إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الطهارة [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بعباده أن خفف عنهم في عباداتهم ومعاملاتهم, ومن صور هذا التخفيف المسح على الخفين والجوربين والمسح على العمائم والجبائر, وكل هذا مضبوط في الشرع بضوابط بينها الفقهاء. والوضوء شرط لصحة الصلاة, وله مبطلات يجب على المسلم معرفتها حتى لا يعرض صلاته ل

    1.   

    تابع مسح الخفين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين].

    مناسبة هذا الباب لما قبله أن المؤلف رحمه الله ذكر الوضوء وفروضه وشروطه وواجبه، ثم بعد ذلك أتبعه بباب المسح على الخفين؛ لأن المسح على الخفين يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء وهو الرجلان، فالرجلان في الوضوء إما أن يغسلا وإما أن يمسحا.

    وأيضاً تقدم لنا تعريف المسح، وأيضاً عرفنا الخفين، وذكرنا الدليل على جواز المسح على الخفين من الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وشرعنا في بيان شروط المسح على الخفين، وهل الأفضل للإنسان أن يمسح أو الأفضل أن يغسل؟

    ذكرنا أن هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله, والذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان يراعي حال قدمه، فإذا كان خالعاً فالأفضل أن يغسل، وإذا كان لابساً فالأفضل أن يمسح على خفيه.

    تابع شروط المسح على الخفين

    يقول المؤلف رحمه الله: [يجوز المسح على الخفين وما أشبههما من الجوارب الصفيقة].

    الشرط الأول: أن تكون صفيقة

    هذا هو الشرط الأول من شروط المسح على الخفين: أن تكون صفيقة تستر القدم لا يرى الجلد من ورائها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وكذلك أيضاً مذهب الإمام مالك .

    والرأي الثاني: مذهب الشافعية: أنه يجوز المسح على الشفاف، وتقدم ذكرنا أن هذا القول هو الأقرب، وأن الخف إذا كان اسم الخف باقياً، وينتفع به عرفاً فإنه يجوز المسح عليه، حتى ولو كان شفافاً لعموم الأدلة، كحديث علي رضي الله تعالى عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاث أيام بلياليها في المسح على الخفين )، وكحديث المغيرة بن شعبة وحديث عوف بن مالك وحديث صفوان بن عسال .. إلخ.

    فهذه الأدلة كلها تدل على أن الخف إذا كان اسم الخف باقياً عليه وينتفع به عرفاً، أنه يصح المسح عليه.

    الشرط الثاني: أن تثبت على القدمين

    قال المؤلف رحمه الله: [التي تثبت في القدمين].

    هذا هو الشرط الثاني، الشرط الثاني من شروط المسح على الخفين يقول المؤلف رحمه الله: أن تثبت بنفسها في القدم من غير شد، فإن كانت لا تثبت في القدم إلا بشدها، إما لثقلها، أو لسعتها .. إلخ. فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح المسح عليه.

    والعلة في ذلك قالوا: لأن التي تدعو الحاجة إليه هو الذي يثبت بنفسه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وكذلك أيضاً مذهب أبي حنيفة والشافعي قالوا: لا بد أن يثبت الخف بنفسه، فإن كان لا يثبت في القدم إلا بشدها، إما لسعته أو لثقله فإنه لا يصح المسح عليه، والعلة كما تقدم قالوا: إن التي تدعو الحاجة إليه هو الذي يثبت بنفسه.

    والرأي الثاني: قال به بعض المالكية واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يصح المسح على الخفين مطلقاً، سواء ثبت بنفسه أو ثبت بغيره كشده، أو ثبت بنعلين ونحو ذلك، وهذا القول هو الصواب.

    والدليل على ذلك كما تقدم لنا أن القاعدة في ذلك: أنه يصح المسح على كل خف اسم الخف لا يزال باقياً عليه، وينتفع به عرفاً, فإذا كان ينتفع به عرفاً واسم الخف لا يزال باقياً عليه فإنه يصح المسح عليه.

    الشرط الثالث: أن تكون ساترة لمحل الغرض

    قال المؤلف رحمه الله: [والجراميق التي تجاوز الكعبين].

    هذا الشرط الثالث: أنه لا بد أن تكون هذه الخفاف والجراميق والجوارب التي يمسح عليها ساترة لمحل الفرض، يعني: ساترة للمحل الذي يجب غسله؛ لأن ما ظهر فرضه الغسل، قالوا: ولا يجتمع المسح مع الغسل.

    وتقدم لنا أن الصواب في ذلك: أن الخف إذا كان اسم الخف لا يزال باقياً عليه, وينتفع به عرفاً، أنه يصح المسح عليه.

    الشرط الرابع: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى

    قال المؤلف رحمه الله: [في الطهارة الصغرى].

    هذا الشرط الرابع: أن يكون في الطهارة الصغرى، أما الطهارة الكبرى فإنه لا يمسح على الخفين؛ ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، وهذا الحديث أخرجه الترمذي والبيهقي والإمام أحمد وابن ماجه وغيرهم وإسناده صحيح.

    وكون المسح في الطهارة الصغرى دون الطهارة الكبرى هذا إجماع من أهل العلم رحمهم الله، فقد حكى الإجماع على ذلك ابن قدامة ، وكذلك أيضاً حكاه النووي رحمهم الله، هذا هو الشرط الرابع.

    الشرط الخامس: أن يكون في مدة المسح

    قال المؤلف رحمه الله: [يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهم للمسافر].

    هذا هو الشرط الخامس من شروط المسح على الخفين: أن يكون ذلك في وقت المسح، ووقت المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.

    هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ ودليل ذلك ما تقدم من حديث صفوان بن عسال : (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم).

    وكذلك أيضاً حديث علي في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها في المسح على الخفين ).

    وكذلك أيضاً حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ).

    الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله، وهو أن المسح على الخفين غير مؤقت، يعني: أن الإنسان يمسح ما شاء، إذا لبس خفيه يمسح ما شاء، يمسح يوماً يومين ثلاثة أيام أربعة .. إلخ, الإمام مالك لا يرى أن المسح على الخفين مؤقت.

    واستدل على ذلك بحديث أبي بن عمارة : ( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: نعم, قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما شئت ).

    فقوله: (وما شئت) قالوا: هذا دليل أن المسح على الخفين غير مؤقت فالإنسان له أن يمسح ما شاء، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه والطحاوي والدارقطني وغيرهم وهو ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن ماجه في سننه, وكذلك أيضاً الدارقطني والطحاوي والطبراني وغيرهم، وهو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثالث: أن المسح على الخفين مؤقت إلا في حال الضرورة أو المصلحة فإنه لا يتأقت، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يعني: يقول شيخ الإسلام: إذا كان الإنسان في حال الضرورة، مثلاً: المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، إذا اضطر يعني: لا يتمكن أن يخلع خفيه ويغسل قدميه؛ لأن الرفقة ستذهب، أو يخاف على نفسه، أو نحو ذلك فإن المسح في ذلك غير مؤقت، فله أن يمسح على خفيه ولو في حال الضرورة، أو في حال المصلحة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأنه غير مؤقت.

    ودليل ذلك ما أخرجه الطحاوي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه قدم الشام على عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه: متى عهدك بخلع خفيك؟ فقال: لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة، فـعقبة بن عامر يقول لـعمر : لبستهما يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة، يعني: لبسها من الجمعة إلى الجمعة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أصبت السنة.

    وهذا الحديث أخرجه الطحاوي وغيره, لكن الدارقطني رحمه الله قال: بأن قوله: (السنة) هذه اللفظة شاذة، وليست ثابتة، الذي ثبت أن عمر قال: أصبت، وأما قوله: السنة فهذه شاذة.

    والأقرب في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله؛ لأن أحاديث التوقيت هذه صريحة, عندنا حديث صفوان بن عسال وعوف بن مالك كذلك أيضاً علي بن أبي طالب وغيرها هذه صريحة في التوقيت, إذا كان في حال الضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات, فهذا الشرط الخامس أن يمسح في المدة المحددة.

    الشرط السادس: بعد كمال الطهارة

    الشرط السادس: أن يكون ذلك بعد كمال الطهارة كما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله، ودليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، ( فإنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، قال: فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه ), فهذا دليل على أنه يشترط أن يكون المسح على الخفين إذا لبس الخفين بعد تمام الطهارة.

    الشرط السابع: ألا يكون الخف مخرقاً

    الشرط السابع: أن لا يكون الخف مخرقاً، فإن كان الخف مخرقاً فإنه لا يصح المسح عليه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي ، ونص الحنابلة قالوا: لو كان في الخف أو الجورب مثل ثقب الإبرة خرق فإنه لا يصح المسح عليه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وكذلك أيضاً مذهب الشافعي .

    مذهب أبي حنيفة يقول: إذا كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع فإنه لا بأس بالمسح عليه، أوسع من ذلك الإمام مالك رحمه الله يقول: إذا كان الخف مخرقاً، وكان الخرق أقل من ثلث الخف، فإنه يصح المسح عليه، أما إن كان الخرق الثلث فأكثر، فإنه لا يصح المسح عليه.

    فعندنا الآراء ثلاثة:

    الرأي الأول: مذهب الإمام أحمد والشافعي : أنه لا يصح المسح على الخف المخرق مطلقاً؛ لأن ما ظهر يقولون: فرضه الغسل، ولا يجتمع الغسل مع المسح.

    والرأي الثاني: أنه يصح المسح على الخف المخرق، واختلفوا في تحديده، فعند الحنفية قالوا: إذا كان الخرق أقل من ثلاثة أصابع صح المسح عليه، وإن كان الخرق ثلاثة أصابع فأكثر لا يصح المسح عليه.

    الإمام مالك أوسع قال: الثلث, إذا كان الخرق أقل من ثلث الخف صح المسح عليه، وإن كان الثلث فأكثر، فإنه لا يصح المسح عليه.

    والرأي الأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو رأي الثوري ورأي عبد الله بن المبارك رحمهما الله وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: إن الخف إذا كان فيه خروق يصح المسح عليه، إذا كان اسم الخف باقياً عليه، وينتفع به عرفاً، فإذا كان مخرقاً وينتفع به عرفاً، واسم الخف لا يزال باقياً عليه، فإنه يصح المسح عليه؛ أولاً: لإطلاق الأدلة، الأدلة مطلقة لم تفرق بين خف وخف، يعني: لم يأت في الأدلة اشتراط أن يكون الخف ساتراً أو غير مخرق أو يثبت بنفسه كما سبق، هذا دليل.

    الدليل الثاني: كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم فقراء، والفقير غالباً خفافه لا تسلم من الخروق.

    فالصواب في هذه المسألة هو القول الأخير وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الشرط الثامن: أن يكون طاهراً

    أيضاً بقينا في الشرط الأخير، وهو أن يكون الخف طاهر العين، فإن كان الخف نجس العين فإنه لا يصح المسح عليه، وعلى هذا نقول: الخف لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون نجس العين.

    والأمر الثاني: أن يكون طاهر العين لكن طرأت عليه نجاسة.

    فإن كان نجس العين فهذا لا يصح المسح عليه.

    مثال ذلك: إنسان لبس خفاً من جلد ميتة غير مدبوغ، الجلد كما سبق لنا يطهر بالدبغ، لكن لو أننا صنعنا من هذا الجلد خفاً قبل دبغه، ثم لبسه إنسان فنقول: بأنه لا يصح المسح عليه؛ لأنه نجس العين، ما دام أنه لم يدبغ يعني: صنعنا خفاً من جلد ميتة لم يدبغ هذا الجلد، فنقول: بأن المسح عليه لا يصح، لأنه نجس العين.

    القسم الثاني: أن يكون طاهر العين لكن طرأت عليه نجاسة فهذا يصح المسح عليه، مثلاً إنسان لبس شراب، هذا الشراب أصابه بول، أو أصابه دم مسفوح، أو أصابه غائط أو نحو ذلك، أو لبس الكنادر، الكنادر هذه أصابها شيء من البول أو نحو ذلك، فنقول: يصح أن تمسح عليها، ويرتفع الحدث، لكن إذا أراد الإنسان أن يصلي فإنه يخلع هذه الجوارب المتنجسة، أو يغسلها، أو يغسل النجاسة التي فيها، أو هذه الكنادر المتنجسة يخلعها أو يغسلها ينظفها .. إلخ.

    فيصح المسح على الجورب أو الخف المتنجس، يعني: الذي هو طاهر العين، لكن طرأت عليه نجاسة، الذي لا يصح المسح عليه هو الخف النجس العين، كما مثلنا: عندنا خف صنع من جلد ميتة قبل الدبغ، فهذا خف نجس العين لا يصح المسح عليه.

    بدء توقيت المسح على الخفين

    قال المؤلف رحمه الله: [من الحدث إلى مثله].

    هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله, وهو قول جمهور أهل العلم، يقولون: بأن المسح من الحدث, تبدأ مدة المسح من الحدث، على هذا الرأي مثلاً: لبست الخفين الساعة السادسة فجراً، فمتى تبدأ المدة؟ تبدأ المدة إذا أحدثت، إنسان لبس في الساعة السادسة فجراً، أحدث في الساعة التاسعة ضحىً، تبدأ المدة الآن من الساعة التاسعة، فإذا كنت مقيماً تحسب أربعاً وعشرين ساعة من التاسعة إلى التاسعة من الغد، هذا الظرف كله لك أن تمسح فيه، تمسح من التاسعة إلى التاسعة. هذا هو المشهور عند جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    الرأي الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وقول الأوزاعي وأبي ثور أن المدة تبدأ من أول مسح بعد حدث، فمثلاً: إنسان لبس في الساعة السادسة فجراً، أحدث في الساعة التاسعة ضحىً، وتوضأ في الساعة الثانية عشرة ظهراً، على الرأي الأول تبدأ المدة في الساعة التاسعة، والرأي الثاني تبدأ المدة في الساعة الثانية عشرة.

    يعني: من الساعة الثانية عشرة إذا كنت مقيماً تحسب أربعاً وعشرين ساعة إلى الساعة الثانية عشرة من الغد، وإن كنت مسافراً تحسب ثنتين وسبعين ساعة، فتحسب من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الثانية عشرة في اليوم الثالث ثنتين وسبعين ساعة هذه الساعات كلها ظرف للمسح، كلها يجوز لك أن تمسح فيها.

    ونفهم أن المدة لا تبدأ من أول اللبس أو أن المدة خمس صلوات كما يتوهم بعض الناس، قد يجلس الإنسان ما مسح على خفيه، هذا كله ما تحسب، قد تجلس ليلة كاملة، قد تلبس الآن الخفين ولا تمسح عليهما، الآن الساعة السابعة تلبس خفيك، ما تمسح عليه إلا غداً لصلاة الفجر، في الساعة الخامسة تستمر، كل هذه الساعات ليست داخلة في مدة المسح، فإذا مسحت في الساعة الخامسة بعد الحدث بدأت المدة من الساعة الخامسة إلى الساعة الخامسة من الغد.

    وهذا القول هو الصواب، الصواب في هذا هو الرأي الثاني, وأن مدة المسح تبدأ من أول مسح بعد الحدث، لأحاديث المسح، يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، فدل على أن هذه المدة كلها وقت للمسح، ولا تكون هذه المدة كلها وقت للمسح إلا إذا كانت المدة تبدأ من أول مسحة.

    انقضاء مدة المسح

    قال المؤلف رحمه الله: [لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوماً وليلة ) ومتى مسح ثم انقضت المدة أو خلع قبلها بطلت طهارته].

    إذا مسح الإنسان ثم انقضت المدة، إذا ابتدأ المسح في الساعة الثانية عشرة، متى تنتهي المدة؟ في الساعة الثانية عشرة من الغد إذا كان مقيماً، إذا تمت الساعة الثانية عشرة من الغد, مسح اليوم الإثنين، تنتهي مدته غداً الثلاثاء في الساعة الثانية عشرة ظهراً، إذا جاءت الساعة الثانية عشرة ظهراً تمت المدة, الآن ما له حق أن يمسح، لكن هل تبطل الطهارة أو لا تبطل الطهارة؟

    يقول المؤلف رحمه الله: (تبطل الطهارة بتمام المدة) وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند أبي حنيفة والشافعي أن الطهارة ما تبطل، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه, قالوا: إذا تمت المدة وهو طاهر، مثلاً كما في المثال السابق تمت المدة في الساعة الثانية عشرة ظهراً، المشهور من مذهب الإمام أحمد ليس له أن يصلي، يجب عليه أن يخلع خفيه ويتوضأ.

    الرأي الثاني: مذهب أبي حنيفة والشافعي تمام المدة لا تبطل الطهارة، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه، يعني: يخلع خفيه ويغسل رجليه ويستمر على طهارته.

    أما الإمام مالك فأمره ظاهر، لماذا؟ الإمام مالك أصلاً لا يقول بالتوقيت, الإمام مالك يمسح يوماً .. يومين .. ثلاثة.. فليس عنده شيء إذا تمت المدة بطلت الطهارة؛ لأنه أصلاً لا يرى التوقيت.

    الرأي الثالث في المسألة اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن حزم أن تمام المدة لا يبطل الطهارة، لكنه يمنع المسح فقط؛ لأن الأحاديث التي جاءت دلت على أن لك المسح في هذه المدة، لكن بعد هذه المدة ليس لك أن تمسح، وليس فيها ما يدل على بطلان الطهارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام وهو مذهب ابن حزم رحمه الله وهو الصواب.

    وعلى هذا إذا تمت المدة، يعني: جاءت الساعة الثانية عشرة وأنت طاهر، هل لك أن تصلي الظهر أو ليس لك أن تصلي الظهر؟

    لك أن تصلي الظهر، وهل لك أن تمسح بعد الساعة الثانية عشرة أو ليس لك أن تمسح؟

    نقول: ليس لك أن تمسح، لا بد أن تخلع خفيك وأن تتوضأ، لكن لو كنت طاهراً فلك أن تستمر، تصلي الظهر، تصلي العصر, تصلي المغرب، وليس لك أن تمسح خفيك، لكن ليس لك أن تمسح بعد تمام المدة.

    وهذا القول هو الصواب؛ لأن الطهارة ارتفعت بدليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على نقضها، هذا الإنسان ارتفعت طهارته بمقتضى دليل شرعي، لا بد من دليل شرعي على إبطال الطهارة.

    حكم خلع الخفين لمن مسح عليهما

    قال المؤلف رحمه الله: [أو خلع قبلها بطلت طهارته].

    أيضاً: إذا خلع الخف أو الجوارب قبل تمام المدة، هل تبطل الطهارة أو لا تبطل الطهارة؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إن الطهارة تبطل, وعند أبي حنيفة والشافعي كما سبق أن الطهارة لا تبطل، يعني: لو أن الإنسان لبس اليوم الخفين، ومسح عليهما في الساعة الثانية عشرة، الآن في الساعة السابعة أحس بحرارة، فخلع خفيه وهو طاهر، توضأ لصلاة المغرب، ثم خلع خفيه بعد أن توضأ، هل تبطل طهارته أو نقول: بأن طهارته لا تبطل؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إن طهارته تبطل، وعند أبي حنيفة والشافعي أن الطهارة لا تبطل، لكن قالوا: يجب عليه أن يغسل رجليه, أيضاً عند الإمام مالك رحمه الله قال: بأن الطهارة لا تبطل، لكن يجب عليه أن يغسل رجليه مباشرة، الإمام مالك يقول: لا بد من مباشرة الغسل بعد أن يخلع، لكي لا تبطل الطهارة، لا بد أن يوالي بين الخلع وغسل رجليه، عند أبي حنيفة والشافعي لا يشترط أن يوالي الخلع وغسل رجليه.

    الرأي الثالث: ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله واختيار شيخ الإسلام : أن الطهارة لا تبطل إذا خلع الممسوح عليه، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أنه ورد عن علي في البيهقي بإسناد صحيح أنه توضأ ومسح، ثم دخل المسجد ثم خلع، ثم صلى, فلو كانت الطهارة باطلة هل يصلي علي أو لا يصلي؟ نقول: إنه لا يصلي، هذا ثابت عن علي رضي الله تعالى عنه, هذا دليل.

    والدليل الثاني كما سلف لنا: أن طهارته ارتفعت بمقتضى دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي يدل على النقض.

    من مسح مسافراً ثم أقام والعكس

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن مسح مسافراً ثم أقام].

    هذه جملة مسائل, يقول المؤلف رحمه الله: ومن مسح مسافراً ثم أقام، يعني: بدأ المدة في السفر، والمسافر له أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن ثم أقام، يقول المؤلف رحمه الله: يتم مسح مقيم.

    يعني: قدم من البلد يتم مسح مقيم, وعلى هذا إن مسح يوماً وليلة في السفر فأكثر، ثم قدم البلد، ماذا نقول له؟ نقول: انتهت المدة لا تمسح، وإن مسح أقل من يوم وليلة نقول له: تمت مدة يوم وليلة.

    فهذا رجل مسافر إلى مكة، مسح في السفر يومين، ثم قدم إلى بلده، ماذا نقول له؟ نقول: الآن مدته قد انتهت، الآن تمسح مسح مقيم لما قدمت، وقد مسحت في السفر يومين، انتهت المدة، إذا كان مسح يوماً فقط، نقول له: بقي ليلة، وإن مسح ليلة نقول: بقي لك يوم.

    قال المؤلف رحمه الله: [أو مقيماً ثم سافر أتم مسح مقيم].

    إذا مسح مقيماً ثم سافر، يعني: هذا الرجل ابتدأ المسح في حال الحضر، مسح في حال الحضر يوماً واحد، ثم سافر، على كلام المؤلف رحمه الله بقي له من المسح ليلة واحدة، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يمسح مسح مسافر، وهذا القول هو الصواب.

    وعلى هذا إذا مسح في الحضر يوماً نقول: بقي له يومان، وإذا مسح نصف يوم نقول: بقي لك يومان ونصف.

    المسح على العمامة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذؤابة ساترة لجميع الرأس].

    أولاً: المسح على العمامة هل هو جائز أو ليس جائزاً؟

    يقول المؤلف رحمه الله بأن المسح على العمامة جائز، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وهذا القول هو الصواب؛ وقد دل له حديث المغيرة بن شعبة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والعمامة )، وهذا في مسلم , وكذلك أيضاً حديث عمرو بن أمية قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه )، وهذا في البخاري .

    فعندنا دليل على ذلك حديث عمرو بن أمية ، وحديث المغيرة بن شعبة ، حديث المغيرة في مسلم , وحديث عمرو بن أمية في صحيح البخاري .

    وعند جمهور أهل العلم أنه لا يصح المسح على العمامة، فالحنفية والمالكية والشافعية لا يصححون المسح على العمامة، والصواب في ذلك ما دلت عليه السنة، وأن المسح على العمامة جائز؛ لأن السنة دلت على ذلك.

    ذكر شرطاً المؤلف رحمه الله فقال: (أن تكون ذات ذؤابة) يعني: أن يكون طرفها مرخى على ظهر لابسها، أو تكون محنكة، يعني: المشهور من مذهب الإمام أحمد أن تكون ذات ذؤابة، يعني: ذات طرف مدلى، أو تكون محنكة وهي التي تدار تحت الحنك، وقالوا: بأن العمامة الصماء هذه ليست من ألبسة المسلمين، وإنما من ألبسة أهل الذمة.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا ليس شرطاً، أي أنه لا يشترط أن تكون ذات ذؤابة، أو أن تكون محنكة، فيصح المسح على العمامة الصماء التي ليست ذات ذؤابة أو محنكة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه].

    ذكر المؤلف رحمه الله شرطين:

    الشرط الأول: أن تكون ذات ذؤابة أو محنكة.

    الشرط الثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه.

    اشتراط لبس الممسوح على طهارة كاملة

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن شرط المسح على جميع ذلك أن يلبسه على طهارة كاملة].

    أما بالنسبة للخف والجورب فتقدم لنا الحديث عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: ( فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )، وأيضاً: ما تقدم من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه )، فلا بد أن يكون على طهارة كاملة.

    بالنسبة للعمامة هل يشترط أن يكون لبسها على طهارة كاملة أو لا؟

    المشهور من المذهب أنه لا بد من ذلك، قياساً على الخف، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا يشترط أن تكون على طهارة كاملة، لو لبس العمامة على غير طهارة فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بأن هذا لا بأس به ويمسح عليها، ويقول: بأنه لم يرد دليل على أن المسح على العمامة لا بد أن يكون على طهارة كاملة.

    كذلك أيضاً المسح على العمامة هل هو مؤقت كالمسح على الخفين أو غير مؤقت؟

    المشهور من المذهب أنه مؤقت، وأن الإنسان يمسح على العمامة إذا كان مقيماً يوماً وليلة، وإذا كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام بلياليها.

    والرأي الثاني: أنه غير مؤقت، مذهب ابن حزم رحمه الله.

    وقوله: (على طهارة كاملة) إذا توضأ الإنسان وغسل رجله اليمنى ثم لبس الخف، ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الخف، يقول المؤلف رحمه الله: لا يصح أن يمسح؛ لأنه لبس الخف الأيمن قبل تمام الطهارة، قبل غسل الرجل اليسرى، الطهارة لا تكتمل إلا بغسل الرجلين جميعاً، فهنا في هذه الحال لبس الخف الأيمن قبل أن يغسل رجله اليسرى، وقالوا: لا يصح.

    وعند أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام أن هذا جائز ولا بأس به، فلو أن الإنسان توضأ غسل رجله، ثم لبس الخف أو الجورب للرجل اليمنى، ثم غسل اليسرى، ثم لبس الجورب أو الخف للرجل اليسرى، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    المسح على الجبيرة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة إلى أن يحلها].

    لما تكلم المؤلف رحمه الله على المسح على الخفين والجوارب والعمامة .. إلخ، شرع في بيان أحكام المسح على الجبيرة، والجبيرة فعيلة بمعنى فاعلة، وهي عبارة عن أعواد ونحوها تجعل على الكسر لكي تجبره.

    فيقول المؤلف رحمه الله: إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة، يعني: الجبيرة يصح المسح عليها لكن بشرط ألا يتعدى شدها موضع الحاجة، فإن تعدى شدها موضع الحاجة فلا بد أن يزيلها.

    وما هو موضع الحاجة؟

    موضع الحاجة هو الجرح أو الكسر وما يقاربه وما يحتاج إليه في الشد, فإذا كان مثلاً الجرح في منتصف الذراع، ونحتاج مثلاً إلى اثنين سانتي لكي نشد على الجرح أو الكسر، فهذه موضع حاجة من اللباس، لكن إذا زاد على ذلك ثلاثة سانتي، أربعة سانتي، يقول العلماء: لا بد أن يزيل هذا الزائد؛ لأن الأصل وجوب الغسل.

    فنقول: هذا الزائد لا بد أن يزيله الإنسان, إذا لم يتمكن من إزالته فالمشهور من المذهب أنه يمسح عليها ويتيمم، يجمع بين المسح والتيمم, والصواب أنه يكفي في ذلك المسح.

    الفرق بين المسح على الجبيرة والخفين

    وقال المؤلف: (إلى أن يحلها) يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن المسح على الجبيرة غير مؤقت، وهذا من الفروق بين المسح على الجبيرة والخفين، أن المسح على الخفين مؤقت، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، أما الجبيرة فالمسح عليها غير مؤقت، إلى أن يزيل هذه الجبيرة، يمسح يومين، ثلاثة أيام، خمسة عشرة .. إلخ، هذا الفرق الأول.

    الفرق الثاني: أن المسح على الخفين رخصة، وأما المسح على الجبيرة فعزيمة، يعني: يجب إذا وجب الوضوء، أما المسح على الخفين لو أنه خلع ما في بأس.

    الفرق الثالث: أن المسح على الخفين لا بد فيه من الطهارة قبل ذلك، وأما المسح على الجبيرة فالصواب أنه لا تشترط الطهارة، يعني: لو وضع الجبيرة على غير طهارة فإن هذا لا بأس به.

    الفرق الرابع: أن المسح على الخفين كما تقدم المشهور من المذهب أنه لا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض، ولا يكون فيه خروق، أما المسح على الجبيرة فإنه لا تشترط أن يكون ساتراً، ولا يشترط أيضاً أن يكون غير مخرق.

    أيضاً من الفروق أن المسح على الجبيرة يكون لكل جبيرة، فإذا كان في الذراع جبيرة تمسح على الأعلى والأسفل جميعاً، تمسح الجبيرة جميعاً، أما المسح على الخف يكون لأعلى الخف.

    ودليل ذلك قول علي رضي الله تعالى عنه: ( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخف ), فالجبيرة ما يكفي للإنسان أن يمسح الفوقاني، بل لا بد أن يمسح كل الجبيرة، أما الخف فإنه يمسح أعلى الخف.

    أحوال المسح على الجبيرة

    أيضاً عندنا مسألة: إذا كان في يد الإنسان أو في رجله جرح، يعني: إذا كان في محل الوضوء أو في محل الغسل جرح، نقول: يجب على الإنسان أن يغسل الصحيح.

    فمثلاً: إذا كان في اليد اليسرى جرح، يجب أن تتمضمض وتستنشق وتغسل وجهك وتغسل يدك اليمنى وتغسل الصحيح من اليسرى، وأيضاً تمسح رأسك وتغسل رجليك.

    أيضاً لو كان الإنسان في فخذه جرح، يجب أن يغسل رأسه وبدنه إلا موضع الجرح، لكن بالنسبة للجرح هذا لا يخلو من أمور، فهمنا أن الإنسان يجب عليه أن يغسل الصحيح، لكن بقينا في الجرح، هذا الجرح لا يخلو من أمور:

    الأمر الأول: أن يكون عليه جبيرة، أو يكون عليها خرقة أو شاش أو لصقة كما هو الحال الآن، فنقول هنا: يكفي أن تمسح الجبيرة.

    الأمر الثاني: أن لا يكون عليه جبيرة ويمكن للإنسان أن يغسله، لا يتضرر بغسله، فنقول: يجب عليه أن يغسله، يعني: عنده جرح أو كسر ولا يتضرر إذا غسله، يعني: لا يزيد المرض، لا يتأخر البرء، لا يبقى موضع أثر في الجسم يشين البدن، فنقول: هنا لا بأس, يجب أن يغسله.

    الأمر الثالث: إذا كان الغسل يضره، ويتمكن من مسحه، فنقول: بأنه يمسحه ولا شيء عليه.

    الأمر الرابع: إذا كان الغسل يضره والمسح يضره، فماذا نقول في هذه الحالة؟ نقول: بأنه يتيمم في آخر الوضوء, والصواب أنه لا يشترط الموالاة بين التيمم وبين الوضوء، فأصبح عندنا الجرح له أربع حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون على جبيرة يمسح.

    الحالة الثانية: أن لا يكون عليه جبيرة، ويتمكن من الغسل نقول: يجب أن يغسل.

    الحالة الثالثة: ليس عليه جبيرة، ويتمكن من المسح، الغسل يضره لكن المسح ما يضره، نقول: يمسح ولا يتيمم في الحالتين السابقتين.

    الحالة الرابعة: المسح يضره فنقول: في هذه الحالة يتيمم ويكون تيممه في آخر الوضوء.

    مسح المرأة على الخف والخمار

    قال المؤلف رحمه الله: [والرجل والمرأة في ذلك سواء].

    والرجل والمرأة فيما يتعلق بلبس الخفين سواء؛ لأن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا بدليل، والعكس بالعكس.

    يعني: قاعدة: ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل. إلا أن المرأة لا تمسح على العمامة، لكن المرأة تمسح على الخمار، المرأة ما يجوز لها أن تمسح على العمامة؛ لأن العمامة هذه من خصائص الرجال، ( ولعن الله المتشبهين من النساء بالرجال والمتشبهات من النساء بالرجال )، لكن المرأة لها أن تمسح على الخمار؛ لفعل أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فإذا لبست المرأة خماراً، فإنه يقوم مقام العمامة، لها أن تمسح عليه كما تقدم، وهل يشترط أن يكون مؤقتاً أو غير مؤقت؟ يعني: يوم وليلة أو يكون على طهارة، حكمه حكم العمامة كما سبق.

    حكم المسح على الخف عليه خف آخر

    بقيت مسألتان على الباب.

    المسألة الأولى: إذا لبس خفاً على خف، أو لبس جورباً ثم لبس جورباً ثانياً، أو لبس الجوارب ثم لبس الكنادر، فنقول: إذا لبس خفاً على خف، إن كان لبسه للثاني على طهارة ولو كانت طهارة مسح، فإنه يمسح على الثاني، وإن كان لبسه للثاني على حدث، فإنه يمسح الأول.

    مثال ذلك: توضأ، ولبس خفين، ثم لما صار بالليل لبس الخف الثاني، نقول: إن كان لبس الخف الثاني على طهارة، حتى لو كانت طهارة مسح، مسح على خفيه ثم لبس الثاني، فإنه يمسح على الثاني، بقية المدة تحسب من الأول، وإن كان لبس الثاني على حدث، فإن الحكم متعلق بالأول.

    كيفية المسح على الخفين

    المسألة الثانية: كيفية المسح على الخفين؟

    نقول: المسح على الخفين بأن يمسح أعلى الخف، وقد وردت الآثار في البيهقي وغيره أنه يمر أصابع يديه من أصابع الرجلين إلى الساق.

    وهل يمسح اليمنى ثم اليسرى أو يمسحهما جميعاً؟

    نقول: هذا موضع خلاف، بعض العلماء قال: بأنه يبدأ باليمنى ثم اليسرى؛ لأن المسح بدلاً من الغسل، والغسل يبدأ باليمنى ثم اليسرى. بعض العلماء قال: يمسحهما جميعاً، هذا موضع خلاف, والأمر في ذلك واسع إن شاء الله.

    1.   

    نواقض الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله: [باب نواقض الوضوء وهي سبعة].

    مناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة، فإن المؤلف رحمه الله لما ذكر أحكام الوضوء ذكر شروطه وفروضه وواجبه وتكلم عن المسح على الخفين؛ لأنه يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء، شرع الآن في بيان مبطلات الوضوء، ومفسداتها، وهكذا العلماء رحمهم الله يتكلمون على العبادة، وفي الأخير يبينون مفسداتها ومبطلاتها .. إلخ.

    فمثلاً: الصلاة يتكلمون عليها؛ أركانها وشروطها وواجباتها، ثم بعد ذلك يتكلمون عن مبطلات الصلاة، والصيام أيضاً ثم يتكلمون بعد ذلك عن مفطرات الصوم، والحج ثم يتكلمون بعد ذلك عن محظورات الحج .. إلخ.

    قول المؤلف رحمه الله: (باب نواقض الوضوء) المراد بنواقض الوضوء مفسداته ومبطلاته.

    وقول المؤلف رحمه الله: (سبعة)، هذا بناء على استقراء الأدلة؛ فإن العلماء رحمهم الله نظروا في الأدلة واستقرءوها وتبين لهم أن الذي يبطل الوضوء سبعة أشياء.

    الخارج من السبيلين

    قال المؤلف رحمه الله: [الخارج من السبيلين].

    الأول: الخارج من السبيلين، والسبيلان تثنية سبيل، والسبيل: هو الطريق، وسمي القبل والدبر طريقاً أو سبيلاً؛ لأنه طريق أو سبيل لما يخرج منه.

    يقول المؤلف رحمه الله: الخارج من السبيلين هذا من نواقض الوضوء، والخارج من السبيلين هذا يقسمه العلماء إلى قسمين:

    القسم الأول: خارج معتاد. والقسم الثاني: خارج غير معتاد.

    المعتاد: مثل البول، والغائط، والمذي, والودي، ودم الحيض، والمني .. إلخ، هذا يسمى الخارج المعتاد, هذا ينقض بإجماع العلماء، دل على ذلك القرآن والسنة والإجماع.

    فالقرآن مثل قول الله عز وجل: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، وأيضاً حديث صفوان بن عسال وفيه: ( لكن من بول أو غائط أو نوم ), وأيضاً في المذي في حديث علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء )، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد : (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) يدل على أن الريح من الدبر ناقضة.

    فنقول: القسم الأول: الخارج المعتاد، هذا حكمه أنه ناقض بالإجماع، مثل: البول، الغائط، الريح، المذي، المني، الودي، دم الحيض .. إلخ، هذه الأشياء معتادة وناقضة بالإجماع.

    القسم الثاني من الخارج من السبيلين: الخارج غير المعتاد، والخارج غير المعتاد هذا تحته أمثلة, مثل: رطوبة فرج المرأة، هذه خارج غير معتاد، ومثل: الريح من القبل، تخرج عند النساء، هذه خارج غير معتاد، ومثل: سلس البول، ومثل: دم الاستحاضة، هذه خارج غير معتاد، مثل أيضاً لو خرج من الدبر حصاة، أو خرج منه شعرة أو غير ذلك، هذه الأشياء هل تنقض أو لا تنقض؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو قول أكثر أهل العلم أنها ناقضة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: الخارج من السبيل، يعني: يرى أن كل الخارج من السبيل سواء كان معتاداً أو غير معتاد أنه ناقض.

    والرأي الثاني: ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الخارج من السبيل إذا كان غير المعتاد أنه لا ينقض الوضوء، وهذا القول هو الصواب, أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الأصل في ذلك بقاء الطهارة، والطهارة تنقض من خلال دليل شرعي، فلا بد من دليل شرعي على النقض بها, ولم يرد ما يدل على الدليل الشرعي.

    وأما أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة؛ فهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذين قالوا بأنه ينقض الخارج غير المعتاد استدلوا ( بأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة )، كما في أبي داود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا كما قلنا: لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالصواب في ذلك: أن الخارج غير المعتاد لا ينقض، وعلى هذا المستحاضة، ومن لديه سلس بول، أو سلس ريح ونحو ذلك من الأشياء، نقول: هذه الأشياء لا تنقض، إلا إذا وجد حدث آخر معتاد، أما الأحداث غير المعتادة فإنها لا تنقض الوضوء, وهذا القول هو الأقرب.

    الخارج النجس من سائر البدن

    قال المؤلف رحمه الله: [والخارج النجس من سائر البدن إذا فحش].

    هذا الناقض الثاني, يقول المؤلف رحمه الله: (الخارج النجس) نقول: الخارج النجس هذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون بولاً أو غائطاً خارجاً من البدن، مثلاً لو فتح في بطن الإنسان فتحة عن طريق عملية جراحية، ثم أخذ منه البول، عن طريق أنبوب أو ماسورة أو لي أو نحو ذلك، خروج البول ينقض أو لا ينقض؟ أو خروج الغائط هنا هل ينقض أو لا ينقض؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إنه ينقض.

    فنقول: إذا كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض؛ والدليل على ذلك العمومات، استدلوا بالعمومات مثل قول الله عز وجل: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، هذا يشمل الغائط، سواء خرج من مخرجه أو خرج من غير مخرجه.

    وأيضاً حديث صفوان بن عسال وفيه: ( لكن من بول أو غائط أو نوم ) البول والغائط سواء خرج من مخرجه أو خرج من غير مخرجه, هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: إذا كان الخارج غير بول وغائط، مثل: الدم، القيح، الصديد، القيء، هذه الأشياء الصواب أنها طاهرة كما تقدم لنا، فالقيء طاهر، والدم الخارج من بقية البدن طاهر، والقيح والصديد هذه الأشياء الصواب أنها طاهرة, لكن على كلام المؤلف أنها نجسة، هل هي ناقضة للوضوء أو ليست ناقضة للوضوء؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنها ناقضة للوضوء.

    والرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله والشافعي أن هذه الأشياء لا تنقض الوضوء، فلو احتجم الإنسان أو قاء أو خرج منه دم أو قيء أو قيح أو غير ذلك، فنقول: بأن طهارته باقية ولا تبطل طهارته، وهذا القول هو الصواب.

    ويدل لذلك أدلة؛ من ذلك ما في صحيح البخاري معلقاً من قصة عباد بن بشر ، عباد بن بشر وهو في الصلاة طعن، واستمر في صلاته وجرحه يخرج منه الدم، ومع ذلك لم ينفلت من صلاته، وإنما استمر في صلاته رضي الله تعالى عنه حتى عجز.

    وأيضاً عمر رضي الله تعالى عنه صلى وجرحه يثعب دماً حتى عجز.

    وأيضاً ما ذكره الحسن أنه قال: كانوا يصلون بجراحاتهم.

    وأيضاً مما يدل لذلك عدم الدليل، فليس هناك دليل على النقض بهذه الأشياء.

    فالصواب في مثل هذه الأشياء أنه غير ناقض للوضوء.

    وهنا قال المؤلف رحمه الله: (من سائر البدن إذا فحش) فيفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه لا ينقص إذا كان غير فاحش، يعني مثلاً: الإنسان خرج من أصبعه نقطة من الدم أو نقطتان، أو خرج منه شيء يسير من القيح أو الصديد أو القيء، أن هذا لا ينقض الوضوء.

    واستدلوا على ذلك بأن ابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ, وكذلك أيضاً ورد عن ابن أبي أوفى أنه عصر دملاً، وكذلك أيضاً ورد عن ابن عباس .

    قال المؤلف رحمه الله: إذا كان فاحشاً ينقض, وإذا كان غير فاحش لا ينقض، واختلفوا في الفاحش، هل الفاحش في أوساط الناس أو الفاحش في كل موضع بحسبه؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، وتقدم أن الصواب في مثل هذه الأشياء أنها لا تنقض، سواء كانت فاحشة أو غير فاحشة.

    زوال العقل

    قال المؤلف رحمه الله: [وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً].

    هذا الناقض الثالث من نواقض الوضوء: زوال العقل.

    وزوال العقل هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يزول بالجنون أو يغطى عليه بالسكر أو الإغماء، فهذا ينقض مطلقاً، سواء كان ذلك قليلاً أو كان كثيراً، فإذا زال عقل الإنسان بالجنون أو غطي على عقله بسبب سكر, بأن شرب مسكراً ، أو بسبب دواء كأن تعاطى بنجاً .. إلخ، فنقول: ينتقض وضوءه مطلقاً سواء كانت هذه التغطية أو الزوال قليلاً أو كثيراً.

    القسم الثاني: أن يغطى على العقل بالنوم.

    فعندنا زوال العقل أو تغطيته ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: زواله بالجنون, تغطيته بالسكر أو الإغماء، سواء كان ذلك بسبب حادث أو بسبب دواء أو نحو ذلك، فهذا قلنا بأنه ينتقض وضوءه مطلقاً، سواء كان قليلاً أو كان كثيراً.

    القسم الثاني: أن يغطى على عقله بالنوم, فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، العلماء رحمهم الله لهم في ذلك كلام كثير في النوم، هل ينقض أو لا ينقض؟

    المؤلف قال: (وزوال العقل إلا النوم اليسير جالساً أو قائماً)، قال بأن النوم ناقض للوضوء، لكن يستثنى النوم اليسير جالساً أو قائماً، ما هو الدليل على أن النوم ينقض؟

    الدليل حديث صفوان بن عسال كما تقدم لنا أنه قال:( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنا سفراً أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم ). فقوله: (أو نوم) هذا دليل على أنه ناقض من نواقض الوضوء.

    وأيضاً: قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ ), وهذا الحديث يتقوى بحديث معاوية , والشاهد حديث علي, وحسنه علي بن المديني ، وأيضاً ابن الصلاح ، هذا دليل على أن النوم ناقض, لكن المؤلف رحمه الله استثنى النوم اليسير, واشترط فيه شرطين, وهناك أيضاً شرط ثالث على المذهب: أن يكون يسيراً، وأن يكون من جالس أو قائم، وأن يكون غير محتب أو متكئٍ أو مستند.

    فنقول: يشترط على المذهب لكي لا ينقض النوم ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون النوم يسيراً.

    الشرط الثاني: وأن يكون النائم قائماً أو جالساً.

    والشرط الثالث: أن يكون غير متكئٍ, لو كان متكئاً ينتقض، يعني: لو كان متكئاً على يده اليمنى أو اليسرى ينقض، أو مستنداً على ظهره ينقض، أو محتبياً أيضاً قالوا بأنه ينقض.

    خلاصة كلام المؤلف رحمه الله: أن النوم ناقض بالوضوء إلا اليسير بثلاثة شروط:

    أن يكون يسيراً، وأن يكون من جالس أو قائم، وأن يكون غير محتب ولا متكئٍ ولا مستند.

    والدليل على هذا الاستثناء أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما في حديث أنس : ( كانوا ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً ثم يصلون ولا يتوضئون )، وهذا في صحيح مسلم , هذا دليل على أن اليسير من جالس أو قائم أنه لا ينقض الوضوء.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالنوم المستغرق، فإن كان النوم مستغرقاً فإنه ينقض الوضوء، أما إن كان النوم في بداياته غير مستغرق فإنه لا ينقض الوضوء، وسواء كان الإنسان مستنداً أو متكئاً أو مضطجعاً أو غير ذلك، المهم العبرة بالاستغراق، فقد الإنسان يكون في بداية النوم، ينام نوماً يسيراً وهو متكئ أو مستند أو .. إلخ.

    فالعبرة بالاستغراق، إن استغرق في نومه نقض وضوءه، وإن لم يستغرق لم ينقض وضوءه؛ لأن النوم ليس حدثاً، وإنما هو مظنة الحدث، يعني: مظنة خروج الريح منه، فإذا كان الإنسان ما يدري هل خرج منه ريح أو لم يخرج منه ريح؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( العين وكاء السه ) يعني: الرباط لحلقة الدبر، ( فإذا نامت العينان استطلق الوكاء )، فإذا استغرق الإنسان في نومه ما يشعر هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء؟ لكن إذا كان نومه غير مستغرق، فإنه يعرف هل خرج منه شيء أو لم يخرج منه شيء؟ وهذا القول هو أقرب الأقوال.

    نقف على الناقض الثالث.