثم سافر فليس له أن يفطر، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وعلتهم في ذلك أنه ابتدأ الصيام في الحضر، فلا تثبت له رخصة السفر، ومن ابتدأ الصيام في الحضر فلا تثبت له رخصة السفر، وهذا فيه نظر، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله؛ لأن النص ورد في ذلك.

    ويُفهم من قول المؤلف رحمه الله: (ثم سافر في أثنائه)، أنه ليس له أن يفطر في الحضر، أي: ليس له أن يأكل ثم يخرج، بل إذا أردت أن تُفطر فانتظر حتى تخرج، أما كونك تفطر وأنت داخل البلد قبل أن تخرج فليس لك ذلك، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وما قال الله عز وجل: أو على نية السفر، قال: أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184]، ولا يصدق عليه أنه على سفر حتى يخرج، أما مادام أنه في البلد فهو على نية السفر وليس على سفر.

    وذهب بعض السلف كـالحسن وعطاء أن له أن يأكل داخل البلد، وقالوا: بأنه ورد عن أبي بصرة الغفاري ، وكذلك أيضاً عن أنس رضي الله عنه، لكن الذي يتأمل أثر أبي بصرة وأثر أنس رضي الله تعالى عنهما يتبين له والله أعلم أن هؤلاء الصحابة إنما أكلوا عند خروجهم من أطراف البلد، والإنسان إذا خرج من أطراف البلد فله أن يفطر.

    1.   

    أحوال الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان

    قال رحمه الله: (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً).

    الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنهما لا تخلوان من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن تخافا على أنفسهما، فيجوز لهما الفطر بالاتفاق، لأن أقل أحوالهما أن تكونا كالمريض، والمريض يجوز له أن يفطر: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فإذا خافتا على أنفسهما فنقول: بأن لهما الفطر، ويجب عليهما القضاء لما تقدم من قول الله عز وجل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    الحالة الثانية: أن تخافا على أنفسهما وعلى ولديهما، والقول بأنه يجب عليهما القضاء هو رأي الجمهور، وورد عن سعيد بن المسيب -وهو أيضاً رأي ابن حزم -: أنه لا يجب عليهما القضاء، والصواب: أنه يجب عليهما القضاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    وأما حديث: (إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم)، فالمقصود بذلك وجوب الأداء، لكن وجوب القضاء هذا لا بد منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وأقل أحوالهما أن تكون الحامل والمرضع كالمريض.

    إذاً تلخص لنا في الحالة الأولى: أنهما إذا خافتا على أنفسهما فلهما الفطر، ويجب عليهما القضاء، ولا فدية عليهما.

    الحالة الثانية: أن تخافا على أنفسهما وولديهما، فحكم هذه الحالة كالحالة السابقة.

    الحالة الثالثة: أن تخافا على الولد فقط، فيجوز لهما الفطر؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].

    لكن بقيت مسألتان: المسألة الأولى: هل يجب القضاء أو لا يجب القضاء؟ والمسألة الثانية: هل تجب الكفارة أو لا تجب الكفارة؟

    المؤلف رحمه الله قال: (وعلى ولديهما قضتا)، فعلى كلام المؤلف رحمه الله يجب القضاء، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله لما تقدم من قول الله عز وجل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وأقل الأحوال أن تكونا كالمريض.

    وبقينا في المسألة الثانية وهي الفدية.

    قال المؤلف: (وأطعمتا لكل يوم مسكيناً).

    فيجب الفدية على ولي الصبي، أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا قول الحنابلة والشافعية، والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن مالك : أنه لا تجب الفدية، أي: لا يجب الإطعام.

    أما الذين قالوا: بأنه يجب الإطعام، فقالوا: بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ورد عن ابن عباس وورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنه يصار إليه.

    والذين قالوا: بأن الإطعام لا يجب قالوا: الأصل في ذلك براءة الذمة.

    والصواب في ذلك مادام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنقول: الأحوط في ذلك أنه يجب على ولي الصبي أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إن كان قادراً، وإن كان عاجزاً فإنه لا يجب.

    والإطعام الكلام فيه كما تقدم في إطعام الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه.

    1.   

    من لا يصح صومه

    المجنون

    قال رحمه الله: (ومن نوى الصوم ثم جُن).

    بالنسبة للمجنون، نقول: هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يُجن في جميع النهار من الطلوع إلى الغروب، فنقول: هذا لا يجب عليه شيء، حتى القضاء لا يجب عليه.

    فلنفرض أنه جُن في الليل ولم يُفق من جنونه إلا في الليلة المقبلة، فنقول: هذا لا يجب عليه شيء.

    القسم الثاني: أن يُجن من أول النهار، لكنه يُفيق في أثناء النهار، ولنفرض أنه جُن من الليل، ثم بعد ذلك لما صار في نصف النهار أفاق، نقول هنا: يجب أن يمسك ولا يجب عليه أن يقضي كما سلف.

    القسم الثالث: أن يُجن تارة ويفيق تارة أخرى، فنقول: يجب عليه أن يُمسك في زمن الإفاقة، أما في زمن الجنون فليس مخاطباً، لا تثريب عليه، ولو أكل لا شيء عليه، فإذا كان يُجن مثلاً ساعة أو ساعتين، ويُفيق ساعة أو ساعتين، فنقول: يجب عليه أن يُمسك في زمن الإفاقة، وما عداه لا يجب عليه أن يقضي.

    القسم الرابع والأخير: أن يكون مجنوناً ثم يشفى من جنونه، هذا كما سلف، يجب أن يمسك ولا يجب عليه أن يقضي.

    المغمى عليه

    قال رحمه الله: (أو أُغمي عليه جميع النهار).

    المغمى عليه إذا أُغمي عليه في جميع النهار، يعني: من الليل إلى الليل، فهذا نقول: بأنه لا يصح صومه.

    وهل يجب عليه القضاء أو لا يجب عليه القضاء؟

    جماهير العلماء أنه يجب عليه القضاء، يعني الأئمة متفقون على أن المغمى عليه يجب عليه القضاء، وبهذا نفهم أن الذين يُغمى عليهم بسبب حوادث السيارات أو غيرها من الحوادث طيلة شهر رمضان نقول: إذا أفاق يجب عليه أن يقضي، وهذا باتفاق الأئمة، وهذا عليه جماهير العلماء رحمهم الله، وهناك فرق بين الصلاة وبين الصيام، لأن الصلاة تتكرر، وأما الصيام فإنه لا يتكرر.

    الحالة الثانية: أن يغمى عليه من الليل، لكنه يفيق في أثناء النهار، فنقول هنا: يجب عليه أن يمسك وصيامه صحيح، لكن إذا أُغمي عليه من الطلوع إلى الغروب، فهذا يجب عليه أن يقضي، لكن لو أفاق جزءاً من النهار فنقول: بأن صيامه صحيح.

    الحالة الثالثة: أن يصبح صائماً ثم أغمي عليه، نقول: بأن صيامه صحيح.

    ثم قال: (لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط).

    إذا نام جميع النهار فإن صيامه صحيح، لو نام من الليل إلى الليل فصيامه صحيح. ويلزم المغمى عليه القضاء فقط كما تقدم. والله أعلم.