إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع - حديث 387-390

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع - حديث 387-390للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما شرع في صلاة سنة الفجر التخفيف فيها وقراءة سورتي الكافرون والصمد وتصلى في البيت بعد دخول الوقت ولا يتنفل بعدها، وأما الاضطجاع بعد ركعتي الفجر فقد اختلف العلماء في وجوبها واستحبابها وإباحتها والأقوال وأدلة أصحابها مبثوثة في هذه المادة.

    1.   

    شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونثني عليه الخير كله, ونشكره ولا نكفره, ونخلع ونترك من يفجره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله, وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.

    أما اليوم فعندنا أربعة أحاديث: اثنان منها عن عائشة، واثنان عن أبي هريرة رضي الله عنهما, وكل هذه الأحاديث تتعلق بالركعتين قبل صلاة الصبح.

    فأما الحديث الأول منها: فهو قول عائشة رضي الله عنها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إنني أقول: أقرأ بأم الكتاب أم لا؟ ).

    تخريج الحديث

    والحديث متفق عليه -كما أشار المصنف رحمه الله تعالى- فقد أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التطوع الذي هو كتاب التهجد, باب ما يقرأ في ركعتي الفجر, وفي مواضع أخرى أيضاً, لكن هذا أحدها.

    وأخرجه مسلم أيضاً في كتاب صلاة المسافرين, باب استحباب الركعتين قبل صلاة الفجر.

    وقد أخرج الحديث أيضاً الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، وأبو داود، والحميدي، وابن أبي شيبة في مصنفه، ومالك في الموطأ، وابن خزيمة في صحيحه، والطحاوي في شرح معاني الآثار، والطيالسي .. وغيرهم من أهل العلم.

    كما أن الحديث متفق عليه كما ذكر المصنف, فقد صححه أيضاً جماعة من أهل العلم، كـابن خزيمة، وابن حبان والبغوي .. وغيرهم.

    معاني ألفاظ الحديث

    قولها رضي الله عنها: (كان يخفف الركعتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟), قولها رضي الله عنها يحتمل وجوهاً في المعاني:

    الوجه الأول: أنها شكت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على الفاتحة دون غيرها من الآيات والسور, فكأنها تقول: هل قرأ بأم الكتاب فقط، أم أضاف إليها غيرها؟ نظراً لأنه صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وخففها، فهذا هو الاحتمال الأول, وعلى هذا الاحتمال بنى بعض أهل العلم: أنه يشرع الاقتصار في ركعتي الفجر على قراءة سورة الفاتحة فحسب، دون أن يضيف إليها غيرها, كما هو مذهب طائفة من أهل العلم كمالك رحمه الله تعالى, هذا احتمال.

    الاحتمال الثاني: أن تكون شكت رضي الله عنها في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم للفاتحة, فهي تقول كما في اللفظ الآخر: ( أقرأ بأم الكتاب أم لا؟ ).

    فقولها: (أقرأ أم لا؟) يدل على أن الشك عندها ليس واقعاً فيما زاد على الفاتحة, ولكنه وقع في: هل قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الفاتحة أم لم يقرأها؟ وبهذا تمسك من قال من أهل العلم: إنه ليس في ركعتي سنة الفجر قراءة أصلاً, فلا قراءة فيها قط.

    وهذا لاشك خلاف الأحاديث الصحيحة الثابتة عن عائشة نفسها، كما سوف يأتي، وعن أبي هريرة كما ساق المصنف بعد ذلك, وعن ابن عمر، وعن جابر .. وغيرهم في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر بسور، أو آيات من القرآن الكريم كما سيأتي.

    الاحتمال الثالث: أن يكون المعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم خفف القراءة والصلاة في سنة الفجر, خلافاً لعادته عليه الصلاة والسلام، فقد كان من عادته أن يطيل الصلاة، صلاة الليل خاصة، وكذلك صلاة الفجر كان يطيلها صلى الله عليه وسلم, فتعجبت عائشة رضي الله عنها من تخفيفه الركعتين قبل الفجر (السنة)، حتى إنها تقول: كيف استطاع أن يقرأ سورة الفاتحة بترتيل وترسل، على ما هي عادته صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الوقفة القصيرة, وهو معنى مجمل, ليس مقصودها نفي قراءة الفاتحة, ولا نفي غيرها من السور أو الآيات، وإنما قصدها الإشارة إلى تخفيف الصلاة, تخفيف ركعتي سنة الفجر، وهذا المعنى المجمل يفصله ويبينه ثبوت قراءته صلى الله عليه وسلم للسور القصيرة كـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] أو الآية من سورة البقرة، والأخرى من سورة آل عمران على ما سوف يأتي.

    وهذا المعنى الثالث هو الصحيح المعتمد, وهو الذي عليه جمهور أهل العلم أيضاً؛ وذلك لأن عائشة رضي الله عنها لم تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ الفاتحة, أو لم يقرأ سورة بعدها, بل ذكرت أنها تقول في نفسها, ومعنى القول هنا: (حتى إنني أقول) تحدث نفسها, هو حديث النفس, وهو نوع من الظن أو الشك, هل قرأ أم لم يقرأ؟ ومجرد الشك أو الظن لو فرض أنه وجد وحدث عند الصحابي، لم يكن معمولاً به؛ لأن قول الصحابي نفسه مختلف في حجيته, فضلاً عن مجرد الظن أو الشك عند الصحابي, هذا مع أن عائشة رضي الله عنها ثبت عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( نعم السورتان يقرأ بهما العبد في ركعتي الفجر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ) فهذا الحديث الذي روته رضي الله عنها موجب للجزم، بأنها لم تقصد أكثر من الإشارة إلى مجرد تخفيف النبي عليه الصلاة والسلام، في هاتين الركعتين.

    فقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نعم السورتان يقرأ بهما العبد في ركعتي الفجر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ[الكافرون:1]، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1]).

    وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عنها، ورواه ابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن أبي شيبة .. وغيرهم. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: رواه ابن ماجه بسند قوي. وكذلك صححه ابن خزيمة وابن حبان كما أسلفت، فهو حديث صحيح، بل روى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر بهاتين السورتين: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ) فدل على أن عائشة رضي الله عنها لم ترد أكثر من ذكر التخفيف في ركعتي سنة الفجر.

    القراءة في ركعتي الفجر

    وقد ذهب طوائف من أهل العلم -وهم الأكثرون- إلى مشروعية تخفيف ركعتي الفجر, عملاً بحديث عائشة رضي الله عنها, وعملاً بحديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهم في قراءة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وعملاً بحديث حفصة أيضاً.. وغيرها من الأحاديث, وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح.

    وذهب الحنفية إلى مشروعية تطويل سنة الفجر, ونقل هذا أيضاً عن النخعي من فقهاء السلف، وقد جاء في ذلك في تطويل الركعتين قبل الفجر، جاء فيه حديث مرفوع، ولكنه مرسل, رواه البيهقي في سننه من مرسل سعيد بن جبير، ومع أنه مرسل, والاحتجاج بالمرسل الفرد معروف, فالمحدثون لا يحتجون به, وهو المعتمد عندهم، إلا أنه مع ذلك فيه راو مبهم لم يسم, فالحديث إذاً في تطويل الركعتين حديث ضعيف.

    فوائد الحديث

    وفي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها فوائد: الأولى: مشروعية تخفيف الركعتين قبل صلاة الفجر.

    الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتي سنة الفجر في بيته؛ لأن عائشة رمقته ولاحظت تخفيفه، حتى قالت: ( أقرأ بأم الكتاب أم لا؟ ) فهذا ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم كان يصليهما في بيته, وهو الصحيح الثابت أنه كان يصليها في البيت, ثم يخرج إلى الناس، فيقيم بلال الصلاة بمجرد ما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن الفوائد أيضاً: تسمية الفاتحة بأم الكتاب, وهذا سبق تفصيله، لكنه ظاهر هنا أيضاً، (حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟).

    ومن الفوائد: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة؛ لأن قول عائشة : (حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب؟) يدل على أنه كان مستقراً عندها أن أم الكتاب لا يستغنى عنها, ولا تجوز الصلاة بدونها, وهذا سر تعجبها من تخفيف الصلاة. فالحديث دليل على مشروعية قراءة الفاتحة في كل ركعة.

    وقد استدل به على نقيض ذلك أيضاً بعض أهل العلم، كما أسلفت، فقد استدل به من لا يرى وجوب قراءة الفاتحة بهاتين الركعتين. لكن الصحيح أنه دليل على مشروعية قراءة الفاتحة، لا على ضد ذلك.

    أيضاً من الفوائد: أن ركعتي الفجر -سنة الفجر- تكون بعد دخول الوقت.

    وأيضاً الحديث فيه دليل على أنه لا يشرع بعد طلوع الفجر لا يستحب إلا الركعتين المعروفتين.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر بالكافرون والإخلاص)

    ننتقل بعده للحديث الذي يليه, وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]).

    تخريج الحديث

    والحديث عزاه المصنف إلى مسلم رحمه الله, وقد أخرجه مسلم في الصحيح في الموضع الذي أشرنا إليه سابقاً مراراً، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب استحباب ركعتي الفجر, وقد رواه أيضاً أبو داود والنسائي وابن ماجه .

    ما يقرأ في ركعتي الفجر

    في الحديث مشروعية قراءة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] في الركعة الأولى, و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] في الركعة الثانية من راتبة الفجر, وهذا المعنى جاء في أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، نسمع منكم بعضها.

    الأحاديث التي فيها إثبات: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] في ركعتي الفجر، مضى معنا منها حديثان:

    حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]) وقلنا في تخريج هذا الحديث: ابن حبان، وابن خزيمة، والإمام أحمد، وابن ماجه , وقال ابن حجر : بسند جيد. وصححه ابن خزيمة وابن حبان . هذا حديث.

    الحديث الثاني: حديث عائشة عند ابن أبي شيبة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فيهما -يعني: بركعتي الفجر- بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ).

    هذا الحديث يعني فيه فعل النبي صلى الله عليه وسلم, أما الأول ففيه قوله عليه الصلاة والسلام, فهما حديثان عنها, وإن كان صحابيهما واحداً عائشة رضي الله عنها.

    الحديث الثالث: عن ابن عمر رضي الله عنهما, وفيه أنه قال: ( رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً، فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ).

    وحديث ابن عمر هذا أخرجه أهل السنن، أخرجه الترمذي , وقال: حديث حسن, وأخرجه النسائي أيضاً, وابن ماجه في سننه , ورواه أحمد في المسند , وأخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني .. وغيرهم، وهو حديث حسن, فهذا هو الحديث الثالث.

    الحديث الرابع: حديث جابر رضي الله عنه: ( أن رجلاً قام فقرأ في ركعتي الفجر بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] في الأولى, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عبد عرف ربه, ثم قرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] حتى انقضت السورة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عبد آمن بربه ) وهذا الحديث رواه ابن حبان في صحيحه، كما هو في الإحسان, وأيضاً نسبه ابن حجر في الأحاديث العاليات، نسبه إلى الطحاوي، وقال: حديث حسن, كما ذكر ذلك الشيخ الألباني في كتابه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم .

    إذاً: الحديث صححه ابن حبان كما في الإحسان، وحسنه الحافظ ابن حجر كما في الأحاديث العوالي, ورواه الطحاوي كما سبق.

    فهذه أربعة أحاديث فيها مشروعية القراءة بهاتين السورتين, يضاف إليها الحديث الخامس, وهو حديث أبي هريرة الذي هو موضوع البحث.

    المواضع التي تقرأ فيها سورة: (الكافرون) و(الإخلاص) غير ركعتي الفجر

    وقراءة هاتين السورتين مشروعة في سنة الفجر, كما دلت على ذلك هذه الأحاديث, وهي مشروعة أيضاً في سنن أخرى:

    منها: الركعتان بعد الطواف, يشرع أن يقرأ فيهما بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    وأيضاً: في الركعة الثانية من الوتر, والركعة الثالثة منه أيضاً, يقرأ في الأولى بسبح, وفي الثانية بـ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] وفي الثالثة بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].

    وأيضاً: راتبة المغرب, وهذه الراتبة هي التي نريد من أحد الإخوة أن يخرج لنا الأحاديث الواردة في القراءة فيها.

    وينظر هل ورد في غير هذه المواضع قراءة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] أم لا؟

    فنحن نريد إن كان ورد أحاديث في قراءة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] في غير هذه المواضع الثلاثة، يعني: هي أربعة إذا أضفنا إليها ركعتي الفجر.

    في الحديث أيضاً: مسألة القراءة في ركعتي الفجر, فالحديث دليل على أنه يستحب للإنسان أن يقرأ في صلاة الفجر بسورة الفاتحة وهاتين السورتين, خلافاً لما قد يفهمه البعض من حديث عائشة السابق. وقد جاء في موضوع القراءة في صلاة الفجر سنة أخرى, وسبق أن مرت معنا في هذه الأمالي، وهي أنه يشرع أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى بقوله تعالى في سورة البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا [البقرة:136] .. إلى آخر الآية, ورقم هذه الآية مائة وست وثلاثون من سورة البقرة.

    وفي الركعة الثانية من سورة آل عمران, وقد ورد فيها روايتان، كلاهما في صحيح مسلم , الرواية الأولى وهي التي قدمها مسلم رحمه الله وبدأ بها, وربما كان هذا دليلاً على أنه يرجحها, وساق لها أيضاً متابعة أخرى, وهي قراءة الآية قال: وفي الآخرة منهما, يعني: في الركعة الثانية: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52].

    أما الرواية الثانية وقد ساقها مسلم أيضاً رحمه الله في صحيحه، فهي الآية رقم أربع وستين التي تلاها, وهي قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64] وكأن الشيخ الألباني في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم اعتمد الروايتين كلتيهما, فقال: يقرأ هذه أحياناً، وربما قرأ الآية الأخرى، فالله تعالى أعلم بذلك, على كل حال هذه سنة أخرى فيما يتعلق براتبة الفجر.

    الحكمة من قراءة سورة (الكافرون) وسورة (الإخلاص) في ركعتي الفجر

    هاهنا سؤال: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهاتين السورتين في هذه المواضع؟ ما هو السر في قراءتهما؟ تسميان سورتي الإخلاص حيث في السورة الأولى: وهي: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:1-2] فيها البراءة من الشرك وأهله, وإفراد الله تعالى بالعبادة لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:2] ففيها إقرار بتوحيد الربوبية, واقرار بتوحيد الألوهية أيضاً, فهي نص في توحيد الألوهية, وتوحيد الربوبية يدخل في ذلك, فهو من لوازم ذلك.

    وفيها البراءة من الشرك وأهله, ومنابذة المشركين, والبراءة من معبوداتهم بأوضح عبارة وأفصحها: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] خاطبهم وقل لهم: لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:2] وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ .. [الكافرون:3]، ما دمتم مقيمين على شرككم وكفركم لستم عابدين لمعبودي وهو الله وتعالى, وإن زعمتم ذلك وقلتم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] هذه المعبودات هي تابعة لله تعالى, وهي كما كان المشركون يقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك, تملكه وما ملك). ليس ما تقولونه بصحيح, بل أنتم تعبدون أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان, وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:3]

    وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ [الكافرون:4] وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:5] لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] فليس حاضراً ولا مستقبلاً أن يقع ذلك, قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأعراف:89] إلى غير ذلك من الآيات والنصوص, ففيها البراءة من الشرك والمشركين ومعبوداتهم وأديانهم وآلهتهم.

    أما السورة الثانية: وهي: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ففيها إثبات الوحدانية لله تعالى, وفيها أيضاً أقسام التوحيد كلها بما في ذلك توحيد الأسماء والصفات, حيث سمى الله تعالى نفسه، فقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

    ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] تعدل ثلث القرآن ), جاء هذا في أحاديث كثيرة في الصحيح.. وغيره, وذلك لما اشتملت عليه من أمر التوحيد بأنواعه الثلاثة .

    وفيها من المعاني العظيمة أمر كبير، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى صنف فيها مصنفاً خاصاً سماه: جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به رسول الرحمن من أن (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن, وهو كتاب مطبوع طبعات عدة، ولكنها ناقصة, وحققه الأستاذ الشيخ سليمان الغفيص في رسالة ماجستير، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، على نسخ خطية عدة، واستوفى نصف الكتاب, فيرجع إليه في تحقيق هذه المسألة.

    1.   

    شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي سنة الفجر اضطجع ...)

    أما الحديث الثالث: وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن ). ‏

    تخريج الحديث

    قال المصنف: رواه البخاري .

    أخرجه البخاري في مواضع عدة من صحيحه, لكن هذا اللفظ موجود في كتاب التهجد, باب الضجعة على الشق الأيمن, وهي بكسر الضاد، باب الضِّجعة بأن المقصود هيئة الاضطجاع, فتكسر الضاد وهي فاء الكلمة, ويجوز فتح الضاد أيضاً، باب الضَّجعة على الشق الأيمن، باعتبار أن المقصود المرة, وإفراده هنا يدل على أن مسلماً لم يخرجه, ولكن مسلماً قد أخرج الحديث أيضاً في باب صلاة المسافرين كما سبق, وقد أخرجه أيضاً الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد , فكان يسوغ للمؤلف رحمه الله تعالى أن يقول في تخريج الحديث: أخرجه السبعة إلا أبا داود , وقد أخرجه أيضاً عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما, وأخرجه البيهقي، والدارمي، والطيالسي .. وغيرهم من أهل العلم.

    كيفية الاضطجاع بعد ركعتي سنة الفجر

    وفي حديثها رضي الله عنها استحباب الاضطجاعة بعد راتبة الفجر قبل الصلاة, وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.

    وفيه أيضاً: أن الاضطجاع يكون على الشق الأيمن, وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه أنه ينام على شقه الأيمن, وأمر بذلك, كما في حديث البراء، وهو في الصحيح: ( إذا أويت إلى فراشك فاضطجع على شقك الأيمن, ثم قل: اللهم وجهت وجهي إليك ) .. إلى آخر الحديث.

    وسوف يأتي بسط المسألة في الحديث الذي بعده.

    1.   

    شرح حديث: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع ...)

    حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن ) وهو الحديث الأخير في حلقة هذا اليوم.

    تخريج الحديث

    قال المصنف: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.

    نعم, الحديث رواه أحمد في مسنده (2/415)، وكذلك رواه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة, باب الاضطجاع بعد سنة الفجر, والترمذي أيضاً في الموضع نفسه، باب الاضطجاع بعدها, وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه, كما أشار إلى ذلك المصنف، حين قال: وصححه, فإن لفظ الترمذي أنه قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه, كما سوف يأتي معنى قوله: (غريب من هذا الوجه).

    وأخرجه أيضاً ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والبيهقي .. وغيرهم, صحح الحديث هذا جماعة كثيرة من أهل العلم, فمن الواضح أن الفرق بين الحديثين: هذا الحديث، والذي قبله, أن الحديث الأول حديث عائشة ذكرت الاضطجاع من فعل النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن ) .

    أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فإنه من قوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع ) ففيه أمره صلى الله عليه وسلم لمن صلى ركعتي الفجر السنة بأن يضطجع بعد ذلك.

    فهذا هو الفرق, أقول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه صححه جماعة من أهل العلم، منهم: الترمذي قال: حديث حسن صحيح غريب, أيضاً ابن خزيمة ابن حبان، وهؤلاء كلهم ذكرناهم, وقد صححه غير هؤلاء أيضاً, فممن صححه الإمام النووي في ثلاثة مواضع, مرة قال النووي: إسناده صحيح, وهذا في رياض الصالحين, ومرة ترقى رحمه الله فقال: إسناده صحيح على شرط مسلم, وهذا في المجموع, ومرة قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, وهذا في شرح النووي على مسلم, فقد صححه النووي رحمه الله تعالى في ثلاثة مواضع.

    ومثله أيضاً شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، فإنه قال عن هذا الحديث: إسناده صحيح، كما في فتاويه, بل قال: هو على شرط الشيخين, وكذلك السيوطي فإنه رمز للحديث بالصحة، كما في جامعه الجامع الصغير, ومثله أيضاً المناوي في شرحه عليه, وممن صححه أيضاً من المتقدمين الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه, فإن كلامه في فتح الباري يدل على أنه يرى هذا الحديث في مرتبة الاحتجاج، فهو عنده حسن أو صحيح, وممن صححه من المتأخرين الشوكاني، كما في نيل الأوطار، والشيخ أحمد شاكر كما في تعليقه على المسند، والشيخ الألباني في مواضع.. وغيرهم من أهل العلم.

    هؤلاء كلهم صححوا الحديث أو حسنوه, فرأوا أنه ثابت صحيح أو حسن, وبناء عليه فإن الاضطجاع عند هؤلاء جميعاً بعد راتبة الفجر مستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به كما هو نص الحديث.

    وممن صحح الحديث أيضاً ابن حزم في المحلى، فإنه صححه وقال به, بل ذهب إلى القول بالوجوب كما سوف يأتي بعد قليل.

    والصنعاني نقل كلام المضعفين للحديث, وذكر تصحيحه عن طائفة, ثم نقل كلام ابن تيمية في تضعيفه.

    بس ما ذكر شيئاً؛ لأن قوله: الحق أنه تقوم به الحجة, هذا من كلام ابن حجر رحمه الله, هو الذي نقلت معناه الآن..

    قال: المصنف، يقصد به صاحب البلوغ الذي هو ابن حجر كما في فتح الباري .

    على كل حال: هؤلاء كلهم -من سبق- صححوا الحديث أو حسنوه, ورأوا أنه في مقام الاحتجاج.

    وذهب آخرون إلى أن الحديث ليس بصحيح, وأنه أقل ما يقال فيه: إنه شاذ, حيث تفرد به عبد الواحد بن زياد عن الأعمش، تفرد به من بين أصحاب الأعمش كلهم, مع أن عبد الواحد هذا في روايته عن الأعمش مقال مشهور، ذكره الحافظ ابن حجر في التهذيب, وذكره الذهبي في الميزان, وذكره غيرهم, ذكر هذا الكلام عن الإمام أحمد وعن يحيى بن معين وعن أبي داود .. وغيرهم، كلام في رواية عبد الواحد عن الأعمش , فكيف وقد تفرد عبد الواحد بهذا الحديث عن الأعمش, وروي الحديث من طرق أخرى من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ليس من قوله, كما في رواية البيهقي وسوف أذكرها بعد قريب.

    وممن ضعف الحديث: ابن تيمية رحمه الله، فإنه قال -كما ذكر عنه الإمام ابن القيم وغيره- عن هذا الحديث: إنه حديث باطل, وكذلك من قبله ذكر البيهقي ما يدل على أنه يميل إلى شذوذ هذا الحديث, البيهقي يقول: رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا عن قوله, فقد ساق البيهقي هذه الرواية رواية التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن ) ثم ساق البيهقي الحديث من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: وهذا أولى أن يكون محفوظاً, فدل على أنه يرى أن المحفوظ هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم, ومقابله الشاذ وهو حديث الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على شقه الأيمن ) وهذا اللفظ الذي ساقه البيهقي عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم, قد أخرجه ابن ماجه أيضاً في سننه , فهو أقرب وأرجح من رواية عبد الواحد بن زياد فبناء عليه يكون هذا اللفظ شاذاً عند البيهقي كما هو ظاهر, وعند ابن تيمية حيث قال: إنه حديث باطل, وعند أولئك الذين يعتبرون رواية عبد الواحد عن الأعمش فيها مقال، خاصة إذا تفرد بها أو خالف غيره, وهذا الكلام نقلوه عن الإمام أحمد، كما أشرت إلى ذلك, فإنهم كما جاء في التهذيب وغيره أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث, فقال الإمام أحمد : عبد الواحد وحده يحدث به, فدل على أن الإمام أحمد يستوحش من تفرده بهذا الحديث, ومثل ذلك في كلام يحيى بن سعيد القطان وكلام أبي داود .. وغيرهم, فإن هؤلاء يميلون إلى تضعيف رواية عبد الواحد , والحكم بشذوذ هذا اللفظ.

    ومن الغريب أن السيوطي رحمه الله مع أنه ساق الحديث في الجامع الصغير وأثبته، إلا أنه ساقه في كتاب تدريب الراوي نموذجاً أو مثالاً للحديث الشاذ, ومثل ذلك الإمام ابن القيم فإنه وافق شيخه الإمام ابن تيمية على تضعيف الحديث.

    ولعل الأقوى قول المضعفين؛ لأن مدار الحديث كما أسلفت على عبد الواحد بن زياد عن الأعمش , ومع أن أصل رواية عبد الواحد عن الأعمش فيها مقال، إلا أن هذا الحديث من بين روايته أيضاً فيه مخالفة للروايات الأخرى، ومخالفة للمشهور والمحفوظ أنه من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وعلى كل حال فالمسألة مسألة اجتهاد, ومجال القول فيها مجال واسع, إنما هذا الذي ظهر لي وترجح عندي، والله تعالى أعلم.

    الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وأحكامه

    في الحديثين: حديث عائشة، وحديث أبي هريرة رضي الله عنهما، مسألة الاضطجاع بعد ركعتي الفجر, وفي المسألة أقوال كثيرة, وفيها أيضاً مصنفات, ومن أشهر المصنفات في هذه المسألة، كتاب إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر، والكتاب في أحكام ركعتي الفجر, لكن من ضمنها الاضطجاعة, وهو للشيخ العلامة أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي , وهناك مصنف آخر لأحد طلبة العلم وهو الشيخ المقطري من اليمن , وهو خاص في حكم الاضطجاعة, والأحاديث الواردة فيها, وهو كتاب لا بأس به في بابه.

    ومسألة الاضطجاعة بعد ركعتي الفجر فيها أمور:

    أولها: موضع الاضطجاعة: هل هي بعد السنة أم قبل السنة؟ الجمهور على أن الاضطجاعة في الأحاديث، اضطجاع النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد الراتبة, وهذا هو الذي رواه الأكثرون عن الزهري , أما الإمام مالكاً فقد انفرد برواية أنها قبل ركعتي الفجر وبعد قيام الليل, وقد تفرد مالك بهذه الرواية, ومع أن الإمام مالكاً جبل في العلم والحفظ, وهو من أصحاب الزهري، إلا أن الأئمة حكموا بتخطئته في هذا الموضع بالذات؛ لأن هناك سبعة رواة ثقات خالفوه في ذلك, وهذا هو المعروف أن الاضطجاعة المذكورة هنا بعد راتبة الفجر وليست قبلها, هذه مسألة.

    المسألة الثانية: وهي الأهم, مسألة حكم هذه الاضطجاعة, وفي هذه الاضطجاعة أقوال كثيرة جداً، أسردها باختصار لضيق الوقت, بلغها بعضهم إلى ما يزيد على سبعة أقوال، كما ذكر الشوكاني في النيل, وذكرها أيضاً صاحب إعلام أهل العصر .. وغيرهم, قيل: أشد هذه الأقوال أن هذه الاضطجاعة واجب بل شرط لصحة صلاة الفجر, وهذا ذهب إليه ابن حزم, وصنف فيه بعض الظاهرية ابن حزم أو غيره كتاباً مستقلاً في هذا، كما ذكر ابن القيم والإمام ابن حجر وغيرهما, وهو قول شاذ غريب جداً، لم يسبق إليه الإمام أبو محمد بن حزم فيما يعلم, والله تعالى أعلم, بل إنه بالغ ورأى أن الإنسان إذا لم يضطجع وجب عليه أن يعيد الصلاة, فإن عجز عن ذلك فإنه يومئ ويشير بحسب استطاعته, ولا دليل عنده على ذلك قط, غاية ما يتمسك به حديث أبي هريرة (أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها), وهو حديث الباب, ومع أننا ملنا إلى شذوذ الحديث، فعلى القول بصحته فإنه لا يعدو أن يكون أمراً بها, فهذا الأمر قد يوجد صارف يصرفه عن الوجوب، كما سوف نذكر, ولو فرض أنه لا يوجد صارف عن الوجوب، لكان الوجوب شيئاً والشرطية شيئاً آخر, فالقول بأنه شرط, وأن الصلاة باطلة بدون ذلك؛ قول غريب محدث, وهو من أشد ما وقع فيه أبو محمد رحمه الله تعالى في تمسكه بالظاهر, وتشدده في ذلك, رحمه الله رحمة واسعة, وغفر لنا وله, وعلى كل حال فهذا يغتفر في جنب حسناته وفضائله، وعلومه العظيمة النافعة في كتاب المحلى .. وغيره, هذا قول.

    وهناك أقوال دون ذلك كالقول بإنه واجب، لكن ليس شرطاً.

    ودون ذلك أيضاً القول بأنه مشروع مستحب, وهذا ذهب إليه طوائف ممن ذكرت أسماءهم قبل قليل، ممن صححوا حديث أبي هريرة وقالوا به, ومنهم أئمة مشاهير, فهم يرون أن هذه الاضطجاعة مستحبة مشروعة، لكنها ليست بواجبة: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها كما في حديث عائشة، وأمر بها كما في حديث أبي هريرة.

    القول الرابع: هناك قول بأن هذا خلاف الأولى.

    القول الخامس: بأنه مكروه.

    وقد يعبر بعضهم -وربما عد هذا قولاً مستقلاً- أن ذلك بدعة, وقد نقل هذا عن ابن عمر، وأنه حصب من فعل ذلك بالمسجد, وأمر أن يحصب, يعني: يرمى بالحصباء, ويرى أن هذا محدث وبدعة.

    القول السابع: أن هذا ليس مقصوداً لذاته, هذه الاضطجاعه ليست مقصودة لذاتها, وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بالليل فيصيبه بعض التعب، فيضطجع من عناء القيام بعد ذلك, أو يكون المقصود الفصل بين صلاة الفريضة وبين النافلة, كما كان من عادته صلى الله عليه وسلم الفصل, فكان يفصل بهذه الاضطجاعة بين الفريضة والنافلة.

    والذي يترجح -والله تعالى أعلم- في أمر هذه الضجعة أنها ليست سنة بذاتها, ولا تعبدنا بها, فمن البعيد جداً أن يتعبد الإنسان باضطجاعة، مجرد الاضطجاع, يعني: لا يوجد نظير لها في التعبدات الشرعية, فقد يتعبد بصلاة.. بركوع.. بسجود.. بذكر.. بتسبيح.. بغير ذلك, أما أن يكون تعبداً محضاً لمجرد الاضطجاع، حتى لو لم يكن ثم حاجة فهذا فيه بعد.

    ومما يقوي ذلك: أن البخاري رحمه الله في صحيحه خرّج عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن المؤذن بالصلاة ) يعني: حتى يشعر أو يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بقرب وقت الإقامة.

    (فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع) فدل هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكثر الاضطجاع، إلا إذا كانت عائشة نائمة مضطجعة, فإنه يضطجع حينئذ؛ ليرتاح صلى الله عليه وسلم بعد قيام الليل، وإلا حدثها.

    ومما يقوي ذلك أيضاً: ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها، وإن كان في سنده راو مبهم، أنها رضي الله عنها قالت: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يضطجع لسنة- ما كان اضطجاعه لسنة-، ولكن كان عليه الصلاة والسلام يدأب ليله أو ليلته فيستريح ) فذكرت أن اضطجاع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لفعل سنة أو استحباب, وإنما كان يدأب الليل، يعني: يقوم الليل فيستريح بعد القيام بهذه الضجعة الخفيفة.

    ولو قال أحد بسنية هذه الضجعة، لم يكن ذلك بعيداً, لماذا؟ لما ورد في حديث عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضطجع على شقه الأيمن ) لكن مما ينبغي أن يقال: إن هذه السنة إنما يفعلها من يكون في بيته, وأستبعد كثيراً أن تكون مشروعة في المسجد؛ لأنها لو كانت مشروعة في المسجد.

    أولاً: ما التحمت الصفوف, ثانياً: لو كانت مشروعة في المسجد لاشتهرت ونقلت, وكان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونها، فتنقل فيما بينهم, ولم يكن الناس يجلسون صفوفاً في المسجد لو كانت سنة, بل كانوا ينامون على جنوبهم حتى يقام للصلاة.

    ومن البعيد يقيناً أن يكون هذا يفعل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم, ويشهده الملأ الكثير من أصحابه ولا ينقلونه, بل كان ابن عمر ينتقد من يفعله ويرميه بالحصباء, فلو كان رأى هذا أو شيئاً منه في مسجد النبي عليه السلام ما استنكره, ولهذا ذهب بعضهم أنها سنة في حق من يكون في بيته, من يصلي راتبة الفجر في بيته, وهذا ليس ببعيد أيضاً.

    وذهب بعضهم إلى أنها سنة في حق من يقوم الليل فحسب, كما رجحه الإمام ابن العربي في شرحه لـمسلم.

    فالأقرب إذاً أنها ضجعة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتاح فيها من عناء ودأب قيام الليل, وهذا هو الأقرب, ولو قيل بالسنية أيضاً لمن يكون في بيته لم يكن ذلك بعيداً.

    سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك, اللهم صل على محمد.