إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 347-349

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 347-349للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر حديث مالك بن الحويرث في شأن الصلاة حديثاً مهماً لاشتماله على جملة من الأحكام والفوائد أهمها قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، كما يعتبر حديث عمران في صلاة القائم والقاعد والمضطجع أساساً لصلاة المريض أو النافلة على خلاف في توجيهه، حيث ذهب بعضهم إلى جواز صلاة النافلة من قعود مطلقاً لهذا الحديث، وقيل بأن هذا الحديث في شأن المريض العاجز عن القيام أو العاجز عن القيام والقعود.

    1.   

    شرح حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)

    اللهم لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما تحب وترضى، نحمدك وأنت للحمد أهل، ونشكرك ونثني عليك الخير كله، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، ونصلي ونسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد خاتم رسلك، وأفضل أنبيائك، الذي حمل الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله تعالى به الغمة، فجزاه الله تعالى عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ثم رضوان الله تبارك وتعالى على أصحابه الكرام الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عندنا الآن الحصة الأخيرة، نحمد الله تعالى ونسأله التوفيق والقبول، ومما يتعلق بصفة الصلاة هذه الأحاديث الثلاثة.

    الحديث الأول منها: حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، يقول المصنف: رواه البخاري .

    تخريج الحديث

    وقد سبق أن سرد المصنف أو ذكر جزءاً آخر من هذا الحديث، تذكرون في أي باب؟ حديث مالك بن الحويرث سبق أن مر معنا أكثر من مرة، لكن أشهر وأوضح موضع في الأذان؛ لأن قوله: ( فليؤذن لكم أحدكم )، وقد سرد المصنف أن هناك منه جزءاً المتعلق بالأذان، وقال: أخرجه السبعة، والغريب أنه هنا رحمه الله اقتصر على عزو الحديث للبخاري .

    وعلى كل حال: الحديث رواه البخاري في صحيحه في تسعة مواضع:

    منها: في كتاب الأذان، باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم.

    وهنا أيضاً في كتاب الأذان، باب المكث بين السجدتين، وأول موضع خرج البخاري فيه هذا الحديث هو أيضاً في كتاب الأذان باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد.

    وقد رواه مسلم أيضاً في صحيحه، في كتاب المساجد، باب الأحق بالإمامة، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد ؛ ولهذا قال المصنف كما سبق في باب الأذان، قال: أخرجه السبعة، وأيضاً رواه غير هؤلاء كثير.

    فالحديث من الأحاديث المشهورة المتداولة، ويشبهه في هذا حديث المسيء صلاته، فإنه يذكر بمناسبات كثيرة، وقلَّ أحد من أهل العلم إلا ذكره واستشهد به أو خرجه.

    وعلى سبيل المثال: فممن خرج الحديث أيضاً البخاري نفسه في كتاب الأدب المفرد، والبيهقي في السنن، والطبراني في معجمه الكبير، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو عوانة في مستخرجه، والحاكم، والدارمي، والشافعي، والطحاوي، والبغوي، وابن أبي شيبة .. وغيرهم.

    وكل هؤلاء رووا الحديث عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قال: ( أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده نحواً من عشرين ليلة )، وفي رواية: ( فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا )، وفي رواية: ( فظن أنا قد اشتهينا أهلنا، وسألنا عمن تركنا؟ فأخبرناه، فقال صلى الله عليه وسلم وكان رقيقاً رحيماً -وفي رواية: رفيقاً بالفاء- فقال: ارجعوا إلى أهلكم فعلموهم ومروهم، وصلوا )، وفي رواية: ( وصلوا كما رأيتموني أصلي )، وهي المقصودة بحديث الباب ( فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم )، وهذا أحد المواضع، التي ذكر المصنف فيها هذا الحديث، وإلا فقد سبق أنه ذكره مرتين، مع أن الحديث جدير أيضاً أن يعاد في باب قادم، وهو: باب الإمامة من كتاب الصلاة؛ لقوله: ( وليؤمكم أكبركم )، ولكن المصنف لم يذكره في باب الإمامة، اكتفاء بذكره هاهنا، وذكر الشاهد منه؛ فلذلك لم يعد رحمه الله تعالى ذكره.

    قوله هنا: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، هذا ذكرت أنه ليس في جميع الروايات، ولكنه في بعض الروايات، أما في بعضها الآخر، كما في الصحيح نفسه أيضاً فيما روى، قال: ( علموهم ومروهم وصلوا ) ولم يقل: ( كما رأيتموني أصلي )، لكنها ثابتة أيضاً في روايات أخرى.

    ترجمة مالك بن الحويرث

    صحابي الحديث هو مالك، قدوم مالك بن الحويرث رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم كان مع قومه، كما ذكر في روايات، وقال هاهنا: ( ونحن شببة متقاربون )، فكان قدم مع قومه، وقومه هم بنو ليث بن بكر، وكان قدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ابن سعد في الطبقات بأسانيد عدة: أنهم قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يتجهز لغزوة تبوك، وغزوة تبوك متى كانت؟

    في رجب سنة تسع، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله: (شببة) بفتح الشين والباء أي: شباب جمع شاب.

    وقوله: (متقاربون) أي: متقاربون في السن.

    وقوله: (رفيقاً أو رقيقاً) بالوجهين، جاءت روايتان في البخاري وغيره: إما من الرفق، وإما أنه رقيق القلب، يحنف عليهم، ويتنبه لحاجاتهم.

    وقوله: (رقيقاً) هذه ذكرها الحافظ ابن حجر بالقافين، جاءت في رواية الأصيلي للبخاري أنها بقافين (رقيقاً).

    وبقية ألفاظ الأحاديث واضحة، وقد سبق شرح شيء منها.

    فوائد الحديث

    وفي الحديث على كل حال فوائد تتعلق بالأذان وصفته ومن يؤذن وأحكامه، وهذه سبقت، ونشير الآن إلى فوائد أخرى:

    فمن فوائد الحديث: فضل الهجرة إلى الله تعالى ورسوله والرحلة في طلب العلم، كما حصل لـمالك بن الحويرث وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وقد كانت الرحلة في طلب الحديث من شأن المتقدمين، حتى صنف فيها الخطيب البغدادي كتاباً نفيساً اسمه: الرحلة في طلب الحديث، وذكر فيه فضل الرحلة ومن ارتحلوا، وفوائد تتعلق بهذا الباب.

    ومن فوائد الحديث أيضاً: أنه لا ينبغي للإنسان خاصة طالب العلم، والمقبل على الله، والناسك والداعية أن يتشبع بما ليس فيه، وما لم يكن له فيه نية ولا قصد، وهذا يؤخذ من قول مالك بن الحويرث رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رأى أنا قد اشتقنا إلى أهلينا، فسألنا عمن تركنا، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم، ومروهم، وصلوا )، وكان يستطيع أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم علم حاجة أهلنا إلى العلم والفقه، وغلبة الجهل عليهم وبعدهم، فأمرنا أن نعود إليهم ونعلمهم، ولكنه رضي الله عنه ذكر الحقيقة كاملة، فقال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا فقال: ارجعوا، وسألنا عمن تركنا وراءنا )، وهم شببة متقاربون كما ذكر، فكانت دواعي الحال أن يؤمروا بالرجوع إلى أهليهم؛ رفقاً بهم وبأهلهم، وتأليفاً أيضاً لأهلهم، ونشراً للخير، ولكنه بدأ بذكر الأمر الأول، وهو: ( أنه رأى صلى الله عليه وسلم حاجتهم، واشتياقهم إلى أهليهم ).

    ومع ذلك لما كانت نياتهم صالحة، ومقاصدهم سليمة، صادف ذلك خيراً كثيراً لهم في الدين، فرجعوا وعلموهم، ونشر الله تعالى علم مالك ليس في أهله فقط، بل في الأمة كلها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فقلّ إنسان يدرس صفة الصلاة، إلا ويعرف حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وهذا كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديث، وفي التحريض على طلب الحديث قال: [ هو حظ وافق حقاً ]. يعني: طلب الحديث فيه خير، وفيه بر، وفيه مصلحة، ولكنه حق أيضاً، فهو دين ودنيا، يطلب الإنسان الدين فتأتيه الدنيا، تبعاً لذلك.

    ومن أهم فوائد حديث الباب حديث مالك بن الحويرث ما يتعلق بصفة الصلاة؛ ولذلك ساقه المصنف هنا في قوله: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، وذلك: أن قوله: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، دليل لجماعة من أهل العلم، على أن كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من صفة الصلاة، فالأصل فيه أنه واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن نصلي كما رأيناه يصلي.

    فذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن كل عمل عمله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، ونقل عنه، فإنه ينبغي أن يقال بوجوبه، ما لم يوجد صارف عن الوجوب؛ لأنه فعل والقول يتبعه: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، وقد تكلم الإمام الحافظ الأصولي الكبير ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام عن هذه المسألة، بكلام محرر وجيه، خلاصته أنه يقول: إن هذا الخطاب في الحديث إنما وقع لـمالك بن الحويرث وأصحابه بأن ذكر الصلاة على الوجه الذي رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يصليه، قال رحمه الله: نعم، يشاركهم في الحكم جميع الأمة، بشرط أن يثبت استمراره صلى الله عليه وسلم على فعل ذلك الشيء المستدل به دائماً، حتى يدخل تحت الأمر، ويكون واجباً.

    إذاً: ابن دقيق العيد أضاف شرطاً لما نقول بوجوب الفعل: وهو ليس أن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله ولو مرة واحدة، بل لابد أن يكون نقل عنه استمراره صلى الله عليه وسلم على ذلك الفعل، ومن المعلوم أن مجرد الاستمرار لذاته لا يدل على الوجوب، لكن لما أضيف عليه حديث مالك بن الحويرث : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) دل هذا على أنه خطاب لجميع الأمة، دل على أن هذا الفعل الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم واجب، وبعض الأفعال مقطوع باستمرار النبي صلى الله عليه وسلم عليها، أما ما لم يدل دليل على وجوبه، في تلك الصلاة التي رآها مالك بن الحويرث وأصحابه، وتعلق الأمر بإيقاع الصفة على ضوئها، فإنه لا يمكن الحكم بتناول الأمر له.

    يعني: نحن لا ندري ماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الصلوات، فرآه مالك بن الحويرث؟ وماذا ترك؟ فنقول: إن الأمر متعلق بتلك الصلاة التي وقع الأمر بالصلاة على مثلها، فإذا رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في تلك الصلاة بصفة ولم يتركها، عرفنا أن هذا واجب، أما ما سوى ذلك فنقول: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الاستحباب، ما لم يوجد دليل إضافي على الوجوب، ولا نقول: بأن كل فعل فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة واجب، إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم داوم عليه واستمر.

    هذا خلاصة ما قرره الإمام الحافظ ابن دقيق العيد، وهو وجيه.

    يبقى هاهنا إشكال: لقد سبق معنا: أن مالك بن الحويرث ذكر قعود النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان في وتر من صلاته، وهو ما يسمى عند الفقهاء بجلسة الاستراحة، فكيف نخرج جلسة الاستراحة من هذا التقرير الذي قرره ابن دقيق العيد ؛ لأننا نعلم أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه ومن معه، رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يجلس جلسة الاستراحة.

    إذاً: نقول: هذا من الصلاة التي وقع الأمر بمشابهتها: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، رأيناه يصلي فيجلس جلسة الاستراحة، هكذا نقل لنا مالك بن الحويرث، فما الذي أخرج جلسة الاستراحة عن الوجوب؟

    عدم الاستمرار عليها، وكيف عرفنا عدم الاستمرار؟

    سبق معنا ثلاثة أحاديث: حديث أبي هريرة، وحديث مالك بن الحويرث، وحديث وائل بن حجر في جلسة الاستراحة.

    وذكرنا في تقرير آنذاك: أن هذه الأحاديث وغيرها جاء فيها ذكر الجلسة، وجاء فيها السكوت عنها، وجاء فيها نفيها، وقلَّ أحد لعله لم ينقل جلسة الاستراحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هؤلاء، فلو كان يحافظ عليها لنقلت نقلاً مشهوراً عن الجماعة الآخرين من الصحابة.

    من فوائد حديث الباب أيضاً: الاحتجاج بخبر الواحد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل خبر مالك بن الحويرث حجة على من وراءه منه.. وكذلك أصحابه حجة على من وراءهم من أهلهم.

    ومنها: رفق الرسول صلى الله عليه وسلم بأمته، ورأفته بأحوالهم، وتفقده لأمورهم.

    ومنها: العناية بأمر الشباب، وما جبلوا عليه، وأن الموجه أو الشيخ أو المربي أو العالم ينبغي أن يتفطن لأحوالهم، ويراقب أمورهم، ويتعاهدهم بالعناية والرعاية، وحسن التدبير، وخاصة مراعاة ما جبلوا عليه من القوة والغريزة التي قد يحصل بسببها الضرر عليهم في دينهم أو دنياهم، فيحصل الإعفاف، ويحصل بالإعفاف تحصيل مقصد من أعظم مقاصد الشرع؛ ولذلك أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى أهليهم.

    كما أن فيه بيان الواجب المنوط بالقادرين، وخاصة من الشباب في التعليم، ونشر الدعوة، كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: ( فارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي )، وأن من تعلم شيئاً ينبغي أن يعلمه للناس قولاً وفعلاً.

    فقوله: ( مروهم ) هذا بالقول، ( وعلموهم ) بالقول والفعل، ( وصلوا كما رأيتموني أصلي ) هذا قول أو فعل؟

    هذا فعل، يصلون لأنفسهم وللناس أيضاً، يعلمونهم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي.

    1.   

    شرح حديث: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب)

    الحديث الثاني: حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب )، قال المصنف هنا: ( وإلا فأومي )، وهذا موجود في بعض نسخ بلوغ المرام، قال: رواه البخاري.

    تخريج الحديث

    والحديث رواه البخاري دون قوله: (وإلا فأومي)، فإن قوله: (وإلا فأومي) لم أجده في الشيء من الروايات، رواية حديث عمران لم أجد في شيء منها لفظ: (وإلا فأومي) كما نبه على ذلك أيضاً المعلق الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله تعالى.

    رواه البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب من لم يطق الصلاة قاعداً صلى على جنب، دون قوله: (فأومي)، وجاء لفظ آخر في صحيح البخاري أيضاً: وهو أن عمران رضي الله عنه قال: ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل قاعداً؟ وكان مبسوراً -يعني: فيه الباسور رضي الله عنه- فقال: إن صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد )، ومثله أيضاً في باب صلاة القاعد بالإيماء، وأيضاً ذكره في باب ثالث: باب صلاة القاعد.

    قال البخاري : (نائماً) عندي هاهنا أي: مضطجعاً، يعني: من صلى نائماً فله نصف أجر القاعد، يعني: مضطجعاً.

    وحديث عمران أخرجه أيضاً أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وابن أبي شيبة والطبراني وابن خزيمة وابن حبان .. وغيرهم.

    فقه الحديث

    الحديث هل هو في صفة صلاة المريض، أو هو في النافلة؟

    يحتمل هذا وهذا، فيحتمل أن يكون المقصود في صلاة المريض أنه إن استطاع صلى قائماً، فإن عجز صلى قاعداً، فإن عجز صلى مضجعاً أو نائماً، كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ما هو الدليل على أن هذا هو المقصود من الحديث؟

    قوله: ( فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب )، هذا دليل على أن الأمر مقرون بالاستطاعة، وأن الحديث جاء في شأن المريض.

    وأيضاً من الأدلة على أن هذا في شأن المريض: قوله: ( وكان مبسوراً ) هذا قد يستدل به، وإن كان المبسور لا يعني أنه قد يعجز عن القيام، قد يعجز، وقد يكون مستطيعاً للقيام.

    قالوا: إن هذا.. يعني: أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام ولا يلزم أن يكون لنفسه، بل سأل لنفسه أو لغيره، الدليل الثالث على أن هذا في صلاة الفريضة للعاجز والمريض، قوله: (فعلى جنب)؛ لأن هذا يدل على أن الإنسان يصلي على جنبه، والنافلة لا تصلى على جنب؛ ولهذا قال الخطابي رحمه الله: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك، يعني: في كون الإنسان يتنفل على جنبه وهو قادر على القعود وعلى القيام.

    إذاً: يبقى عندنا إشكال ما دام الحديث في المريض، سقت لكم رواية في البخاري في نفس حديث الباب، قال: ( من صلى قائماً فهو أفضل )، فكيف نحمل هذا على المريض غير المستطيع، ويخاطب بأن يقال له: ( من صلى قائماً فهو أفضل )، كيف يجاب عن هذا الإشكال؟

    قوله: (من صلى قائماً فهو أفضل) إذا قلنا: إن المقصود بالحديث المريض، فنقول: إن هذا في المريض الذي يستطيع أن يقوم، ولكن تلحقه من القيام مشقة كبيرة، ولكنه يمكن أن يتحامل ويقوم ويصلي قائماً، فيكون قيامه أفضل، ولو قعد أجزأه ذلك، فهذا هو الجواب، وهذا هو الذي رجحه الخطابي في توجيه الحديث، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : وهو حمل متجه. يعني: وجيه، ثم قال: ويؤيده صنيع البخاري، حيث أدخل في الباب حديث أنس وعائشة، وهما في صلاة المفترض قطعاً، قال: فمن صلى فرضاً قاعداً وكان يشق عليه القيام أجزأه، وكان هو ومن صلى قائماً سواء.

    إذاً: هذا فيمن يستطيع أن يقوم، ولكن يشق عليه القيام، وإن تحامل هذا المعذور، وتكلف القيام مع المشقة، كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام.

    أيضاً فيمن يشق عليه القعود فنام وصلى وهو مضجع، وهو يستطيع أن يقوم، لكن يشق عليه.

    ومما يرجح ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس، قال: ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهي محمومة -يعني: فيها الحمى- فحم الناس، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون في المسجد من قعود، فقال: صلاة القاعد نصف صلاة القائم )، فهؤلاء الناس الآن الذين دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مصابين بالحمى، فصلوا قعوداً من الحمى، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( صلاة القاعد نصف صلاة القائم )، وهذا الحديث الذي رواه أحمد، قال فيه الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات، وله طريق أخرى عند النسائي.

    هذا الوجه الأول: أن يكون الحديث محمولاً على صلاة الفرض للمريض، ويكون قوله: (أفضل) في حق من يستطيع القيام بمشقة، فصلى قاعداً، أو في حق من يستطيع القعود بمشقة، فصلى مضطجعاً، هذا واضح أو لا؟ واضح إن شاء الله تعالى.

    يوجد احتمال آخر: بعض أهل العلم حملوا الحديث على صلاة النافلة، قالوا: الحديث جاء في صلاة النافلة.

    وهذا الوجه حكاه ابن التين .. وغيره عن جماعة من أهل العلم: كـأبي عبيد وابن الماجشون من فقهاء المالكية، وإسماعيل القاضي، والإسماعيلي صاحب المستخرج والداودي .. وغيرهم، وكذلك نقله الإمام الترمذي في سننه عن الثوري، أنهم حملوا الحديث على صلاة النافلة، وقالوا: إن الإنسان إن تنفل قائماً كان أفضل، فإن تنفل قاعداً أجزأه ذلك، وله نصف الأجر.

    وعلى احتمال أن الحديث في النافلة، فإنه يدل على أن الإنسان يجوز له أن يصلي النافلة وهو مضطجع، كما ذكرت، والنائم ليس معناه الذي غاب وعيه، لكن المقصود المضطجع، كما فسره البخاري رحمه الله، قال: (نائماً) عندي هاهنا: مضطجعاً، فهو يدل إن قلنا: إنه جاء في النافلة، على أنه يجوز للإنسان أن يصلي وهو مضطجع، وهذا وإن قال الخطابي كما سبق: إنه لا يحفظه عن أحد من أهل العلم، إلا أنه جاء عن بعضهم، فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، قال: ( إن شاء الرجل صلى صلاة التطوع جالساً وقائماً ومضطجعاً )، فهذا مذهب الحسن البصري، وهو أيضاً مذهب جماعة من أهل العلم، بل هو أحد الوجهين عند الشافعية، وصححه المتأخرون منهم، وحكاه الإمام القاضي عياض وجهاً عند المالكية، وهو اختيار الأبهري .. وغيره، واحتجوا لهذا المذهب بهذا الحديث.

    والوجه الأول أن المقصود بالحديث صلاة الفريضة أقوى وأشهر وأولى، والله تعالى أعلم.

    صلاة المريض ومن في حكمه

    الحديث دليل على أنه يجوز للمريض أن يصلي قاعداً إن كان لا يستطيع القيام، ولا إعادة عليه،، وهذا بإجماع أهل العلم، ولو كان يستطيع القيام، ولكن ذلك يشق عليه مشقة ظاهرة، أو يؤخر برءه، ومثله لو كان في السفينة، ويخاف إن قام أن يغرق، أو يصيبه إذا قام دوار في رأسه، جاز له في كل هذه الأحوال أن يصلي وهو قاعد.

    ومثله قالوا: من كان في حال حرب وهو مختبئ (كمين) للعدو، فلو قام كشفه العدو وعرفه، فإنه يجوز له أن يصلي وهو قاعد، ولا إعادة عليه، وإن كان هذا العذر نادراً -كما قال بعضهم-، إلا أنه أولى بأن يرخص له في ذلك من المريض، فليصل قاعداً ولا إعادة عليه.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمريض صلى على وسادة: صل على الأرض)

    الحديث الثالث والأخير: هو حديث جابر رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمريض صلى على وسادة، فرمى بها -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- وقال: صل على الأرض )، وفي مصادر الحديث: ( أنه لما رمى بها قال: فصلى الرجل على عود -يعني: قام يتوكأ على عصا-، فرمى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومي إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك )، والحديث رواه البيهقي بسند قوي، قال المصنف، ولكن صحح أبو حاتم وقفه.

    تخريج الحديث

    رواه البيهقي في سننه، كما هو موجود في المطبوع في الجزء الثاني صفحة ثلاثمائة وستة، في كتاب الصلاة، ورواه أيضاً في كتاب المعرفة، وأكثر من عزوا الحديث إلى البيهقي عزوه إلى كتاب المعرفة، وهو موجود في المعرفة، وموجود أيضاً في السنن الكبرى للبيهقي .

    ورواه أيضاً البزار في مسنده، كما في كشف الأستار، باب صلاة المريض، وقال البزار في غير هذا الموضع كما ذكر المصنف هنا، قال: سئل عنه أبو حاتم، يعني: أبا حاتم الرازي الإمام الشهير محمد بن إدريس الحنظلي قال: سئل عن هذا الحديث فقال: الصواب عن جابر موقوفاً ورفعه خطأ، وكلام أبي حاتم أيضاً موجود في كتاب العلل المطبوع العلل لابن أبي حاتم، في الجزء الأول صفحة مائة وثلاثة عشر، في التعليق على الحديث رقم ثلاثمائة وسبعة، حيث أعلَّ هذا الحديث بأنه موقوف على جابر من قوله، ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعلى كل حال: الحديث في المصادر المشار إليها سابقاً، هو من رواية أبي الزبير عن جابر وسنده غريب.

    شواهد الحديث

    وللحديث شاهد: عن يعلى بن أمية رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته صلى الله عليه وسلم، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم -يعني: بلل الأرض بالمطر-، فحضرت الصلاة، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم ) وليس المقصود أنه أذن بنفسه كما توهمه بعضهم، وجزم به النووي أخذاً من هذا الحديث.. وغيره، فإن الحديث في رواية أخرى: ( أمر المؤذن فأذن )، بل في مسند الإمام أحمد : ( أنه أذن بلال

    )، فدل على أنه لم يباشر صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه ولكنه ( أمر المؤذن فأذن، ثم أقام، ثم تقدم -يعني: براحلته صلى الله عليه وسلم- فصلى إيماءً -وهذا الشاهد فيما تقدم- يجعل السجود أخفض من الركوع )، وحديث يعلى هذا شاهد لحديث الباب، وقد رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، والبيهقي أيضاً، وهو ضعيف، ضعفه البيهقي، وكذلك الترمذي قال: غريب، وغيرهما، وفي سند الحديث مجاهيل.

    فحديث الباب الراجح أنه موقوف كما رجحه أبو حاتم، وهو حجة في هذا الباب، فحديث الباب موقوف، والآخر ضعيف فيه مجاهيل.

    هيئة قعود المريض في الصلاة

    مسألة: المريض إذا أراد أن يصلي قاعداً كيف يقعد؟

    أولاً: إذا كان بين السجدتين، فإن الأولى به أن يقعد مفترشاً إن كان هذا لا يشق عليه؛ لأن سنة الافتراش بين السجدتين سنة في حق كل مصل، هذه انتهينا منها.

    ثانياً: إن كان في التشهد الأول فإنه يقعد أيضاً مفترشاً إن كان هذا لا يشق عليه، هذه انتهينا منها.

    ثالثاً: إن كان في التشهد الأخير سن له أن يقعد متوركاً.

    إن كان في التشهد الأخير من صلاة ثلاثية أو رباعية، فإنه يقعد متوركاً، إن كان هذا لا يشق عليه.

    إذاً: الكلام في قعوده الذي هو بديل عن القيام، وكذلك في قعوده وهو راكع، فإن الركوع إذا كان عن قعود يحتاج إلى هيئة أيضاً، هيئة القعود حال الركوع، فهذا مما اختلف فيه أهل العلم:

    فذهب بعضهم إلى أنه يقعد مفترشاً، والافتراش ما صفته؟ ما هو الافتراش؟

    يفرش اليسرى، وينصب اليمنى، مثل: القعود بين السجدتين.

    قال: يقعد مفترشاً، وهذا هو الأصح عند الشافعية وقال به أبو حنيفة وزفر، قالوا: لأن هذا القعود قعود عبادة، وينبغي أن يتميز عن قعود العادة، كالتربع أو غيره، خاصة أن الافتراش جاء في القعود بين السجدتين، وفي التشهد الأول، فقالوا: الأولى به أن يقعد مفترشاً، وبناءً عليه لا يغير هيئته في كونه بين السجدتين، ولا يغير هيئته في التشهد الأول؛ لأنه مفترش من الأصل.

    القول الثاني: أنه يقعد متربعاً، وما هي صفة التربع؟

    التربع: أن يفضي بمقعدته إلى الأرض، ويجعل ركبته اليمنى عن يمينه، واليسرى عن يساره، فهذا هو التربع، ووضع إحدى رجليه على الأخرى.

    فقعود طلبة العلم الآن أكثرهم متربعون، فهذا متربع، وهذا متربع، وهذا متربع.. وهكذا؛ لأن جلسة التربع هذه مريحة، ولا مشقة فيها.

    فالقول الثاني يقول: يقعد متربعاً، وهذه أيضاً رواية عن الشافعي، وهي التي ذكرها البويطي في روايته عنه، وهو مذهب الإمام مالك وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد، وبعض أهل الظاهر.. وغيرهم، قالوا: يجلس متربعاً.

    واستدلوا لذلك بأدلة:

    من الأدلة النظرية قالوا: إن هذا القعود بديل عن القيام في الصلاة، بديل عن القيام، فلابد أن يتميز عن هيئات القعود الأخرى، كهيئة الافتراش، أو هيئة التورك، وأن يكون مخالفاً له، وهذا ذكره النووي عنه في المجموع .. وغيره، ولكنه ليس حجة في الواقع، الحجة لهم التي يمكن أن يستدل بها حقاً، هي ما رواه النسائي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعاً )، والحديث رواه الدارقطني أيضاً في سننه، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما، وقال الإمام النسائي في هذا الحديث بعدما رواه في سننه : لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة، ولا أحسبه إلا خطأ، يقول النسائي، يعني: يقول: إنه يحسب أن هذا الحديث خطأ من أبي داود الحفري، فكأن النسائي قد أعلَّ هذا الحديث رحمه الله، ولكن تعقبه في ذلك المقدسي صاحب المحرر، تعقبه في ذلك فقال: وقد تابع الحفري محمد بن سعيد الأصبهاني وهو ثقة.

    فبين أن الحفري أبا داود، واسمه: عمر بن سعد الحفري، تابعه رجل آخر وهو محمد بن سعيد الأصبهاني، فتبين أنه لم ينفرد، ولم يظهر هناك وجه لتخطئة الإمام النسائي له، فيظهر أن الحديث جيد الإسناد، وأنه يمكن أن يحتج به على مشروعية التربع، خاصة وقد جاء من فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنه، كما في موطأ مالك، وقد سبق أن ذكرت هذا.

    الوجه الثالث: أنه يجلس متوركاً كجلوسه للتشهد الأخير، وهذا وجه في مذهب الشافعية، قالوا: لأنه أعون للمصلي.

    والوقع أن التربع قد يكون أعون للمصلي، وأهون له، وأبعد عن المشقة عليه، خاصة بالنسبة للمريض.

    إذاً: في المسألة ثلاثة أقوال:

    قيل: يجلس مفترشاً، وقيل: يجلس متربعاً، وقيل: يجلس متوركاً، وأوسطها هو التربع، لكن أوسطها هو أرجحها نظراً وأثراً للدليل الذي ذكرته.

    نبقى في المسألة الثانية والأخيرة أيضاً: وهي مسألة المضطجع، هذا إن كان قاعداً، لكن إذا كان مضطجعاً كيف يصنع؟

    في هذا أيضاً ثلاثة أوجه.

    وينبغي أن نضيف فيما سبق في مسألة القاعد، أما الاختلاف هاهنا اختلاف في ماذا؟ اختلاف في الأفضل، وإلا لو صلى مفترشاً أو متربعاً أو متوركاً، صحت صلاته عند جميعهم، وإنما الخلاف في الأفضل.

    كيفية صلاة المريض المضطجع

    أما بالنسبة للمضطجع فقد اختلفوا، وبعضهم يرى أن هذا الخلاف بالنسبة للمضطجع ليس خلافاً في الأفضل، لكنه خلاف فيما يجوز؛ لأنه يتعلق بأمر استقبال القبلة، فمن رأى صورة لم يسعه أن يدعها إلى غيرها، وهو يستطيعها، فبالنسبة للمضطجع فيه ثلاثة أوجه أو ثلاث صور:

    الأولى: أن يضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، يستقبل بوجهه القبلة، ويكون حاله كحال الميت الذي يسجى في قبره، يوضع على جنبه الأيمن ويوضع وجهه وبدنه إلى القبلة، كالميت في لحده، وهنا لو كان على اليسار، لو كان على جنبه الأيسر وهو مستقبل القبلة أجزأه ذلك أيضاً، مع الكراهة، لكن المهم أن يستقبل القبلة بوجهه، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وهو مذهب مالك وأحمد وداود الظاهري، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه، وعن ابنه عبد الله بن عمر، هذا قول.

    وقبل أن أسرد أو أذكر دليل هذا القول أنتقل إلى القول الثاني: أنه يستلقي على قفاه، ويجعل رجليه إلى جهة القبلة، ويضع تحت رأسه وسادة يرتفع بها رأسه، بحيث يصير وجهه إلى القبلة، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

    الوجه الثالث أو الصورة الثالثة: هو أنه يضطجع على جنبه الأيسر أو الأيمن، المهم أنه يعطف أسفل قدميه إلى القبلة، وهذا حكي وجه في مذهب الشافعي، يعني: مثل الوجه الأول، لكن قالوا: يعطف أسفل قدميه إلى القبلة، فلا يكون مستقيماً، ولكن يثني رجليه، بحيث تكون قدماه إلى جهة القبلة.

    أما بالنسبة للأدلة، فأصحاب القول الأول، الذين يرون أنه يصلي على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة بوجهه، ما دليلهم؟

    حديث الباب، حديث عمران : ( فإن لم يستطع فعلى جنب ) يعني: فعلى جنبه، فهو دليل على أن المريض ينبغي له إذا لم يستطع أن يصلي قاعداً، يصلي على جنبه الأيمن، استحباباً، وإن صلى على الأيسر جاز، ويجعل وجهه إلى جهة القبلة، فهذا يرجحه ويرشحه حديث عمران حديث الباب: ( فإن لم يستطع فعلى جنب ).

    ومما يقويه أيضاً: ما ذكروه في أنه كالميت في لحده، فإن الميت يوجه إلى جهة القبلة: ( فهي قبلتكم أحياءً وأمواتاً )، فاستقبال الإنسان لها إذا كان في حال اضطجاع، لا يستطيع القيام، يكون أيضاً بأن يضطجع على جنبه الأيمن، ويستقبل القبلة بوجهه، وهذا هو ما ذكروه في دليلهم.

    أما دليل القول الثاني: أنه يستلقي على قفاه، ويجعل رجليه إلى جهة القبلة، ويضع تحت رأسه وسادة، فاستدل له بعضهم بحديث علي رضي الله عنه وفيه قال: ( فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً، صلى على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة )، نعم هذا يدل للمسألة الأولى والثانية، الصيغة الأولى، وللصيغة الثانية أيضاً؛ لأنه قال: (فإن لم يستطع) يعني: القيام، ( صلى قاعداً، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً، صلى على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، فإن لم يستطع صلى مستلقياً، ورجلاه مما يلي القبلة )، وهذا الحديث حديث علي كما ذكرت، يدل على أن الإنسان يفعل الصيغة الأولى، فيصلي على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع انتقل إلى الثانية، وهي أن يصلي على ظهره، ورجلاه مما يلي القبلة، لكن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه الدارقطني وهو ضعيف، في إسناده رجل اسمه حسن بن حسين العرني ضعفه أهل الجرح والتعديل، بل بالغ بعض العلماء فقال في الحديث: ضعيف جداً.

    والذي يظهر والله أعلم: أن المريض يصلي على جنبه الأيمن إن استطاع، مستقبل القبلة، ولو صلى على جنبه الأيسر، إن كان أرفق به جاز أيضاً، ويكون مستقبل القبلة أيضاً، فإن لم يستطع صلى على ظهره مستلقياً، وجعل رجليه مما يلي القبلة، ووضع تحت رأسه وسادة أو غيرها؛ ليكون وجهه إلى القبلة، فإن لم يستطع صلى على أي حال، ولو كان على غير تلك الصفة، إذا كان لا يستطيع: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، نسأله أن يجعلنا هداة مهتدين.