إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض - مقدمة

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض - مقدمةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سمي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق أصحابه أي يكشف عنها، ولأن في السفر جهداً ومشقة غالباً فقد جعل الشارع بسببه جملة رخص منها جواز الجمع والقصر والإفطار ومسح الخفين ثلاث ليال، والرخص تطلق على الأحكام المشروعة على خلاف الأصل، كما تطلق على ترخصات بعض الفقهاء، وقد بين العلماء أحكام وآداب السفر التي ينبغي على المسافر الالتزام بها.

    1.   

    مقدمة تتعلق بالسفر وأحكامه

    هذا الباب الذي هو صلاة المسافر والمريض تقريباً أعتقد أن فيه حوالي ستة عشر حديثاً، لكن نقدم الآن بمقدمة فيما يتعلق بموضوع السفر وأحكامه.. وما أشبه ذلك.

    تعريف السفر

    السفر من حيث التعريف: مأخوذ من الإسفار، أو من السفر، والمقصود به مفارقة الإقامة، فالسفر ضد الإقامة، وهو من الألفاظ أو العبارات التي جاء لها استخدام واستعمال شرعي من غير أن يتم تحديدها، ولذلك ذهب عدد من المحققين من أهل العلم، كـابن تيمية رحمه الله وابن القيم وأتباعهما وتلاميذهما إلى أن مثل هذه الألفاظ، كلفظ السفر يطلق على ما اعتمده الناس في عرفهم، مما يعد سفراً، بخلاف ما ذهب إليه الجمهور من تحديد السفر بمدة معينة، أو بمسافة معينة، فإن كثيراً من الفقهاء أو أكثرهم يحددون السفر بمسافة, والجمهور قد يعدونها حوالي أربعة وثمانين كيلو متر تقريباً، ويحددونه بمدة أيضاً ما بين ثلاثة إلى أربعة أيام.

    بينما الإطلاق الشرعي في لفظ السفر -وهو قوي- يدل على أن الأحداث التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم، ودلت على تحديد المدة مثلاً أو تحديد المسافة أنها أمور اتفاقية, ليست أموراً تعبدية يجب الوقوف عندها، فكل ما سمي سفراً في لغة الناس وعرفهم، فإن الأحكام والرخص الشرعية تجري عليه. هذه نقطة.

    الحكمة من تخصيص المسافر بالرخص

    النقطة الثانية: ما يتعلق بالحكمة من تخصيص المسافر بالرخص؛ وذلك لأن الله تعالى جعل للمسافر عدداً من الرخص مثل: القصر في الصلاة، قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين.

    - الفطر في رمضان، فإن له الفطر على تفصيل فقهي طويل.

    - كذلك له الجمع, أن يجمع الظهر مع العصر, وأن يجمع المغرب مع العشاء.

    - أيضاً من رخص السفر: زيادة مدة المسح، فإنه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها.

    - وأيضاً سقوط السنن الرواتب عنه، ولا تسقط عنه السنن المطلقة، كصلاة الضحى, فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى في بيت أم هانئ وهو بمكة، وكذلك قيام الليل، وغيره بين الأذان والإقامة، وإنما الذي يسقط عنه هي السنن الرواتب التي عليها تأكيد، وهي ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر.. وإلى غير ذلك من الرخص المتعلقة بالسفر.

    فنقول: إن هذه الرخص علقها الله سبحانه وتعالى -أو عامتها- بالسفر, والمقيم لا يتمتع بهذه الرخص، حتى لو وجد عنده مشقة، دعك الاستثناءات, مثل الجمع له أحكام خاصة في المطر, في الحاجة, لكن المقصود الآن الرخص المخصصة للسفر.

    نقول: الحكم والسبب والله تعالى أعلم؛ لأن الشرع عادة ما يعلق الرخص بأسباب واضحة منضبطة، مثل السفر أو الإقامة، لكن لو علق مثل هذا الأمر على المشقة، ربما توسع الناس في ذلك وأفرطوا, فمثلاً: الصوم, كوننا نقول: المسافر له أن يفطر، هذا وصف في الجملة منضبط، وإن اختلف الفقهاء في السفر ومقداره وما يتعلق به، لكن في الجملة السفر منضبط، إنما لو قلنا: يحق لكل من لحقه مشقة بالصوم أن يفطر، لأوشك الناس كلهم أن يفطروا، وهذا طالب مثلاً عنده اختبارات وسهران ومرهق ومتعب، يقول: أفطر وأصوم بعد ذلك.

    وهذا عامل مثلاً يذهب مبكراً إلى عمله في الصباح، ويعمل وربما يلحقه مشقة في العمل، فيقول: أفطر وأصوم وقتاً آخر، وقت الإجازة مثلاً، أو ناس يتعبهم الصوم في الحر، فيقولون: يشق عليهم الصوم, فيفطرون ويصومون في وقت البرد، فالناس لو فتح لهم باب الترخص بهذه الرخص في الإقامة، لأوشك أن يقع كثير منهم في التفريط، وتضييع الفرائض بهذه الحجج؛ لذلك جعل الله تعالى التمتع بهذه الرخص مضبوطاً، فيمن له صفة المسافر، حتى لو لم يلحقه مشقة، والعبرة غالباً بما يقع لعامة الناس، حتى لو سافر بطائرة مثلاً، أو بسيارة مكيفة، أو سفر مرفه، نقول له: أن يتمتع برخص السفر، ولو أقام ولحقته مشقة، فنقول: ليس له أن يتمتع بتلك الرخص الخاصة بالمسافر.

    أما الرخص التي يشترك فيها مع المسافر غيره، فهذا باب آخر، مثل موضوع الجمع بين الصلاتين، هل الجمع بين الصلاتين خاص بالسفر؟ لا, وإنما الجمع بين الصلاتين مربوط بالحاجة, فإذا وجدت حاجة للجمع جمع، مثل ماذا الحاجة؟

    المرأة المستحاضة النبي صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تجمع الظهر مع العصر، وأن تجمع المغرب مع العشاء، وهكذا نقول: المريض يجمع بين الصلاتين إذا احتاج إلى الجمع، وأيضاً المطر، ومثل المطر: الريح الشديدة، والمشقة التي تلحقهم بالتنقل إلى المسجد بشدة البرد مثلاً.

    ولهذا ابن عباس رضي الله عنه كما في صحيح مسلم قال: ( جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، قالوا: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ).

    فنقول: مثل هذه الرخصة بالجمع هي متعلقة بالحاجة، ولذلك الفقهاء توسعوا فيها, مثل الإنسان الذي تكون هناك مشقة عليه، أو يخشى فوات مصلحة، أو يخشى سرقة متاعه، أو يكون قائماً على شيء, مثل رجال الأمن -مثلاً- الذين يضبطون الأمور، ويحتاجون إلى أن يبقوا في أماكنهم، فيحتاجون إلى الجمع, فالأمر في ذلك كله واسع، والأصل أن السلف يقولون: إن الأوقات ثلاثة، الأوقات الأصلية للصلاة ثلاثة:

    الأول: وقت الظهر والعصر, أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78].

    الثاني: وقت المغرب والعشاء, إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78].

    الثالث: وقت الفجر, وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    أنواع الرخص

    الفقرة الثالثة في موضوع مقدمات ما يتعلق بالسفر:

    أيضاً تتعلق بموضوع: معنى الرخص، فإن كلمة الرخصة تطلق على شيئين:

    الأمر الأول: الرخص الثابتة بالكتاب والسنة، وهذه مثل الرخص التي تحدثنا عنها، رخص السفر، ورخص الحاجة، ورخص المشقة، ورخص المرض، هذه تسمى في لغة الشارع: رخصاً.

    والدليل على ذلك: ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته ).

    ( عليكم برخصة الله التي رخصها لكم ).

    وفي شأن القصر أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قالوا: ( كيف وقد أمن الناس، قال صلى الله عليه وسلم: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). إذاً: هي صدقة من الله أو رخصة من الله في لسان الشارع.

    هذا هو النوع الأول من الرخص.

    النوع الثاني من الرخص: هي أقوال العلماء التي يكون فيها ترخيص أو تسهيل، فيلجأ إليها البعض، ومن هنا يأتي مثلاً الكلام الذي يقوله بعض العلماء: (من تتبع رخص العلماء فقد تزندق)، فالمقصود بمثل هذا القول، وقد ورد: أن المعتضد العباسي رفع إليه رجل كتاباً، جمع فيه رخص الفقهاء ورخص العلماء، وأعطاه له, فعرضه المعتضد على بعض الفقهاء وبعض القضاة، فقال له القاضي: إن هذا كتاب زندقة. قال له: طيب الأقوال التي فيه أليست صحيحة نسبتها إلى العلماء؟ قال: بلى, ولكن الذي يقول بهذا القول لا يقول بغيره.

    أهل المدينة مثلاً نقل عنهم الترخص في السماع, يعني: الغناء, مشهور عند فقهاء المدينة أنهم يتسامحون في الغناء، وليس كغناء قينات هذا الزمان ومشاهده وصوره البشعة، التي لا يشك أحد في تحريمها، وإنما كانوا يتسامحون في الغناء المعروف عندهم.

    وأهل مكة نقل عنهم الترخص في المتعة، وأهل العراق أهل الكوفة بالذات نقل عنهم الترخص في النبيذ، وليس الخمر المسكر.

    فهذا قول لهذا العالم، وهذا قول لهذا، وهذا قول لهذا، فأنت تأتي إلى العلماء وتأخذ من كل عالم ما ترخص فيه، أو ما قد يكون زل به, فيجتمع فيك الشر كله، كما قال بعض السلف: (لو أنك أخذت برخص العلماء لاجتمع فيك الشر كله).

    وهنا ينبغي أن نشير إلى أن هذا اللون من الأخذ الذي يقع فيه كثير من الناس، أنهم يتتبعون ما يعتبر زلات أو سقطات للعلماء، فهذا يسمى أحياناً تتبعاً للرخص، ولكنها رخص لبعض الفقهاء, وليست هي الرخص الشرعية.

    وبمثل هذه الأشياء نقول: إن المطلوب من الإنسان هو اتباع الدليل، وليس اتباع الرخصة، وبالمقابل أيضاً ترى بعض الناس على ضد ذلك، يتتبعون تشديدات العلماء، ويتمسكون بها، ويعتبرون هذا من التدين، وهذا أيضاً هو طرف آخر من التطرف, تتبع رخص العلماء, يعني: كما نقل عن الإمام أحمد نقل عنه أنه قال: (لو أخذت برخص أهل مكة والمدينة والكوفة لكنت فاسقاً) كيف؟ يعني: إنسان اجتمع - مثلاً- وجلس على مكان شرب النبيذ، والغناء يعزف، وهو يتمتع بامرأة, يعني: نكاح متعة مثلاً، هذه الأشياء الثلاث اجتمعت هنا تجد أن المجلس مجلس فسق.

    ولو أننا أردنا أن نضرب أمثلة، لكني أتهيب أن أذكر أمثلة مما ترخص فيها بعض علمائنا وفقهائنا المعاصرين.

    وكيف تتخيل إنساناً مثلاً صائماً في رمضان، وهو يدخن السيجارة بيده، وأيضاً يمارس العادة السرية، كيف تتصور أن هذا صائم؟! يعني: ما تقبل هذه بالعقل, وليست مقبولة, هذا يدلك على بشاعة تتبع زلات بعض العلماء، وأنها أيضاً إذا اجتمعت في الإنسان كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (إذا أخذت برخصة السماع والنبيذ والمتعة كنت فاسقاً) يعني: مظهراً من مظاهر الفسق.

    إذاً: تتبع رخص الفقهاء مذموم.

    وأيضاً تتبع تشديدات الفقهاء مذموم، وقد نشأ عندنا فئة من الطائفة الأولى، ونشأ عندنا فئة من الطائفة الثانية، تتمتع بالتشديدات, حتى إني أجد بعض الشباب في مواقع إنترنت، وفي مجالسهم من يلاحقون العلماء بأقوال صحيحة أصابوا فيها، ولكنها لا تتناسب مع ذوق هؤلاء الشباب، ومع شدة غيرتهم التي لم يكن معها قدر من الفهم والعلم.

    فأقرأ مثلاً في الإنترنت في الأسبوع الماضي واحد يقول: يا شيخ ابن منيع ! كف عن الفتوى، أرجوك لا تفتي، يقول: اترك الفتوى, فدخلت ونظرت في هذه المسألة التي أفتى بها الشيخ ابن منيع، وأثارت سخط الأخ، فأجد أن الشيخ ابن باز يوافق ابن منيع على هذه المسألة، وهي مسألة ذهاب المرأة إذا كانت في جو آمن مع السائق داخل البلد، دون أن يكون معها محرم، وهذا قول قوي؛ لأن المحرم في الشرع مقيد بالسفر, لكن الأخ لم يرق له هذا القول, ومن حقه ألا يقبله، لكن ليس من حقه أن يجعل لنفسه وصاية على العلماء، فإذا لم يوافقوا مزاجه، والذي قد يكون فيه نوع من القسوة والغلظة، فإنه لا يكتفي بأن يناقشهم بلغة علمية, وإنما يحاول أن يمنعهم عن الفتوى. بينما نجد عمر الفاروق رضي الله عنه, ومن هو في مثل قوة وشدة عمر الفاروق في الحق، ومع ذلك لما اختلف مع عمار في مسألة التيمم للجنب، ونقل عمار قصة عمر كان طرفاً فيها، وعمر يقول: وأنا ما أذكر، قال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أحدث بهذا، وعمر خليفة، وهو أقوى وأشد مني ومنك في الحق، ومع ذلك هل قال له: لا تحدث بهذا، كف عن هذا، اترك الفتوى؟ ومن حقه أن يقول هذا؛ لأنه أمير، قال: بل نوليك ما توليت، شيء أنت مقتنع به، تدين به بينك وبين الله تفتي به.

    فنحتاج في مجتمعنا إلى ضابط, وهذا إن شاء الله سيكون موضوع حديث الأسبوع القادم، في برنامج أول إثنين، حول ( الفتوى بين التسيب والانضباط).

    آداب السفر

    النقطة الرابعة والأخيرة في موضوع السفر: ما يتعلق بآداب السفر، والعلماء تكلموا في آداب السفر، ومن ذلك أن الإمام النووي رحمه الله ذكر في كتاب المجموع أكثر من ستين أدباً من آداب السفر، كثير منها صحيح, وعليه أدلة, وبعضها قد يكون اجتهاداً, وبعضها قد لا يكون له أصل؛ وذلك لأن الحاجة تمس إلى مثل هذه الآداب؛ فإن كثيراً من الناس اليوم، بل كل الناس قد امتحنوا بالسفر بعد تيسر الأسباب من خلال الطائرات, من خلال السيارات, ومن خلال القطارات، ومن خلال وجود الخدمات والتسهيلات المختلفة، فتجد الناس ينتقلون, منهم من يسافر للتجارة، ومنهم من يسافر لطلب العلم، ومنهم من يسافر للسياحة.. إلى غير ذلك من الأشياء التي يتوجه الناس بالسفر إليها.

    هناك آداب لفظية إن صح التعبير في السفر, مثل: دعاء الركوب، دعاء ركوب الدابة، وأيضاً دعاء السفر الثابت في السنن, بل وفي صحيح مسلم، وأيضاً دعاء الرجوع من السفر، وهذه أشياء معروفة لا بأس أن نستذكرها.

    بالنسبة لدعاء ركوب الدابة فهو: ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ).

    دعاء السفر:

    ( بسم الله, الله أكبر, اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ) .. إلى آخر الدعاء المعروف.

    طيب, دعاء الرجوع من السفر: نفس الأدعية السابقة, وزاد أيضاً: ( آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ).

    أيضاً من آداب السفر التكبير إذا صعد، والتسبيح إذا هبط، وهذا أيضاً ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي موسى .. وغيره.

    من آداب السفر الرفقة الصالحة، وهذا مهم جداً، فإن السفر كما يقولون: إنما سمي سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وكثير من الناس كان السفر هو بداية استقامتهم، وأنا أعرف عدداً كبيراً من الشباب الصلحاء، كان التزامهم وسلوكهم الطريق المستقيم بواسطة رحلة أو سفر، صحبوا فيه أخياراً إلى حج، أو عمرة، أو حتى إلى سفر مباح، لكنه كان منظماً ومبرمجاً.

    كما أعرف كثيرين من الشباب كان انحرافهم بسبب سفرهم، خصوصاً إذا كان سفراً للخارج، وصحبة أشرار، فإن المسافر يعز عليه أن يخالف رفاقه، فإذا ذهبوا إلى مكان وانخنس وتأخر عنهم، فإنه يشعر بالازدراء والاحتقار، ولذلك في الغالب أنه يوافقهم، ولو كان كارهاً أول الأمر، ثم يندمج معهم ويعتاد عاداتهم.

    أيضاً خدمة الرفقة، وقد كان عبد الله بن المبارك رضي الله عنه يشترط هذا على من يصحبه ولو كانوا ثلاثة أو أكثر، بل حتى لو كانوا أقل من ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، وهذا ثبت في أحاديث كثيرة، والمقصود بالتأمير هنا تأميراً مقيداً, وليس مطلقاً، فليس له إمارة عليهم إلا فيما يتعلق بأحكام السفر، أين ننزل, ومتى ننزل, وما يتعلق بإجراءات السفر ونظام السفر؛ لئلا يقع بينهم الاختلاف.

    أيضاً ( الراكب شيطان, والراكبان شيطانان, والثلاثة ركب ). وهذا مشهور, والحديث فيه صحيح، وبعض أهل العلم قيدوا ذلك بما إذا كان الطريق مخوفاً، وهذا في نظري جيد، بمعنى أنه مثل الطرق السالكة الآن الطرق السريعة التي تمتلئ بالمسافرين، حتى لو كان الإنسان بسيارته فهو ليس وحده، أمامه سيارات وخلفه سيارات، فلا يعد وحده, وهذا تقييد قيده به بعض المعاصرين، كالشيخ الألباني , وهو تقييد جيد.

    والآن الآداب:

    البدء بالمسجد في الرجوع من السفر، إذا رجع إلى بلده أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قصة كعب بن مالك .. وغيره، وهذه من السنن عند بعض الفقهاء.

    أيضاً: ألا يأتي أهله ليلاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ( نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً، يتخونهم ). ما معنى (يتخونهم)؟ يعني: يبحث عن غدرتهم، أو يريد أن يقبض على زوجته بالجرم المشهود؛ لأنه يظن أن يكون عندها أحد, هذا من جهة.

    وأيضاً نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لغرض آخر, ألا يأتي أهله ليلاً، حتى تستعد المرأة لزوجها، تتزين وتتطيب، وتمشط شعرها، وتلبس الملابس، وتنظف البيت، وتتهيأ لاستقبال الزوج.

    وبناءً على هذه الأغراض التي ذكرناها نقول: لا بأس أن يأتي الرجل اليوم أهله ليلاً، بحيث يتصل عليهم تلفونياً، أو يرسل رسالة.. أو ما أشبه ذلك، مما يشعر المرأة بأن الرجل قد قارب الوصول؛ لأنه في هذه الحالة ينتفي موضوع أن يكون يتخونهم، أو يبحث عن خيانتها، وأيضاً المرأة يكون بإمكانها أن تستعد لزوجها، فهذه من الأحكام المعللة التي إذا زالت علتها زال الحكم.

    أيضاً: الدعاء إذا دخل بلداً أو مدينة: (يسأل الله تعالى خيرها وخير أهلها، ويعوذ بالله من شرها وشر أهلها).

    أيضاً: إذا نزل منزلاً يقول: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه إن قال ذلك لم يضره شيء ).

    ألا يسافر يوم الجمعة، وهذا يمكن أن يقال: إنه مكروه، وإن كان بعد زوال الشمس فيكون محرماً لفوات الجمعة، لكن عند بعض الفقهاء، يمكن نقول: إذا كان الإنسان سيصلي الجمعة في مكان آخر فلا كراهية حينئذ؛ لأن المقصود ألا تفوته صلاة الجمعة، أما لو كان سيسافر ويدرك الصلاة في بلد آخر، فليس عليه في ذلك إن شاء الله حرج.

    من آدابه أيضاً:

    الأخذ برخص السفر كما قلنا في القصر، وسيأتينا حديث: ( فرضت الصلاة ركعتين, فأتمت صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى ).. وغير ذلك من الرخص، وقد سبق معنا بحث: أيهما أولى للمسافر الفطر أم الصوم في رمضان؟

    والخلاصة في هذا المبحث أننا نقول: إن كان فيه مشقة فالفطر أولى, ولو كانت مشقة يسيرة، وإن لم تكن فيه مشقة فنقول: هما مستويان, أو الصوم أولى، أما الصوم أولى فلأنه أسرع في إبراء الذمة، وأما استواؤهما فلأنه ورد نصوص كثيرة جداً في مشروعية الفطر, حتى ورد: ( أولئك العصاة, أولئك العصاة ), لمن لم يفطروا, وورد حديث آخر: ( ذهب المفطرون اليوم بالأجر ).. إلى غير ذلك.

    أيضاً البكور في السفر: ( بورك لأمتي في بكورها ) ويتبع هذا كراهية السفر أول الليل, والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عليكم بالدلجة ). وهذا هو الصحيح الثابت: ( عليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى بالليل ).

    أيضاً السفر يوم الخميس إن صح، وبعضهم قال: الإثنين أيضاً إن صح.

    أيضاً: مراعاة الأخلاق, أخلاق السفر, فإن السفر غالباً يكون مصحوباً ببعض التعب؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه, فإذا قضى أحدكم مهمته فليعجل إلى أهله ). ولهذا ينبغي أن يتسلح المسافر بالصبر، يعني: ممكن السيارة يقع لها مثلاً خلل في الإطار، ممكن يتوقف، بعض الناس الذين يغفلون عن المؤشرات مثلي, لا أكاد أسافر إلا يتوقف عندي البنزين، فضحك علي بعض الإخوة يوماً وقال: أهم شيء الزيت انتبه له، وإلا البنزين يمكن تعويضه، فيعني: يراعي الإنسان الحرص على أخلاق السفر، خصوصاً إذا كان مع مجموعة من الناس، أيضاً يحتاج إلى ملاينتهم ومحاسنتهم.

    أيضاً من آداب السفر:

    عدم التفرق، فتقاربهم واجتماعهم هذا من السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم كما في السنن لما تفرقوا: ( إنما تفرقكم هذا إنما هو من الشيطان، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجتمعون، حتى إنه لو وضع عليهم بساط لوسعهم ). ونقول: هذا ليس على سبيل الوجوب؛ لأنه ورد في مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نام تحت ظل شجرة في قصة لما جاءه الأعرابي، وشهر السلاح عليه، وقال له: من يمنعك مني يا محمد! ). ولا بأس أن يفارق الإنسان أصحابه، إذا كان يريد أن يرتاح مثلاً وينام، ويدع لهم فرصة لأن يتحدثوا، أو لغرض من الأغراض، كقضاء الحاجة.. وغير ذلك.

    أيضاً: سرعة الرجوع, وهذا نأخذه من حديث: ( فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله ). فإذا قضى الإنسان غرضه من السفر، فإنه يسرع بالرجوع.

    أما التخفف من حمل المتاع، يعني: هذا من الأشياء التي تعتمد بحسب الحال، ويمكن أن يكون الإنسان مسافراً بالسيارة وهو لوحده, وعنده خدم وحشم وأعوان.. إلى غير ذلك.

    أنواع السفر

    لابد أن يسافر الإنسان للمقاصد المحمودة، التي فيها مصالح للدين أو مصالح للدنيا، ويتجنب الإنسان المقاصد المذمومة المحرمة، كمن يسافر -والعياذ بالله- لشرب الخمر, أو يسافر للزنا، أو يسافر للفجور، أو يسافر للعمالة لقوى أجنبية، أو لأجهزة أمنية خارجية، أو لنصرة الكفار على المسلمين.. أو لغير ذلك من المقاصد المحرمة، حتى إن من الفقهاء كالأحناف وغيرهم من قالوا: إن السفر المحرم لا يترخص فيه برخص السفر؛ لأنه عاص منذ خرج إلى أن يعود إلى أهله, وقد لا يعود.

    ولذلك على الإنسان أن يتجنب مثل هذه الأسفار, ويعتني بالأسفار التي فيها فائدة, كسفر الحج، وسفر العمرة، وسفر الطاعة، وسفر العلم، وأيضاً الأسفار التي فيها خدمة للمسلمين، كسفر المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم المسلمين ومساعدتهم.

    سفر الدعوة من أعظم الأسفار التي ينبغي العناية بها، وهذا يفيد الإنسان للاطلاع على أحوال المجتمعات والبيئات وتقاليدهم، وطباعهم وتاريخهم، ولهذا العلماء يثنون على السفر؛ لما فيه من الفوائد العظيمة، والشافعي رحمه الله له أبيات مشهورة في الثناء على السفر:

    تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

    تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد

    الشافعي رحمه الله ذكر خمسة، وذكر في أبيات أخرى له أيضاً مجموعة أخرى من الفوائد, يقول الشافعي أو غيره:

    سافر تجد عوضاً عمن تفارقه واجهد فإن لذيذ العيش في النصب

    إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سار طاب وإن لم يجر لم يطب

    السفر مهم جداً، ولذلك من تجربتي لاحظت أن كثيراً من الناس الذين لم يسافروا، يبتلون بنوع من الضيق؛ لأن الواحد منهم لم يتعامل إلا مع بيئة خاصة وأشخاص معينين وجو خاص، فهو لا يعرف غيرهم، والإنسان إذا لم يعرف الأشياء الأخرى لا يستطع أن يقارن، ولهذا من عرف أقوال الفقهاء كان أوسع أفقاً وأقدر على الفهم وعلى التصور، بخلاف من عرف قول مذهب واحد، وهكذا من عايش أناساً من جنسيات مختلفة وقبائل مختلفة ومناطق مختلفة وعرف عاداتهم, وانتقل ودخل هذا البلد, وحتى رأى الآثار وقرأ التاريخ, وفي ذلك عبر وفوائد كثيرة، ولذلك الإنسان يسافر ويسافر بعقله وروحه وجسده أيضاً، فيستفيد من ذلك فوائد عظيمة جداً، ولذلك السفر كتاب مفتوح، يستفيد الإنسان منه فوائد كبيرة.

    وهناك لون ثالث من السفر. إذاً: هناك السفر المذموم المحرم، أو المكروه، وهناك السفر المحمود, كما ذكرنا, وهناك اللون الثالث من السفر: وهو المباح، مثل: السفر للسياحة، يسافر الإنسان بنفسه, ويسافر بزوجته؛ يجدد الحياة، ويسافر بأولاده, يكسر روتين الحياة الممل، وهذا مهم جداً أن يجعل الإنسان لنفسه وقتاً في الإجازة أو في غيرها، يسافر بزوجه ويسافر بأولاده ويسافر مع أصدقائه، حتى لو كان سفراً مباحاً كما ذكرنا.

    وأما السفر لبلاد الكفر فهو ينطبق عليه هذا الكلام، فإن كان سفره مثلاً إلى علم أو دعوة أو علاج فهو جائز، وإن كان سفراً لأغراض سيئة فهو محرم، وإن كان سفراً لمباح فنحن نقول: الأولى تركه؛ لأنه أولاً: هذا المباح لا يخلو مما يشوبه من المناظر والأحوال، وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الواجبات الشرعية، وتجنب المحرمات، وفي الغالب ولله الحمد أن في بلاد الإسلام ما يكفي، فالذين يتحدثون مثلاً عن المناظر وجمال الطبيعة والآثار، يجدونها في بلاد الإسلام, ما لا يحتاجون معه إلى غيرها.