إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يسن الوقوف بعرفة راكباً إذا وجدت مصلحة، ويسن الإكثار من الذكر والدعاء إلى أن تغرب الشمس، ويجزئ الوقوف بعرفة ولو لحظة واحدة، وينتهي وقته بطلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ويسن عند الدفع من عرفة سلوك طريق المأزمين بسكينة ووقار، ملبياً ذاكراً لله عز وجل حتى ي

    1.   

    تابع أعمال يوم عرفة

    تقدم لنا أن المحلين من المتمتعين وغيرهم ممن لم يحرموا في الحج أنه يستحب لهم أن يحرموا في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وأن يكون إحرامهم من أماكنهم كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم أحرموا من البطحاء، ويكون إحرامهم أيضاً قبل الزوال، ودليل ذلك: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى، وخروجهم حال الإحرام، وكان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى قبل الزوال؛ لأنه صلى الظهر بمنى من اليوم الثامن، فدل ذلك على أن إحرامهم كان قبل الزوال.

    وذكرنا فيما تقدم أنه يستحب له أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من اليوم التاسع في منى، وأن يبيت ليلة التاسع بمنى، ويصلي قصراً بلا جمع، وذكر المؤلف رحمه الله أنه أيضاً يخرج إلى عرفات، وذكرنا متى يخرج من منى إلى عرفات، وإن تيسر له أن يقيم بنمرة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أن نمرة ليست من عرفة.

    وذكر المؤلف رحمه الله أنه يصلي الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين.

    قال رحمه الله: (فإذا زالت الشمس يوم عرفة صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين ثم يروح إلى الموقف وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة) تقدم لنا متى يبدأ وقت الوقوف بعرفة، وذكرنا أن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: المشهور من مذهب الإمام أحمد : أنه يبدأ من بعد طلوع الفجر الثاني من يوم عرفة.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة والشافعي : أنه يبدأ من بعد الزوال.

    والرأي الثالث: أنه يبدأ من بعد غروب الشمس، يعني: الوقوف الركن، وهذا رأي الإمام مالك رحمه الله.

    الجمع بين الظهر والعصر يوم عرفة

    وقول المؤلف رحمه الله: [صلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان وإقامتين].

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن الحاج يجمع بين العصر والظهر في يوم عرفة، حتى وإن كان من أهل مكة، فغير أهل مكة من الآفاقيين لا إشكال في أنهم يجمعون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الآفاقيين جمعوا كما في حديث جابر الطويل، لكن هل يجمع أهل مكة أو لا يجمعون؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله:

    الرأي الأول: رأي مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن أهل مكة يجمعون ويقصرون كسائر الحجاج.

    والرأي الثاني: رأي الحنابلة والشافعية: أن أهل مكة لا يجمعون ولا يقصرون.

    والرأي الثالث: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أنهم يجمعون ولا يقصرون.

    فالمسألة طرفان ووسط؛ مالك رحمه الله يقول: بأنهم يجمعون ويقصرون، والشافعي وأحمد يقولان: بأنهم لا يجمعون ولا يقصرون، وعند أبي حنيفة : أنهم يجمعون ولا يقصرون.

    والصواب في هذه المسألة: أنهم يجمعون ويقصرون كسائر الحجاج، أما كونهم يجمعون فأصح الأقوال في ذلك أن علة الجمع هي النسك؛ لأن الحاج يحتاج إلى أن يجمع بين الظهر والعصر لكي يتصل الوقوف ويتفرغ للدعاء والذكر والابتهال، فعلّة الجمع هي النسك، وأما بالنسبة لعلة القصر فهي السفر.

    وأهل مكة إذا خرجوا من مكة إلى عرفات فإنهم يكونون مسافرين؛ لأنه تقدم لنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أن المدة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، وأهل مكة يخرجون من مكة إلى عرفات، فالمسافة قصيرة، لكن المدة طويلة؛ لأنهم لن يرجعوا في نفس اليوم إلى أماكنهم، بل سيذهبون إلى مزدلفة، ثم بعد ذلك لا يرجعون إلى أماكنهم إلا يوم العيد، فهذه مدة طويلة في مسافة قصيرة، فحكمها حكم السفر.

    ما يستثنى من الوقوف بعرفات

    قال رحمه الله: (ثم يروح إلى الموقف، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة).

    عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة ) فالوادي ليس محل الوقوف شرعاً، لأن الوادي قد يكون عرضةً لأن يتأذى الإنسان في نفسه أو في ماله، فقد تكون هناك أمطار، فيتأذى الإنسان في نفسه أو ماله، وأيضاً الأودية قد تكون مأوىً لبعض المؤذيات من الحشرات ونحوها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ارفعوا عن بطن عرنة ) وإنما صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر والعصر في بطن الوادي للاحتياج إلى ذلك، لأن بطن الوادي أرضه سهلة، فأرفق بالناس أن تكون الصلاة في ذلك المكان.

    الوقوف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم

    قال رحمه الله: (ويستحب أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلم أو قريباً من الصخرات).

    النبي عليه الصلاة والسلام لم يصعد الجبل، وإنما قال: ( وقفت هاهنا وعرفات كلها موقف ) وفي حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة )، فنقول: الإنسان يقف في أي مكان يستقبل القبلة، وأما قصد الجبل وصعود الجبل فهذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال رحمه الله: (ويجعل حبل المشاة بين يديه) لما تقدم في حديث جابر قال: ( وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة ) وقوله: (حبل المشاة)، أي: طريقهم الذي يسلكونه.

    قال رحمه الله: (ويستقبل القبلة) هذا هو السنة: أن يستقبل القبلة، وأن يرفع يديه للدعاء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه، وفي حديث أسامة : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان رافعاً يديه وكان ماسكاً خطام الناقة بإحدى يديه، فلما سقط خطام الناقة من يده أهوى النبي عليه الصلاة والسلام بيده لكي يأخذ خطام الناقة ولم يزل رافعاً اليد الأخرى ) وهذا مما يدل على أنه يستحب للإنسان أن يرفع يديه في ذلك الموقف.

    الوقوف بعرفة راكباً

    قال رحمه الله: [ويكون راكباً].

    أي: يقف راكباً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف على ناقته، فيقول المؤلف رحمه الله: يقف راكباً، وهل يقف راكباً، أو يقوم قائماً؟ بعض السلف قال: بأنه يقوم قائماً حال الدعاء، والمؤلف رحمه الله يقول: يقف على راحلته، يعني: يركب سيارته إن كان معه سيارة أو نحو ذلك ويستقبل القبلة ويدعو، والصحيح في ذلك أن هذا يرجع إلى المصلحة، فإذا كانت مصلحة الشخص أو مصلحة غيره أن يقف راكباً وقف راكباً، فإن النبي عليه الصلاة والسلام إنما وقف راكباً على راحلته؛ لأن الناس يحتاجون إليه ليأخذوا عنه نسكهم وينظروا كيف يفعل.

    ونظير ذلك ما تقدم لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وسعى على بعيره؛ لأن الناس ازدحموا عليه، ولكي يشرف عليهم وينظروا إليه، فهذه مصلحة، فنقول: يرجع إلى المصلحة، فإذا كان الإنسان ممن ينظر إليه ويقتدى به فإنه يقف وقوفاً يستفيد الناس منه، وإذا كان الإنسان ينظر لما هو الأخشع لقلبه: هل يقف بعرفة راكباً أو يقف به وهو جالس ويدعو الله عز وجل، المهم: أن الإنسان ينظر ما هو الأخشع لقلبه.

    الذكر والدعاء بعرفة

    قال رحمه الله: [ويكثر من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير].

    وهذا دليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ).

    قال رحمه الله: [ويجتهد في الدعاء والرغبة إلى الله عز وجل].

    يجتهد في الدعاء، ويكثر من الدعاء والذكر والقراءة ونحو ذلك؛ لما تقدم من حديث عبد الله بن عمرو : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير الدعاء دعاء عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله والترمذي .

    وقت الإفاضة من عرفة

    قال رحمه الله: (إلى غروب الشمس).

    يعني: يقف إلى غروب الشمس؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر : ( وقف إلى أن غربت الشمس واستحكم غروبها وذهبت الصفرة ).

    والوقوف إلى غروب الشمس واجب من واجبات الحج، ويدل له أدلة، منها:

    الدليل الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما تقدم- وقف إلى أن غربت الشمس، وقال: ( خذوا عني مناسككم ).

    والدليل الثاني: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، ولا شك أن الدفع في ضوء النهار أيسر من الدفع في ظلمة الليل، ومع ذلك لم يدفع النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن غربت الشمس.

    والدليل الثالث: أن النبي لم يرخص لأحدٍ من الضعفة أن يدفع قبل غروب الشمس، ولو كان جائزاً لرخص، وسيأتينا إن شاء الله أن الضعفة يرخص لهم في الدفع من مزدلفة في آخر الليل، ومع ذلك في عرفات لم يرخص النبي عليه الصلاة والسلام لأحدٍ في الدفع قبل غروب الشمس.

    قدر الوقوف بعرفة وآخر وقت له

    قدر الوقوف بعرفة لحظة واحدة، يعني: إذا وقف في وقت الوقوف لحظة واحدة وهو أهل للوقوف فإنه قد تم حجه، ومن هو أهل للوقوف؟ نقول: أهل الوقوف هو المسلم المحرم بالحج العاقل، بحيث لا يكون مغمى عليه ولا مجنوناً ولا سكراناً.

    ووقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر من يوم النحر من اليوم العاشر، وهذا باتفاق الأئمة رحمهم الله، ويدل له كما تقدم حديث عروة بن مضرس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه )، وأيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جاء عرفة ليلة جمعٍ قبل الطلوع فقد أدرك ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم.

    1.   

    الدفع إلى مزدلفة والمبيت بها

    قال رحمه الله: [ثم يدفع مع الإمام إلى مزدلفة على طريق المأزمين].

    طريق المأزمين: تثنية مأزم وهو كل طريقٍ ضيقٍ بين جبلين.

    لزوم السكينة والوقار أثناء الدفع إلى مزدلفة

    قال رحمه الله: [وعليه السكينة والوقار].

    وهذا دليله حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أثناء الدفع: ( أيها الناس! السكينة السكينة ) فيدفع الإنسان بسكينة ووقار، لكن إذا وجد فجوةً فإنه يسرع، ويدل لهذا حديث أسامة قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق، فإذا وجد فجوةً نص ) والعنق: هو انبساط السير، والنص: هو فوق العنق.

    الذكر والتلبية أثناء الدفع إلى مزدلفة

    قال رحمه الله: [ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل].

    التلبية يبدأ وقتها من حين الإحرام بالحج، وتقدم لنا أن المحلين من تمتعهم يحرمون بالحج في اليوم الثامن قبل الزوال، وكذلك أيضاً من لم يحرم فإنه يستحب له أن يحرم في اليوم الثامن، وتبدأ التلبية من اليوم الثامن، أما بالنسبة للمتمتع والقارن الذين أحرموا قبل اليوم الثامن، فإنهم على تلبيتهم؛ لأن التلبية تبدأ من حين الإحرام بالحج.

    وتقدم لنا أنها تبتدئ عند دبر الصلاة، وتستمر هذه التلبية إلى أن يبدأ برمي جمرة العقبة يوم النحر، فإذا رمى جمرة العقبة بأول حصاة فإنه يقطع التلبية كما سيأتي إن شاء الله، وإذا بدأ التلبية في اليوم الثامن فإنه سيظل اليوم الثامن يلبي، وكذلك أيضاً في اليوم التاسع يلبي، وكذلك أيضاً في العاشر إلى أن يرمي جمرة العقبة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ويكون ملبياً) يعني: حال سيره من عرفات إلى مزدلفة يلبي، وحال سيره من مزدلفة إلى منى فإنه يلبي، إلى أن يبدأ برمي جمرة العقبة كما سلف.

    قال رحمه الله: (ويكون ملبياً ذاكراً لله عز وجل) لأنه كما ورد ذلك في حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنه ( كان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه )، فهذه الأيام أيام تكبير وأيام تلبية، فإذا كان الإنسان مكبراً ملبياً فهذا كله مشروع.

    الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة

    قال رحمه الله: [فإذا وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال، يجمع بينهما].

    إذا وصل مزدلفة فالسنة أن يؤخر صلاتي المغرب والعشاء إلى أن يصل إلى مزدلفة؛ لأن هذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام، ففي حديث أسامة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توقف في الطريق بين عرفة ومزدلفة وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة : يا رسول الله! الصلاة، فقال: الصلاة أمامك ) ولو صلى في الطريق لأجزأته صلاته خلافاً لـابن حزم رحمه الله تعالى، والصحيح أنه إذا صلى أجزأته صلاته؛ لكن هذا خلاف السنة.

    لكن إذا كان هناك زحام ويعرف الإنسان أنه لن يصل مزدلفة إلا بعد انتصاف الليل، فإننا نقول: يجب عليه أن يصلي في الطريق ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، بل يصلي في الطريق على حسب حاله، إن تمكن من النزول فإنه ينزل، وإذا لم يتمكن من النزول فإنه يصلي على مركوبه.. حسب حاله، ويأتي بما يستطيع من الأركان والواجبات، فإذا استطاع أن يسجد سجد وإلا أومأ، وإذا استطاع أن يقف وقف، وإذا استطاع أن يركع ركع، وإذا لم يستطع فإنه يصلي جالساً بالإيماء، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.

    وقول المؤلف رحمه الله: (فإذا وصل مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء قبل حط الرحال) إذا وصل إلى مزدلفة فإنه لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يصل إلى مزدلفة في وقت العشاء، فهذا الأمر في ذلك ظاهر: أنه يصلي المغرب ثم يصلي العشاء الآخرة.

    الأمر الثاني: أن يصل إلى مزدلفة في وقت المغرب، فنقول: يبدأ بصلاة المغرب، وهل الأفضل أن يقدم العشاء أو الأفضل أن يؤخرها؟ هذا موضع خلاف، فبعض أهل العلم قال: إذا وصل مزدلفة في وقت المغرب فإنه يبدأ بالمغرب، ثم يؤخر العشاء إلى أن يدخل وقتها، فإذا دخل وقتها صلى العشاء، وقال بعض أهل العلم: بل يجمع، والأمر في هذا واسع إن شاء الله.

    والسنة للإنسان إذا وصل مزدلفة أن يبادر بصلاة المغرب، والنبي عليه الصلاة والسلام بادر بصلاة المغرب قبل تبريك الجمال وقبل حط الرحال، وقال عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) ثم بعد أن صلى المغرب بركت الجمال وحطت الرحال فصلى العشاء، فنقول: السنة أول ما يصل مزدلفة أن يبادر بصلاة المغرب هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: (قبل حط الرحال) نقول: قبل حط الرحال هذا بالنسبة لصلاة المغرب، ففي حديث أسامة رضي الله تعالى عنه: ( فأذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان ) فصلاة العشاء بعد حط الرحال، وأما بالنسبة لصلاة المغرب فإنها قبل حط الرحال وتبريك الجمال كما في حديث أسامة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.

    المبيت بمزدلفة

    قال المؤلف رحمه الله: [ثم يبيت بها].

    يعني: يبيت بمزدلفة وجوباً، واختلف أهل العلم رحمهم الله في حكم البيتوتة بمزدلفة.

    فالرأي الأول: أن البيتوتة بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وهذا عند جمهور أهل العلم، لكن الحنفية رحمهم الله قالوا: لا يجب على الضعفة أن يبيتوا بمزدلفة.

    والرأي الثاني: ذهب إليه بعض السلف مثل الحسن البصري والنخعي وغيرهم، قالوا: بأن البيتوتة بمزدلفة ركن من أركان الحج.

    والرأي الثالث: بعض الشافعية قالوا بأنه سنة، والصحيح في هذا أن البيتوتة بمزدلفة واجب من واجبات الحج، وأنه ليس سنةً ولا ركناً، يعني: هذا قول وسط، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه ) أي: صلاة الفجر بمزدلفة، ( ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) فعلق التمام على شهود الصلاة والوقوف حتى الدفع.

    وأيضاً حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي الذي سبق لنا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من جاء ليلة جمعٍ قبل الطلوع فقد أدرك ) هذا يدل على أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن جاء عرفات ليلة جمع قبل طلوع الفجر: ( قد أدرك الحج ) ولنفرض أنه جاء عرفات قبل طلوع الفجر بلحظة واحدة، هل أدرك الحج أو لم يدرك الحج؟ أدرك الحج، ويلزم من ذلك أن المبيت بمزدلفة قد فاته؛ لأنه إذا جاء قبل طلوع الفجر إلى عرفات بلحظة واحدة فقد أدرك عرفات، لكن يلزم منه أن المبيت بمزدلفة قد فات عليه، فحينئذٍ يدل هذا الحديث على أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً، ولو كان ركناً لما أدرك الحج.

    قدر المبيت بمزدلفة

    تقدم أن ذكرنا أن مدة الوقوف بعرفات قدرها لحظة واحدة، أيضاً قدر البيتوتة بمزدلفة عند الحنابلة والشافعية، فإذا أتى بعد نصف الليل يكفي لحظة واحدة ثم ينصرف، أما إذا أتى قبل نصف الليل فيقولون: لا بد أن يمكث إلى ما بعد نصف الليل لحظة واحدة، ثم بعد ذلك له أن ينصرف، فالمشهور من المذهب ومذهب الشافعية أنه إن جاء بعد نصف الليل فيكفي لحظة، وإن جاء قبل نصف الليل لا بد أن يبيت إلى أن ينتصف الليل، فإذا انتصف الليل بلحظة واحدة فله أن ينصرف.

    وعند الحنفية رحمهم الله: أنه لا بد أن يقف لحظة واحدة؛ لكن بعد طلوع الفجر.

    وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قدر حط الرحال، سواء كان في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، قدر ما يحط الإنسان رحله، يعني: إذا جاء مزدلفة ومضى قدر ما يحط رحله، سواء كان في أول الليل أو في وسطه أو في آخره فإن ذلك كاف.

    وقت الدفع من مزدلفة

    متى يجوز للحاج أن ينصرف من مزدلفة؟

    نقول: لا يخلو الحاج من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون من الأقوياء.

    والأمر الثاني: أن يكون من الضعفة.

    فإن كان من الأقوياء فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي أنه يجوز له أن ينصرف بعد نصف الليل.

    وعند مالك : إذا مضى قدر حط الرحل، سواء في أول الليل أو في آخره أو في وسطه فله أن ينصرف.

    وعند أبي حنيفة : ينصرف بعد طلوع الفجر.

    والأحوط بالنسبة للأقوياء أن يبقوا، يعني: السنة التي وردت فيهم أن يبقوا كما بقي النبي صلى الله عليه وسلم ويصلوا الفجر في مزدلفة ويمكثوا للدعاء إلى أن يسفر جداً، هذا بالنسبة للأقوياء، ولو انصرفوا قبل ذلك -يعني: خصوصاً في مثل زمننا هذا الذي يكون فيه الزحام، يعني: يكاد يكون الناس كلهم ضعفة اليوم؛ لوجود الزحام والمشقة ونحو ذلك- فيظهر أنه لا بأس لو انصرفوا قبل طلوع الفجر، لكن الأحوط في حق الأقوياء أن يمكثوا إلى طلوع الفجر ويصلوا الفجر بمزدلفة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويقفوا فيها إلى الإسفار.

    القسم الثاني: الضعفة، فأيضاً عند الحنابلة والشافعية لهم أن ينصرفوا بعد نصف الليل، والحنفية يقولون: إن الضعفة أصلاً لا يجب عليهم المبيت بمزدلفة، والمالكية يقولون: بقدر حط الرحل حتى من أول الليل، والذي دلت السنة له أن الضعفة يستحب لهم أن ينصرفوا في آخر الليل، كما في حديث ابن عباس قال: ( كنت فيمن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله )، وابن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقدم ضعفة أهله، فمنهم من يقدم لطلوع الفجر، ومنهم من يقدم قبل ذلك.

    والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة وميمونة ، فالضعفة السنة أن يقدموا آخر الليل؛ لكي لا ينالهم حطمة الناس، وفي حديث أسماء رضي الله تعالى عنها: ( أنها مكثت تصلي في المزدلفة وتسأل عن القمر، فلما ذكر لها أنه قد غرب تعجلت، فقال لها مولاها: يا هنتاه! يعني: يا هذه، ما أرانا إلا قد غلسنا، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن للظعن )، فإذا الضعفة تعجلوا بعد غروب القمر فهذا هو المشروع في حقهم؛ لكي لا ينالهم حطمة الناس.

    قال رحمه الله: [ثم يصلي الفجر بغلس].

    كما هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر بغلس ).

    الوقوف بالمشعر الحرام

    قوله: (ويأتي المشعر الحرام).

    فمزدلفة كلها مشعر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: اعلم أن المشعر الحرام في الأصل اسم للمزدلفة كلها، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما بين الجبلين مشعر، لكن هناك مشعر أخص من هذا المشعر العام، وهو جبل صغير في مزدلفة يقال له: قزح، يعني: هذا مشعر أخص، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر قال: ( حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا وكبر، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس ) .

    فقوله: ( حتى أتى المشعر الحرام ) يدل على أن هناك مشعراً آخر أخص من المشعر العام، فأصبح عندنا مشعران: مشعر عام، وهذا كل مزدلفة، وأخص منه وهذا الجبل الذي يقال له: قزح، والآن المسجد المبني في مزدلفة مبني على المشعر الحرام، يعني: المسجد الآن الموجود في مزدلفة هذا مبني على نفس المشعر الخاص.

    وعلى كل حال: فالإنسان إذا صلى الفجر بغلس فإنه يستقبل القبلة -سواء كان في مكانه أو ذهب إلى المشعر الخاص- ويكبر الله ويهلله ويدعوه حتى يسفر جداً، لما تقدم أن أوردنا من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ثم يدفع قبل طلوع الشمس.

    الإسراع عند بلوغ وادي محسر

    قال رحمه الله: [فإذا بلغ محسراً أسرع قدر رمية بحجر حتى يأتي منى].

    يعني: وادي محسر، يقول المؤلف رحمه الله: أسرع رمية حجر، ودليل ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بطن محسر حرك قليلاً )، وهذا رواه جابر كما في صحيح مسلم ، وما الحكمة من كونه يحرك، يعني: إذا أتى بطن الوادي فإنه يسرع.. ما الحكمة من ذلك؟ هذا اختلف فيه أهل العلم رحمهم الله:

    فقال بعض العلماء: يحرك إذا أتى بطن محسر؛ لأن النصارى كانت تقف هناك، فيسرع لكي يخالفهم.

    وقيل: لأن هذا المحل هو محل إهلاك أصحاب الفيل الذين أتوا لهدم الكعبة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن أصحاب الفيل لم يبلغوا الحرم.

    والقول الثالث: أن هذا المحل كانت تقفه الجاهلية ويذكرون فيه مناقبهم وأمجادهم وأحسابهم ومفاخرهم، ويدل لهذا قول الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة:200] فقال: كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ [البقرة:200] وهذا القول هو أقرب الأقوال، أن هذا مكان كانت تقفه الجاهلية تذكر فيه مناقبها وأحسابها وأنسابها ونحو ذلك.

    1.   

    رمي جمرة العقبة

    قال رحمه الله: [فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات كحصى الخذف].

    ولم يذكر المؤلف رحمه الله من أي مكان يأخذ حصى الجمار، فنقول: بأن حصى الجمار يأخذها من أي مكان، وليس شرطاً أن يأخذها من مزدلفة، ولهذا من الخطأ أن بعض الحجاج إذا قدم مزدلفة يبدأ بلقط حصى الجمار، والسنة إذا قدم مزدلفة أن يبدأ بصلاة المغرب، ولهذا باتفاق الأئمة على أنه لا بأس أن يأخذها من أي مكان، لكن ورد عن بعض السلف أنهم كانوا يأخذونها من مزدلفة، فورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وكذلك أيضاً عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه، لكن نقول: يأخذها من أي مكان.

    وفي حديث ابن عباس : ( أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى الناس وهم يرمون الجمرة، فأمر ابن عباس أن يلقط له سبع حصيات، فأخذهن وجعل يقلبهن بكفه ويقول: بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو )، فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من عند الجمرة، ولكن هذا الحديث في إسناده ضعف.

    وقول المؤلف رحمه الله: (حتى يأتي منى فيبتدئ بجمرة العقبة) هذا هو السنة: فإذا جاء إلى منى أن يبتدئ برمي جمرة العقبة، فرمي جمرة العقبة هي تحية منى، ويدل لهذا أمور:

    الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على جمرة العقبة.

    والأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة وهو على راحلته، لم ينزل النبي عليه الصلاة والسلام عن راحلته حتى رمى جمرة العقبة.

    والأمر الثالث: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعرج على شيءٍ من رحله حتى رمى جمرة العقبة، فهذه ثلاثة أدلة تدل على أن السنة أن يبتدئ برمي جمرة العقبة إذا وصل منى.