إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب النكاح [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التصريح والتعريض في الخطبة يختلف بحسب اختلاف حال المرأة، والنكاح الصحيح له شروط لا بد من وجودها، منها: الولي، وشاهدي عدل.

    1.   

    تابع الخطبة

    أيها الأحبة تقدم لنا طرف من أحكام النكاح, وذكرنا من ذلك تعريف النكاح في اللغة والاصطلاح, وما هو الأصل فيه من حيث الدليل, وما هو الأصل فيه من حيث الحكم الشرعي, وذكرنا رأيين في ذلك: هل الأصل فيه الوجوب أو الاستحباب؟ وتطرقنا أيضاً لما يتعلق بأحكام النظر إلى المخطوبة، وشروط النظر إليها، وحكم النظر هل هو مباح أو مستحب، وذكرنا في ذلك رأيين, وذكرنا أيضاً هل النظر يكون قبل الخطبة أو يكون بعد الخطبة، وذكرنا في ذلك رأيين لأهل العلم رحمهم الله، وأن الأقرب في هذه المسألة أن ذلك يرجع إلى حاجة الخاطب, ثم بعد ذلك تعرضنا لحكم الخطبة على خطبة المسلم، وأن الخطبة على خطبة المسلم محرمة ولا تجوز, والدليل على ذلك حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم اللذين أوردناهما في الدرس السابق, وتكلمنا أيضاً عن حكم الخطبة على خطبة غير المسلم كأن يخطب المسلم على خطبة النصراني أو خطبة اليهودي، وأن المؤلف يفهم من كلامه أن هذا لا بأس به يعني: لا بأس أن يخطب المسلم على خطبة اليهودي أو خطبة النصراني, وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة: أن هذا محرم ولا يجوز لما في ذلك من الظلم والاعتداء.

    حالات جواز خطبة المسلم على خطبة أخيه

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن لا يسكن إليه].

    الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة الرجل إلا أنه يستثنى من ذلك مسائل يجوز فيها أن يخطب المسلم على خطبة الرجل:

    الحالة الأولى: إذا لم يسكن للخاطب الأول فلا بأس أن يخطب المسلم على خطبته, فلو أن رجلاً خطب امرأة ثم بعد ذلك رد ولم تقبل خطبته فإنه لا بأس أن يخطب أحد على خطبته، والدليل على ذلك أنه إذا رد ولم يسكن إليه فإنه ليس له حق في هذه الخطبة؛ لأن خطبته قد ردت، وحينئذ إذا خطب المسلم على خطبته فليس بذلك ظلم ولا اعتداء.

    الحالة الثانية: أن يترك الخطبة, إذا خطب هذه المرأة ثم بعد ذلك ترك خطبتها فلا بأس للخاطب الثاني أن يخطب على خطبته, ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك )، فدل قوله: ( حتى ينكح أو يترك ) أن الخاطب الأول إذا ترك الخطبة فلا بأس أن نخطب على خطبته؛ ولأنه أيضاً لا حق له في ذلك حينئذ؛ لأنه تنازل عن حقه.

    الحالة الثالثة: أن يستأذن الخاطب الثاني الخاطب الأول في أن يخطب على خطبته, فإذا استأذن الخاطب الثاني الخاطب الأول في أن يخطب على خطبته فإن هذا لا بأس به , يدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يخطب الرجل على خطبة الرجل حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن )، فدل ذلك على أن الخاطب الثاني إذا استأذن الخاطب الأول في أن يخطب على خطبته أن هذا لا بأس به, لكن يشترط للإذن أن لا يكون إذنه عن حياء، فإن كان إذنه عن حياء فإنه لا يجوز؛ لأنه قد يستأذنه في أن يخطب على خطبته فيستحي من أن يرده فيأذن له، فإذا علمنا أنه قد أذن له عن حياء فلا يجوز أن نخطب على خطبته؛ لأنه وإن رضي في الظاهر فإنه لم يرض في الباطن, وهذه قاعدة في سائر الهبات, سواء كانت هذه الهبات تتعلق بالأعيان أو تتعلق بالمعاني, كل إنسان وهب هبة إذا علمت أنه وهب هذه الهبة عن حياء وخجل فإنه لا يجوز لك أن تقبل.

    الحالة الأخيرة: إذا جهل الأمر, يعني: لو أن هذا الرجل خطب وجهلنا الأمر، لا ندري هل يعطوه أو لا يعطوه, هل يجوز أن نخطب على خطبته أو لا؟ في ذلك رأيان لأهل العلم رحمهم الله.

    الرأي الأول: أنه يجوز أن نخطب على خطبته, فلو أن زيداً من الناس خطب هذه المرأة وحتى الآن الولي لم يعطه ولم يرده وهو لم يترك الخطبة، فهل يجوز أن نخطب على خطبته أو لا يجوز أن نخطب على خطبته؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا بأس أن نخطب على خطبته، والمحرم عندهم أن لا تخطب على خطبته إذا أعطي, لو أنه قبل لكنه لم يعقد له عقد النكاح فهذا هو الذي لا يجوز لك أن تخطب على خطبته, أما لو أنه خطب وحتى الآن لم يعطه الولي، قد يعطه الولي وقد يرده الولي، فهل لك أن تخطب على خطبته؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن لك أن تخطب على خطبته، واستدلوا على ذلك بأن فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها خطبها ثلاثة أسامة بن زيد ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الجهم , فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم, فأشار عليها أن تنكح أسامة , فقالوا: بأن فاطمة رضي الله تعالى عنها خطبها ثلاثة، فدل ذلك على أنه إذا خطب الرجل وجهلنا الأمر هل يعطيه الولي؟ هل تقبله المرأة أو لا تقبله المرأة؟ أنه لا بأس أن تخطب على خطبته.

    والرأي الثاني: أن هذا لا يجوز؛ لأنه إذا خطب أصبح له حق في هذه الخطبة, وكونك تخطب على خطبته هذا في اعتداء وظلم.

    وهذا القول: هو الصوب, فالصواب في هذه المسألة أن الإنسان إذا خطب امرأة لا يجوز لك أن تخطب على خطبته حتى وإن لم يعط، ما دام أنه لم يرد فلا تخطب على خطبته حتى يترك الخطبة أو يرد أو يأذن لك لا عن حياء وخجل, فالصواب في ذلك أنه إذا خطب رجل امرأة وجهل الأمر هل يعطيه الولي أو لا يعطيه الولي فإنه لا يجوز لك أن تخطب على خطبته حتى يرد أو يعطى أو يأذن لك في الخطبة. هذا هو الصواب؛ لأنه ربما أن هذا الشخص الذي خطب قد يكون الولي ركن إليه ويريد أن يعطيه لكن احتاج أن يستشير أو يستخير أو غير ذلك, فله شيء من الحق، فكونك تأتي وتخطب على خطبته هذا فيه نوع من الظلم والاعتداء.

    وأما قصة فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها, وكونه خطبها ثلاثة فهذا لا يدل على الجواز؛ لأن كلاً من هؤلاء الثلاثة جهل أن فلاناً قد خطب, يعني: معاوية خطب وأسامة خطب وأبو الجهم خطب وكل منهم لا يدري أن الآخر قد خطب قبله, فهم معذورون في هذه الحال.

    خطبة المعتدة والبائن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز التصريح بخطبة معتدة، ويجوز التعريض بخطبة البائن خاصة].

    التصريح: هو ما لا يحتمل إلا النكاح, كأن يقول: أريد أن أتزوجك. والتعريض بالخطبة هو الذي يحتمل النكاح وغيره, كأن يقول: أنت امرأة صالحة, أو أنا محتاج إلى امرأة صالحة, أو كما مثل المؤلف رحمه الله قال: لا تفوتيني بنفسك أو أنا في مثلك لراغب, أو أنا راغب في زوجة مثلك.. إلخ.

    المهم الضابط في التصريح في الخطبة أن التصريح في الخطبة هو الذي لا يحتمل إلا النكاح، وأما التعريض فهو الذي يحتمل النكاح وغيره.

    المرأة لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون غير معتدة, ليست متعلقة بعدة بسبب طلاق أو وفاة أو فسخ أو خلع أو غير ذلك, فهذه يجوز للمسلم أن يخطبها ما لم تكن محرمة بحج أو عمرة, المحرمة بحج أو عمرة لا يجوز خطبتها.

    الأمر الثاني: المرأة المعتدة, فما حكم خطبة المرأة المعتدة؟

    نقول: المعتدات ينقسمن إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: المعتدة الرجعية: وهي التي طلقها زوجها دون ما يملك من عدد الطلقات بلا عوض, يعني: طلقها طلقة واحدة أو طلقتين, فإذا طلقت طلقة واحدة أو طلقت طليقتين فإنها تلحقها العدة ثلاثة قروء كما قال الله عز وجل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] ، فهي الآن في أثناء العدة, هل يجوز لك إذا طلقها زوجها طلقة أو طلقها طلقتين أن تخطبها أو لا يجوز لك أن تخطبها؟

    نقول: المعتدة الرجعية لا يجوز أن تخطب مطلقاً, لا تصريحاً ولا تعريضاً؛ لأن الرجعية زوجة كسائر الزوجات؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228] أي في العدة إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا [البقرة:228]، فسمى الله عز وجل الزوج المطلق بعلاً, فدل ذلك على أن الرجعية زوجة كسائر الزوجات, لا تفارق سائر الزوجات إلا في بعض المسائل ذكرها ابن رجب رحمه الله في قواعده, وإلا فالأصل أن الرجعية التي طلقت طلقة أو طلقتين زوجة لها حق النفقة، لها حق الكسوة، لها حق السكن، لا تخرج من البيت إلا بإذن الزوج, هي مباحة للزوج أن ينظر إليها، له أن يخلو بها, لها أن تتجمل له.. إلخ, فهي زوجة كسائر الزوجات, وإذا كانت زوجة كسائر الزوجات فما دامت في العدة فإنه لا يجوز لغير الزوج أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً, هذا القسم الأول المعتدة الرجعية.

    القسم الثاني: المبانة بدون الثلاث, يعني: المعتدة التي أبينت بدون الثلاث, وهذه كالتي طلقت على عوض, يعني: امرأة طلقت طلقه واحدة بعوض أو خلعت خلعاً, فالطلاق بعوض هذا خلع أو خلعها زوجها بعوض, أو فسخت بعوض, أو فسخت لفوات شرط أو لوجود مانع لوجود عيب, فالمفسوخة والمختلعة بانت بينونة صغرى، فما دامت في العدة يجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً, فلو أن رجلاً طلق زوجته على عوض خلعها أو أنها فسخت منه لفوات شرط أو لوجود عيب, فما دامت في العدة يجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً؛ لأن الزوج يجوز له أن يعقد عليها في العدة, وأما غير الزوج فله أن يخطبها في عدتها تعريضاً لا تصريحاً بأن يعرض بحيث يذكر ألفاظاً تحتمل النكاح وغيره كما سبق تمثيله، وأما التصريح فإنه لا يجوز, التصريح هذا لا يجوز لقول الله عز وجل: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ [البقرة:235] ، هذا القسم الثاني من أقسام المعتدات وهي التي المبانة بدون الثلاث, التي أبينت بينونة صغرى بحيث إن الزوج خلعها أو طلقها على عوض وهو الخلع, أو فسخت لفوات شرط أو لوجود عيب, فهذه قلنا: للزوج أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً, وأما غير الزوج فله أن يخطبها تعريضاً وأما التصريح فليس له ذلك.

    القسم الثالث: المبانة بينونة كبرى, أو التي توفي عنها زوجها، فالمبانة بينونة كبرى, وهي التي طلقها زوجها نهاية ما يملك من عدد الطلقات, فهذه التي أبانها زوجها بينونة كبرى طلقها آخر الطلقات الثلاث لا يجوز لزوجها أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً؛ لأنها لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره, وأما غير الزوج فيجوز له أن يخطبها تعريضاً لا تصريحاً, لما تقدم من الآية؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام عرض بـأم سلمة رضي الله تعالى عنها.

    مثل ذلك أيضاً: المتوفى عنها زوجها, الزوج أمره ظاهر قد مات, لكن غير الزوج له أن يعرض في خطبتها ما دامت في العدة وأما التصريح فإنه لا يجوز.

    فأصبح عندنا المعتدات ينقسمن إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: المعتدة الرجعية هذه لا يجوز أن تخطب لا تعريضاً ولا تصريحاً؛ لأنها زوجة، وزوجها له أن يراجعها في عدتها.

    القسم الثاني: المبانة بدون الثلاث وهي التي خلعت أو فسخت بفوات شرط أو وجود عيب, هذه يجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً, وأما غير الزوج فإنه يجوز له أن يخطبها تعريضاً لا تصريحاً.

    القسم الثالث: المبانة بالثلاث، المبانة بينونة كبرى التي طلقها زوجها نهاية ما يملك من العدد، فهذه لا يجوز لزوجها أن يخطبها لا تعريضاً ولا تصريحاً, وأما غير الزوج فإنه يخطبها تعريضاً لا تصريحاً, كذلك أيضاً المتوفى عنها تخطب تعريضاً لا تصريحاً.

    1.   

    أركان النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا ينعقد النكاح إلا بإيجاب من الولي أو نائبه فيقول: أنكحتك أو زوجتك، وقبول من الزوج أو نائبه فيقول: قبلت أو تزوجت].

    الآن شرع المؤلف رحمه الله في بيان أركان النكاح، فأركان النكاح ركنان:

    الركن الأول: الإيجاب والقبول.

    والركن الثاني: الزوجان.

    الإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي أو من يقوم مقامه كالوكيل.

    والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه كوكيل الزوج.

    شروط الإيجاب والقبول

    الإيجاب والقبول يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون الإيجاب بلفظ الإنكاح أو التزوج، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وكذلك أيضاً مذهب الشافعي .

    يعني: الولي إذا أراد أن يزوج فإنه يقول: زوجتك أو يقول: أنكحتك, لو قال: ملكتك ابنتي, ما يجزئ عند الشافعية والحنابلة، لو قال: جوزتك ابنتي هذا لا يجزئ, لا بد من لفظ: زوجت أو أنكحت, لو قال: ملكت أو قال: وهبت أو قال: جوزت، هذا لا يجزئ، لا بد من لفظ التزويج: زوجت أو لفظ الإنكاح: أنكحت.

    هذا بالنسبة للإيجاب, قالوا: لا بد أن يكون الإيجاب بهذين اللفظين فقط ولا يتعداهما, وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي , وأما القبول فيصح بأي لفظ، لو قال الزوج: قبلت أو قال: رضيت أو قال:لا بأس أو قال: تزوجت.. إلخ, فيصح بأي لفظ, أما الإيجاب فلا بد أن يكون بهذين اللفظين.

    دليلهم على ذلك قالوا: إن هذا هو الذي ورد في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم, فالذي ورد هو لفظ الإنكاح أو لفظ التزويج, كما قال الله عز وجل: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3]. وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج..إلخ )، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ومذهب الشافعي .

    وعند الإمام أبي حنيفة أن هذا ليس شرطاً، فيصح أن ينعقد الإيجاب بكل ما دل عليه العرف, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, فإذا قال: زوجتك ابنتي أو قال: جوزتك ابنتي, أو قال: أنكحتك ابنتي أو قال: ملكتك ابنتي, فإن هذا جائز ولا بأس به.

    يدل على ذلك أدلة من ذلك: حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يرَ فيها النبي حاجة فقال: رجل من أصحابه زوجنيها يا رسول الله..الخ, وفي الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ملكتكها بما معك من القرآن ), والله عز وجل قال: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [الأحزاب:50]، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها, قال: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك, فهذا يدل على أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح أو التزويج, وهذا القول هو الصواب, فالشرط الأول أن يكون الإيجاب بلفظ التزوج أو الإنكاح هذا فيه نظر.

    الشرط الثاني: الاتصال بين الإيجاب والقبول, فلا بد من الاتصال بينهما, فإذا قال: زوجتك لا بد أن يكون القبول متصلاً بالإيجاب حقيقة أو حكماً, حقيقة: أن يقول الزوج مباشرة: قبلت, أو حكماً يحصل شيء من السعال أو العطاس أو التثاؤب ثم بعد ذلك يقول الزوج: قبلت.

    والصواب في ذلك أنه لا يشترط الاتصال إذا كان الفاصل يسيراً عرفاً من كلام أو سكوت يسيرين, فإن هذا لا بأس به, فلو قال: زوجتك، واحتاج الزوج إلى أن يتأمل أو أن يسأل عن هذه المرأة، وكان الفاصل من الكلام يسيراً عرفاً فإن هذا لا بأس به؛ لأن اليسير ملحق بالعدم، وهذا هو الصواب.

    الشرط الثالث: أن يوافق القبول الإيجاب, أما إذا خالفه فلا ينعقد النكاح، فلو مثلاً قال: زوجتك فقال:لم أقبل, فإن النكاح لا ينعقد, لا بد أن يوافق القبول الإيجاب, هذه شروط الإيجاب والقبول.

    وهل يشترط في حال الإيجاب أن تكون المرأة طاهرة من دورتها الشهرية من الحيض أو يصح العقد عليها حتى وإن كان عليها الحيض عليها الدورة الشهرية؟

    نقول: يصح أن يعقد عليها حتى ولو كانت غير طاهر, وهذه تلتبس على كثير من الناس يظن أنه لا بد أن تكون المرأة طاهرة من دورتها الشهرية, فنقول: يصح العقد على المرأة حتى وإن كان عليها حدث الحيض.

    1.   

    خطبة عقد النكاح وإعلانه

    خطبة عقد النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الحاجة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ... إلخ )].

    هذه الخطبة ليست خاصة في عقد النكاح بل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تستعمل هذه الخطبة في مخاطبة الناس بالعلم, في تعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وموعظتهم ومجادلتهم في بدء الخطب.. إلخ, فليست خاصة بعقد النكاح, لكن يستحب فيه؛ لأن عقد النكاح من الأمور التي يحتاج إليها، فيستحسن أن يبدأ العاقد الذي يقوم بالعقد بقراءة هذه الخطبة، وهذه الخطبة سواء قرأها الولي أو قرأها الزوج أو قرأها أحد الحاضرين من الشهود أو غيرهم, المهم أن تقرأ هذه الخطبة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب أن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود رضي الله عنه قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم )].

    قوله: (ونتوب إليه) هذه ليست واردة في الحديث, فإدخال المؤلف رحمه الله هذه اللفظة في هذه الخطبة مع أنها ليست واردة في الحديث فيه نظر، وفيه نوع من التساهل، وألفاظ الأذكار توقيفية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: بأن لفظة: (ونتوب إليه) ليست واردة في الحديث، فلا تذكر عند إيراد هذه الخطبة.

    قال: (ثم يذكر الآيات الثلاث الآية الأولى في سورة آل عمران) أشار إليها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ثم بعد ذلك الآية الثانية في أول سورة النساء, والآية الثالثة في آخر سورة الأحزاب كما هي معروفة.

    أيضاً استحب طائفة من أهل العلم إذا خطب بخطبة النكاح أن يذكر بعض الأدلة الواردة في النكاح والتي ترغب في النكاح، ويذكر أيضاً العاقد شيئاً من ثمرات النكاح وفوائده, وشيئاً من الحقوق الزوجية ويوصي الزوج بهذه الحقوق.. إلخ.

    إعلان النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب إعلان النكاح].

    يستحب إعلان النكاح، هذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني:أن إعلان النكاح واجب, وهذا القول هو الصواب, الصواب أن إعلان النكاح واجب ولا يجوز كتمانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح )، وهذا حديث حسن؛ ولأن التواصي بكتمان النكاح يلحقه بنكاح السر الذي هو الزنا, ففيه تشبه بفاحشة الزنا؛ لأن الزنا هو الذي يكون عن طريق السر؛ ولأن إعلان النكاح فيه فائدة وفيه ثمرة، فقد يكون شيء من الرضاع أو نحو ذلك, فيعلمه الناس وينتشر بين الناس..إلخ.

    فالصواب في ذلك أن إعلان النكاح واجب, وأما قول المؤلف: يستحب إعلانه فهذا فيه نظر, وإعلان النكاح يرجع فيه إلى العرف, يعني: كيفية الإعلان يرجع فيه إلى العرف, فمثلاً: كون الزوج يفتح بابه أو يدعو طائفة من أصحابه إلى وليمة العرس، ويفتح شيئاً من أنواره..الخ, فهذه كله داخلة في إعلان النكاح ونشره, المهم أنه لا يتواصى بكتمان النكاح؛ لأنه إذا توصي بكتمان النكاح فإن هذا يلحقه بنكاح السر الذي هو الزنا.

    الضرب بالدف في النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [والضرب عليه بالدف للنساء].

    أفاد رحمه الله أن الضرب بالدف خاص بالنساء، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافاً لمذهب الإمام مالك رحمه الله، فإن مذهب المالكية يعممون الضرب بالدف للرجال والنساء, والصواب في ذلك ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح )، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لما زفوا امرأة من الأنصار إلى زوجها: ( هل بعثتم معها بلهو فإنا لأنصار قوم يعجبهم اللهو؟ ), فنقول: لا بأس للنساء أن تضرب بالدف في العرس، وهذا خاص بالنساء، والضرب بالدف من إعلان النكاح, ويشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون للنساء خاصة على ما ذهب إليه جمهور أهل العلم ؛ لأن هذا هو الذي ورد, ولم يرد أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم ضربوا بالدف في الأعراس، وإنما كان يضرب به النساء، هذا الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن لا يكون في ذلك إطالة, وإنما يضرب بالدف بحسب ما يحتاج إليه من إعلان النكاح، وأن لا يكون هناك شيء من الإطالة.

    الشرط الثالث: أن يكون الدف خاصة دون بقية آلات اللهو كطبل وغيره، فإن الأصل في هذه الأشياء المنع والتحريم.

    1.   

    ولاية النكاح

    شروط النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [باب ولاية النكاح].

    هنا ترجم المؤلف رحمه الله بشرط من شروط النكاح, ولو قال المؤلف رحمه الله: باب شروط النكاح لكان أحسن؛ لأن هذا الباب ذكر فيه المؤلف رحمه الله ولاية النكاح، وذكر فيه أيضاً شروط النكاح, فالمؤلف رحمه الله ترجم بشرط من شروط النكاح, ولو أنه عنون بشروط النكاح كلها كما فعل غيره لكان أحسن.

    الولي

    قال المؤلف رحمه الله: [لا نكاح إلا بولي].

    هذا هو الشرط الأول من شروط صحة النكاح: أن يكون هناك ولي للمرأة يتولى عقد النكاح لها, ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه وإسناده ثابت.

    وكذلك أيضاً حديث أبي موسى وحديث عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الإمام أحمد وصححه أيضاً الترمذي وصححه يحيى بن معين ..إلخ.

    وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها )، وهذا أخرجه الدارقطني ، وصححه طائفة من أهل العلم.

    فالشرط الأول أن يكون هناك ولي للمرأة, الدليل عليه ما سمعتم من هذه الأدلة, وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن المرأة إذا كانت بالغة عاقلة حرة, لها أن تزوج نفسها يعني: يشترط أن تكون حرة ليست أمة، وأن تكون بالغة, ليست صغيرة لم تبلغ, وأن تكون عاقلة، فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة فلها أن تزوج نفسها, واستدلوا على ذلك بدليلين:

    أما الدليل الأول فقول الله عز وجل: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232].

    وأما الدليل الثاني: فالقياس على المال, فكما أن المرأة لها أن تبيع بيتها وأن تشتري عقاراً وأن تتاجر بأموالها, كذلك أيضاً لها أن تعقد على بضعها، فما دام أن لها أن تعقد على مالها كذلك أيضاً لها أن تعقد على بضعها, هذا هو المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

    والصواب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل ).

    وأما قوله سبحانه وتعالى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ [البقرة:232] فهذا خطاب للولي, نزلت في معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه حينما طلق زوج أخته أخته، فأبى معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه أن يرد هذه الأخت على زوجها..الخ, فنزلت هذه الآية، والخطاب هنا للولي، فهذا فيه دليل للجمهور أن الخطاب الوارد في الكتاب أو السنة إنما هو موجه للأولياء, فدل ذلك على اعتبار الولاية.

    وأما القياس على المال فهذا القياس مع الفارق؛ لأن الأبعاض يحتاط لها ما لا يحتاط للأموال، فرق بين العقد على البضع والعقد على المال.

    فالصواب في ذلك أنه تشترط الولاية.

    شاهدا عدل

    قال المؤلف رحمه الله: [وشاهدين من المسلمين].

    هذا هو المشهور من المذهب أنه تشترط الشهادة، وهذا أيضاً مذهب الشافعي رحمه الله تعالى أنه لا بد من الشهادة، وهو قول جمهور أهل العلم تشترط الشهادة, يدل لذلك ما تقدم من حديث أبي موسى وحديث عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ).

    وكذلك أيضاً من الأدلة على ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا بد في النكاح من أربعة: من الزوج والولي والشاهدين )، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت, لكن يستدل لذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ).

    والرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وقول للإمام مالك أن الشهادة في النكاح ليست شرطاً؛ لأن كثيراً من الأنكحة وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أحضر لها شهوداً, ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يرَ فيها النبي عليه الصلاة والسلام حاجة فقال رجل من أصحابه: زوجنيها يا رسول الله ..إلخ, وفي الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ملكتكها بما معك من القرآن ).

    ومن أدلة الجمهور الذي اشترطوا الشهادة أن الله عز وجل قال في الرجعة: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، وهذا في مراجعة المرأة, فالله عز وجل أمر بالإشهاد في مراجعة المرأة، ففي ابتداء نكاحها من باب أولى أن يشهد.

    الذين قالوا: لا يجب الإشهاد قالوا: بأن اشتراط الشهادة يدل عليه أن كثيراً من الأنكحة وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, ولم يشترط له الشهادة, ولم ينقل إحضار الشهود أو الاعتناء بهذا الأمر, ومن ذلك حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه. الرأي الثالث: رأي الإمام مالك قال: بأن الشهادة ليست شرطاً، هذا الراجح من مذهب الإمام مالك أن الشهادة ليست شرطاً في عقد النكاح, لكن يشترط الإشهاد قبل الدخول, يعني: لو أنه عقد بلا شهادة فالعقد صحيح لكن يشترط الإشهاد قبل الدخول على المرأة, فإذا حصل الإشهاد قبل الدخول على المرأة فإن العقد صحيح, فلو أنه لم يشهد في حال العقد واكتفي بالشهادة عن الدخول فإن هذا كاف, هذا هو الراجح من مذهب الإمام مالك رحمه الله، وله رواية أخرى -كما تقدم- أن الشهادة ليست شرطاً مطلقاً.

    والأقرب في ذلك والأحوط هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, وأن الشهادة تشترط.

    الذين قالوا بأن الشهادة ليست شرطاً قالوا: بأن هذا لو كان شرطاً لتوافرت الدواعي على نقله واشتهر, ولم ينقل مثل ذلك.

    فنقول: هذا فيه نظر, وأما حديث سهل بن سعد فالنبي عليه الصلاة والسلام زوجها بمحضر من الصحابة، وهذه شهادة، وأيضاً يدل لذلك حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه, وهذا الحديث صححه جمع من الأئمة رحمهم الله، وهذا هو أحوط وأبرأ للذمة وخصوصاً فيما يتعلق بعقد النكاح، فإنه يحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره.

    الذين قالوا بعدم اشتراط الشهادة استدلوا بالقياس على سائر العقود, فقالوا: كما أن عقد البيع لا يشترط فيه الشهادة فلو أن الإنسان باع أو اشترى وكذلك عقد الرهن وعقد الشركة..إلخ فكذلك أيضاً عقد النكاح, لكن يفرق كما تقدم لنا بين هذه العقود المالية وبين عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح يحتاط فيه ما لا يحتاط في مثل هذه العقود المالية.

    قال: (وشاهدين من المسلمين), اشترط المؤلف رحمه الله بالنسبة للشاهدين أن يكونا مسلمين.

    ترتيب الأولياء

    قال المؤلف رحمه الله: [وأولى الناس بتزوج الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها ثم ابنه وإن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها ثم معتقها، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته، ثم السلطان].

    نلخص الولاية في النكاح: أولاً: الأصول، ثم بعد ذلك: الفروع، ثم بعد ذلك: الحواشي, ثم بعد ذلك: العصبة بالسبب، ثم بعد ذلك: السلطان.

    فالأصول في ولاية المرأة: الأب ثم بعد ذلك: الجد وإن علا، ثم بعد ذلك إذا لم يكن هناك شيء من الأصول ننزل إلى الفروع: الابن ثم ابن الابن ثم ابنه وإن نزل, ثم بعد الفروع الحواشي: الإخوة: الأخ الشقيق، ثم بعد ذلك الأخ لأب، ثم أبناؤهم: ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب, إذا لم يكن هناك شيء من الإخوة ولا من بنيهم نرجع إلى الأعمام: العم الشقيق ثم بعد ذلك العم لأب ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب, فإن لم يكن هناك شيء من الحواشي, وكان هناك عصبة بالسبب وهو المعتق, لو كان هناك معتق أعتق هذه المرأة, لو أن هذه المرأة أعتقها زيد من الناس، ولم نجد لها أصولاً ولا فروعاً ولا حواشي, فإن الذي يقوم بالعقد عليها معتقها؛ لأنه يرثها, فإن لم يكن المعتق موجوداً فإن عصبته يقومون مقامه, وبالنسبة لعصبة المعتق نبدأ بالفروع ثم الأصول ثم الحواشي, يعني: أبناؤه وأبناء أبنائه، فإن لم يكن فآباؤه فآباء أبائه، فإن لم يكن نرجع إلى الحواشي, إلى إخوانه وبنيهم ثم أعمامه وبنيهم..إلخ, وإن نزل هؤلاء الأبناء, يعني: أبناء الإخوة وأبناء الأعمام, فالترتيب في ولاية المرأة: الأصول ثم الفروع ثم الحواشي ثم العصبة بالنسب ثم العصبة بالسبب (المعتق), فإن لم يكن المعتق موجوداً فروعه ثم أصوله ثم بعد ذلك حواشيه, فإذا لم يكن شيء من ذلك فالسلطان.

    وقوله: (ثم السلطان) الآن الذي ينوب عن السلطان هو قاضي الأنكحة في المحاكم الشرعية, هذا الذي يتولى العقد على هذه المرأة.

    ويفهم من قوله: (السلطان) أن ذوي الأرحام لا دخل لهم في ولاية النكاح, يعني: المرأة لا يتولى العقد لها خالها, ولا يتولى العقد لها جدها من قبل الأم، ولا يتولى العقد لها أخوها من قبل الأم, فذوي الأرحام هؤلاء لا يتولون العقد لها, إن كان هناك أصول لها أو فروع أو حواشي أو عصبة بالسبب فإن لم يوجد فالذي يتولى إنكاحها هو القاضي الشرعي أو يوكل القاضي الشرعي من يقوم بالعقد عليها.

    قال: (ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها), قلنا: بعد الفروع يُبدأ بالإخوة: الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ الشقيق وإن نزل، ثم ابن الأخ لأب ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق ثم ابن العم لأب.

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم معتقها, إن لم يكن هناك معتق فروعه ثم أصوله ثم حواشيه ثم الأقرب فالأقرب من عصباته].

    هذا فسرناه وقلنا: المعتق إذا لم يوجد نبدأ بفروعه ثم بعد ذلك نبدأ بأصوله ثم بعد ذلك نبدأ بحواشيه ثم السلطان.

    قال المؤلف رحمه الله: [ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه].

    أفاد المؤلف رحمه الله أن الوكالة تصح في عقد النكاح, فالولي له أن يوكل، الأب له أن يوكل أحد أبنائه بالعقد على بناته, وله أن يوكل رجلاً أجنبياً في أن يعقد على ابنته، كذلك أيضاً الزوج له أن يوكل من يقبل له عقد النكاح.

    والوكالة هذه ورد ما يدل لها في توكيل النبي عليه الصلاة والسلام عمرو بن أمية الضمري لكنه لا يثبت, وقد ورد الوكالة هذه عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم, وأيضاً الأصل في مثل ذلك الحل، فنقول: الوكالة في عقد النكاح سواء كانت من قبل الولي أو كانت من قبل الزوج صحيحة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يصح تزويج أبعد مع وجود أقرب إلا أن يكون صبياً..إلخ].

    فلا يصح تزويج الابن مع وجود الأب, ولا يصح تزويج الابن مع وجود الجد وهكذا, يعني: ما دام هناك أحد من الأصول فإن تزويج الفرع هذا لا يصح, كذلك أيضاً لا يصح تزويج الأخ مع وجود الابن أو ابن الابن, ولا يصح تزويج ابن الأخ مع وجود الأخ وهكذا, تزويج الأبعد مع وجود الأقرب لا يصح إلا إذا وجد مسقط من مسقطات ولاية النكاح, فإذا وجد مسقط من مسقطات ولاية النكاح فإن هذه الولاية تنتقل إلى من بعده.

    ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أن تزويج الأبعد لا يصح حتى ولو أذن الأقرب فإنه لا يصح, فلا يجري ما يسمى بتصرف الفضولي في عقد النكاح, وهذا هو المشهور من المذهب، والصواب في ذلك أن تزويج الأبعد صحيح إذا أذن في ذلك الأقرب, فلو أن الابن زوج ثم بعد ذلك جاء الأب وقال: أجزت هذا النكاح أو أن الأخ زوج وأبو المرأة موجود وقال: أذنت في هذا التزويج أو ابن الأخ زوج مع وجود الأخ, أو العم زوج مع وجود أخ المرأة فأجاز هذا التصرف نقول: بأن هذا التصرف صحيح.

    فالصواب في ذلك أن تصرف الفضولي ينفذ في عقد النكاح, فلو أن أحداً تصرف تصرفاً فضولياً فإن هذا التصرف جائز ولا بأس به خلافاً لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    مسقطات ولاية النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا أن يكون صبياً أو زائل العقل أو مخالفاً لدينها أو عاضلاً].

    شرع المؤلف رحمه الله في بيان مسقطات ولاية النكاح:

    المسقط الأول: أن يكون الأقرب غير أهل للتزويج, غير أهل للولاية, بأن يكون صبياً أو يكون مجنوناً, فإذا كان صغير غيراً بالغ, لو كان لهذه المرأة ابن لكن هذا الابن صغير غير بالغ, فنقول: تنتقل الولاية إلى ما بعد البنوة, ما بعد البنوة الأخوة, يقوم بتزويجها أخوها, لم يكن هناك إخوان يقوم بتزويجها أبناء أخوها, وهكذا, أو كان الأقرب مجنوناً زائل العقل أو معتوهاً لا يعرف مصالح النكاح فإن الذي يزوج من بعده, فلو كان أبوها مجنوناً أو معتوهاً أو مخرفاً فابنها إن كان موجوداً أو أخوها إن كان موجوداً، هذا المسقط الأول.

    المسقط الثاني: المخالفة للدين, أن يكون الأقرب مخالفاً لدينها، فلو كانت مسلمة وكان ابنها غير مسلم أو كان أبوها غير مسلم.. إلخ فإن ولايته تسقط إلى من بعده لقول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، وأيضاً حديث: ( الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ).

    المسقط الثالث: العضل، فإذا عضل الأقرب فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده, ومتى يكون عاضلاً؟

    إذا منع كفئاً رضيته المرأة وبذل ما يصح مهراً, يعني: إذا جاء كفء للمرأة وبذل ما يصح مهراً, وهو كل ما صح أن يكون ثمناً أو أجرة, يعني: حتى لو بذل ريالاً واحداً؛ لأن الريال يصح أن يكون ثمناً أو أجرة, المهم كفء رضيته المرأة, وهذا الكفء بذل ما يصح مهراً، يعني: أعطى ما يصح مهراً حتى ولو كان قليلاً؛ أصبح الآن عاضلاً تسقط ولايته, وبهذا نعرف خطأ أولئك الأولياء الذين يعضلون مولياتهم، يعني: كثير من الناس لا يتقون الله عز وجل في مولياتهم، تجد أنه يأتيه الكفء ذو الخلق والدين ويبذل ما يصح مهراً, وترضاه المرأة لنفسها، حتى لو بذل شيئاً يسيراً من المال فإنه يصح أن يكون مهراً, المهم لا بد من مهر حتى لو كان ريالاً واحداً، ومع ذلك تجده يعضل هذه المرأة، إذا عضل هذه المرأة تسقط ولايته وتنتقل ولايته إلى من بعده, فيصح له أن يعقد على هذه المرأة؛ لأن مبنى الولاية في النكاح هو مصلحة المرأة، وإلا فالمرأة العاقلة تستطيع أن تعقد على نفسها كما أنها تستطيع أن تبيع بيتها الذي يساوي مليون ريال, كما أنها تستطيع أن تعقد عقد الشركة, وعقد البيع وعقد الرهن وأن توقف وأن تهب..إلخ, فأيضاً لها أن تعقد على نفسها لكن اشترطت الولاية في عقد النكاح؛ لأنه يحتاط للأبضاع ما لا يحتاط لغير الأبضاع, فمبنى الولاية هو مصلحة المرأة, فإذا انتفت فهذه المصلحة بحيث كان الولي عضل هذه المرأة انتفت الآن المصلحة, انتفت الحكمة التي من أجلها شرعت الولاية على هذه المرأة فتسقط ولايته.

    وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه إذا تكرر عضل الولي لهذه المولية يكون فاسقاً, يعني: لو عضل مرتين فإنه يكون فاسقاً مردود الشهادة.

    وخيار الولي في باب النكاح ليس خيار تشهي وإنما خيار مصلحة، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن من اختار لنفسه فإن خياره خيار تشهي له أن يأخذ هذا وله أن يرد هذا, لكن إذا اختار لغيره فإن خياره خيار مصلحة, لابد أن ينظر إلى المصلحة وهذا يدخل فيه سائر الأولياء, كل من يتصرف لغيره من الأولياء والنظراء والأوصياء والوكلاء.. إلخ فإن خيارهم خيار مصلحة, فالولي لا يجوز له أن يعضل, إذا عضل مرة واحدة رد هذا الكفء فإنه تسقط ولايته.

    1.   

    الأسئلة

    خطبة المطلقة الرجعية بعد انتهاء العدة

    السؤال: إذا طلق رجل زوجته طلقه واحدة ثم انتهت عدة الرجعية فكيف يكون الحكم لمن أراد خطبتها؟

    الجواب: خلاص الآن ليست معتدة، لو أن رجلاً طلق زوجته طلقة واحدة ثم انتهت عدتها يجوز لغير الزوج أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً, وزوجها أيضاً يجوز له أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً؛ لأن هذه ليست بمعتدة الآن، كلامنا في المعتدة، أما هذه التي انتهت عدتها فقد خرجت من العدة فيجوز لغير الزوج أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً، ويجوز للزوج أن يخطبها تعريضاً وتصريحاً, ولا فرق في ذلك, الكلام في منع التعريض والتصريح هو في المعتدة التي لا تزال في عدة، أما هذه فقد انتهت من عدتها.

    حكم النكاح الذي لم يعلن

    السؤال: ما أثر عدم إعلان النكاح على صحة النكاح؟

    الجواب: حكم هذا النكاح صحيح يعني: لو أنه لم يعلن هذا النكاح فهو صحيح؛ لأن شروطه وأركانه موجودة فيه, لكن التواصي بكتمانه هذا محرم ولا يجوز, ويجب إعلانه وإفشاؤه.

    معنى الحواشي في النسب

    السؤال: ما هي الحواشي؟

    الجواب: الحواشي غير الأصول والفروع يعني:يشمل الإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم, هؤلاء هم المراد بالحواشي, فروع الأصول هم الحواشي وهو شامل للإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم.

    حكم ضرب الدف في غير النكاح

    السؤال: ما حكم ضرب الدف في حفلات غير النكاح مثل: حفل المركز..إلخ؟

    الجواب: ضرب الدف يجوز في أربعة مواضع على الراجح؛ لأن الأصل في الدف -كما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم- أنه من آلات اللهو، لكن ورد جوازه في أربعة مواضع:

    الموضع الأول: في العرس كما ورد ذلك في السنة.

    الموضع الثاني: عند قدوم الغائب, فإن هذا لا بأس به، ويدل على ذلك قصة المرأة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إني نذرت إن قدمت سالماً أن أضرب عند رأسك بالدف, فأقرها النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك.

    الموضع الثالث: في الأعياد, أيضاً كما أقر النبي عليه الصلاة والسلام الجاريتين.

    الموضع الرابع: ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه عند الختان.

    ففي هذه المواضع الأربعة يستثنى الدف، ما عدا ذلك الصواب أن لا يستثنى فيه, فيستثنى في هذه المواضع الأربعة, ومثل ذلك أيضاً وجود بعض الأشرطة التي يوجد فيها الضرب بالدف فنقول: استعمال هذه الأشرطة يصح في هذه المواضع الأربعة: في العرس، في العيد، عند قدوم الغائب، أيضاً في الختان كما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه.

    الصوت في النكاح

    السؤال: ما معنى: حديث: ( فصل ما بين الحلال والحرام الصوت في النكاح

    الجواب: الصوت في النكاح يعني: أن يلقى بعض الشعر كما ورد قول النبي عليه الصلاة والسلام لـعائشة رضي الله تعالى عنها: ( هل بعثتم معها من اللهو؟ ) يعني: بعض الغناء التي تغنيه النساء أو الجواري.. إلخ.

    التوكيل في الزواج عن طريق الهاتف

    السؤال: هل يجوز الوكالة عن طريق الهاتف، مثلاً: الأب في بلد وبنته وأهله في بلد آخر، هل يوكل بالهاتف؟

    الجواب: لو أن الأب في بلد ووكّل من يعقد على ابنته فإن هذا جائز، سواء كانت الوكالة عن طريق المكاتبة أو كانت عن طريق الهاتف، المهم أنه إذا حصلت الوكالة فإن هذا جائز ولا بأس به.

    شهادة من لا يصلي في عقد النكاح

    السؤال: أثناء عقد نكاح عند القاضي شهد في العقد شاهدان أحدهما لا يصلي, ولكن في مكان العقد يوجد من يصلي مثل: والدي وجدها وأبيها, فهل هذا العقد صحيح؟

    الجواب: هذا العقد صحيح، أما كون الشاهد لا يصلي فكما تقدم أن المؤلف رحمه الله قال: من المسلمين, فيشترط أن يكون مسلماً, لكن ما دام أنه يوجد غير هذا الشاهد يكفي هذا.

    حكم العقد من غير مأذون الأنكحة

    السؤال: هل لأي شخص شاء أن يعقد بين الزوج وولي المرأة؟

    الجواب: نعم يعني: المأذون في الأنكحة ليس شرطاً, يعني: يكفي أن يوجد الولي والزوج والشاهدين, يعني: إذا وجد ولي وزوج وشاهدان على رأي جمهور أهل العلم يكفي، فلو أن الولي قال للزوج: زوجتك, فقال: قبلت، خلاص تم عقد النكاح, وأما اشتراط الآن مبنى الأنكحة والكتابات فهذه كلها مسائل تنظيمية، وجدت الآن من أجل تنظيم هذه الأمور وضبطها وحفظها..إلخ, حتى لا تكون مدعاة إلى أمور أخرى يترتب عليها مفاسد, فيحتاج الناس إلى وجود هذه التنظيمات، أما الأصل في ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( زوجتكها بما معك من القرآن فقال: قبلت ), حتى الولي لو كان مأذون الأنكحة أو هو الذي تولى عقد قراءة الخطبة فإن ذلك يصح, المهم ما دام أن الولي موجود والزوج موجود، وأيضاً الشاهدان عند جمهور أهل العلم فإن ذلك كافٍ.

    ولي من أسلمت وأهلها كفار

    السؤال: إذا أسلمت امرأة وبقية أهلها كفار وهي في بلد الكفر فمن وليها؟

    الجواب: المراكز الإسلامية الآن التي توجد في الخارج، إذا أسلمت امرأة في تلك البلاد فالقائم على المركز الإسلامي أو رئيس المركز الإسلامي هو الذي يتولى نكاح هذه المرأة, وقد نص العلماء رحمهم الله على مثل ذلك فقالوا: بأن المرأة في بلاد الكفار يتولى نكاحها القائم على أمور المسلمين في ذلك البلد.

    تحري عقد النكاح في آخر ساعة يوم الجمعة

    السؤال: ما صحة أن العقد يستحب في آخر ساعة في يوم الجمعة؟

    الجواب: هذا ما ورد فيه دليل يعني: العلماء رحمهم الله استحبوا أن يكون العقد في آخر ساعة من يوم الجمعة, وهذا ليس فيه دليل,لكن وجه الاستحباب في ذلك ورود حديث ضعيف:( أمسوا بالإملاك )، واستحباب العلماء رحمهم الله أن يكون في يوم الجمعة بعد العصر قالوا: لأن هذه ساعة الإجابة, وإذا تم العقد فإن الناس يدعون للمتزوجين, اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، واجمع بينها بخير وعافية, فقالوا: يرجى أن يستجاب دعاء الناس لهذين المتزوجين, فقالوا: يستحب أن يكون بعد العصر يوم الجمعة، والله أعلم.