إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع - حديث 383-386

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع - حديث 383-386للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما جاءت الآثار به الحث على صلاة أربع ركعات قبل العصر وأنها من النوافل الفاضلة والرواتب المشروعة، وهل يصليها كلها بسلام واحد؟ فيه خلاف معروف عند أهل العلم، كما أن مما يشرع فعله صلاة ركعتين قبل المغرب لمن شاء وتصلى بعد دخول الوقت لا قبله كما هي القاعدة العامة في رواتب الصلاة.

    1.   

    شرح حديث: (رحم الله امرأً صلى أربعاً قبل العصر)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

    عندنا في هذا اليوم أربعة أحاديث:

    أولها: [عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( رحم الله امرأً صلى أربعاً قبل العصر )، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه.

    وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء، مخافة أن يتخذها الناس سنة )، رواه البخاري .

    وفي رواية لـابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان يصلي قبل المغرب ركعتين ).

    ولـمسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا ) ].

    أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: ( رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر ).

    تخريج الحديث

    فقد نسبه المؤلف رحمه الله تعالى لـأحمد، قال: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن خزيمة وصححه، وكذلك أخرجه أحمد رحمه الله في المسند، (2/ 117).

    ورواه أبو داود أيضاً، كما أشار في كتاب الصلاة، باب الصلاة قبل العصر.

    ورواه الترمذي أيضًا في جامعه في كتاب الصلاة، باب صلاة أربع قبل العصر، وقال الترمذي كما أشار المصنف: هذا حديث حسن غريب، وفي بعض النسخ: غريب حسن، كما ذكر ذلك المحققون، وكذلك أشار المصنف إلى رواية ابن خزيمة في الحديث، وهو كذلك في صحيح ابن خزيمة، ورواه أيضًا الطيالسي في مسنده، والبغوي في شرح السنة، والبيهقي في السنن، وابن حبان كما في الإحسان المطبوع .. وغيرهم من أهل العلم.

    وسند هذا الحديث واحد، ولهذا قال عنه الترمذي : حديث غريب حسن، أو حسن غريب؛ لأن مدار الحديث عندهم على محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران -بكسر الميم- ابن المثنى، يروي الحديث عن جده عن ابن عمر، ومحمد بن إبراهيم هذا أحياناً يقال له: محمد بن مهران كما في بعض المصادر، وأحياناً يسمى محمد بن المثنى، وقد يوهم هذا وهو واحد، ابن مهران بن المثنى .

    وأنه يروي الحديث عن جده، وأيضاً يرويه عن أبيه عن جده في بعض المصادر، وهذا على الراجح وهم، والصواب أنه يروي عن جده وليس عن أبيه، ومحمد هذا وجده أيضاً هو يروى عن جده، قال الدارقطني : لا بأس بهما، ونحو ذلك قال جماعة منهم يحيى بن معين في رواية الدوري عنه، فإنه قال: لا بأس به، يعني: محمداً هذا.

    وبناءً عليه فإن الأقرب في إسناد هذا الحديث ما ذكره الترمذي، أنه حديث حسن غريب، لحال محمد هذا ابن مسلم، وقد حسن الحديث الترمذي كما هاهنا، وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما نسبته إلى صحيحيهما.

    وهناك من رد الحديث، فإن أبا الوليد الطيالسي لما ذكر له هذا الحديث رده، واحتج عليه أو قال لمن سأله: دع عنك هذا، وساق حديث ابن عمر رضي الله عنه (في عشر ركعات)، وكأنه اعتبره معارضاً لهذا.

    والحديثان كلاهما عن ابن عمر، فرد أبو الوليد الطيالسي حديث الباب بحديث ابن عمر السابق في صلاة عشر ركعات في اليوم والليلة: ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ).

    والصواب: أنه لا تنافي بين هذا وهذا، فإن الركعات العشر هي الرواتب، أو من الرواتب.

    أما هذه التي في حديث ابن عمر في حديث الباب، فإنها ليست من الرواتب، وإنما هي من السنن المندوب إليها، دون أن تكون من الرواتب، التي يحافظ الإنسان عليها دائمًا ولا يدعها.

    فوائد الحديث

    في الحديث: دليل على مشروعية صلاة أربع ركعات قبل العصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن صلاها، وقال: ( رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً ).

    ففيه دليل على مشروعية صلاة هذه الركعات الأربع.

    وفيه دليل على أن الصلاة من أسباب الرحمة، فإن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة، له مناسبة وتعلق بشأن الصلاة، فإن كثرة الصلاة من أسباب رحمة الله تعالى للعبد

    وفي هذا الموضوع موضوع صلاة أربع قبل العصر جاء فيه أحاديث:

    أولها: حديث الباب، وسنده كما أسلفت حسن.

    1.   

    شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات ..)

    الحديث الثاني: حديث رواه الترمذي أيضاً في الكتاب نفسه، وفي الباب نفسه أيضاً، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل العصر أربع ركعات، يفصل بينهن بالسلام على الملائكة المقربين، ومن اتبعهم من المؤمنين والمسلمين )، فذكرها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، على حين أنها في حديث الباب من قوله عليه الصلاة والسلام.

    تخريج الحديث

    وحديث الترمذي حديث عاصم بن ضمرة عن علي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات قبل العصر، ورواه أيضاً الترمذي كما سبق وحسنه، قال: هذا حديث حسن، قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عمر، وكأنه يقصد حديثنا، حديث الباب هذا، وفيه -يعني: في الباب- عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه أيضاً النسائي في سننه، وأحمد في المسند، وابن ماجه، والبزار .. وغيرهم، كلهم رووه عن عاصم بن ضمرة عن علي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربع ركعات ).

    أقوال الأئمة في الحديث سنداً ومتناً وذكر شواهده

    وقد اختلف في هذا الحديث: فمنهم من أثبته، حسنه أو صححه كما قال الترمذي : هذا حديث حسن، وكذلك قال إسحاق بن راهويه قال: حديث عاصم بن ضمرة عن علي هو أحسن شيء في تطوع النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله والله أعلم يقصد بقوله: (أحسن شيء) من حيث شموله؛ لأنه حديث طويل، وإنما أنا ذكرت موضع الشاهد، منه: وإلا فقد ذكر رواتب النبي صلى الله عليه وسلم وتطوعاته، وإلا فلا أظن أنه يقصد أحسن شيء من جهة إسناده، فإن هناك أحاديث لا شك أنها أقوى منه بكثير، وكذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فإن كلامه في تهذيب التهذيب في ترجمة عاصم بن ضمرة، يدل على أن الحديث عنده في مرتبة الاحتجاج، وبالمقابل ضعف الحديث آخرون، بل بالغوا في شأنه، فممن ضعفه البزار، وإن لم ينص على تضعيفه، إلا أنه رواه، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث عاصم بن ضمرة عن علي .

    وهذا يدل على أنه عنده -عند البزار - غريب، والغريب كما أسلفنا مراراً قرين الضعيف، إلا إذا ورد النص على خلاف ذلك، وكذلك نقل الترمذي رحمه الله عن عبد الله بن المبارك أنه كان يضعف الحديث، وأيضاً أبو إسحاق الجوزجاني قال: في هذا الحديث، بل في راويه عاصم بن ضمرة، قال فيه قولاً شديداً، فإنه قال عن عاصم: هو عندي قريب من الحارث - يعني: الحارث الأعور، وفيه كلام شديد لأهل الجرح والتعديل فـالجوزجاني قال: هو عندي قريب من الأعور يعني: عاصم، ثم ساق الجوزجاني هذا الحديث، ثم قال: فيا لعباد الله! أما كان ينبغي لأحد من الصحابة، أو أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يروي هذه الركعات، إلا أن يرويها عاصم بن ضمرة عن علي، فكأنه أنكره من جهة الإسناد؛ لضعف عاصم عنده، ثم أنكره أيضاً من جهة المتن؛ لأنه يقول: كيف تخفى هذه السنن الكثيرة على عائشة، وعلى ابن عمر، وعلى أبي موسى، وعلى فلان، وعلى فلان، وينفرد بها عاصم بن ضمرة عن علي، ولا شك أن هذا الكلام ليس موجباً للضعف؛ فإنه ما من أحد من الصحابة، خاصة من المكثرين إلا وقد ينفرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض السنن، ولا غرابة أن ينفرد علي بأشياء، وقد كانت عائشة تأمر بعض من يسألونها أن يذهبوا إلى علي رضي الله عنه فيسألونه؛ لأنه قد يكون عنده أشياء قد اطلع عليها، فتحب أن يأخذوها منه مباشرة، فلا غرابة في تفرد علي رضي الله عنه وأرضاه ببعض السنن، عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن بعض الصحابة.

    المهم أن الجوزجاني أنكر هذا الحديث، والجوزجاني مشهور بتحامله على أصحاب علي رضي الله عنه، حتى نسبه بعضهم إلى النصب -أنه من النواصب - كما هو موجود في مقدمة كتابه في أحوال الرجال، وهو مطبوع، وقد ذكر كلاماً طويلاً في هذا، ويبدو من لهجته رحمه الله تعالى وغفر له أنه شديد على أصحاب علي رضي الله عنه، وغفر الله للجميع.

    وكذلك ابن عدي رحمه الله في كتاب الضعفاء، فإنه ترجم لـعاصم هذا، وقال: روى عن علي أحاديث باطلة لا يتابعه عليها الثقات، وكأنه يشير إلى هذا الحديث .. وما أشبهه، وجعل ابن عدي أن العلة والبلاء من عاصم نفسه، وليس ممن دونه من الرواة، وكذلك ابن حبان قال عن عاصم : كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، وإن كان أحسن حالاً من الحارث .

    الإمام ابن تيمية رحمه الله نقل عنه ابن القيم، كما في زاد المعاد في الجزء الأول، نقل عن شيخه الإمام ابن تيمية : أنه كان ينكر هذا الحديث ويدفعه، ويقول: إنه موضوع، ويحتج بكلام الجوزجاني الذي أسلفته قبل قليل، فـابن تيمية رحمه الله بالغ في رد هذا الحديث، حتى قال قولاً لم يسبقه إليه أحد، قال: إنه حديث موضوع .

    والصواب: أن هذا الحديث لا بأس بإسناده إن شاء الله، فإسناده لا يساعد على القول بأنه شديد الضعف، فضلاً عن أن يكون موضوعاً، بل إسناده لا بأس به إن شاء الله تعالى حسن.

    وعلى فرض وجود ضعف ما في هذا الإسناد من قبل عاصم بن ضمرة، فإن لهذا الجزء المتعلق بأربع ركعات قبل العصر شاهداً من حديث ابن عمر : ( رحم الله امرأً صلى أربعاً قبل العصر )، وسنده حسن كما أسلفت، وله شواهد أخرى أيضاً .

    معاني ألفاظ الأحاديث المتعلقة بصلاة أربع ركعات قبل العصر

    ننتقل إلى ما يتعلق بمتن الحديث: (بصلاة الأربع قبل العصر) فإن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا لمن صلاها: ( رحم الله امرأً صلى أربعاً قبل العصر )، ولم يحدد: هل صلاتها بتسليم واحد أم بتسليمتين؟

    أما الحديث الآخر الشاهد الذي سقته عن علي رضي الله عنه ( يفصل بينهما بالسلام على الملائكة المقربين، وعلى من اتبعهم من المؤمنين والمسلمين ).

    وقد اختلف في هذا اللفظ: (يفصل بينهما بالسلام)، فذهب إسحاق بن راهويه رحمه الله إلى أن المقصود بالسلام هاهنا التشهد، كما نقله عنه الترمذي في جامعه، فقال: إن المقصود الفصل بالتشهد، ثم يقوم ولا يسلم، وهذا مذهبه: أنه يصلي أربعاً يفصل بينهنّ بالتشهد ثم يقوم ولا يسلم، فتكون كهيئة صلاة العصر، وكهيئة صلاة الظهر، وكهيئة صلاة العشاء.

    أما أحمد والشافعي فيما نقله عنهما الترمذي أيضاً، فقد ذهبا إلى الفصل بينهما بالتسليم: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، هذا فيما يتعلق بالركعتين قبل العصر.

    مسألة السلام من النوافل في النهار في كل ركعتين أو أكثر

    وفي الحديث أيضاً مسألة: وهي التطوعات والنوافل في النهار، هل يسلم من كل ركعتين، أم أن له أن يجمع بين أكثر من ركعتين بتسليم واحد؟

    في هذه المسألة قولان، وربما قلنا: ثلاثة أقوال إذا أردنا الدقة.

    القول الأول: أفضلية السلام في نوافل الليل والنهار من كل ركعتين وأدلته

    القول الأول: هو مذهب الإمام الشافعي ومالك وأحمد -رحمهم الله- وهو قول جماعة من التابعين كـالحسن البصري وسعيد بن المسيب وحماد بن أبي سليمان، واختاره ابن المنذر من فقهاء الشافعية .. وغيرهم: أن الأفضل في نوافل الليل والنهار أن يصليها مثنى مثنى، ويسلم من كل ركعتين.

    ولهم على ذلك أدلة، منها: حديث ابن عمر رضي الله عنه: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنَى )، والحديث أصله: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وهو بهذا اللفظ متفق عليه، فهو صحيح بلا جدال.

    أما زيادة: ( صلاة الليل (والنهار) مثنى مثنى )، فهو في السنن عند أبي داود، ورواه ابن ماجه أيضاً.. وغيرهم، وقد حكى جماعة من أهل العلم والمصنفين في العلل: أن زيادة: (والنهار) ها هنا تعتبر شاذة، فقد تفرد بها البارقي عن ابن عمر رضي الله عنه، وقد رواه عنه كما ذكر جماعة أكثر من خمسة عشر رجلاً أو راوياً، فلم يذكروا هذه الزيادة (والنهار) بل رووه برواية: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، وإن كان إسناد الرواية صحيحاً: ( صلاة الليل والنهار مثنى مثنى )، الإسناد صحيح، ولكن تفرد بها البارقي، وخالفه خمسة عشر راوياً؛ فلذلك حكم جماعة من أهل العلم المصنفين في العلل بشذوذها.

    وعلى كل حال فالحديث دليل على أن السنة أن يسلم الإنسان من كل ركعتين، في الليل وفي النهار، فهو خبر بمعنى: الأمر، يعني: صلوا في الليل وفى النهار ثنتين، ثنتين.

    الدليل الثاني: حديث الباب، حديث علي الذي هو شاهد لحديث الباب، على التفسير الثاني: أن المقصود: ( يفصل بينهن بالتسليم )، يعني: بالسلام، (السلام عليكم ورحمة الله.. السلام عليكم ورحمة الله) بحيث يكون سلم من كل ركعتين.

    ومن أدلتهم: أن صلاة النهار تشبه صلاة الليل، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى )، كما في الحديث المتفق عليه، فكذلك صلاة النهار تشبهها، فينبغي أن تكون مثلها.

    الدليل الرابع: هناك في الواقع عشرات الأدلة، لكننا نسوق الدليل الرابع ليجمع ما بقي: وهو أنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم صلوات كثيرة، يسلم فيها من كل ركعتين، مثل: ركعتي الضحى، كما في حديث أبي ذر وأبي هريرة .. وغيرهما، ومثل: السنن الرواتب كما سبق: ( وركعتين قبل الظهر .. )، الحديث، والركعتان في كسوف الشمس، والركعتان عند القدوم من السفر، كما في حديث كعب بن مالك، وحديث جابر أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام: ( أمره أن يصلي ركعتين )، وركعتا الاستخارة، وصلاة العيدين باعتبار أنهما سنة، والاستسقاء.

    وحديث: ( من جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين.. ).

    وركعتا الطواف، وتحية المسجد، وسنة الوضوء .. وغيرها كثير، فكل هذه الأشياء ورد فيها ركعتان.. ركعتان، فدل على أن هذا هو الغالب من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا هو القول الأول، وهذه هي أدلتهم.

    القول الثاني: أفضلية التسليم في صلاة النهار من كل أربع ركعات وأدلته

    القول الثاني: أن الأفضل في صلاة النهار أن يصليها أربعاً، وخاصة تسليمتين قبل العصر، ومثل أيضاً التسليمتين قبل الظهر، وهذا القول هو قول إسحاق بن راهويه نقله عنه الترمذي، وكذلك ذكر هذا المذهب عنه ابن قدامة في المغني، والنووي في المجموع، وابن المنذر .. وغيرهم: أنه يذهب إلى أن الأفضل -يعني: نقيض الأول- في صلاة النهار أن يصليها أربعاً.. أربعاً، أربعاً قبل الظهر بتسليم واحد، وأربعاً قبل العصر بتسليم واحد أيضاً، هذا مذهب إسحاق.

    ودليله حديث الباب، فإنه فسر التسليم هنا بالتشهد، كما نقله عنه الترمذي وأسلفته قبل قليل.

    وله دليل آخر أيضاً وهو حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن، تفتح لهن أبواب السماء )، وهذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه .. وغيرهما، وأعله جماعة من أهل العلم، بأن في سنده رجلاً يقال له: عبيدة بن معتب وهو ضعيف، وعلى كل حال هذه بعض أدلة إسحاق رحمه الله.

    الدليل الثالث: هو حديث ابن عمر : ( صلاة الليل مثنى مثنى )، متفق عليه.

    فقالوا: ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم نص على أن صلاة الليل مثنى مثنى، فمنطوق الحديث: أن صلاة الليل مثنى مثنى، ومفهومه: أن صلاة النهار ليست كذلك، وهذا يسمونه: مفهوم اللقب، فدليل على أن صلاة النهار تكون رباعية في النوافل، كما في الركعات قبل العصر، والركعات قبل الظهر.

    فهذه بعض أدلة إسحاق على أفضلية جمع الركعات بتسليم واحد.

    القول الثالث: التخيير بين السلام في صلاة النهار من ركعتين أو من أربع وأدلته

    القول الثالث: هو أن الأمر سيان: إن شاء سلم من ركعتين، وإن شاء سلم من أربع ركعات، وهذا القول نسبه بعضهم أيضاً لـإسحاق بن راهويه، وقد ذكرت لكم قوله، وهو مذهب الأوزاعي إمام أهل الشام وأهل الرأي، وحكاه غير واحد عن ابن عمر رضي الله عنه وبعض الصحابة، فقالوا: الأمر سيان إن شاء سلم من ركعتين، وإن شاء سلم من أربع، واستدلوا ببعض ما سبق من الأدلة.

    فقالوا: إن هذا وارد وهذا وارد، فإن صلى ركعتين كفى ذلك، وإن صلى أربعاً جاز ذلك أيضاً، ولعل هذا القول الثالث يعمد إلى الجمع بين النصوص، فيجرى مثلاً: حديث أبي أيوب وحديث علي على ظاهرهما، وتجرى الأحاديث الأخرى التي ذكرنا طائفة منها على ظاهرها أيضاً، فيجيز هذا وهذا، ويكون التسليم من ركعتين فيما ورد كتحية المسجد، وكصلاة الكسوف، وكصلاة العيد، باعتبار القول بأنها ليست واجبة، وكصلاة الطواف، وكركعتي الوضوء، وكصلاة الاستخارة.. وغيرها مما ورد، وأيضاً كالسنن الرواتب، ورد النص على أنها ركعتان .. ركعتان، ويجري الأربع فيما ورد، كالركعات قبل الظهر، والركعات قبل العصر.

    والأقرب والله تعالى أعلم فيما ظهر لي: أن الأولى السلام من كل ركعتين؛ لأن هذا هو الغالب المطرد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سائر تطوعاته ونوافله الرواتب وغيرها، وهو المعروف عنه عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل أيضاً، ولا يعني هذا تحريم جمع أربع ركعات بتسليم واحد، بل ظاهر أن هذا جائز، فلو جمع الإنسان أربع ركعات بتسليم واحد أجزأه ذلك.

    وهناك في المسألة أيضاً أقوال: هل يزيد على أربع، فيصلي ستاً أو ثمانياً؟ وهل يجوز أن ينقص عن الثنتين فيتطوع بركعة واحدة غير الوتر؟

    كلام طويل للفقهاء لا نفيض به، فإن الأصل في التعبد الوقوف عند الوارد، هذا هو الأصل فيه، وينبغي للإنسان ألا يتجاوز ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإننا تعبدنا بما شرعه لنا الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من قوله، أو من فعله عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    شرح حديث: (صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب .. لمن شاء ..)

    الحديث الذي بعده: حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة ).

    تخريج الحديث

    والحديث عزاه المصنف رحمه الله تعالى للبخاري، فقد رواه البخاري في صحيحه في كتاب التطوع، كتاب التهجد كما أسلفنا، باب الصلاة قبل المغرب، ورواه أيضاً في كتاب الاعتصام من صحيحه، وكذلك عزاه جماعة من العلماء للإمام مسلم، كما فعل الخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح وكما فعل ابن الأثير في جامع الأصول، فإنهما وغيرهما من أهل العلم عزوا الحديث إلى مسلم، وكأنه وقع لبس بين هذا الحديث، وبين حديث ابن مغفل الآخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( بين كل أذانين صلاة، قال في الثالثة أو الرابعة: لمن شاء )، وإلا فـمسلم لم يروه في صحيحه بهذا اللفظ الذي رواه به الإمام البخاري : ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء )، وعزوه إلى مسلم معدود في الأوهام والله أعلم.

    وكذلك رواه أبو داود في سننه، باب الصلاة قبل المغرب، ورواه البيهقي، والبغوي في شرح السنة .. وغيرهم، وله شاهد عند الدارقطني في سننه عن أبي ذر رضي الله عنه.

    وقد روى الحديث ابن حبان باللفظ الآخر الذي ساقه المصنف بعد ذلك، وسوف أعود إليه بعد قليل: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب ).

    حكم صلاة ركعتين قبل المغرب

    والحديث فيه مشروعية صلاة ركعتين قبل المغرب، أي: بعد دخول الوقت، بعد غروب الشمس وقبل أداء الصلاة، كما سوف يأتي النص عليه.

    وهذه الصلاة هي ركعتان أيضاً، كما جاء النص عليها في رواية أبي داود .. وغيره، أنه قال: ( صلوا قبل المغرب ركعتين )، فيصلح أن تذكر أيضاً في المسألة التي قبلها في النص على ركعتين: ( صلوا قبل المغرب ركعتين ).

    وقد جاء ما يشهد لهذا كثيراً في الأحاديث الصحيحة، فقد روى البخاري ومسلم أيضاً في صحيحيهما عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان المؤذن إذا أذن، قام أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري )، جمع سارية: وهي العمود، (يبتدرون السواري) يعني: يجعلونها سترة لهم يصلون إليها ( حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، يصلون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء )، يعني: لم يكن هناك وقت طويل بين الأذان والإقامة، فحديث أنس هذا وهو في الصحيحين، دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب، ويتسابقون إلى السواري، ويراهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فيقرهم عليه، وهو دليل على أنها سنة مشهورة معروفة عند الصحابة رضي الله عنهم، بل جاء في رواية عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( إن الرجل الغريب يدخل المسجد، فيظن أن صلاة المغرب قد صليت؛ من كثرة من يصلي هاتين الركعتين )، يعني: إما أن يظن أن الناس يقضون، أو أنه يظن أنهم يصلون الراتبة التي بعد المغرب، وهذا أقوى؛ لأنهم متفرقون في السواري، فهذا شأن الراتبة التي تكون بعد المغرب، وذلك دليل على كثرة من يصليها أيضاً.

    وفى رواية لـأبي داود : ( أنهم سألوا أنساً رضي الله عنه: أرآكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم رآنا، فلم يأمرنا ولم ينهنا ).

    فهذا يدل على أن الأمر كان عندهم مشهوراً معروفاً مقراً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد جاء أيضاً في صحيح البخاري عن مرثد بن عبد الله قال: ( ذهبت إلى عقبة بن عامر الأنصاري الجهني رضي الله عنه، فقلت له: ألا تعجب، أو ألا أعجبك من أبي تميم، ألا تعجب من فعله؟ إنه يركع ركعتين قبل صلاة المغرب؟ فقال عقبة رضي الله عنه: إنا كنا نفعل ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال له مرثد فما يمنعك أن تفعلها الآن، قال عقبة : الشغل )، يمنعني الانشغال من فعلها، فهو دليل أيضاً على ما سبق، ومما يدل على مشروعية هاتين الصلاتين حديث: ( بين كل أذانين صلاة )، وهو في الصحيحين من حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه وأرضاه.

    والمقصود بقوله: ( بين كل أذانين صلاة )، يعني: بين كل أذان وإقامة يقيناً؛ لأنه قال في الرابعة أو الثالثة: ( لمن شاء )، فدل على أن المقصود بقوله: ( بين كل أذانين صلاة )، صلاة فريضة أو نافلة؟ نافلة؛ لأن الفريضة لا يقال فيها: (لمن شاء)، وإلا فلا شك بين كل أذان وأذان صلاة فريضة، يعني فبين أذان الظهر وأذان العصر صلاة الظهر، وبين أذان العصر وأذان المغرب صلاة العصر.. وهكذا.

    لكن يقيناً أن هذا ليس هو المقصود؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة أو الرابعة: (لمن شاء)، فدل على أن الأمر يتعلق بنافلة أو سنة، فالمقصود بالأذانين هاهنا الأذان والإقامة، فالإقامة تسمى أذاناً على سبيل التغليب، كما هو معروف، فهذا أيضاً دليل على مشروعية صلاة ركعتين بعد غروب الشمس، وقبل صلاة المغرب.

    وقد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا، فقال: ( صلوا قبل المغرب .. صلوا قبل المغرب.. صلوا قبل المغرب، لمن شاء )، فتكرار الأمر بها دليل على مشروعيتها.

    وقوله هنا: ( كراهية أن يتخذها الناس سنة )، وفى رواية: [ مخافة أن يتخذها الناس سنة ]، ما معنى هذا ما دام نقول: إنها سنة، فكيف كره أن يتخذها الناس سنة؟ المقصود بقوله: ( أن يتخذها الناس سنة )، يعني: طريقة مأثورة متبعة لا يخلون بها، كأن ينزلوها منزلة الرواتب في المحافظة عليها، وعدم تركها؛ ولهذا كان يذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن ما سوى الرواتب ينبغي أن يتركها الإنسان ولو أحياناً، ولا يحافظ عليها محافظة على الرواتب، وهذه قاعدة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله .. وغيره، فالمقصود هنا: (كراهية أن يتخذها الناس سنة) يعني: طريقة لازمة، وإلا فهي سنة من حيث أنه يستحب أن يفعلها من غير وجوب، بل هي سنة من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، إن صحت الرواية كما عند ابن حبان: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: صلوا قبل المغرب.. صلوا قبل المغرب، لمن شاء ).

    وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الركعتين قبل المغرب ليستا بسنة، بل هما من قبيل المباح، وهذا نسب للإمام أحمد، بل قال ابن قدامة : إنه ظاهر كلام الإمام أحمد، فيما نقله الأثرم عنه، وكذلك رجحه ابن خزيمة كما في صحيحه، فإنه قال ما معناه: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا بها بقوله: (صلوا قبل المغرب) هو أمر إباحة؛ لأنه نهى عنه قبل ذلك، وكل أمر جاء بعد النهي فهو أمر إباحة؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر، ثم أمر بهاتين الركعتين قبل المغرب، فدل على أن الأمر أمر إباحة لا أمر استحباب، وكلام ابن خزيمة رحمه الله، فيه ما فيه.

    فإن وقت النهي الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، ينتهي بغروب الشمس، بأذان المغرب، وبعده يبدأ وقت هاتين الركعتين.

    إذاً: الوقت مختلف، الوقت الذي نهى فيه عن الصلاة، هو ما قبل غروب الشمس، والوقت الذي أمر فيه بصلاة ركعتين هو بعد غروب الشمس، فليس أمراً بعد الحظر، كما يقول الأصوليون، بل هو أمر مستقل لم يسبقه نهي.

    1.   

    شرح حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين)

    أما الرواية الأخرى التي ساقها المصنف رحمه الله: وهي رواية ابن حبان: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين )، فهي كذلك موجودة في صحيح ابن حبان، كما في الإحسان المطبوع، في كتاب الصلاة، باب أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم بالركعتين قبل المغرب. ‏

    تخريج الحديث

    وسندها ظاهره الصحة، بل رجاله على شرط مسلم رحمه الله تعالى، وقد رواه من طريق ابن خزيمة، وابن خزيمة أيضاً روى الحديث في صحيحه بالإسناد، ولكنه لم يذكر مسألة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل المغرب )، إنما ذكر الحديث باللفظ الموجود عندنا: ( صلوا قبل المغرب ) وسيأتي الجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى التي بعده وهو حديث مسلم .

    1.   

    شرح حديث: (كنا نصلي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل المغرب)

    قال المصنف رحمه الله:

    ولـمسلم عن ابن عباس قال: ( كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرانا، فلم يأمرنا ولم ينهنا )، وذكر ابن عباس في هذا الحديث خطأ؛ فإن الحديث صوابه: ولـمسلم عن أنس، وهكذا هو في صحيح مسلم رحمه الله تعالى في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين قبل المغرب، رواه عن أنس رضي الله عنه، وإن كان اللفظ مختصراً الذي ساقه المصنف، فإنه في صحيح مسلم قال: ( كنا نصلي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد غروب الشمس، قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهما؟ قال: كان صلى الله عليه وسلم يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا ).

    فاللفظ مختلف شيئاً ما عما ساقه المصنف، وما ذكره المصنف، مختصر لرواية مسلم .

    إذاً: ذكر ابن عباس في الحديث خطأ، وقد يكون خطأ مطبعياً والله تعالى أعلم، فإن لم يكن فهو خطأ من بعض النساخ، فإني رأيت أن النسخة التي شرحها الإمام الصنعاني في سبل السلام فيها ذكر أنس رحمه الله، وكذلك رجعت إلى مخطوطة بلوغ المرام، فوجدت في مخطوطة المحمودية اللوحة رقم (27) ولـمسلم عن أنس، ولم يذكر ابن عباس .

    الجمع بين حديث أنس وعبد الله بن مغفل في صلاة الركعتين قبل المغرب

    وظاهر الحديث أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في رواية مسلم التي سقتها، لم يكن يصلي الركعتين؛ لأن أنساً لما سئل: ( أصلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا )، فهاهنا تعارض بين قول أنس وقد سئل: (أصلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما)، وبين قوله في الرواية الأخرى عند ابن حبان عن عبد الله بن مغفل أنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين قبل المغرب )، فكيف نوفق بين هذا؟

    الوجه الأول: أن نوفق بينهما بالجمع، كما سبق مراراً، أن يكون أنس ما رآه صلى الله عليه وسلم يصلي قبل المغرب، لكن ابن مغفل رآه يصلي، أو أخبر عن ذلك بواسطة بعض الصحابة، فأخبر عنه، ولا يلزم من كونه صلاهما أن يكون حافظ عليهما، هذا وجه.

    الاحتمال الثاني: أن يكون المعتمد ما ذكره أنس رضي الله عنه: أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يصليهما قبل المغرب، بدليل حديث مسلم في قوله: ( لما سئل أكان يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا ولم ينهنا )، ومثله أيضاً: الرواية التي سقتها قبل قليل في الصحيحين، فإن ظاهرها يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليهما، بدليل قوله: ( كانوا يبتدرون السواري، حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم )، يعني: إذا خرج لم يصلوا، بل تقام الصلاة، فهذا يدل أنه لم يكن يصليهما.

    وبناءً عليه يمكن أن يقال في رواية ابن حبان: إن فيها وهماً، فربما لم يكن لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ذكر، وربما كان الذي يصلي هو عبد الله بن مغفل، فأخطأ بعض الرواة ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون عبد الله بن مغفل صلى قبل المغرب، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب )، فتوهم أحد أن الصلاة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اجتهاد قابل للخطأ، وقابل للصواب، وإنما ذكرته احتمالاً لسبب، وهو أن الحديث مداره ومخرجه واحد، وانفرد ابن حبان بذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وابن خزيمة مع أن ابن حبان روى الحديث من طريقه، ابن خزيمة ما ذكر صلاة النبي عليه الصلاة والسلام.

    فوائد حديث عبد الله بن مغفل

    وفي حديث عبد الله بن مغفل فوائد:

    منها: مشروعية صلاة ركعتين قبل المغرب.

    ومنها: أن الأفضل في التطوعات أن يسلم من كل ركعتين، لرواية أبي داود : ( صلوا قبل المغرب ركعتين ).

    ومن الفوائد أيضاً: التخفيف على الناس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لمن شاء )، و( كراهية أن يتخذها الناس سنة ).

    ومن فوائده: أنها تصلى بعد دخول الوقت، بعد غروب الشمس وقبل الصلاة، كما نص عليها في اللفظ الآخر الذي سقته، وكل سنة تتعلق بصلاة، فإنها توقع بعد دخول الوقت وقبل أداء الصلاة، كالسنن قبل الظهر مثلاً، فإنها توقع بعد الزوال وقبل الصلاة، ومثلها سنن العصر، فإنها توقع بعد دخول العصر وقبل الصلاة، ومثل: المغرب وكذلك العشاء والفجر، فإن السنن المتعلقة بهذه الصلوات توقع بعد دخول الوقت، فإن كانت قبلية أوقعت قبل الصلاة.

    وفيه: دليل على حجية الإقرار، أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أحد أوجه التشريع، فإذا رآهم الرسول صلى الله عليه وسلم على شيء فسكت، كان دليلاً على جوازه، فإن كان عبادة، كان دليلاً على استحبابه والله أعلم، كما في حال هذه الصلاة، فإنها لو لم تكن مشروعة لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم عليها، فضلاً عن أنه أمر بها، فكل أمر فعله الصحابة، ورآهم النبي صلى الله عليه وسلم وأقرهم عليه، فهو إما أن يكون مباحاً أو يكون مستحباً مشروعاً، بحسب نوعه.

    ومثله أيضاً: إن كان من الأمور الظاهرة، التي يغلب على الظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم علم بها، أما إن كان من الأمور الخفية، ولم ينقل أن النبي عليه الصلاة والسلام علم بها، ولا اطلع عليها، فهل يكون فعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تشريعاً؟

    الأصح أن هذا لا يعتبر إقراراً؛ لأن الإقرار هو إقرار النبي صلى الله عليه وسلم فيما علمه، أو سئل عنه، أو اطلع عليه، أو غلب على الظن علمه به.

    أما لفظ: (لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن) فهذا فيه كلام طويل.