إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب [371]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم ختم الخطبة الثانية بقوله: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)

    السؤال: هل صحيح -فضيلة الشيخ- بأن ختم خطبة الجمعة الثانية بقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45] بدعة كما يقول صاحب كتاب (السنن والمبتدعات)؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أقول: إن البدعة التي ورد النهي عنها، والتحذير منها، هي البدعة في الدين والعبادة، وهي التعبد لله عز وجل بما لم يشرعه، أي: بخلاف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه، سواءٌ كان ذلك في العقيدة أو في القول أو في العمل.

    والتزام هذه الآية الكريمة: أَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114] في آخر الخطبة الثانية يوم الجمعة من البدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعلها، وإذا لم يكن يفعلها لا هو ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه، فإن التزامها يكون بدعة.

    أما لو قالها الإنسان لمناسبة بحيث يكون موضوع الخطبة قريباً من هذا المعنى، وختم الخطبة بذلك، فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه، وليس من البدع، وهذا أمرٌ ينبغي التفطن له بين الأشياء التي تفعل على وجه الدوام والتي تفعل أحياناً، فقد يكون الشيء بدعة إذا فعله الإنسان دائماً، وغير بدعة إذا لم يكن يفعله دائماً.

    ولنضرب لهذا مثلاً بصلاة الجماعة في النافلة، لو أن الإنسان اتخذ الجماعة سنةً راتبة في صلاة الليل، وصار لا يصلي الليل إلا بجماعة، لقلنا: إن هذا بدعة، ولو صلى صلاة الليل جماعة أحياناً لقلنا: إن هذا لا بأس به وليس بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يصلي معه بعض أصحابه في صلاة الليل، كما فعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فينبغي أن يعرف الفرق بين الشيء الذي يتخذ راتباً مستمراً، وبين الشيء الذي يفعل أحياناً ولا يخالف الشرع.

    والمهم أن التزام الخطيب بختم الخطبة الثانية بهذه الآية الكريمة بدعة كما قال صاحب (السنن والمبتدعات).

    1.   

    أفضل كتاب للحفظ في العقيدة

    السؤال: ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم العقيدة، وأفضل شرح له، وعدة شروح أخرى؟

    الجواب: من أحسن ما كتب في العقيدة: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها رسالةٌ مختصرة مفيدة جداً، فيها قواعد عظيمة من القواعد التي ينتفع بها الإنسان في كل مسألة من مسائل العقيدة، ومنها أيضاً شرح العقيدة الطحاوية، فإنه كتابٌ جيد مفيد ينتفع به طالب العلم، ومنها الصواعق المرسلة ومختصره لـابن القيم رحمه الله.

    1.   

    أفضل كتاب للحفظ في أحاديث الأحكام

    السؤال: ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم الحديث، وأفضل شرح له؟

    الجواب: يقصد السائل فيما يظهر كتاب حديث في الأحكام، فمن أفضل الكتب (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغني المقدسي، فإنها عمدة؛ لأنه انتقاها رحمه الله مما اتفق عليه البخاريو مسلم، وله شروح متعددة، من أنفعها لطالب العلم شرح ابن دقيق العيد، وأما للمبتدئين فلها شروح متعددة من المعاصرين معروفة في أيدي الطلبة.

    مداخلة: وفي الفقه يا فضيلة الشيخ؟

    الشيخ: وفي الفقه أيضاً كتاب (زاد المستقنع في اختصار المقنع) لـموسى الحجاوي، وشرحه الروض المربع لـمنصور البهوتي رحمه الله، فإنه كتابٌ مختصر مفيد، هذا لمن أراد التفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

    مداخلة: وفي النحو؟

    الشيخ: في النحو الأجرومية للمبتدئين، ثم الألفية لمن أخذ حظاً وافراً من النحو، ويا حبذا لو أن الطالب حفظ هذه المتون المختصرة حتى ينتفع بها بعد أن يحتاج إليها في المستقبل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قيل لها ادخلي الصرح ...) الآية

    السؤال: ما معنى قوله تعالى في سورة النمل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ [النمل:44]؟

    الجواب: معنى هذه الآية أن سليمان عليه الصلاة والسلام لما علم بملكة سبأ المشركة التي تسجد هي وقومها للشمس من دون الله، أرسل إليها، والقصة معروفة في سورة النمل، فجاءت إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فبنى صرحاً من قوارير زجاج يحسبه الرائي ماءً، فجاءت هذه المرأة فحسبته ماءً فكشفت عن ساقيها، فقال: (إنه صرحٌ ممردٌ من قوارير).

    وإنما قصد سليمان والله أعلم أن يبن لها ضعفها حتى ينكسر منها لوائها، ويتبين لها أنها ضعيفة، ولهذا قالت: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44].

    1.   

    كفر النصارى الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة

    السؤال: قوله تعالى في سورة المائدة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] ، من هم الذين قالوا ذلك يا فضيلة الشيخ؟

    الجواب: الذين قالوا ذلك هم النصارى، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: الله والمسيح ابن مريم، وأمه، فكفرهم الله تعالى بذلك؛ لأنهم جعلوا مع الله شريكاً، والله سبحانه تعالى إله واحد، كما قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31] .

    1.   

    معنى اسم سورة التغابن

    المقدم: ما معنى اسم السورة القرآنية الكريمة التغابن؟

    الجواب: التغابن هو الغلبة بالغبن، وقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة أن يوم التغابن حقيقة هو يوم القيامة، قال الله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9].

    فالتغابن الحقيقي هو التغابن في الآخرة، حيث يكون فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، أما التغابن في الدنيا فليس بشيء بالنسبة للتغابن في الآخرة، ولهذا قال الله تعالى: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21].

    1.   

    حكم صلاة المرأة صلاة العيد في بيتها

    السؤال: هل تجوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها؟

    الجواب: المشروع في حق النساء أن يصلين صلاة العيد في مصلى العيد مع الرجال؛ لحديث أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر أن يخرج النساء حتى الحيض وذوات الخدور يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى ).

    فالسنة أن يخرج النساء إلى مصلى العيد مع الرجال، أما صلاة النساء في البيوت فلا أعلم في ذلك سنة، والله أعلم.

    1.   

    حكم إهداء ثواب قراءة القرآن للغير

    السؤال: هل يجوز لي أن أهدي ختمة القرآن لوالدي، علماً بأنه يعرف القراءة والكتابة؟

    الجواب: إهداء ثواب قراءة القرآن إلى الأب أو إلى غيره من الناس لا بأس به، ولكن الأفضل أن يدعو الإنسان لوالده دون أن يعمل له عبادة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالح يدعو له ).

    ولم يقل: أو ولدٌ صالحٌ يقرأ له أو يصلي له أو يصوم له أو يحج له أو يضحي له، وإنما قال: أو ولدٌ صالح يدعو له.

    ولا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحداً من الناس أن يتعبد لغيره تطوعاً، نعم الشيء الواجب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضائه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه ).

    أما الشيء المتبرع به فلا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر به، لكنه أجازه حين استفتي عن ذلك، فقد سأله رجل فقال: (إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم ).

    واستفتاه سعد بن عبادة رضي الله عنه أن يجعل مخرافه لأمه، فأجاز له ذلك، أي: على سبيل الصدقة، أما الأمر بهذا وجعله مشروعاً للأمة، فلا أعلم في ذلك سنة.

    وعلى هذا فأقول: الأفضل للإنسان أن يدعو لأمواته من آبائه وأمهاته وإخوانه وأبنائه وبناته، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه؛ لأنه هو نفسه سيحتاج إليها في المستقبل، فإن الإنسان إذا مات تمنى أن يكون في صحيفته حسنةٌ واحدة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من ميتٍ يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون استعتب ).

    1.   

    حكم صلاة سنة العصر قبل دخول الوقت

    السؤال: أنا أصلي أربع ركعات قبل صلاة العصر، لكني لا أدري هل أصليها قبل دخول وقت الصلاة أم بعد ذلك؟ نرجو الإفادة!

    الجواب: الصلاة التي قبل صلاة العصر -وهي أربع ركعات بتسليمتين- إنما تكون بعد أذان العصر وقبل الصلاة، وليس قبل أذان العصر.

    1.   

    حكم رفع الأيدي بالدعاء بعد الفريضة

    السؤال: تقول: هل يجوز رفع الأيدي بالدعاء بعد فرائض الصلاة، أي: بعد أن نسلم من الصلاة؟

    الجواب: إن من آداب الدعاء وأسباب إجابته أن يرفع الإنسان يديه إلى الله عز وجل حين الدعاء، ولكن ينبغي أن يعلم أن رفع اليدين في الدعاء على أقسام.

    قسمٌ بدعة ينهى عنه، مثل رفع الخطيب يديه حال خطبة الجمعة، فإن الصحابة أنكروا على بشر بن مروان رفع يديه في الخطبة، إلا أنه يستثنى من هذا ما إذا دعا الخطيب بنزول الغيث أو بإمساكه، فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دخل رجلٌ يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فوالله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعة وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دار، فنشأت من ورائه سحابةٌ مثل الترس، فارتفعت فلما توسطت السماء انتشرت فرعدت وبرقت، ثم أمطرت، فما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر إلا والمطر ينحدر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، ثم دخل رجل في يوم الجمعة الثانية فقال: يا رسول الله! غرق المال وتهدم البناء فادع الله يمسكها، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)، وعلى هذا فينكر على الخطيب إذا دعا في خطبة الجمعة أن يرفع يديه إلا في الاستسقاء والاستصحاء، لورود النص بهما.

    الثاني من أقسام رفع اليدين بالدعاء: ما دلت السنة على عدم الرفع فيه، وذلك كالدعاء بين السجدتين، الدعاء بعد التشهد، فإن السنة تدل على أن الإنسان يضع يديه على فخذيه في الجلوس بين السجدتين، وكذلك في الجلوس للتشهد، وأن لا رفع في الدعاء في هذه الحال.

    والثالث: ما دل الدليل على أن الرفع من آداب الدعاء فيه، وهو ما عدا المواضع التي ثبت فيها عدم الرفع.

    وحينئذٍ فنقول للإنسان إذا دعا بعد الصلاة: إنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يديه إذا فرغ من صلاته، لا صلاة الفريضة ولا صلاة النافلة، فلم يرد أبداً عنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا فرغ من الصلاة رفع يديه، وجعل يدعو، فليس من السنة إذاً أن ترفع يديك في الدعاء بعد صلاة الفريضة، أو بعد صلاة النافلة، بل ولا ينبغي أن تؤخر الدعاء إلى أن تسلم من الصلاة، بل الأفضل أن تدعو الله عز وجل قبل أن تسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى هذا في قوله في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال: (ثم ليتخير من الدعاء ما شاء).

    فالإنسان مأمور أن يدعو الله تعالى قبل أن يسلم، أما إذا سلم وانصرف وفارق المقام بين يدي الله عز وجل، فإن ذلك ليس من الحكمة أن يؤخر الدعاء إلى هذه الحال التي يكون فيها قد انصرف من صلاته.

    والخلاصة أن الأفضل لمن أراد الدعاء أن يدعو الله عز وجل قبل أن يسلم، إذ إن هذا هو الذي جاء الأمر به عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم قضاء الصلاة الفائتة بلا عذر

    السؤال: ما حكم الشرع في نظركم -فضيلة الشيخ- فيما قاله الإمام الشافعي عن قضاء الصلاة الفائتة عمداً، علماً بأن ما قاله الإمام الشافعي عن إباحة قضاء الصلاة جعل الكثير من الناس تتهاون في إقامة الصلاة في أوقاتها، مما يؤدي إلى تركها؟

    وهل ما قاله الإمام الشافعي يعتبر في نظر الإسلام سنة سيئة ينطبق عليها ما جاء في الحديث الشريف: (من سن سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة )؟ نرجو التفصيل.

    الجواب: أقول: ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله من وجوب قضاء الصلاة على من تركها متعمداً حتى خرج الوقت هو ما ذهب إليه الكثير من أهل العلم، بل أكثر أهل العلم، ولكن القول الراجح أن من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فإنها لا تقبل منه ولو صلاها ألف مرة! وذلك لأن الصلاة عبادةٌ محدودة بوقت لا تكون قبله ولا بعده؛ لقول الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103] ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقتها بمواقيت وبينها، فقال: وقت الظهر من كذا إلى كذا، وقت العصر من كذا إلى كذا، وقت المغرب من كذا وكذا، وقت العشاء من كذا إلى كذا، وقت الفجر من كذا إلى كذا، وقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، صلاة العصر من خروج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس والضرورة إلى غروبها، وقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل.

    أما إذا أخر الإنسان الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر، فإنه لا صلاة له ولو صلاها ألف مرة، هذا هو القول الراجح الذي تدل عليه الأدلة، فكما أن الرجل لو صلى الصلاة قبل وقتها لم تقبل منه، فكذلك إذا صلاها بعد وقتها لم تقبل منه؛ لأن كل ذلك خروجٌ عن حدود الشرع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    أما لو كان هذا لعذر، مثل أن ينسى الإنسان أو ينام، وقد أخذ احتياطاته للاستيقاظ، ولكن لم يستيقظ، فإنه يقضيها ولو خرج الوقت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ثم تلا قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]).

    1.   

    حمل آيات الوعيد على الكفار خاصة

    السؤال: لماذا نسب المفسرون مثل الإمام ابن كثير جميع آيات العذاب الواردة في القرآن الكريم إلى الكفار خاصةً؟ علماً بأن بعض المسلمين قد يأتي ببعض الذنوب التي توجب الدخول في سياق هذه الآيات، وعلماً بأن بعض الآيات لم يرد فيها تحديد الكافر من المسلم العاصي، ومع ذلك فقد نسبها المفسرون إلى الكفار خاصةً، مثل قوله تعالى في سورة البقرة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81] ؟

    الجواب: قول هذا السائل: إن المفسرين حملوا آيات الوعيد الواردة في القرآن على الكفار ليس بصحيح، وما علمت أحداً قال ذلك، لا ابن كثير ولا غيره، ولا يمكن لأحدٍ أن يقول هذا؛ لأن آيات الوعيد في القرآن منها ما يكون للكافرين، ومنها ما يكون لغير الكافرين.

    فمثلاً قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] ، هذه لا تختص بالكافرين، حتى من كان مؤمناً فإنه يلحقه هذا الوعيد، ولكن كل ما ورد من الوعيد على فعل المعاصي التي هي دون الكفر فإنها داخلة تحت عموم قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فتكون عقوبة هذا العاصي داخلةً تحت مشيئة الله عز وجل، قد يغفر الله له يوم القيامة بمنِّه وكرمه، وقد يغفر له بواسطة الشفاعة، أو بغير ذلك من الأسباب.

    والمهم أن آيات الوعيد وكذلك أحاديث الوعيد لا تختص بالكافر، بل قد تكون للمؤمن أيضاً، ولكن المؤمن يكون بالنسبة إلى هذا الوعيد داخلاً تحت مشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.