إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 615-621

شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 615-621للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز البكاء على الميت كما ثبت في السنة خلافاً لبعضهم إلا أن يريدوا النياحة فهي حرام باتفاق، ويستحب أن يدفن الميت نهاراً، ولا يكره ليلاً خلافاً لابن حزم حيث قال بالحرمة، وأحمد حيث قال بالكراهة كما في رواية عنه، هذا وقد ورد في السنة بيان جملة مهمة من أحكام الجنائز، فبينت حكم السلام على أهل القبور، وكيفية الدعاء لهم، وحرمة سب الأموات وسبب ذلك وغيرها من الأحكام.

    1.   

    شرح حديث أنس: (شهدت بنتاً لرسول الله تدفن ..)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    اليوم عندنا آخر درس في البلوغ في كتاب الجنائز، وبإنهاء هذا الدرس نكون قد انتهينا من كتاب الجنائز، وبانتهائنا من كتاب الجنائز نكون قد انتهينا من كتاب الصلاة، وبانتهائنا من كتاب الصلاة مع كتاب الطهارة نكون قد انتهينا تقريباً مما يقارب ثلث بلوغ المرام ؛ لأن الطهارة والصلاة تستأثر عادة بلب الأحاديث.

    ومما هو خليق أيضاً بالشكر والثناء أن الله سبحانه وتعالى يسر لي فيما سبق أن كتاب الزكاة والصوم والحج سبق أن شرحته في عمدة الفقه أيام توقف بلوغ المرام، شرحته في المنزل للشباب شرحاً موثقاً في أشرطة، ومفرغاً في أوراق أيضاً وبطريقة مفصلة، يعني: كنت أشرح وأنا أقول: إذا لم يأذن الله باستكمال بلوغ المرام يكون هذا عوضاً عنه، وفيه سرد للأقوال والمسائل والأدلة والترجيح وغيرها، وبإذن الله تعالى نحن سنستكمل بلوغ المرام، وأعتقد أن الدأب والإصرار مهم، وخليق بنا أن نفرح بهذه المناسبة، وكما كان عمر رضي الله عنه يقول:

    كأنك لم تدأب من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب

    وأذكر أن بعض أساتذتنا في المعهد أول ما تعينت في المعهد العلمي مدرساً يرون اجتهادي ويقولون وهم يضحكون: بشر الزرع بفلاح جديد، يعني: أنت فلاح جديد وعندك الآن حالة طفرة وفرح، ولذلك تجتهد، لكن مع الأيام والليالي تفتر همتك وتصبح مثلنا، والحمد لله أنا دائماً أتوعد نفسي: أنه يجب أن أكون دائماً وأبداً فلاحاً جديداً، على الإنسان أن يحاول ذلك!

    رقم هذا الدرس مائتان وثلاثة، وهذا يوم الإثنين الثاني والعشرون من جمادى الأولى (1427هـ)، عندنا مجموعة أحاديث حوالي سبعة أحاديث.

    الحديث الأول منها: حديث أنس رضي الله عنه، ورقمه (592) قال: ( شهدت بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدفن، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فرأيت عينيه تدمعان )، والحديث رواه البخاري .

    أما تخريج الحديث:

    فقد رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ورواه ابن ماجه أيضاً في الجنائز، ورواه: أحمد والبيهقي والحاكم والطحاوي والطيالسي .. وغيرهم، بل والترمذي رواه في كتاب الشمائل.

    معاني ألفاظ الحديث

    ثانياً: ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    فـأنس رضي الله عنه يقول: ( شهدت بنتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ):

    هذه البنت على الراجح هي أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وهم بعض أهل العلم فسموها رقية، ووهم وأغرب جماعة فقالوا: إنها بنت بنته، والصواب: أنها أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، زوج عثمان بن عفان .

    في الحديث قصة وهي: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هموا في القبر وجاء عثمان

    كأنه يريد أن يدخلها )؛ لأنه زوجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من كان قارف الليلة -البارحة- فلا يدخلها، هل فيكم أحد لم يقارف؟ فقال أبو قتادة

    : أنا يا رسول الله! فأمره أن ينزلها في القبر
    ).

    قوله: (قارف)، الغالب أن كلمة (قارف) قد تطلق على معنى: ارتكب خطأ أو ذنباً، وقد تطلق على من فعل شيئاً ويستحيا من التصريح به.

    فالمقصود إذاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( هل فيكم أحد قارف؟ ) يعني: جامع زوجته، جامع أهله.

    والسر في هذا -والله أعلم- وإن اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً، لكن يترجح عندي بقوة: أن المعنى هنا فيه معنى إنساني، هذه البنت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوجها عثمان وهو من ضمن الحاضرين، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: كأنه يعاتب عثمان عتاباً غير مباشر أنه قد أتى أهله البارحة، يعني: زوجته الأخرى، وأم كلثوم كانت في المرض؛ فلذلك أمر أو عبر بهذا التعبير الذي اقتضى عزل عثمان عن أن يقوم بإدخالها في القبر من غير أن يخصه أو يشير إليه بشيء.

    واعتذر العلماء عن عثمان رضي الله عنه: أن هذا قد يكون لسبب، مثل أن يكون طال مرضها أولاً، وأيضاً لم يكن يعلم أنها كانت في النزع أو أنها كانت شديدة المرض، فإن الإنسان قد يظهر منه بعض العافية وبعض الصحة ثم ينتكس ويموت فجأة، فهذان جوابان.

    فوائد الحديث

    فيما يتعلق بالحديث فيه فوائد: من أهمها: جواز البكاء على الميت، والنبي صلى الله عليه وسلم هنا ذرفت عيناه عند القبر، وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً شفيقاً بأهله، وقد جاء في أحاديث كثيرة جداً بكاؤه عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث منها، وهو في البخاري

    كما ذكرنا. ومن الأحاديث الواردة في مسألة بكاء النبي عليه الصلاة والسلام حديث إبراهيم

    بن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي حديث طويل في قصة إبراهيم

    وهو في الصحيحين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم )، ثم أعطاه لـأبي سيف القين

    من أجل أن ترضعه امرأته، وجاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه وشمه وقبله، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يموت، فبكى النبي صلى الله عليه آله وسلم ودمعت عيناه، فقال له بعض أصحابه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هذه رحمة )، وفي بعض الألفاظ: ( من لا يَرحم لا يُرحم )، ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي ) هذا حديث آخر، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى لموت ابنه إبراهيم

    . أيضاً في قصة سعد بن عبادة

    وهي في الصحيح: لما مرض سعد بن عبادة

    بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( أوقد قضى؟ قالوا: لا، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وقال في حديث إبراهيم

    الذي قبله قال: ( إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم

    لمحزونون )، فقوله: ( إن القلب ليحزن والعين لتدمع )، دليل صريح ونص على جواز البكاء على الميت بغير رنة ولا صوت، يكظم صوته ما استطاع . وأيضاً: في حديث آخر النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا أو يرحم، وأشار صلى الله عليه وسلم إلى لسانه )، فلا يعذب بحزن القلب ولا بدمع العين. فكل هذه النصوص وغيرها تدل على جواز البكاء على الميت، وأن الله تعالى لا يؤاخذ بحزن القلب ولا بدمع العين. ولذلك نقول: إن جماهير أهل العلم على جواز البكاء على الميت بغير صوت، وقد نقل عن الشافعي

    رضي الله عنه في ذلك خلاف أنه لا يراه، وما نقل عن الشافعي

    فهو محمول على النياحة، محمول ليس على مجرد البكاء الذي يغلب الإنسان، وإنما على ما يتعدى البكاء ليكون نوعاً من النياحة. في حديث الباب أيضاً فوائد، من فوائد الحديث: جواز البكاء، وهي فائدة عزيزة فيما يتعلق بما سبق أن ذكرناه. جواز قعود الذين يتبعون الميت إذا وضع الميت في الأرض أو بدأ إدخاله في القبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا كان جالساً، وفي بعض الروايات: ( كان جالساً على شفير القبر )، فهذا دليل على أن الذين يتبعون الميت يجوز لهم أن يقعدوا عند القبر، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان هنا جالساً والبنت تُدفن، يعني: أثناء الدفن، أثناء ما هم يضعونها في القبر ويدفنونها كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالساً. من فوائد الحديث: أنه يجوز أن يدخل المرأة في قبرها غير محرمها . من فوائد الحديث: الصدق وأنه محمدة، فإن عثمان

    رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن لم يقارف، صدق ولم يخف هذا الأمر، وهذه مزية وفضيلة لـعثمان بن عفان

    .

    1.   

    شرح حديث: (لا تدفنوا موتاكم بالليل..)

    الحديث الذي يليه ورقمه (593): حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا )، والحديث رواه ابن ماجه وأصله في صحيح مسلم .

    تخريج الحديث

    فأولاً ما يتعلق بـصحيح مسلم قال: ( زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه ).

    وقد سبق الحديث معنا، حديث صحيح مسلم سبق في الباب: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، فذكر: رجلاً من أصحابه دُفن ليلاً وكفِّن في كفن غير طائل -يعني: كفناً ضعيفاً- فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُدفن الرجل ليلاً حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر أحد إلى ذلك )، هذا لفظ مسلم .

    أما لفظ ابن ماجه فهو كما رأيتم: ( لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا إلى ذلك ).

    خرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب: الأوقات التي ينهى عن الدفن فيها، وفي سنده إبراهيم بن يزيد المكي وهو متروك .

    إذاً: لم يكن ثمة حاجة إلى أن يذكر المصنف رحمه الله هذه الزيادة وهي بهذه المثابة، وقد انفرد بها ابن ماجه، وفيها هذا الراوي المتروك.

    وأيضاً: المصنف رحمه الله مما يؤخذ عليه أنه لم يشر إلى درجة هذه الزيادة، وما كان بهذه المثابة ينبغي ألا يساق ولا يروى إلا مقروناً ببيان ضعفه، مع أنه يغني عنه الحديث السابق حديث جابر في صحيح مسلم .

    والشيء الغريب: أن الشيخ الألباني صحح هذا الحديث في غير موضع، منها: إرواء الغليل ومواضع أخرى، وهذا سهو منه رحمه الله أو تساهل؛ فإن الحديث بهذا اللفظ شبه موضوع، أما حديث مسلم فبابه باب آخر.

    حكم دفن الميت ليلاً

    في الحديث مسألة: وهي مسألة الدفن بالليل، دفن الميت ليلاً، ما حكمه؟ هل يدفن الميت بالليل أو لا يدفن؟

    في المسألة تقريباً ثلاثة أقوال مشهورة:

    القول الأول: أنه لا يكره دفن الميت ليلاً، يجوز دفنه ليلاً ونهاراً، وهذا مذهب الجماهير، منهم الأئمة الأربعة في المشهور عنهم وغيرهم، وهو فعل الصحابة رضي الله عنهم: أنهم كانوا يدفنون الميت ليلاً، وهو عمل الناس في سائر الأمصار أيضاً: أنه يجوز أن يدفن الميت ليلاً، يدفن مثلاً بعد المغرب، يدفن بعد العشاء مما يسمى ليلاً.

    وحجة هؤلاء على جواز الدفن ليلاً: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفن بعض أصحابه ليلاً، في أحاديث عديدة:

    منها مثلاً: حديث ذي البجادين عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهو عند البزار وغيره وسنده صحيح، ذو البجادين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال ابن مسعود : ( أنه رأى نوراً بالليل فذهب فوجد النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وهم يدفنون ذا البجادين، والنبي صلى الله عليه وسلم يتناوله من أبي بكر ويودعه في قبره ويقول: اللهم إني راض عنه فارض عنه، فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: يا ليتني كنت صاحب الحفرة ) يعني: تفاؤلاً بفضل هذا الرجل المهاجر ومزيته، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى دفنه بنفسه وقال عنه هذه الكلمة العظيمة، وكان ذلك الدفن بالليل.

    وأيضاً: في مسألة الدفن ليلاً وجوازه، حديث في صحيح البخاري عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال لأصحابه: متى دفنتموه؟ قالوا: البارحة، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم )، والبارحة عند أهل اللغة: تطلق على الليلة التي قبل الليلة، يعني: الليلة التي خلت.

    أو الليلة التي قبل اليوم، فكونه دفن البارحة معناه: أنه دفن بليل، لو كان دفن نهاراً لقالوا: دفناه أمس، ولو دفنوه اليوم لقالوا: اليوم، فلما قالوا: البارحة، دل على أنهم دفنوه بليل، وكان هذا هو المعمول، وهذا هو الدليل الثالث: أن الدفن ليلاً هو المعمول به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    القول الثاني: أن الدفن ليلاً مكروه، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الحسن البصري .

    واحتجوا بحديث الباب، وفيه: ( زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفن الرجل ليلاً حتى يصلى عليه )، رواية جابر عند مسلم، ونقول: إن الاستدلال بهذا الحديث لا يتم لسببين:

    الأول: أن الزجر هنا متوجه ليس إلى خصوص الدفن ليلاً، وإنما متوجه إلى خصوص ليلاً حتى يصلى عليه، فإذا صلي عليه ليلاً ودفن زال المنع، فالنهي هنا أن يدفن ليلاً دون أن يصلى عليه.

    أيضاً: الجواب الثاني على الحديث حديث جابر أن نقول: إن المنهي عنه هو الدفن ليلاً إذا كان لسبب معين، مثل أن يكونوا دفنوه ليلاً، يعني: تحروا أن يؤخروا دفنه إلى الليل لغرض ما، مثل: أن يكون كفنه رديئاً ولا يريدون أن يرى أو ما أشبه ذلك، فهذا هو الذي زجر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا جاء في الحديث: أن النبي عليه السلام: ( ذكر رجلاً من أصحابه دفن ليلاً وكفن في كفن غير طائل ) يعني: كفناً غير حسن وغير مناسب، وقد لا يكون ساتراً للميت، فنقول: هذا ما يتوجه النهي عنه جمعاً بين النصوص.

    القول الثالث: أن ذلك حرام، وهذا مذهب ابن حزم كما صرح به في المحلى واحتج بلفظ: (زجر)؛ لأن الزجر هو أشد النهي، الزجر: هو أشد النهي، يزجرهم يعني: ينهاهم نهياً شديداً.

    ولكن يؤخذ على مذهب ابن حزم هنا أنه أخذ لفظ الزجر بحرفه ولم يأخذ اللفظ الآخر، وهو قوله: ( أن يدفن الرجل ليلاً حتى )..

    مداخلة: ( يصلى عليه ).

    الشيخ: ( حتى يصلى عليه )، ولو جمع بينهما لم يتوفر له هذا الاستدلال.

    فوائد الحديث

    الحديث فيه جواز الدفن ليلاً من غير كراهة .

    وفيه أيضاً: مشروعية العناية بالكفن، وأن يكون الكفن حسناً .

    1.   

    شرح حديث: (لما جاء نعي جعفر حين قتل ..)

    الحديث رقم (594): حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: ( لما جاء نعي جعفر حين قُتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم )، الحديث رواه الخمسة إلا النسائي .

    تخريج الحديث

    ما يتعلق بتخريجه:

    فقد رواه: أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي كلهم في كتاب الجنائز، باب الطعام يصنع لأهل الميت، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، ورواه أحمد وعبد الرزاق .

    معاني ألفاظ الحديث

    ما يتعلق بألفاظ الحديث:

    ( أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه نعي جعفر

    )، النعي ما هو؟

    هو الإخبار بوفاة الإنسان، وقد سبق أن بيناه، وبينا أن هذا الحديث وغيره دليل على جواز النعي إذا كان لمجرد الإخبار.

    وقوله: ( قد أتاهم ما يشغلهم ) يعني: ما يلهيهم، فالمصيبة التي نزلت بهم تلهيهم عن الاشتغال بأمر دنياهم من صناعة الطعام وغيره.

    فوائد الحديث

    في الحديث فوائد: منها: صنع الطعام لأهل الميت، وأن ذلك مشروع كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، أن يصنع جيرانهم أو قرابتهم أو معارفهم فهذا مستحب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا لآل جعفر

    طعاماً ). ومن فوائد الحديث: تحمل مؤنة الميت أيضاً، وأنه ينبغي أن يشترك الناس فيها، يعني: ما يتعلق بتغسيله، وتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه.. وما سوى ذلك، وقد جرت عادة العرب أنهم كانوا يتعاونون. والبارحة كنا نشرح قوله تعالى: (( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ))[الماعون:7]، فـابن العربي

    رحمه الله يقول في أحكام القرآن : إن الحديث أصل في المشاركات عند الحاجة، وقد كان للعرب مشاركات ومواصلات في باب الأطعمة باختلاف الأسباب، يعني: أن العرب كانوا اعتادوا على مثل هذه المروءات والأخلاق فيما بينهم من زمن الجاهلية وفي زمن الإسلام، في التعاون، فيما يتعلق بوجود مصيبة أو نازلة.. أو غير ذلك.

    حكم صنع أهل الميت الطعام

    أما المنهي عنه هنا فكثير من الفقهاء يصرحون بالنهي عن الطعام، والمنهي عنه: هو أن يصنع أهل الميت طعاماً للناس.

    وأيضاً: هذا المنهي عنه في أن يصنع أهل الميت طعاماً للناس لا يُقصد به الإخلال بالمروءة، المروءة والكرم مطلوبة بكل حال، لكن جرت عادت العرب أنهم كانوا إذا مات الميت منهم يأتون بالنوق والإبل فينحرونها على قبره ثم يرمونها ويتركونها، وكانوا يعتقدون في ذلك اعتقادات: بعضهم يعتقدون أن هذا نوع من الكرم وترك الناس يأكلون من هذا اللحم أو يتركونه، وهو إنسان كريم؛ ولذلك ينحرون عند قبره.

    وبعضهم كانوا يعتقدون أيضاً أن الميت إذا نُحر بعيره أو جزوره عند قبره فإنه إذا بعث يوم القيامة يحشر راكباً، فالبعير جاهز عند القبر؛ ولذلك ينحرون البعير عند قبره، أما إذا لم ينحر البعير يقولون: سوف يمشي راجلاً إلى المحشر، فهذا اعتقاد باطل!

    أما كون الناس يعملون الوليمة، هؤلاء قوم مات عندهم ميت وجاءهم ناس بعد العشاء وشربوا القهوة، وخرج أناس ودخل آخرون، وقد يكون هؤلاء الناس كثرة، وبعضهم جاءوا من أماكن بعيدة، بعضهم مسافرون، فليس من الأخلاق ولا من المروءة أن يُتركوا، إذا جرت العادة أنه لو كانوا عندك في مثل هذا الوقت في أي وقت قدمت لهم طعاماً فتقدم لهم الآن طعاماً، والسنة لا يمكن أن تأتي بنقيض المروءة والخلق والكرم والأريحية التي جرت عليها عادة الناس.

    وأيضاً: يدخل في هذا الباب أن بعض الناس يعتقدون بعدم استقبال المعزين، وهذا أيضاً غريب؛ لأنه لا يأتي الشارع بالأمر للإنسان أنه إذا طرق عليك الباب واحد ألا تفتح له، إلا أن يكون هذا أمراً لك، يعني: مزاج عندك، هذا أمر يخصك، لكن الكرم والأريحية أن تفتح وترحب بالقادمين وتدخلهم منزلك وتقدم لهم القهوة والشاهي، وهذا في كل وقت يكون، في الجنازة وغيرها، وكان معروفاً عند العرب.

    وحتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، الرسول عليه الصلاة والسلام لما مات جعفر ذهب إلى أهله ودخل عليهم، وإذا ذهب الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب غيره من القرابة، وذهب في اليوم الثالث أيضاً، وقال: ( لا تبكين على هالك بعد اليوم )، فهذا مما جرت به عادة الناس.

    ولذلك ينبغي أن يعرف أن من السنة: أن يذهب الناس للتعزية في البيوت وفي المساجد لأصحاب من نزلت بهم المصائب .

    ومن السنة لأهل الميت: أن يستقبلوا من يأتيهم بوجه طيب، واستقبال حسن، وأن يقدموا لهم ما جرت العادة به من غير تكلف، وإذا صادف الوقت وقت غداء أو وقت عشاء، فإن من السنة أيضاً أن يقدموا لهم ذلك من غير تكلف، بمعنى: ألا تتكلف للجنازة شيئاً ولا تتكلف للجنازة ضده أيضاً.

    فكون الناس مثلاً في الجنازة كأنهم يفتحون مجالاً ويضعون ديواناً وصيواناً ويستقبلون الناس من كل مكان، ويضيئون المصابيح ويدعون الناس؛ فهذا ليس حسناً، إنما لو كان الميت مما جرت العادة أن يأتي إليه أعداد وأفواج كثيرة ممن الناس وعُمل مثل هذا؛ فليس فيه حرج.

    فأنا أقول: التكلف بترك الشيء مثل التكلف بفعله، وينبغي أن يكون الأمر في ذلك على حد الاعتدال والعادة، وإنما نبهت إلى ذلك لأن كثيراً من الناس يصيبهم حرج، وقد يأتي الإنسان مسافراً -وهذا حصل مرات- من بلد بعيد لتعزية أهل الميت فيجد أنهم لا يفتحون له الباب، أو يفتحون له الباب ويقفون عند الباب بجفاء وكراهية لمجيئه، ويسلمون وكأنهم ينتظرون انصرافه، وهذا ليس حسناً ولا تأتي به السنة.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر ..)

    الحديث الذي بعده (595): حديث سليمان بن بريدة رضي الله عنه عن أبيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر -يعني: دعاء القبور- السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون, نسأل الله لنا ولكم العافية )، والحديث رواه مسلم .

    تخريج الحديث

    رواه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند زيارة المقبرة، ورواه النسائي أيضاً في باب الاستغفار للمؤمنين، وابن ماجه أيضاً في باب ما يقال عند زيارة المقبرة، ورواه أحمد والبيهقي وابن حبان وابن أبي شيبة والطبراني .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    في الحديث أولاً قوله: ( السلام على أهل الديار )، السلام: معروف، وهو تحية الأحياء والأموات. والسلام اسم من أسماء الله، والسلام هو الدعاء أيضاً .

    وهذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم إياه، بخلاف ما كان أهل الجاهلية يتعاطونه، فإن أهل الجاهلية كان السلام عندهم تحية الأحياء، أما تحية الموتى فكانوا يعكسونها بدلاً من: السلام عليكم، يقولون: عليك السلام للميت، كما يقول القائل:

    عليك سلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم المخرق

    قالها في عمر .

    فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما أدركت في الأرض يسبق

    قضيت أموراً ثم غادرت بعدها بوائق في أكنافها لم تفتق

    وكذلك الآخر:

    عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما

    هذا بعد موتهم.

    تحية من أوليته منك نعمة إذا زار عن شحط بلادك سلما

    فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

    فكان أهل الجاهلية تحية الموتى عندهم: عليك سلام الله، عليك السلام، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن تحية الميت مثل تحية الحي: ( السلام عليكم أهل الديار ) .

    والديار: جمع دار؛ وذلك لأن المقابر ديار، إما ديار باعتبار أن العرب يسمون المكان داراً، سواء كان مأهولاً أو غير مأهول، أو داراً باعتبار سكانها وقاطنيها، فهم وإن كانوا أمواتاً إلا أنهم بشر وسيبعثون؛ ولذلك العرب كانوا يسمون المقابر دوراً، وهذا مشهور في شعرهم ونثرهم، يعني: أذكر قول الشاعر:

    لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد

    إلى آخر القصيدة في ذكر المقابر والديار.

    قوله: ( أهل الديار من المسلمين والمؤمنين )، هذا على سبيل التنويع، وقد يكون في المقابر من هم من أهل الإسلام ومن هم من أهل الإيمان، ومعروف أن الإسلام والإيمان -كما أسلفنا- إذا ذكرت في سياق واحد كان الإيمان دليلاً على من بلغوا رتبة أعلى من مجرد الإسلام، يعني: عندهم الإسلام وزيادة، وأما إذا قيل: الإسلام فقط، يعني: أنه يقيم الأركان الخمسة، مع دخول أحدهما في الآخر على ما هو معروف.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( وإنا شاء الله بكم لاحقون )، هذا على سبيل التبرك بذكر اسم الله سبحانه، وإلا فإن الموت حق وحتم في رقاب العباد .

    وقوله: ( لاحقون ) أي: تابعون لكم، يعني: أن الموت الذي أصابكم سوف يصيبنا، هذا معنى قوله: ( لاحقون ).

    وقوله: ( نسأل الله لنا ولكم العافية )، العافية: هي السلامة في أمر الدين وأمر الدنيا فيشمل ذلك.

    قوله: ( نسأل الله لنا ولكم )، بعض الناس يظنون أن العافية خاصة بالصحة، إذا كان الإنسان مريضاً يدعى له بالعافية حتى يصح، والواقع أن العافية كما دل هذا الحديث تشمل: العافية في أمر الدنيا وتشمل العافية في أمر الدين؛ ولذلك طلبها النبي صلى الله عليه وسلم للأموات.

    فوائد الحديث

    والحديث فيه فوائد:

    منها: مشروعية زيارة القبور، وقد يحتج بالحديث من يرى زيارة القبور للنساء، كما شرحنا وبينا أقوال العلماء فيه بالأمس؛ لأن الحديث فيه عموم.

    وفي الحديث: ما يقوله عند زيارة القبر، وقد جاء هذا اللفظ وجاءت ألفاظ أخرى غيره، كحديث ابن عباس وغيره.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبور المدينة ..)

    حديث ابن عباس (596) فيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبور المدينة فأقبل بوجهه، وقال: السلام عليكم.. ) إلى آخر الحديث.

    تخريج الحديث

    الحديث رواه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما يقوله إذا زار المقابر، وقال الترمذي : حديث حسن غريب.

    المصنف هنا أظن قال: رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ونسخ الترمذي تختلف اختلافاً كثيراً جداً في ما يقوله الترمذي عقب الأحاديث كما هو معروف، وفي كثير من نسخ الترمذي أنه قال هنا: حديث حسن غريب، والغرابة عند الترمذي تومئ إلى الضعف، وهكذا عند أبي نعيم وكثير من المتقدمين، ولذلك قول الترمذي : غريب هنا، يومي إلى أن الحديث فيه شيء، وقد كان في إسناد الحديث قابوس أبو ظبيان وهو ضعيف.

    ولذلك نقول: إن الحديث لا يتم الاستدلال به.

    معاني ألفاظ الحديث

    من معاني الحديث:

    قوله: ( أنتم سلفنا ونحن على الأثر )، السلف: هو السابق، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عثمان بن مظعون : ( الحق بسلفنا الصالح )، فالسلف: هو السابق من كل شيء، وما سلف يعني: ما سبق .

    وأما قوله: ( ونحن على الأثر ) يعني: نحن نتبعكم، والأثر: هو ما يبقى من آثار أقدام الإنسان في طريقه، كما قال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، فالأثر هو ما يبقى بعد الإنسان.

    ( ونحن على الأثر ) يعني: نحن وراءكم نلحقكم في هذا الطريق وهذا السبيل، فهو مثل قوله: ( وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ).

    فوائد الحديث

    الحديث فيه فوائد:

    منها: التسليم على الجنازة ولو لم يقصد الزيارة، يعني: إذا مر بها في طريقه، لأنه هنا قال: ( إن النبي عليه السلام مر بقبور المدينة ) .

    ومن فوائد الحديث أيضاً: أن الإنسان إذا سلم على المقابر هل يستقبل القبلة أو يستقبل ماذا؟

    يستقبل القبور، بدليل أنه هنا قال: ( فأقبل بوجهه عليه الصلاة والسلام )، فظاهر الحديث يدل على أن زائر القبر يستقبل القبور بوجهه، بدليل حديث ابن عباس هذا؛ لكن الحديث كما قلنا فيه ضعف، وأيضاً هذا اللفظ بالذات فيه نكارة .

    ولذلك نقول: إن السنة فيما يتعلق باستقبال القبر أو غيره ليست محددة، بل السنة مثلما ذكرنا قبل قليل ألا يتكلف المرء شيئاً، بل يسلم عليهم كيفما اتفق، فإن استقبلهم بوجهه، أو استقبل القبلة، أو استدبر القبلة، أو كان عند رأس الميت، أو كان عند رجلي الميت، فالأمر في ذلك واسع، ولم يرد فيه تخصيص ولا تنصيص، فيسلم على أصحاب القبور كيفما اتفق.

    1.   

    شرح حديث: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)

    الحديث الذي بعده (597): حديث عائشة رضي الله عنها: ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا )، واللفظ الآخر لفظ الترمذي عن المغيرة : ( لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء ).

    بالنسبة لحديث عائشة : ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ).

    رواه البخاري في كتاب الجنائز، باب: ما ينهى عن سبّ الأموات، ورواه النسائي أيضاً، وأحمد والبيهقي والحاكم وابن حبان والدارمي .. وغيرهم.

    حكم سبّ الأموات وذمّهم

    وفي الحديث مسألة وهي: النهي عن سب الأموات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في هذا الحديث عن سبهم، والسب معروف.

    ولذلك نقول: إن الحديث عام مطلق، ففيه النهي عن سب الأموات من المسلمين والكفار.. وغيرهم، ويستثنى من ذلك ما إذا كان للكلام فيهم مصلحة، على مثل بيان خطأ أو فساد، أو منكر فعلوه، أو تحذير الناس.. أو ما أشبه ذلك، فهذا قد يقع .

    وبعض أهل العلم أيضاً استثنوا ما إذا كان الإنسان مجاهراً بالذنب والمعصية، واستدلوا بالحديث المتفق عليه أيضاً أنه: ( مر على النبي بجنازة فأثنوا عليها شراً، فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت، وأخرى فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت وجبت، هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض )، فقالوا: هذا دليل على جواز الكلام في الميت.

    ولكن قد يُنفصل عن ذلك: بأن المنهي عنه هو السب، ونحن ننازع أن يكون الكلام الذي يقال أن يكون سباً، فإن الحديث عن الميت مثلاً على سبيل ذكر أعمال محددة قام بها، ونقد مثل هذه الأعمال قد يكون مطلباً، بل قد يكون ضرورة أحياناً.

    وهناك كثير من الموتى قد يكون لهم آثار عظيمة وبصمات كبيرة جداً، مثل كون هذا الميت ربما سنَّ سنة، ربما فتح باباً، وهذه السنة ما انتهت، بل لا زالت قائمة ولا زال الناس يتجادلون فيها ويختلفون عليها ما بين مؤيد ومعارض، وموافق ومخالف، فالأمر فيها لا يتعلق بشخصه وإنما يتعلق بسيرة الأمة كلها في سياستها.. في اقتصادها.. في دينها.. في عقيدتها.. في أخلاقها.. في علمها.. في إعلامها، فهنا يكون النقد غير السب؛ ولهذا جاء في أثر صحيح عن عائشة رضي الله عنها: [ أنها سألت: ماذا فعل فلان لعنه الله؟ ]، وكان فلان هذا جاء برسالة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عائشة فلم تجب عليه عائشة، فكأنه تناولها وسبها، فوجدت عليه في نفسها فقالت يوم من الأيام: [ ما فعل فلان لعنه الله؟ فقالوا: إنه قد مات، فقالت: أستغفر الله أستغفر الله، فقالوا لها: لماذا لعنته ثم استغفرت؟ فذكرت هذا الحديث، وبينت: أنه ربما لو كان حياً لذكرت هذا، أما وقد مات فقد استغفرت الله سبحانه وتعالى من ذلك ].

    فنقول: إن الكف عن الأموات مطلوب كما هو ظاهر هذا الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم علل ذلك بتعليلين:

    التعليل الأول: الذي في حديث عائشة : ( لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا )، أي: إلى ما عملوا، أفضوا يعني: ذهبوا ووصلوا إلى ما عملوا، وكأن هذا التعليل معناه: أنهم عند الله سبحانه وتعالى فهو الذي يحاسبهم، وقد يسبهم الإنسان بشيء والله تعالى يأجرهم عليه، كما أن الناس قد يمدحونهم بشيء والله تعالى يعاقبهم عليه، مثل حديث: ( إنه ليعذب ببكاء أهله عليه )، على أحد الوجوه، والناس يثنون عليه بشيء والله يعذبه على هذا الشيء الذي يثني عليه الناس.

    فالناس أحياناً لا تكون موازينهم دقيقة، وفي كثير من الأحيان نظراتهم قاصرة وشخصية وضعيفة، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، وهذا أمر واضح ومشاهد ومعروف، فقال هنا: ( فإنهم قد أفضوا )، وهذا يدل على أن المقصود كل ميت.

    1.   

    شرح حديث: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء)

    بينما الحديث الثاني حديث المغيرة والذي رواه الترمذي نحوه وقال: ( فتؤذوا الأحياء ).

    الحديث رواه الترمذي في كتاب البر والصلة باب الشتم، ورواه أيضاً: أحمد وابن حبان والطبراني، وسند الحديث جيد وفيه اختلاف.

    تعليل النهي عن سب الأموات

    لكن حديث الترمذي فيه: ( لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء )، وهذه العلة غير العلة السابقة: ( فإنهم قد أفضوا )؛ لأن قوله: ( فتؤذوا الأحياء ) دليل على أن النهي عن سب الأموات المقصد فيه ألا تؤذوا الأحياء، يعني: أولاده وقرابته وأولاد أولاده وعائلته وقبيلته.

    وبناءً على هذا فكأن الأمر يكون منتفياً إذا لم يكن في سب الأموات إيذاء للأحياء؛ لأن الأمر موكول بأمر الأحياء، وهذا يحصل متى؟ يحصل بالتقادم أحياناً، فالآن مثلاً نحن إذا تكلمنا في أموات قريش في الجاهلية الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم لا أحد يتأذى بهذا؛ لأنه لا يوجد من يغضب لهم ولا من ينتصر لهم، ولكن نقول: إن الكلام في مثل أبي لهب وأبي جهل وعتبة وشيبة والنضر بن الحارث .. وأمثالهم من المستهزئين وغيرهم ممن ماتوا على الكفر، أو فيمن كان هذا بابه وهذا شأنه، أن الكلام في مثل هؤلاء ليس سباً، ليس المقصود السب والشتم، وإنما الكلام الذي يكون سائغاً أو جائزاً، بل قد يكون مطلوباً أحياناً، وكل أهل العلم يتواردون عليه هو الكلام في أفعالهم وتشنيعها والتحذير منها وذكرها في سياقها، والله سبحانه وتعالى ذكر أبا لهب في القرآن الكريم وزوجه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، وقد شرحنا هذه السورة وفصلناها.

    1.   

    مراجعة لكتاب الجنائز

    انتهينا والحمد لله من كتاب الجنائز، يبقى عندنا الآن نوع من المراجعة السريعة لهذا الكتاب.

    عدد الأحاديث وعزوها

    أولاً: فيما يتعلق بباب الجنائز: فيه خمسة وستون حديثاً تقريباً، منها ستة عشر حديثاً اتفق البخاري ومسلم على إخراجها، وخمسة أحاديث انفرد بها البخاري .

    واثنا عشر حديثاً عند مسلم، وخمسة وعشرون حديثاً في السنن، وحديث واحد عند البيهقي، وحديثان عند الدارقطني وهما ضعيفان، وحديث واحد عند الطبراني وهو ضعيف أيضاً، وحديثان عند سعيد بن منصور، وحديث عند الشافعي وهو ضعيف جداً، هذا ما يتعلق بعدد الأحاديث.

    أهم المسائل الفقهية الواردة في كتاب الجنائز

    أما ما يتعلق بالمسائل الواردة في الباب فهي كثيرة؛ لكن أهم هذه المسائل:

    مسألة: تقبيل الميت، وفيها: ( أن أبا بكر كشف الغطاء عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وقبَّله ).

    وفيه: المبادرة بقضاء دين الميت، وأن: ( نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه ).

    وفيه: غسل الميت وتكفينه، وأن ذلك واجب .

    وفيه: صفة الكفن وما يلزم فيه، وما كفن فيه النبي صلى الله عليه آله وسلم، والأصل أن الواجب في الكفن هو ما يستر الميت إن تيسر، والسنة أن يكفن الرجل في ثلاثة، وأن تكفن المرأة في خمسة.

    وأيضاً فيه: دفن أكثر من واحد -يعني: اثنين فأكثر- في القبر الواحد عند الحاجة .

    وفيه: حكم المغالاة في الكفن.

    وفيه: غسل أحد الزوجين للآخر، وفيه حديث عائشة رضي الله عنها.

    وفيه: الصلاة على المقتول في الحد، كما في قصة ماعز والغامدية .

    وفيه: الصلاة على قاتل نفسه، ما هو حكم الصلاة على قاتل نفسه؟

    نقول: إن الأصل هو الصلاة عليه، لكن فيما يتعلق بالإمام إن كان في تركه الصلاة عليه مصلحة تركها .

    أيضاً: الصلاة على القبر بعد دفن الميت، وفيه حديث: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي كانت تقم على المسجد .

    فيه: حكم النعي، ما حكم النعي؟

    جائز إذا اقتصر على الإخبار بوفاة الميت، والدليل على جواز النعي نعي النجاشي .

    حكم الصلاة على الغائب، ذكرنا القول المختار في صلاة الغائب، وهو أن الصلاة على الغائب سنة إذ لم يصل عليه في بلده الذي مات فيه، هذا صحيح.

    أيضاً فيه: فضل كثرة المصلين على الميت؛ أن يكونوا مائة أو أربعين أو ثلاثة صفوف.

    أين يقوم الإمام من الميت؟ وهذه ذكرنا فيها أقوالاً، وفيها قصة المرأة التي ماتت في نفاسها فقام النبي صلى الله عليه وسلم وسطها.

    فيه: حكم صلاة الجنازة في المسجد، وهذا فيه حديث عائشة وأيضاً حديث النجاشي .

    عدد تكبيرات الجنازة، وقد ذكرنا فيها أقوال، أقل ما قيل في صلاة الجنازة تكبيرات ثلاث، واستقر الأمر على أربع، وجمع عمر الناس على ذلك، وقيل: إلى سبع وإلى تسع، ونقول: السنة الاقتصار على أربع .

    فيه: حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، حكم قراءة الفاتحة، والدليل على مشروعيتها من حديث ابن عباس .

    أيضاً: حكم الدعاء للميت، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة.

    حكم الإسراع بالجنازة، وقلنا: الإسراع المطلوب: ( أسرعوا بالجنازة, فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه, وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه )، المقصود بالإسراع هو المشي السريع الذي لا يكون فيه مشقة.

    أيضاً: أين يكون المشي؟ أتباع الجنازة هل يكونون أمامها أو خلفها؟ فيه أقوال، والخلاصة القول المختار:

    الراكب خلفها، والماشي حيث شاء، أمامها وعن يمينها وشمالها ووراءها.

    حكم اتباع النساء للجنائز، فيه حديث أم عطية، وهو ( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا )، وذكرنا فيها الأقوال بالتفصيل.

    أيضاً: حكم القيام للجنازة، وفيه حديث: ( أن النبي عليه السلام رأى جنازة فقام )، وحديث علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ثم قعد )، وذكرنا فيها أقوال، والقول الذي اخترناه في القيام للجنازة أنه باق لم ينسخ.

    أيضاً فيه: مسألة إدخال الميت، وكيف يمكن إدخال الميت في القبر، وفيه أقوال: هل يدخل من قبل رجلي القبر أم من قبل القبلة؟ وقلنا القول المختار هو من قبل رجلي القبر.

    طيب فيما يتعلق بإدخال النبي صلى الله عليه وسلم لقبره، قيل عند بعض الحنفية: أن النبي عليه السلام أدخل قبره من جهة القبلة، كيف نرد على هذا القول؟

    نقول: إن هذا متعذر؛ لأن جدار الحجرة كان إلى جهة القبلة والقبر تحته، يعني: ليس بين القبر وجدار الحجرة مكان يمكن أن ينزل منه القبر.

    وفيه: حكم إيذاء الميت، سواء بكسر عظمه أو بغير ذلك، ذكرناه.

    أيضاً: اللحد والشق، بينا من هو الذي قال: [ ألحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً ] وأنه سعد بن أبي وقاص، وهذا أصح ما ورد في المسألة، وهو دليل على استحباب اللحد، وهو الذي اختاره الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام .

    من المسائل: حكم البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها، وقد ذكرنا أحكام هذه المسائل، حكم البناء ذكرناه، وحكم التجصيص -وضع الجص- حكم الكتابة، ماذا قلنا في زيادة: (ولا تكتبوا عليه

    طيب؛ حكم الحثيات، بعض أهل العلم ذكر ثلاث حثيات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( حثا على القبر ثلاث حثيات )، فما حكم الحثيات في القبر؟

    نقول: يشرع دفن الميت وأن يحثا عليه لكن دون تحديد، يعني: علي رضي الله عنه الإمام أحمد احتج بأنه: [ حثا على قبر ابن المكفف ]، هذا أصح ما ورد في الحثي، ولكن نقول: حديث علي ليس فيه أنه ثلاث، أما ما يعتقده الناس من أن المشروع ثلاث حثيات؛ هذا ليس له دليل يثبت.

    ومنها: حكم زيارة النساء للمقابر.

    ومنها: حكم النياحة، هل الميت يعذب بالنياحة وبكاء أهله عليه؟ هذا ذكرناه أمس وأجبنا فيه بأجوبة على حديث: ( أن الميت يعذب ) حديث عمر وغيره أجبنا بأجوبة ما هذه الأجوبة؟

    الجواب الأول: أن نقول: عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك وقالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن يهودي مات ويقول: إنه ليعذب وإنهم ليبكون عليه )، والتبس الأمر على الراوي.

    الثاني: يبكي أي: يتألم، يعني: ( إنه ليعذب ) يعني: يتألم، بمعنى: أنه يسمع بكاءهم وهو في قبره أو يعلم، فيتألم لما يصيبهم من الحزن.

    الثالث: إذا كان من عادتهم النياحة ولم يوص أو ينههم عن ذلك.

    الرابع: أنهم قد يمدحونه بسبب من الأسباب التي يعذب بها، وهم يبكون عليه ويقولون: إنه شجاع، وهو يعذب ربما بهذه الشجاعة التي ربما قتل بها الأبرياء وجندل بها الصالحين، هذه أهم الإجابات.

    فيه أيضاً: البكاء على الميت، والدفن ليلاً، صنع الطعام لأهل الميت، النهي عن سب الأموات.

    1.   

    الأسئلة

    نزول أبي طلحة في دفن أم كلثوم

    السؤال: أبو طلحة هو من نزل في قبر أم كلثوم.

    الجواب: نعم، هذا وهم، أحياناً الإنسان يسهو، والذي نزل في قبر أم كلثوم أبو طلحة وليس أبا قتادة .

    بكاء النبي على سعد بن معاذ

    السؤال: ذكرت: أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على سعد بن عبادة ؟

    الجواب: سعد بن معاذ، أيضاً هذا وهم مني، سعد بن معاذ أما سعد بن عبادة فإنه مات بعد كما هو معروف، وقيل: إنه قتلته الجن، وكانوا يقولون:

    قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطي فؤاده

    استحباب التسليم على الأموات في المقبرة

    السؤال: هل يسلِّم الإنسان إذا كان في الطريق ومر على مقبرة؟

    الجواب: نعم إذا مر على مقبرة وسلَّم عليهم فهذا من السنة.

    حكم تسليم المرأة على الأموات

    السؤال: وهل تسلم المرأة؟

    الجواب: نعم تسلم.

    السؤال: يقول: لماذا تكرار: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3-4]؟ ولماذا عاقب الله أصحاب الفيل ولم يعاقب الله تعالى الحجاج ولا ذا السويقتين ؟

    الجواب: ابحثوا عنها الليلة، وإذا لم تجدوها أجيبكم إن شاء الله.

    حكم العزومة على العشاء بعد دفن الميت

    السؤال: بعض الناس إذا مات له ميت عزموا الناس بعد الدفن عند المقبرة، وقالوا: العشاء الليلة عندنا؟

    الجواب: هذا لا يشرع، لا أصل له.

    حكم دفن الميت ليلاً

    السؤال: دفن المرأة التي تقم المسجد دليل على جواز الدفن ليلاً؟

    الجواب: أي نعم.

    السؤال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدفن ليلاً من أجل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم عليه؟

    الجواب: قد يكون لمثل هذا الغرض وما شابهه، يعني: ليس نهياً عن الدفن ليلاً وإنما النهي عن تعمد الدفن بالليل.

    مدة العزاء

    السؤال: هل العزاء فقط ثلاثة أيام ثم ينتهي؟

    الجواب: لا، الصواب: أن العزاء لا يتحدد بثلاثة أيام، وإن كان كثير من الفقهاء حدوه بثلاثة أيام، لكن نقول: العزاء بقدر الحاجة، فلو استمر الحزن يعزون بعد ذلك.

    حكم شد الرحل لزيارة القبر النبوي

    السؤال: كيف نستدل بحديث شد الرحل لعدم جواز السفر لزيارة القبر النبوي ونحن لا نريد التعبد بالبقعة؟

    الجواب: والله هذا إشكال.

    الإشارة بالسلام على القبر

    السؤال: هل يؤشر بيده عند السلام على القبر؟

    الجواب: لا.

    كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أذكار الصباح

    السؤال: هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول أذكار الصباح متواصلة أم متفرقة؟

    الجواب: الله أعلم.

    حكم الجلوس أثناء الدفن

    السؤال: الجلوس أثناء الدفن هل هو جائز أم سنة، وأيهما أرجح؟

    الجواب: لا، الأمر واسع.

    معنى بلوغ المرام

    السؤال: ما معنى بلوغ المرام؟ وما الفرق بين بلوغ المرام وعمدة الأحكام ورياض الصالحين؟ أليست هذه الكتب متخصصة في الحديث، أفيدونا مأجورين؟

    الجواب: بلوغ المرام، يعني: أن الإنسان يبلغ ما يروم:

    إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم

    فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

    هذا يقوله المتنبي .

    فالمرام يعني: المقصد، الإنسان يروم الشيء يعني: يقصده، وبلوغ المرام يعني: بلوغ المقصد، وهو كتاب في أحاديث الأحكام، من أفضل كتب أحاديث الأحكام.

    أما الفرق بينه وبين عمدة الأحكام : فـعمدة الأحكام أحاديث من الصحيحين فقط، أما بلوغ المرام فهو من كتب السنة كلها.

    ورياض الصالحين : رياض الصالحين يختلف أنه في الآداب والأخلاق والتزكية وليس في الأحكام، بينما بلوغ المرام في كل شيء، وأنه في الأخير: كتاب جامع يتعلق بالآداب وغيرها.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.