إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [16]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع سجود السهو لجبر الخلل الحاصل في الصلاة، وهذا الخلل إما أن يكون زيادة فيها أو نقصان ركعة كاملة، أو نقصان ركن أو واجب، ولكل حالةٍ تفصيل بينه الفقهاء، وقد يكون السجود لحصول شك فيبنى على اليقين.

    1.   

    تابع أقسام الزيادة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [وقهقهةٍ ككلام، وإن نفخ أو انتحب من غير خشية الله تعالى أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت.

    فصل: ومن ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها، وقبله يعود وجوباً فيأتي به وبما بعده، وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة، وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً، فإن استتم قائماً كره رجوعه، وإن لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع وعليه السجود للكل، ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل، وإن شك في ترك ركن فكتركه، ولا يسجد لشكه في ترك واجب أو زيادة، ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإمامه وسجود السهو لما يبطل عمده واجب].

    مضى معنا الجابر الأول وهو: الأذكار دبر الصلوات المفروضة، والآن نحن في أحكام سجود السهو، وهو الجابر الثاني، وبعد سجود السهو سنشرع إن شاء الله في الجابر الثالث: صلاة التطوع، وهذا من رحمة الله عز وجل؛ لأن هذه الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأول ما ينظر فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل يوم القيامة من أعمال العبد الصلاة فإن صلحت وإلا قال الله عز وجل: ( انظروا هل لعبدي من تطوع ).

    وذكرنا عن السهو والنسيان والغفلة أن بعض العلماء يرى أنها ألفاظ مترادفة, وأنها ذهول القلب عن معلوم، وأن السهو له ثلاثة أسباب: الزيادة, والنقص, والشك، وشرعنا في السبب الأول وهو الزيادة، وذكرنا أنها تنقسم إلى قسمين:

    إما زيادة أفعال أو زيادة أقوال، وشرعنا في زيادة الأفعال وأنهيناها ولله الحمد، وذكرنا أن زيادة الأفعال أربعة أنواع وبينا هذه الأنواع حسب كلام المؤلف رحمه الله، تسلسلاً مع كلام الماتن.

    ثم بعد ذلك شرعنا في القسم الثاني من قسمي الزيادة؛ وهي: الزيادة في الأقوال، وذكرنا أيضاً أن الزيادة في الأقوال أربعة أنواع، وأنهينا ثلاثة أنواع، والآن نشرع في النوع الرابع والأخير.

    القهقهة

    قال المؤلف رحمه الله: (وقهقهة ككلام).

    هذا النوع الرابع والأخير من أنواع الزيادة، وهو: ما يدل على المعنى طبعاً لا وضعاً، مثل: القهقهة والتنحنح والتأوه والأنين والانتحاب ونحو ذلك، فهل هذه الألفاظ التي تصدر عن هؤلاء وتعبر عن معنى في باطنهم يشرع لها سجود السهو, أو ليس مشروعاً؟

    نقول: هذه الأشياء سجود السهو ليس مشروعاً لها، سواء كان قهقهة أو كان تنحنحاً, أو كان تأوهاً، أو كان أنيناً، أو كان انتحاباً يعني: رفع الصوت بالبكاء، سواء من خشية الله أو ليس من خشية الله.

    وبقي مسألة أخرى، وهي: هل هذه الأشياء تبطل الصلاة أو لا تبطل الصلاة؟

    المؤلف رحمه الله تعالى يقول بأن القهقهة -والقهقهة هذه ضحكة معروفة- حكمها في الصلاة كحكم الكلام، وعلى هذا إذا حصلت القهقهة في الصلاة فإنها تبطلها.

    وتبطل الصلاة لأسباب:

    أولاً: أن المؤلف رحمه الله تعالى ألحقها بالكلام، والكلام يبطل الصلاة.

    وثانياً: أنها تنافي هيئة الصلاة والخشوع الواجب فيها، وما يجب أن يكون عليه المصلي من الخشوع والذل بين يدي الله عز وجل.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها مبطلة للصلاة ولو كان المصلي مغلوباً على أمره، وإنما كانت مبطلة ولو كان المصلي مغلوباً على أمره لما ذكرنا من أنها تنافي الهيئة التي يجب أن يكون عليها المصلي.

    كما أن ظاهر كلام المؤلف أن القهقهة مبطلة للصلاة سواء بان حرفان أو لم يبن حرفان، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى هو الصواب وهو الأحوط، وإن كان القول بأنه إذا كان مغلوباً على أمره أنها لا تبطل صلاته، لما ذكرنا من أن سائر المنهيات والمحذورات في الشريعة لا بد لها من ثلاثة شروط: الشرط الأول: العلم. والشرط الثاني: الذكر. والشرط الثالث: الاختيار. وإذا كان مغلوباً على أمره لم يكن مختاراً، لكن لما كانت هذه الهيئة أو هذا اللفظ ينافي الهيئة التي يجب أن يكون عليها المصلي من حضور القلوب والخشوع ونحوه أصبحت مبطلة مطلقاً.

    كما أن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أيضاً: أن التبسم لا يبطل الصلاة، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى خلافاً لـابن سيرين رحمه الله فإنه يرى أن التبسم يبطل الصلاة، والصواب أن التبسم لا يبطل الصلاة؛ لأنه لا ينافي الصلاة أو هيئة الصلاة التي تنافيها القهقهة.

    النفخ

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن نفخ أو انتحب من غير خشية الله تعالى أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت).

    النفخ: إخراج الهواء بشدة، فإذا أخرج الهواء من جوفه بشدة فبان حرفان بطلت صلاته، وإن لم يبن حرفان فإن صلاته لا تبطل، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    الرأي الثاني: أن هذا النفخ لا يبطل الصلاة، حتى ولو بان حرفان، وهو رواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وقال به إبراهيم النخعي وابن سيرين .

    وهذا القول هو الصواب؛ لأن الأصل صحة الصلاة، ولأن المبطل الذي جاء في الشرع هو الكلام، مثل: في، عن، وغيرها مما يفيد بنفسه أو مع غيره معنى، ومثل هذه الألفاظ ليست كلاماً بالوضع، وإنما هي تفيد المعنى بالطبع.

    النحيب

    والنحيب هو: رفع الصوت بالبكاء، وقال: (من غير خشية الله تعالى)، وعلى هذا نفهم أن النحيب أو الانتحاب ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون من خشية الله تعالى فهذا لا يبطل الصلاة سواء بان حرفان أو لم يبن حرفان فلو أن إنساناً سمع الوعد أو تذكر موقفه بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة لما قام في الصلاة، أو سمع الوعيد، أو سمع الآيات التي فيها الترغيب والترهيب، ثم بعد ذلك بكى وارتفع صوته فنقول: إذا كان من خشية الله عز وجل فإنه لا يبطل الصلاة.

    القسم الثاني: أن يكون من غير خشية الله، فيرتفع صوته بالبكاء لا من خشية الله عز وجل، كما لو جاءه خبر وهو يصلي بأن قريباً له قد مات، أو أن مالاً له قد سرق، ثم بعد ذلك بكى وارتفع صوته بالبكاء، وبان حرفان بطلت صلاته.

    وعلى هذا فالنحيب يبطل الصلاة بشرطين:

    الشرط الأول: أن يكون من غير خشية الله عز وجل.

    والشرط الثاني: أن يبين حرفان.

    الرأي الثاني: أن هذا النحيب لا يبطل الصلاة، لما ذكرنا من أن هذا ليس كلاماً بالوضع، وإنما هي ألفاظ وأصوات تدل على المعنى الموجود في باطن المتلفظين والمصوتين، والذي جاء في الشريعة أنه مبطل هو ما كان كلاماً بالوضع، أما ما يفهم منه المعنى من حالة المتلفظ والمصوت فهذا ليس كلاماً في اللغة العربية.

    وعلى هذا نقول: بأن ما دل على المعنى بالطبع وليس بالوضع ليس مبطلاً، فالنحيب سواء كان من خشية الله أو من غير خشية الله، وسواء بان حرفان أو لم يبن حرفان ليس مبطلاً للصلاة.

    ومثل ذلك أيضاً نقول في التأوه، والأنين، ونحو ذلك. وأما بالنسبة لسجود السهو فمثل هذه الأشياء لا يشرع لها سجود السهو؛ لأنها ليست من جنس الصلاة.

    1.   

    نقص الأركان

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ومن ترك ركناً).

    هذا هو السبب الثاني من أسباب سجود السهو، وهو النقص، والنقص ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نقص الأركان. القسم الثاني: نقص الواجبات. القسم الثالث: نقص المستحبات.

    ولكل حكمه كما سيأتينا إن شاء الله، فبدأ المؤلف رحمه الله بالقسم الأول: وهو نقص الأركان، ونقص الأركان أنواع:

    نقص تكبيرة الإحرام وغيرها

    النوع الأول: أن يكون الركن المتروك هو تكبيرة الإحرام، فإذا كان الركن المتروك هو تكبيرة الإحرام فإن صلاته لم تنعقد أصلاً, فضلاً عن أن يقال: هل يشرع سجود السهو أو لا يشرع سجود السهو؟

    النوع الثاني: أن يكون الركن المتروك غير تكبيرة الإحرام، وفي غير الركعة الأخيرة، وهذا فيه تفصيل: إما أن يذكره داخل الصلاة وإما أن يذكره خارج الصلاة، فإن ذكره بعد السلام فترك ركعة فإنه يأتي بركعة كاملة، وإن ذكره قبل السلام فسيأتي حكمه.

    قال المؤلف رحمه الله: (فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها، وقبله يعود وجوباً فيأتي به وبما بعده).

    نقول في هذا النوع: إن ذكره بعد السلام فيأتي بركعة كاملة، وإن ذكره قبل السلام فهذا فيه تفصيل، فإن ذكره بعد أن شرع في قراءة الركعة التي تلي الركعة التي تركه منها بطلت الركعة التي ترك منها وقامت التي تليها مقامها.

    مثال ذلك: رجل يصلي فنسي السجدة الثانية من الركعة الأولى، لما جلس بين السجدتين قام مباشرة إلى الركعة الثانية ولم يسجد السجدة الثانية، فذكر بعد السلام فنقول له: ائت بركعة كاملة، وإن ذكر قبل السلام بعد أن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها، فهذا الرجل لما ترك السجود الثاني ونهض وبدأ بالفاتحة تذكر أنه ما سجد السجود الثاني فنقول له: لا ترجع، واستمر في صلاتك، وتكون الثانية هي الأولى وتزيد ركعة، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    الرأي الثاني في المسألة: أنه يجب عليه أن يرجع حتى ولو شرع في القراءة، ما دام أنه لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها، مثال ذلك: هذا الرجل ترك السجود الثاني من الركعة الأولى وقام، فعلى المذهب إذا شرع في القراءة لا يرجع، وعلى هذا المذهب يجب الرجوع، فإن ذكره في الجلسة بين السجدتين فهو الآن وصل إلى محله في الركعة الثانية، فنقول له: لا ترجع وتأت بركعة، وهذا القول الثاني هو الصواب.

    هم يقولون: إذا شرع في قراءة الركعة التي تليها لا يرجع؛ لأن القراءة ركن مقصود في نفسه، والركوع ركن مقصود في نفسه، والسجود ركن مقصود في نفسه، والصواب: أنه يرجع ما لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها.

    النوع الثالث: أن يكون الركن المتروك في الركعة الأخيرة، سواء ذكره بعد السلام أو ذكره قبل السلام فإنه يجب أن يرجع وأن يأتي به وما بعده ويسجد للسهو، مثال ذلك: رجل يصلي العشاء الآخرة فنسي الركوع، بعد أن قرأ ما تيسر من القرآن هوى إلى السجود مباشرة ونسي أن يركع، وهو في التشهد ذكر أنه لم يركع، نقول: ارجع وأت بالركوع وبما بعده، تركع وترفع وتسجد سجدتين وتتشهد، وتسجد للسهو وتسلم.

    وإذا ذكر الركوع بعد السلام فنقول له: ارجع وأت بالركوع وبما بعده، ارجع واركع وارفع وأت بما بعد الركوع واسجد للسهو.

    وفي النوع الثاني إذا ذكر الركن بعد السلام، يأتي بركعة بشرط ألا يطول الفصل، ومثله أيضاً في النوع الثالث: يأتي به وبما بعده بشرط ألا يطول الفصل، فإن طال الفصل انقطعت الموالاة بين الأركان، والموالاة بين الأركان لا بد منها.

    وسبق أن ذكرنا قاعدة، وهي أن كل عبادة مركبة من أجزاء لا بد فيها من أمرين: الأمر الأول: الترتيب. والأمر الثاني: الموالاة بين الأركان.

    نقص ركعة من الصلاة

    النوع الرابع من أنوع الزيادة: إذا نقص ركعة، والأمر فيها ظاهر، إذا نقص ركعة كاملة فإنه يزيد ركعة، وإن ذكر بعد السلام فإنه يأتي بركعة ما لم يطل الفصل.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة).

    فيأتي بركعة ويسجد للسهو ما لم يطل الفصل، ما لم يكن المتروك تشهداً أخيراً أو سلاماً فيأتي به ويسجد ويسلم.

    1.   

    نقص الواجبات وحالاته

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن نسي التشهد الأول ونهض، لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً, فإن انتصب قائماً كره رجوعه، وإن لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع).

    هذا هو القسم الثاني من أقسام النقص، وقد تكلم المؤلف عن القسم الأول وهو نقص الأركان، وهنا شرع في بيان نقص الواجبات.

    نقص الواجبات له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يذكر الواجب قبل أن يفارق محله، فيأتي به ولا شيء عليه، مثال ذلك: رجل سجد، ونسي أن يقول: سبحان ربي الأعلى، ولكنه قبل أن ينهض من السجود تذكر فقال: سبحان ربي الأعلى، فهنا لا شيء عليه.

    الحالة الثانية: أن يذكره قبل أن يتلبس بالركن الذي يليه، وهنا يجب عليه أن يرجع، وأن يأتي به، ويسجد للسهو، مثال ذلك: رجل سجد، ونسي أن يقول: سبحان ربي الأعلى، لكن قبل أن يستتم قائماً تذكر أنه لم يقل: سبحان ربي الأعلى في سجوده فنقول له: ترجع وتأت به وتسبح وتنهض وتواصل الصلاة، وتسجد للسهو.

    الحالة الثالثة: أن يذكره بعد أن يتلبس بالركن الذي يليه، فهنا يسقط ويسجد للسهو، ويكون سجود السهو ما دام أنه عن نقص قبل السلام، أما ما قبل فيكون بعد السلام، مثال ذلك: رجل نسي أن يقول: سبحان ربي الأعلى، ونهض من السجود واستتم جالساً، ثم بعد أن استتم جالساً تذكر أنه ما سبح فنقول له: لا ترجع؛ ويدل لذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قام أحدكم من ركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس، فإن استتم قائماً فلا يجلس، وليسجد سجدتين ).

    فأصبح عندنا لنقص الواجبات له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يذكره في موضعه قبل أن يفارق محله، فيأتي به ولا شيء عليه.

    الحالة الثانية: أن يذكره بعد أن يفارق محله، وقبل أن يتلبس بالركن الذي يليه، فنقول له: ارجع وأت به واسجد للسهو.

    الحالة الثالثة: أن يذكره بعد أن فارق محله وتلبس بالركن الذي يليه، فهنا يسقط الواجب ويجبره بسجود السهو، ويكون السجود هنا قبل السلام؛ ويدل لذلك ما ذكرنا من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه.

    والهيئات الثلاث هي القاعدة على المذهب، لكنهم يخالفون في التشهد الأول، ويستثنونه من هذه القاعدة، ويجعلون له أربع حالات:

    الحالة الأولى: أن يذكره قبل أن يفارق محله فهذا يأتي به ولا شيء عليه.

    الحالة الثانية: أن يذكره بعد أن فارق محله وقبل أن يستتم قائماً، فيرجع، ويأتي به، فمثلاً: إنسان نسي التشهد الأول ثم قام, وقبل أن يستتم قائماً تذكر فنقول له: ارجع وأت به.

    الحالة الثالثة: أن يذكره بعد أن ينتصب قائماً، فيرجع مع الكراهة، لكن على القاعدة التي أخذناها لا يرجع ما دام أنه تلبس بالركن الذي يليه.

    فالصواب في هذه المسألة: أنه لا يرجع إذا انتصب قائماً، بدليل حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه لكن على المذهب يرون أنه يرجع مع الكراهة.

    القسم الرابع: أن يشرع في القراءة فيقولون بأنه لا يرجع.

    والصواب: أنه إذا استتم قائماً ما دام أنه تلبس بالركن الذي يليه فإنه لا يرجع، وعلى هذا يكون حكم التشهد الأول حكم بقية الواجبات، فالقاعدة في سائر الواجبات سواء كان التشهد الأول أو غيره أن له ثلاث حالات: إن ذكره قبل أن يفارق محله فإنه يأتي به ولا شيء عليه، وإن ذكره بعد أن فارق محله وقبل أن يتلبس بالركن الذي يليه فإنه يرجع ويأتي به ويسجد للسهو، وإن ذكره بعد أن تلبس بالركن الذي يليه فإنه لا يرجع ويجبره بسجود السهو.

    قال المؤلف رحمه الله: (وعليه السجود للكل).

    سيأتينا إن شاء الله أن السجود يجب تارة، ويستحب تارة.

    1.   

    الشك في عدد الركعات

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل).

    الشك هو التردد بين الأمرين، وهو السبب الثالث من أسباب سجود السهو.

    والقاعدة على المذهب في الجملة: أنه إذا شك فإنه يأخذ باليقين وهو الأقل، لأن الأخذ بالأقل هو المتيقن وما عدا ذلك مشكوك فيه, لم تبرأ منه الذمة، فإذا شككت هل صليت ثلاثاً أو أربعاً؟ فتأخذ بالأقل، وأنك صليت ثلاثاً؛ لأن الثلاث هي المتيقنة، وإذا شككت في أشواط الطواف هل طفت ثلاثة أو أربعة؟ فاجعلها ثلاثة حتى لو غلب على ظنك أنها أربعة، وإذا شككت في رمي الجمار (الحصى) كم رميت ستاً أو سبعاً؟ فاجعلها ستاً وهكذا.

    الرأي الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهو التفصيل في هذه المسألة، وأن الإنسان إذا شك فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن لا يترجح له شيء, يعني: شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ لكن ما ترجح له شيء، فنقول: اجعلها ثلاثاً، وإذا شك في أشواط الطواف هل طاف ثلاثة أشواط أو أربعة, ولم يترجح له شيء؟ فنقول: اجعلها ثلاثة؛ ودليل ذلك حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا شك أحدكم فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ) رواه مسلم .

    القسم الثاني: أن يترجح له أحد الأمرين، فيعمل بالراجح، فإذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؟ لكن الغالب على ظنه أنها أربع، فنقول له: اجعلها أربعاً، وإذا كان الغالب على ظنه أنها ثلاث فنقول: اجعلها ثلاثاً؛ ودليل ذلك حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشك: ( فليتحر الصواب ) يعني: ينظر إلى الراجح ( ثم ليبن عليه )، فقوله: ( فليتحر الصواب )، هذا مما يدل على أنه يعمل غلبة الظن.

    وهذا القول هو الصواب وهو الذي دلت عليه الأدلة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن شك في ترك ركن فكتركه).

    وهذا على المذهب، إذا شك في ترك ركن فهو كتركه؛ لأنهم يرون أنه يعمل باليقين، فإذا شك هل سجد أو لم يسجد فكأنه لم يسجد.

    والصواب كما تقدم أنه يعمل غلبة الظن.

    الحالات التي لا يلتف فيها إلى الشك

    واعلم أن الشك لا ينظر إليه في ثلاثة مواضع:

    الموضع الأول: بعد العبادة؛ لأن الأصل أن العبادة وقعت صحيحة، وأن الإنسان برئت ذمته منها، وأن الشيطان يلبس على الإنسان في عبادته، في نفس العبادة وبعد العبادة.

    الموضع الثاني: إذا كان مجرد وهم عارض لا حقيقة له، فإنه لا ينظر إليه.

    الموضع الثالث: إذا كثر مع الإنسان فأصبح يشك في كل شيء، فتجد أنه في الوضوء يشك، وفي المضمضة يشك، وفي الاستنشاق يشك، وفي الصلاة يشك، وهذا يجلب له الوسواس؛ فنقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لينته، وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم )، ولا ينظر إلى مثل هذا الشك.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يسجد لشكه في ترك واجب).

    يعني: إذا شك هل ترك قول: سبحان ربي الأعلى أو لم يترك هذا الواجب، فهل يسجد أو لا يسجد؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يسجد؛ لأنه شك في سبب السجود، كما لو شك في الزيادة لا يجب عليه.

    والوجه الثاني في المذهب واختاره ابن أبي عمر صاحب الشرح الكبير: أنه يجب عليه أن يسجد؛ لأن الأصل أنه لم يفعل هذا الواجب، وعلى القاعدة كما قلنا: إن غلب على ظنه أنه فعله لا يجب عليه أن يسجد، لكن إن تردد في فعله وعدم فعله فيسجد للسهو؛ لأن الأصل عدم الفعل.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو زيادة).

    الشك في الزيادة له حالتان:

    الحالة الأولى: إذا شك في الزيادة بعد الانتهاء منها فهذا لا يجب عليه أن يسجد، مثال ذلك: إنسان رفع من الركوع، وبعد الرفع من الركوع شك هل ركع ركوعين أو ركوعاً واحداً؟ فنقول: لا يجب عليه أن يسجد، إذا كان الشك في الزيادة بعد مفارقة ما يظن أنه زيادة.

    الحالة الثانية: أن يشك في الزيادة في أثناء الفعل، مثلاً: ركع ثم شك، هل هذا هو الركوع الأول، أو أن هذا ركوع ثان؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا يسجد، وقال بعض العلماء يسجد؛ لأنه أدى جزءً من الصلاة وهو متردد فيه.

    1.   

    حالات المأموم مع إمامه في سجود السهو

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإمامه).

    المأموم لا سجود عليه إلا تبعاً لإمامه، وهذه من المسائل التي يتحملها الإمام عن المأموم، والعلماء رحمهم الله يذكرون في باب صلاة الجماعة في أحكام الإمام والائتمام أن الإمام يتحمل عن المأموم عدة أشياء: يتحمل عنه سجود السهو، ويتحمل عنه قراءة الفاتحة، ويتحمل عنه السترة إلى آخره، فإذا سها المأموم فإن الإمام يتحمل عنه سجود السهو، ونقول بأن المأموم لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون المأموم غير مسبوق، فإذا كان المأموم غير مسبوق وأدرك الصلاة من أولها فإن الإمام يتحمل عنه السهو، فمثلاً: لو أن المأموم نسي أن يقول: سبحان ربي الأعلى، وصلى مع الإمام من أول الصلاة، فالإمام يتحمله، وهكذا لو شك أو زاد فلا يسجد للسهو، ويتحمله الإمام.

    القسم الثاني: أن يكون المأموم مسبوقاً قد فاته شيء من الصلاة، فاتته ركعة أو ركعتان مثلاً، فالإمام لا يتحمل عنه، فإذا سها فيما انفرد به فيجب عليه أن يسجد، هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: إذا سها فيما أدرك فيه الإمام، فمثلاً: أدرك الإمام في الركعة الثانية، وسها في الركعة الثانية أو في الثالثة أو في الرابعة فيجب عليه أن يسجد.

    الحالة الثالثة: إذا كان سجود الإمام بعد السلام، وكان المأموم مسبوقاً فإنه لا يتابع الإمام في السجود، وإنما يسجد بعد أن يقضي ما عليه، فإذا أدرك السهو مع الإمام يعني: الإمام سها في الصلاة وزاد, والزيادة محل السجود لها بعد السلام، فالمأموم المسبوق إذا سجد الإمام بعد السلام فإنه لا يتابعه؛ لأنه لا يمكن أن يسلم، وصلاته ما انتهت فنقول: تقوم وتقضي ما عليك، فإذا قضيت ما عليك فهل تسجد أو لا تسجد؟

    نقول: إن أدرك السهو مع الإمام سجد، وإن كان لم يدرك السهو مع الإمام فلا يسجد، وإن شك فلا يدري هل أدرك السهو مع الإمام أو لم يدرك فإنه يسجد.

    1.   

    ضابط السجود الواجب للسهو

    قال المؤلف رحمه الله: (وسجود السهو لما يبطل عمده واجب).

    ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا ضابط السجود الواجب للسهو، وضابط السجود الذي ليس واجباً.

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن السجود تارة يكون واجباً، وتارة يكون مستحباً، والضابط في ذلك كل شيء عمده يبطل الصلاة فسهوه يوجب السجود، وكل شيء عمده لا يبطل الصلاة فسهوه لا يوجب السجود، مثال ذلك: زاد ركوعاً، وهذا يبطل الصلاة لو كان عمداً، فالسهو هنا واجب، ولو نقص قول: سبحان ربي العظيم، وكان متعمداً فالنقص هنا يبطل الصلاة، وعليه فالسهو هنا يوجب السجود، وعلى هذا فقس.