اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [2] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
يجب الصيام برؤية هلال رمضان، فإن حال دونه سحابة أو ما شابه فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً، ويجب الصوم على من رأى الهلال ولو لم تقبل شهادته، ويجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل مقيم قادر على الصيام، والصحيح في الحائض والنفساء إذا أفطرتا أثناء النهار أنه لا
تابع رؤية الهلال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم ير الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يفطروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورد قوله، أو رأى هلال شوال صام. ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر.وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء، على كل من صار في أثنائه أهلاً لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطراً. ومن أفطر لكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً، ويسن لمريض يضره، ولمسافر يقصر.وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً.ومن نوى الصوم ثم جُن أو أُغمي عليه جميع النهار ولم يُفق جزءاً منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط].تقدم لنا جملة من أحكام الصيام، ومن ذلك تعريف الصيام في اللغة والاصطلاح، وأنه يجب بواحد من أمور ثلاثة: الأول: رؤية هلال رمضان، والثاني: إكمال العِدة، والثالث: إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو قتر، هل يجب الصوم أو لا يجب الصوم؟ إلى آخره. وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، وأيضاً ما يتعلق بالحساب الفلكي، وأن جمهور أهل العلم على أنه غير معتبر.ثم قال: (وإن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً فلم يُر الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفطروا).
 الصيام برؤية واحد ثلاثين يوماً ولم يُر الهلال
هنا مسألتان:المسألة الأولى يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إذا صاموا برؤية واحد ثلاثين يوماً ولم يُر الهلال، فإننا لا نُفطر، إذاً ما العمل؟ نصوم يوماً، وعلى هذا نصوم واحداً وثلاثين يوماً.صورة المسألة: رؤي الهلال، وثبتت رؤيته بواحد، أتممنا العِدة ثلاثين يوماً ولم نر الهلال، فيقول المؤلف رحمه الله: نزيد يوماً، وعلى هذا نصوم واحداً وثلاثين يوماً ثم نُفطر.إن رأينا الهلال أفطرنا، لكن إذا لم نر الهلال، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأننا نزيد يوماً ثم بعد ذلك نفطر، لماذا نزيد يوماً؟ قالوا: لأن هلال شوال لا تثبت رؤيته إلا باثنين، ولو قلنا: بأننا نفطر إذا أتممنا ثلاثين يوماً نكون قد أفطرنا بناء على رؤية واحد، لأن الثلاثين هذه مبنية على رؤية واحد، وإذا كان كذلك فإننا لا نفطر، بل نزيد يوماً، هذا هو المشهور من المذهب، أننا إذا أتممنا ثلاثين يوماً، وكانت الرؤية مبنية على رؤية واحد، فإننا لا نفطر، بل نزيد يوماً مادمنا لم نر الهلال.أما إن رأينا الهلال فالأمر في هذا ظاهر، وعلتهم كما تقدم أن هذه الثلاثين التي صمناها مبنية على رؤية واحد، ولو قلنا: بأننا نفطر للزم من ذلك أن يخرج الشهر برؤية واحد، والشهر لا يخرج إلا برؤية اثنين، هذا المشهور من المذهب.والرأي الثاني وهو رأي الشافعية، أننا إذا صمنا ثلاثين يوماً برؤية واحد، ولم نر الهلال، فإننا نفطر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر وغيره: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فأكملوا العِدة). والآن نحن أكملنا العِدة، صمنا ثلاثين يوماً بحجة شرعية، والواحد رؤيته معتبرة شرعاً، فنحن الآن صمنا ثلاثين يوماً، وأكملنا العِدة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول ما ذهب إليه الشافعية، وهو الصواب في هذه المسألة.وأما قول الحنابلة أنه يلزم من ذلك أن نكون أفطرنا برؤية واحد، فنقول: إن هذا مجاب عنه بأمرين:الأمر الأول: أننا لم نفطر برؤية واحد، وإنما أفطرنا بإكمال العِدة. الأمر الثاني: عندنا قاعدة هي أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فلو قلنا: بأننا أفطرنا بناء على رؤية واحد، فإن هذا جاء على وجه التبع، ولم يأت على وجه الاستقلال.
الصيام إذا لم يُرَ الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لوجود الغيم
قال رحمه الله: (أو صاموا لأجل غيم لم يُفطروا). هذا بناء على المذهب، لأن المذهب أننا إذا لم نر الهلال ليلة الثلاثين من شعبان لوجود غيم، فإننا نصبح صائمين احتياطاً للعبادة، يعني إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو قتر. فالحُكم في ذلك على المشهور من المذهب، أنه يجب علينا أن نصوم يوم الثلاثين من شعبان احتياطاً للعبادة، وقد سبق أن بينا هذه المسألة، وقلنا: بأن هذه المسألة هي المشهور من المذهب، وذهب جمهور العلماء رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يجب الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا العِدة ثلاثين).وسبق أن رجحنا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة، وهي من مفردات المذهب، كما أشرنا أن القاضي أبا يعلى رحمه الله تعالى له رسالة في إيجاب الصيام ليلة الغمام، ورد عليه الخطيب البغدادي الشافعي رحمه الله في إيجابه للصيام ليلة الغمام، والنووي رحمه الله في كتابه المجموع جمع الرسالتين، فنقل رسالة أبي يعلى الحنبلي ورد الخطيب الشافعي عليه.
 ما يجب على من رأى هلال شوال ولم تقبل شهادته
قال رحمه الله: (أو رأى هلال شوال صام).يعني هذا رجل رأى هلال شوال، وشهد عند القاضي، لكن القاضي رد شهادته، فيقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يصوم ولا يجوز له أن يُفطر. وهذا قول جمهور العلماء.والرأي الثاني: رأي الشافعية وابن حزم أنه إذا رأى هلال شوال ورُد قوله فله أن يُفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته). وهذا الرجل رآه.واستدل من قال: يجب عليه أن يصوم؛ بحديث أبي هريرة السابق: (الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس)، وكما تقدم أن شيخ الإسلام يقول: بأن الهلال ليس اسم لما ظهر في السماء، وإنما هو اسم لما انتشر واستهل به الناس. والصواب في هذه المسألة مع جمهور العلماء، وأنه يجب عليه أن يصوم إذا رُد قوله، لأن شهر شوال لا يدخل إلا برؤية اثنين، وحتى الآن لم تكتمل الرؤية الشرعية. أما في المسألة الأولى: وهي إذا رأى هلال رمضان ورُد قوله، فجمهور العلماء يقولون: يجب عليه أن يصوم، فإن صام وأخذ بقول الجمهور كان هذا أحوط.وهنا مسألة أخرى أنه إذا كان منفرداً، ولنفرض أنه في صحراء أو في بلد غربة ونحو ذلك، فإنه إذا رأى هلال رمضان فيجب عليه أن يصوم، وإذا رأى هلال شوال فإن له أن يفطر.لكن إذا كان مع الناس ورأى هلال رمضان، هل يجب عليه الصيام كما يقول الجمهور أو لا يجب عليه كما يقول ابن تيمية رحمه الله؟ وإذا رأى هلال شوال، هل يجب عليه الصيام كما يقول الجمهور؟ أو يجوز له أن يفطر كما يقول الشافعية؟
شروط وجوب صيام رمضان
قال رحمه الله: (ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر). هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان شروط من يجب عليه الصوم.
 شرطا القدرة والإقامة
قال رحمه الله: (قادر). هذا الشرط الثالث: أن يكون قادراً، وعلى هذا إذا كان عاجزاً عن الصيام فإنه لا يجب عليه الصوم، والعجز ينقسم إلى قسمين:القسم الأول: عجز دائم، كالكبير، والمريض الذي لا يرجى برؤه، فهذا يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً كما سيأتي إن شاء الله.والقسم الثاني: عجز غير دائم، كالمريض مرضاً يرجى برؤه ويرجى شفاؤه، فهذا يُفطر ويقضي كما سيأتي إن شاء الله.الشرط الرابع: أن يكون مقيماً، وعلى هذا إذا كان مسافراً فإنه لا يجب عليه الصيام كما سيأتي، لكن يجب عليه القضاء.
من يجب عليهم الإمساك والقضاء

 المسافر إذا قدم بلاده مفطراً
قال رحمه الله: (ومسافر قدم مفطراً). المسافر لا يخلو من حالتين:الحالة الأولى: أن يقدم صائماً، فهذا يجب عليه أن يتم الصوم، ولا يجوز له أن يفطر، لأن سبب الترخص قد زال.الحالة الثانية: أن يقدم مفطراً، يعني أفطر في السفر، وقدم البلد وهو مفطر فهل يجب عليه الإمساك؟ أما القضاء فيجب عليه بالإجماع، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، لكن هل يجب عليه أن يمسك أو لا يجب عليه أن يمسك؟المؤلف رحمه الله ذهب إلى أنه يجب عليه أن يمسك، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة، الحنفية والحنابلة يرون أنه يجب عليه أن يمسك، والرأي الثاني: أنه لا يجب عليه أن يمسك، وهو قول الشافعية وهو الصواب كما سبق.
الإطعام عمن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه
قال رحمه الله: (ومن أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكيناً).من أفطر لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأنه يُطعم لكل يوم مسكيناً.ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليست بمنسوخة، هي في الشيخ والشيخة إذا كبرا يفطران ويُطعمان عن كل يوم مسكيناً. وقول المؤلف رحمه الله: (أفطر لكبر) هذا يشترط أن يكون عقله باقياً، لكن بعض كبار السن الآن تجده يخرف، فلا يصلي ونحو ذلك؛ فهذا نقول: بأنه لا يجب أن يُطعم عنه، لأنه سقط التكليف عنه، لكن إذا كان عقله لا يزال باقياً، ولا يستطيع أن يصوم فإنه يفطر، أو يشق عليه الصيام مشقة ظاهرة، نقول: بأنه يفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً. وقوله: (أو مرض لا يرجى برؤه) أي: لا يرجى زواله، مثل بعض الأمراض الآن، كبعض الذين يصابون بالكلى، أو بعض أنواع السرطانات ونحو ذلك من الأمراض لا يرجى زواله، فهذا يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً لما تقدم. ويؤخذ من كلامه أنه إذا كان المرض يرجى برؤه فإنه يجب عليه أن يقضي، ولو كان البرؤ سيتأخر، فإذا قال الطبيب مثلاً: إن البرء يحتاج إلى سنة أو سنتين.. إلى آخره، فنقول: ما دام أنه يرجى برؤه وشفاؤه، نقول: بأنه يفطر ويقضي.
 وقت الإطعام
العلماء رحمهم الله يقولون: بأن وقت الإطعام إما أن يطعم كل يوم بيومه أو يؤخر، فمثلاً: الكبير إذا أفطر هذا اليوم فإنه يطعم مسكيناً بنفس اليوم، أو يؤخر الإطعام إلى آخر الشهر، فإذا أفطر الثلاثين يوماً أطعم ثلاثين مسكيناً، وإن أفطر تسعة وعشرين يوماً أطعم تسعة وعشرين مسكيناً.أما أن يقدم الإطعام في أول الشهر، فهذا العلماء رحمهم الله يقولون: بأنه لا يجزئ؛ لأنه تقديم للعبادة قبل وجود السبب، وسبق أن ذكرنا في القواعد أنه يجوز أن تقدم العبادة بعد وجود السبب وقبل شرط الوجوب، أما تقديم العبادة قبل وجود السبب فإن هذا لا يجزئ.
من يستحب لهم الإفطار

 المسافر
قال رحمه الله: (ولمسافر يقصر). أيضاً إذا كان السفر سفر قصر، يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: يُسن له أن يُفطر، وهذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أنه إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة بالصوم فإنه يجب عليه أن يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في رمضان فقيل له: (إن الناس قد شق عليهم الصيام، وهم ينظرون ما تفعل، فدعا بماء فشرب، فذُكر له من لم يُفطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة)، ولا تكون المعصية إلا على فعل محرم. وعلى هذا نقول: المسافر أيضاً له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا يجب عليه أن يفطر، وهذا الحكم تكليفي، لكن لو صام كحكم وضعي، فإن صيامه صحيح مبرئ للذمة، لكن نقول: بأنه يجب عليه أن يفطر.ودليل ذلك ما تقدم، وأيضاً حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً عليه زحام ظُلل عليه، فسأل عن ذلك فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر). الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة محتملة ليست شديدة، فالمشهور من المذهب أنه يكره الصيام؛ لأنه إعراض عن رخصة الله. الحالة الثالثة: ألا تحصل له مشقة، كما يوجد الآن في المراكب الحديثة عن طريق الطائرة أو عن طريق سيارة مريحة ونحو ذلك، المهم أنه لا تحصل له مشقة. هل الأفضل أن يفطر أو الأفضل أن يصوم؟المشهور من المذهب الأفضل أن يفطر، وعند أكثر أهل العلم أن الأفضل أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام، كما صام عبد الله بن رواحة .أما المذهب فيقولون: الأفضل له أن يفطر، ويأخذون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر).أما الجمهور فيقولون: نأخذ بالصيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء صام، وكذلك أيضاً صام عبد الله بن رواحة ، ولأنه أنشط له أن يصوم مع الناس، وأبرؤ لذمته. فالصواب في ذلك: أنه إذا لم يكن هناك مشقة أن الأفضل أن يصوم، لأنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما صام، وهو أنشط له وأبرأ لذمته.
إفطار من نوى صيام يوم ثم سافر في نهاره
قال رحمه الله: (وإن نوى حاضر صوم يوم ثم سافر في أثنائه فله الفطر).هذه المسألة من مفردات الحنابلة، يعني: هناك رجل أصبح صائماً ثم خرج مسافراً، فإذا خرج من بلده فهل له أن يفطر أو ليس له أن يفطر؟المشهور من المذهب أن له أن يفطر، واستدلوا على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر لما خرج إلى فتح مكة في رمضان، وأُخبر أن الناس قد شق عليهم الصوم، دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فأفطر عليه الصلاة والسلام.الرأي الثاني: أنه إذا أصبح صائماً ثم سافر فليس له أن يفطر، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وعلتهم في ذلك أنه ابتدأ الصيام في الحضر، فلا تثبت له رخصة السفر، ومن ابتدأ الصيام في الحضر فلا تثبت له رخصة السفر، وهذا فيه نظر، والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله؛ لأن النص ورد في ذلك.ويُفهم من قول المؤلف رحمه الله: (ثم سافر في أثنائه)، أنه ليس له أن يفطر في الحضر، أي: ليس له أن يأكل ثم يخرج، بل إذا أردت أن تُفطر فانتظر حتى تخرج، أما كونك تفطر وأنت داخل البلد قبل أن تخرج فليس لك ذلك، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وما قال الله عز وجل: أو على نية السفر، قال: أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184]، ولا يصدق عليه أنه على سفر حتى يخرج، أما مادام أنه في البلد فهو على نية السفر وليس على سفر. وذهب بعض السلف كـالحسن وعطاء أن له أن يأكل داخل البلد، وقالوا: بأنه ورد عن أبي بصرة الغفاري ، وكذلك أيضاً عن أنس رضي الله عنه، لكن الذي يتأمل أثر أبي بصرة وأثر أنس رضي الله تعالى عنهما يتبين له والله أعلم أن هؤلاء الصحابة إنما أكلوا عند خروجهم من أطراف البلد، والإنسان إذا خرج من أطراف البلد فله أن يفطر.
 المسافر
قال رحمه الله: (ولمسافر يقصر). أيضاً إذا كان السفر سفر قصر، يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: يُسن له أن يُفطر، وهذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أنه إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة بالصوم فإنه يجب عليه أن يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في رمضان فقيل له: (إن الناس قد شق عليهم الصيام، وهم ينظرون ما تفعل، فدعا بماء فشرب، فذُكر له من لم يُفطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة)، ولا تكون المعصية إلا على فعل محرم. وعلى هذا نقول: المسافر أيضاً له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا يجب عليه أن يفطر، وهذا الحكم تكليفي، لكن لو صام كحكم وضعي، فإن صيامه صحيح مبرئ للذمة، لكن نقول: بأنه يجب عليه أن يفطر.ودليل ذلك ما تقدم، وأيضاً حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً عليه زحام ظُلل عليه، فسأل عن ذلك فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر). الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة محتملة ليست شديدة، فالمشهور من المذهب أنه يكره الصيام؛ لأنه إعراض عن رخصة الله. الحالة الثالثة: ألا تحصل له مشقة، كما يوجد الآن في المراكب الحديثة عن طريق الطائرة أو عن طريق سيارة مريحة ونحو ذلك، المهم أنه لا تحصل له مشقة. هل الأفضل أن يفطر أو الأفضل أن يصوم؟المشهور من المذهب الأفضل أن يفطر، وعند أكثر أهل العلم أن الأفضل أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام، كما صام عبد الله بن رواحة .أما المذهب فيقولون: الأفضل له أن يفطر، ويأخذون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر).أما الجمهور فيقولون: نأخذ بالصيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء صام، وكذلك أيضاً صام عبد الله بن رواحة ، ولأنه أنشط له أن يصوم مع الناس، وأبرؤ لذمته. فالصواب في ذلك: أنه إذا لم يكن هناك مشقة أن الأفضل أن يصوم، لأنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما صام، وهو أنشط له وأبرأ لذمته.
أحوال الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان
قال رحمه الله: (وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً).الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنهما لا تخلوان من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تخافا على أنفسهما، فيجوز لهما الفطر بالاتفاق، لأن أقل أحوالهما أن تكونا كالمريض، والمريض يجوز له أن يفطر: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فإذا خافتا على أنفسهما فنقول: بأن لهما الفطر، ويجب عليهما القضاء لما تقدم من قول الله عز وجل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].الحالة الثانية: أن تخافا على أنفسهما وعلى ولديهما، والقول بأنه يجب عليهما القضاء هو رأي الجمهور، وورد عن سعيد بن المسيب -وهو أيضاً رأي ابن حزم -: أنه لا يجب عليهما القضاء، والصواب: أنه يجب عليهما القضاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].وأما حديث: (إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحامل والمرضع الصوم)، فالمقصود بذلك وجوب الأداء، لكن وجوب القضاء هذا لا بد منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وأقل أحوالهما أن تكون الحامل والمرضع كالمريض.إذاً تلخص لنا في الحالة الأولى: أنهما إذا خافتا على أنفسهما فلهما الفطر، ويجب عليهما القضاء، ولا فدية عليهما.الحالة الثانية: أن تخافا على أنفسهما وولديهما، فحكم هذه الحالة كالحالة السابقة. الحالة الثالثة: أن تخافا على الولد فقط، فيجوز لهما الفطر؛ لقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].لكن بقيت مسألتان: المسألة الأولى: هل يجب القضاء أو لا يجب القضاء؟ والمسألة الثانية: هل تجب الكفارة أو لا تجب الكفارة؟المؤلف رحمه الله قال: (وعلى ولديهما قضتا)، فعلى كلام المؤلف رحمه الله يجب القضاء، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله لما تقدم من قول الله عز وجل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، وأقل الأحوال أن تكونا كالمريض. وبقينا في المسألة الثانية وهي الفدية.قال المؤلف: (وأطعمتا لكل يوم مسكيناً).فيجب الفدية على ولي الصبي، أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا قول الحنابلة والشافعية، والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله، وهو رواية عن مالك : أنه لا تجب الفدية، أي: لا يجب الإطعام.أما الذين قالوا: بأنه يجب الإطعام، فقالوا: بأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ورد عن ابن عباس وورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وما دام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنه يصار إليه.والذين قالوا: بأن الإطعام لا يجب قالوا: الأصل في ذلك براءة الذمة.والصواب في ذلك مادام أنه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنقول: الأحوط في ذلك أنه يجب على ولي الصبي أن يطعم عن كل يوم مسكيناً إن كان قادراً، وإن كان عاجزاً فإنه لا يجب.والإطعام الكلام فيه كما تقدم في إطعام الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه.
 المسافر
قال رحمه الله: (ولمسافر يقصر). أيضاً إذا كان السفر سفر قصر، يقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: يُسن له أن يُفطر، وهذا أيضاً فيه نظر، والصحيح أنه إذا كان يلحقه مشقة ظاهرة بالصوم فإنه يجب عليه أن يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في رمضان فقيل له: (إن الناس قد شق عليهم الصيام، وهم ينظرون ما تفعل، فدعا بماء فشرب، فذُكر له من لم يُفطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة)، ولا تكون المعصية إلا على فعل محرم. وعلى هذا نقول: المسافر أيضاً له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فهذا يجب عليه أن يفطر، وهذا الحكم تكليفي، لكن لو صام كحكم وضعي، فإن صيامه صحيح مبرئ للذمة، لكن نقول: بأنه يجب عليه أن يفطر.ودليل ذلك ما تقدم، وأيضاً حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى رجلاً عليه زحام ظُلل عليه، فسأل عن ذلك فقالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصيام في السفر). الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة محتملة ليست شديدة، فالمشهور من المذهب أنه يكره الصيام؛ لأنه إعراض عن رخصة الله. الحالة الثالثة: ألا تحصل له مشقة، كما يوجد الآن في المراكب الحديثة عن طريق الطائرة أو عن طريق سيارة مريحة ونحو ذلك، المهم أنه لا تحصل له مشقة. هل الأفضل أن يفطر أو الأفضل أن يصوم؟المشهور من المذهب الأفضل أن يفطر، وعند أكثر أهل العلم أن الأفضل أن يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام، كما صام عبد الله بن رواحة .أما المذهب فيقولون: الأفضل له أن يفطر، ويأخذون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر).أما الجمهور فيقولون: نأخذ بالصيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء صام، وكذلك أيضاً صام عبد الله بن رواحة ، ولأنه أنشط له أن يصوم مع الناس، وأبرؤ لذمته. فالصواب في ذلك: أنه إذا لم يكن هناك مشقة أن الأفضل أن يصوم، لأنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل ما صام، وهو أنشط له وأبرأ لذمته.
من لا يصح صومه

 المغمى عليه
قال رحمه الله: (أو أُغمي عليه جميع النهار). المغمى عليه إذا أُغمي عليه في جميع النهار، يعني: من الليل إلى الليل، فهذا نقول: بأنه لا يصح صومه.وهل يجب عليه القضاء أو لا يجب عليه القضاء؟جماهير العلماء أنه يجب عليه القضاء، يعني الأئمة متفقون على أن المغمى عليه يجب عليه القضاء، وبهذا نفهم أن الذين يُغمى عليهم بسبب حوادث السيارات أو غيرها من الحوادث طيلة شهر رمضان نقول: إذا أفاق يجب عليه أن يقضي، وهذا باتفاق الأئمة، وهذا عليه جماهير العلماء رحمهم الله، وهناك فرق بين الصلاة وبين الصيام، لأن الصلاة تتكرر، وأما الصيام فإنه لا يتكرر.الحالة الثانية: أن يغمى عليه من الليل، لكنه يفيق في أثناء النهار، فنقول هنا: يجب عليه أن يمسك وصيامه صحيح، لكن إذا أُغمي عليه من الطلوع إلى الغروب، فهذا يجب عليه أن يقضي، لكن لو أفاق جزءاً من النهار فنقول: بأن صيامه صحيح.الحالة الثالثة: أن يصبح صائماً ثم أغمي عليه، نقول: بأن صيامه صحيح.ثم قال: (لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط).إذا نام جميع النهار فإن صيامه صحيح، لو نام من الليل إلى الليل فصيامه صحيح. ويلزم المغمى عليه القضاء فقط كما تقدم. والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع - كتاب الصيام [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net