إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [453]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    شروط لا إله إلا الله وحكم تارك الصلاة

    السؤال: لكلمة الإخلاص شروط وأركان فإذا لم يأت بها المسلم كاملة فهل يكون قد أدى حقيقتها؟

    الجواب: كلمة الإخلاص هي قول: لا إله إلا الله، ولا يكفي أن يقولها الإنسان بلسانه؛ لأن المنافقين يقولون ذلك بألسنتهم، كما قال الله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]، ولكن لا بد من أن يكون الإنسان معتقداً لمعناها في قلبه مؤمناً به قائماً بما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة وهو التعبد لله وحده لا شريك له بحيث لا يشرك معه في عبادته ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا سلطاناً حاكماً ولا غير ذلك من مخلوقات الله عز وجل، كما قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية بالتكفير في أمور تقع ممن قال: لا إله إلا الله، مثل كفر: تارك الصلاة، فإن من ترك الصلاة كسلاً وتهاوناً يكفر، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وكلام الصحابة رضي الله عنهم والنظر الصحيح.

    وهذه مناسبة لما وعدنا به سابقاً من أننا سنتكلم بإسهاب عن حكم تارك الصلاة حيث بينا فيما سبق أن كفر تارك الصلاة تهاناً وكسلاً هو مقتضى دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والنظر الصحيح، وأن من خالف ذلك لا يخلو دليله من واحد من أمور خمسة: إما ألا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون وقع من قوم معذورين بجهلهم، وإما أن يكون مقيداً بقيد يمتنع معه أن يترك الصلاة، وإما أن يكون ضعيفاً، وإما أن يكون عاماً لكنه مخصوص بأدلة تكفير تارك الصلاة، وبينا أيضاً فيما سبق بأن المراد بترك الصلاة تركها بالكلية، وأما من كان يصلي ويخلي، أي: يصلي أحياناً ويدع أحياناً فإنه لا يكفر، ونحن الآن نسوق ما تيسر لنا من الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة:

    فمن ذلك: قوله تبارك وتعالى عن المشركين: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] فإن هذه الآية الكريمة شرطت لثبوت الأخوة في الدين من المشركين ثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يتوبوا من الشرك.

    والشرط الثاني: أن يقيموا الصلاة.

    والشرط الثالث: أن يؤتوا الزكاة، ومن المعلوم أن ما رُتب على شرط فإنه يتخلف بتخلف هذا الشرط، فإذا لم يتوبوا ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواناً لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة الدينية إلا بكفر مخرج عن الإيمان، أما مجرد المعاصي وإن عظمت إذا لم تصل إلى حد الكفر فإنها لا تخرج الإنسان من الإيمان، ودليل ذلك -أي: أن المعاصي لا تخرج من الإيمان وإن عظمت- قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] فجعل الله القاتل والمقتول أخوين مع أن القاتل أتى ذنباً عظيماً توعد الله عليه بوعيد شديد في قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] وقال الله عز وجل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:9-10] فأثبت الله الأخوة بين الطائفتين المقتتلتين وبين الطائفة المصلحة بينهما مع أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب، فإذا تبين أن الأخوة الإيمانية لا تنتفي بكبائر الذنوب التي هي دون الكفر، فإن انتفاءها يدل على أن من حصل منه ما يوجب هذا الانتفاء دليل على أنه كافر.

    فإن قال قائل: ما تقولون في من تاب من الشرك وأقام الصلاة ولم يؤت الزكاة أتكفرونه كما تقتضيه الآية أم لا تكفرونه؟

    قلنا: لا نكفره؛ لأن لدينا منطوقاً يدل على أنه ليس بكافر، والمنطوق عند العلماء مقدم على المفهوم، هذا المنطوق ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )، فإن هذا الحديث يدل على أن من لم يؤد الزكاة لا يكفر؛ لأن قوله: ثم يرى سبيله إما إلى النار أو الجنة، دليل على أنه قد يدخل الجنة ولا يمكن أن يدخل الجنة مع كفره.

    وعلى هذا فيبقى القيد في التوبة من الشرك وإقام الصلاة قيداً معتبراً لا معارض له، بخلاف قوله: و(آتوا الزكاة)، فإن مفهومه عورض بمنطوق الحديث الذي ذكرت، فحينئذٍ لا يكون ترك الزكاة والبخل بها مكفراً مخرجاً عن الإسلام، على أن من العلماء من قال: إن تارك الزكاة الذي لا يؤديها كافر، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل ، ولكن الذي تقتضيه الأدلة أنه لا يكفر، ونحن بحول الله لا نعدو ما دلت الأدلة عليه، لا سلباً ولا إيجاباً.

    وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة ففيما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) فجعل ترك الصلاة هو الحد الفاصل بين الكفر وبين الإيمان، أو بين الشرك وبين الإيمان، ومن المعلوم أن الحد فاصل بين محدودين، لا يدخل أحدهما في الآخر، ويدل لهذا أن لفظ الحديث: ( بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) فقال: والكفر، ولم يقل صلى الله عليه وسلم: ترك الصلاة كفر، حتى يمكن أن يحمل على كفر دون كفر، ولكنه عرفه بأل الدالة على حقيقة الكفر، وقد أشار إلى هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم.

    أما الحديث الثاني فهو ما رواه أهل السنن عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحد الفاصل بين المسلمين والكفار هو الصلاة، ومن المعلوم أن الحد يخرج كل محدود عن دخوله في الآخر.

    أما كلام الصحابة رضي الله عنهم فقد حكى إجماعهم على كفر تارك الصلاة عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو تابعي مشهور قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

    وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، وحكاه غيره أيضاً.

    وأما النظر الصحيح الذي يقتضي أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة، فإنه لا يمكن لمؤمن بل لا يمكن لمن في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان أن يعلم شأن الصلاة وعظمها ومنزلتها عند الله عز وجل ثم يحافظ على تركها، هذا من المحال أن يكون في قلبه شيء من الإيمان، وعلى هذا نقول: إن من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل إيمان لا يمكن أن يترك الصلاة تركاً مطلقاً وهو يعلم ما لها من المنزلة العظيمة في دين الإسلام.

    وأما الأدلة التي استدل بها من قال: إنه لا يكفر فقد أشرنا في الحلقة السابقة إلى أنها لا تخلو من واحدة من خمسة أمور كما صدرنا ذلك في كلامنا هذا، وإذا تبين قيام الدليل السالم عن المعارض المقاوم فإنه يجب الأخذ بمقتضاه، وإننا حين نحكم بالكفر على من دلت الأدلة على كفره لم نتجاوز ولم نتعد؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدم التكفير إلى الله عز وجل كما أن الحكم بالتحليل والتحريم والإيجاب والاستحباب إلى الله عز وجل، ولا لوم على الإنسان إذا أخذ بما تقتضيه الأدلة من أي حكم من الأحكام، وعلى كل مؤمن أن يأخذ بما تقتضيه الأدلة من أي وصف كان ولأي موصوف كان، وألا يجعل النزاع سبباً موجباً للتخلي عن مدلول الكتاب والسنة وغيرهما من الأدلة؛ لقول الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] وقال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10].

    فإن قال قائل: إذا قلت بتكفير تارك الصلاة حصل في ذلك ارتباك وتشويش وتكفير لكثير من الناس، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنما إذا قلنا بمقتضى الأدلة الشرعية فإنه لن يكون من جراء ذلك إلا ما فيه الخير والصلاح؛ لأن الناس إذا علموا أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة وردة كبرى فإنهم لن يتجرءوا على ترك الصلاة، بل سيكون ذلك حافزاً لهم على القيام بها على الوجه المطلوب منهم، ولكننا إذا قلنا إنه ليس بكفر وإنما هو فسق فإنهم يتهاونون بها أكثر مما لو قلنا لهم: إن ذلك كفر، ونحن لا نقول إنه كفر من أجل أن نحث الناس على فعل الصلاة، ولكننا نقول إنه كفر من أجل دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة على ذلك، وما قول هذا القائل الذي يقول: إنك إذا حكمت بكفر تارك الصلاة فإنك بهذا توقع الإرباك والتذبذب وأن تخرج كثيراً من الناس عن الملة الإسلامية، أقول: ما قول هذا القائل إلا كقول من قال: إنك إذا قطعت يد السارق أصبح نصف الشعب مقطوعاً؛ لأننا نقول لهذا إنك إذا قطعت يد السارق فسيقل السراق قلة كبيرة؛ لأن السارق إذا علم أن يده ستقطع فإنه لن يقدم على السرقة، وما مثل هذا وهذا إلا كمثل من يقول: إنك إذا قتلت القاتل المستحق للقتل قصاصاً فإنك تضيف إلى قتل الأول قتل رجل آخر وهذا يضاعف عدد المقتولين، فإننا نقول: إن هذه القولة قولة باطلة أبطلها الله في قوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] فإن القاتل إذا علم أنه إذا قتل عمداً سيقتل لن يقدم على القتل، فحينئذٍ يقل القتل عمداً وعدواناً.

    والمهم كل المهم أنه يجب على الإنسان العالم المتقي لله عز وجل أن يكون متمشياً مع الدليل حيث ما كان إيجاباً وسلباً، وإصلاح الحال على الرب عز وجل الذي شرع هذا الذي أقدم عليه المفتي والحاكم، والله عز وجل لم يشرع لعباده إلا ما فيه صلاحهم وسعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، ولا يمكن أبداً أن يشرع لعباده ما فيه مفسدة راجحة على مصلحته كما قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، وأنت إذا حكمت الناس بمقتضى شريعة الله لا بمقتضى واقعهم، فإن الواقع سوف يتغير حتى يتحول إلى مراد الله عز وجل في عباده فيما شرعه لهم.

    مداخلة: نعود إلى السؤال حول كلمة الإخلاص وشروطها وأركانها وأنه إذا لم يأت بها المسلم كاملة فهل يكون قد أدى حقيقتها؟

    الجواب: قلنا: إنه لا يؤدي حقيقتها إذا لم يأت بشروطها ومقتضياتها اللازمة، فإنه ليس المراد من كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله أن يقولها بلسانه، بل لا بد أن يقولها بلسانه معتقداً مدلولها بقلبه، قائماً بما تقتضيه من واجبات وشروط وأركان.

    1.   

    أدعية الرقية الشرعية

    السؤال: ما هي الأدعية التي تقال في الرقية؟

    الجواب: الأدعية التي تقال في الرقية أهمها وأعظمها قراءة سورة الفاتحة، فإن قراءة سورة الفاتحة على المريض من أسباب شفائه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وما يدريك أنها رقية )، ومن ذلك ما جاءت به السنة مثل قوله: ( بسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك من شر كل عين حاسد والله يشفيك )، ومثل قوله: ( ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنت رب الطيبين، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنزل رحمة من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع، أو على هذا الوجِع )، ومثل قوله: ( اللهم رب الناس، ارفع البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً )، والأحاديث في هذا معروفة يمكن للسائل أن يرجع إليها في كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب لـابن القيم ، أو في كتاب الأذكار للنووي ، أو غيرهما مما كتبه أهل العلم في هذا الباب.

    1.   

    حكم قصر المسافر خارج وطنه إذا بقي فترة طويلة

    السؤال: إذا ذهب الإنسان للدراسة في خارج المملكة فهل له أن يقصر الصلاة؟

    الجواب: أولاً أقول: هل يترخص المسافر الذي هناك برخص السفر أو لا يترخص، هذا موضع خلاف بين أهل العلم: فمن العلماء من قال: إن المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام فإنه ينقطع في حقه حكم السفر، فلا يترخص بقصر الصلاة ولا بجمعها، ولا بالمسح على الخفين أو الجوارب أكثر من يوم وليلة، ومنهم من قيد ذلك بخمسة عشر يوماً، ومنهم من قيد ذلك بتسعة عشرة يوماً، والخلاف في هذا واسع منتشر وقد أوصله بعض أهل العلم إلى نحو عشرين قولاً، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام جيد حول هذا الموضوع ذكره ابن القاسم في مجموع الفتاوى في أول باب صلاة الجمعة فمن أحب الاطلاع عليه فليرجع إليه فإنه مفيد جداً.

    1.   

    اختلاف المطالع وأثره على دخول وخروج رمضان

    السؤال: ما حكم اختلاف البلدان في الصيام؟ فنجد مثلاً أن هذا البلد ما زالت تصوم والأخرى عندهم نفس اليوم عيد فما حكم ذلك؟

    الجواب: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم هل دخول الشهر إذا ثبت في بلد هل يثبت حكمه في جميع البلاد الإسلامية، أو يختص الحكم في هذا البلد، أو يختص الحكم بهذا البلد وبما وافقها في مطالع الهلال، في هذا خلاف بين أهل العلم على نحو ستة أقوال في المسألة:

    فمنهم من قال: إنه قد ثبت ثبوتاً لا شك فيه أن مطالع الهلال تختلف، فإذا كانت تختلف فإن الواجب أن يكون حكم دخول الشهر أو خروجه مربوطاً باختلاف المطالع، فإذا اتفقت المطالع بين البلدان فإنه يثبت لهذه البلدان حكم دخول الشهر إذا رؤي في بلد واحد منها، وإذا اختلفت المطالع فإن لكل بلد حكمه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الذي تدل عليه النصوص، فمن ذلك قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185] والذين تختلف مطالعهم عن بلد الرؤية لم يكونوا شهدوا الشهر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا )، والذين تختلف مطالع الهلال بينهم لم يكونوا يروه، والنبي عليه الصلاة والسلام علق الحكم على الرؤية، وكما أن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة فهو مقتضى القياس أيضاً، فإن الناس يختلفون في الحكم في طلوع الشمس وغروبها، فتجد بلداً قد طلع عليه الفجر فأمسكوا عن الصيام والبلد الآخر ما زالوا في الليل فهم يأكلون ويشربون، وتجد بلداً قد غربت الشمس عندهم فحل لهم الأكل والشرب وبلداً آخر لم تغب الشمس عندهم فهم ما زالوا صائمين، وإذا كانت البلاد تختلف باختلاف طلوع الشمس وغروبها، وهو توقيت يومي فكذلك يجب أن تختلف البلاد باختلاف مطالع القمر ومغاربه، وهذا توقيت شهري، ولكن العمل اليوم على أحد الأقوال الستة التي أشرت إليها وهي أن الحكم يتعلق بالسلطة فإذا كانت هذه البلاد تحت سلطة واحدة فإنه يثبت حكم الهلال في حقها جميعاً ولو تباعدت، ويرى بعض العلماء أنه متى ثبتت رؤية الهلال في أي بلاد إسلامي فالحكم لجميع الأمة الإسلامية.