إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 298-303

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 298-303للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة الجهر أو الإسرار بالبسملة في الفاتحة تعتبر من المسائل العويصة والتي حدث فيها خلاف كبير حيث ذهب الشافعي إلى استحباب الجهر بالبسملة محتجاً بجملة أحاديث، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى استحباب الإسرار محتجين بحديث أنس أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم يسمع أحداً منهم يجهر بالبسملة.

    1.   

    شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله..)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    عندنا في هذه الليلة الأحاديث المتعلقة بالجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة.

    الحديث الأول: حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ) قال المصنف: متفق عليه.

    تخريج الحديث

    فالحديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير.

    ورواه أيضاً مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، وزاد مسلم في صحيحه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان -فزاد قوله: وعثمان - كانوا يفتتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ) ورواه أيضاً النسائي وأحمد وابن خزيمة في صحيحه .. وغيرهم.

    شواهد الحديث

    ولهذا الحديث شواهد في أنهم كانوا يستفتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فمن شواهده:

    حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، فقد روى ابن عبد الله بن مغفل : ( أنه صلى فجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلما فرغ من صلاته قال له أبوه -وأبوه هو عبد الله بن مغفل

    الصحابي الجليل- قال له: يا بني! إياك والحدث في الدين، فإني صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر

    وعمر

    ، فلم يكونوا يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ولم يكن أحد أبغض إليه الحدث في الدين منه
    ) يعني: من عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه.

    وحديث عبد الله بن مغفل رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي في صحيحه : هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، أنهم لا يجهرون بـ (بسم الله الرحمن الرحيم). هكذا قال الترمذي .

    وفي حديث عبد الله بن مغفل هذا جهالة، كما ذكره بعض أهل العلم، فإن ابن عبد الله الذي روى عن أبيه مجهول، ابن عبد الله بن مغفل مجهول، وسيأتي كلام آخر عن الحديث في ذكر الأدلة .

    كما أن من شواهد حديث الباب حديث أنس : حديث ابن مسعود بنحو حديث الباب، وقد ذكره أبو بكر الرازي المشهور بـالجصاص في تفسيره، وذكر صاحب نصب الراية الزيلعي : أن الحديث سنده ضعيف، وفيه انقطاع .

    فهذه بعض شواهد حديث أنس .

    روايات أخرى للحديث وتخريجها

    قال المصنف: زاد مسلم : ( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها ) وهذا اللفظ ذكره مسلم في الموضع السابق أيضاً، في كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ويبدو للإنسان غير المتأمل أن هذه الرواية عند مسلم قد يبدو له أنها معلقة؛ لأن مسلماً رحمه الله ساق هذه الرواية، قال: وعن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس : ( أنهم كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها ) فقد يظن البعض أن مسلماً رواه معلقاً؛ لأنه قال: (وعن قتادة ).

    والصواب كما ذكر أبو علي الغساني والنووي .. وغيرهما: أن الرواية موصولة؛ لأن مسلماً ذكر قبلها رواية أخرى عن الأوزاعي عن قتادة عن عبدة بن أبي لبابة عن عمر: (أنه كان يستفتح بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك..) كما سبق ذكرها، وأنها رواية منقطعة، ثم قال مسلم : وعن قتادة . يعني: وذكر الأوزاعي أو روى الأوزاعي بالسند السابق عن قتادة .. إلى آخر الإسناد، فالصواب أنه متصل، وأن هذا من دقة الإمام مسلم رحمه الله، فإنه أدى الحديث كما سمعه، سمع الحديث، ذكر -أولاً- حديث الاستفتاح من طريق الأوزاعي عن قتادة عن عبدة، ثم سمع منه بعد ذلك حديث: ( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها ) بهذه الطريقة، فرواها كما سمعها، وهذا من دقته وتحريه رحمه الله تعالى في الراوية، فإنه يذكر الراوية كما سمعها دون أي تصرف.

    ولحديث أنس هذا حديث الباب سبعة ألفاظ كما ذكر الزيلعي، له سبعة ألفاظ تدور كلها حول معنى واحد ويصدق بعضها بعضاً.

    قال المصنف: وفي رواية لـأحمد والنسائي وابن خزيمة : ( لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) هذه الرواية رواها الإمام أحمد في صحيحه، ورواها أيضاً النسائي في سننه، كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ورواها ابن خزيمة أيضاً في صحيحه، باب ذكر الدليل على أن أنساً رضي الله عنه أراد بقوله: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم) أنه لم يسمع أحداً منهم يقرأ جهراً بها، وأنهم كان يسرون بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).

    قال المصنف في أخرى لـابن خزيمة : (كانوا يسرون) يعني: بدلاً من قوله: (كانوا لا يجهرون) قال ابن خزيمة : ( كانوا يسرون )، وهذه الرواية ذكرها ابن خزيمة أيضاً في الموضع السابق المشار إليه.

    قال المصنف: وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافاً لمن أعلها، يعني: أن مسلماً في روايته قال: (لا يذكرن بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها) فقوله: (لا يذكرون) ليس المعنى لا يقرءون، بل هم يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، ولكنهم يسرون بها كما صرح به في رواية ابن خزيمة، حيث إنها مفسرة، قالوا: (كانوا يسرون)، فهي مفسرة للفظ المجمل أو المبهم في رواية مسلم، وقد ذكر ابن خزيمة رحمه الله عقب ما ساق هذه الرؤية كلاماً نحواً مما ذكره المصنف هنا، فالمصنف هنا قال: وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافاً لمن أعلها، ابن خزيمة ذكر كلاماً قريباً من هذا، يعني: أن رواية: (يسرون) تفسر قوله: (لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم).

    وقول المصنف هنا: (خلافاً لمن أعلها) أشار رحمه الله في فتح الباري أن بعض أهل العلم أعلوا هذه الرواية رواية، مسلم في قوله: (كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم) وإنما أعلوها بأن الأوزاعي رحمه الله رواها مكاتبة، والمكاتبة لا يحتج بها عند بعض أهل العلم، فأعلوا هذا الحديث بذلك، وهذا فيه نظر من وجوه:

    أولاً: أن الصحيح أن المكاتبة هي أحد طرق التلقي والأخذ، وأنه يحتج بها، وقد احتج بها جماعة كبيرة من أئمة الحديث: منهم: إسحاق بن راهويه .. وغيره، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى المقوقس، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، وكانت هذه حجة عليهم عند الله تعالى، وقامت عليهم الحجة بذلك، فالمكاتبة متى صحت وثبت الكتاب فهي حجة، وهي إحدى طرق التلقي، هذا من وجه.

    ومن وجه آخر فإن هذا الحديث له طرق أخرى عن قتادة، لم ينفرد به الأوزاعي، فقد رواه عن قتادة جماعة منهم: شعبة، كما في مسند أبي يعلى ومسند السراج، فإنهما قد رويا هذا الحديث من طريق شعبة عن قتادة بلفظ: ( كانوا لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة، ولا في آخرها ) فبناء على ذلك، فإن الحديث صحيح، وروايته ليست معلة.

    حكم الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) قبل قراءة الفاتحة وأقوال العلماء فيه

    في هذه الأحاديث وما بعدها أيضاً مسألة فقهية: وهي مسألة الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، يعني: في الصلاة الجهرية، هل يشرع للإمام أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم قبل قراءة الفاتحة، أو لا يشرع له ذلك، بل يشرع له أن يسر بها؟

    وينبغي أن يعلم أن هذه المسألة غير مسألة هل: (بسم الله) آية من القرآن أو ليست آية؟ آية من الفاتحة أو ليست آية؟ لا، الكلام الآن في مسألة: هل يشرع لك إذا كنت في صلاة جهرية وأنت إمام مثلاً أن تقول: بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1-2]، أو أن تسر بالبسملة ثم تبدأ بقولك: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]؟

    وهذه أيضاً مسألة كبيرة صنف فيها جماعة كبيرة من أهل العلم كتباً، فممن صنف فيها محمد بن نصر المروزي الإمام الجليل المحدث، وممن صنف فيها أيضاً ابن خزيمة، كما ذكر ذلك في صحيحه في غير موضع، وأحال إلى كتاب كبير صنفه في هذه المسألة، كما صنف فيها أيضاً ابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم.

    وفي المسألة قولان:

    القول الأول: مشروعية الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) قبل قراءة الفاتحة وأدلته

    القول الأول: أنه يستحب للإمام أن يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) من الفاتحة، وهذا القول ذكر بعض المصنفين -كمن أسلفت ذكرهم- أنه قول أكثر أهل العلم، ونسبوه لجماعة كثيرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وذكر الخطيب البغدادي أيضاً: أنه منسوب لـعمار، وأبي بن كعب، وابن عمر، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وشداد بن أوس، والحسين بن علي، ومعاوية بن أبي سفيان .. وجماعة من المهاجرين والأنصار، كانوا بـالمدينة، وصلوا خلف معاوية رضي الله عنه، فلم يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، فلما انصرف من صلاته، قالوا: يا معاوية ! أسرقت الصلاة أم نسيت؟ وأنكروا عليه، فصلى بهم بعد ذلك، فجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ولهذا نسب هذا القول إلى معاوية رضي الله عنه، وجماعة المهاجرين والأنصار المقيمين بـالمدينة، والذين صلوا وراءه.

    كما أنه منسوب لجماعة كثيرة من التابعين ومن بعدهم، كـسعيد بن المسيب، وطاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبي وائل، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعكرمة، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والزهري .. وغيرهم، وهو مذهب جماعة من الأئمة المتبوعين، كـالليث بن سعد، وإسحاق، وعبد الله بن المبارك، وأبي ثور، والشافعي، وهو أيضاً منسوب إلى القراء السبعة، معروف أن هناك سبعة قراء معروفين، فهؤلاء القراء السبعة منهم من لم ينقل عنه إلا الجهر فقط، ومنهم من نقل عنه الجهر والإسرار، وليس منهم من نقل الإسرار فحسب، هؤلاء القراء السبعة.

    فهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء والقراء، كما ذكر ذلك الإمام النووي في المجموع، وذكره الخطيب البغدادي .. وغيرهما.

    من أدلة هؤلاء على مشروعية الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) أولاً: قوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن أبي هريرة : ( في كل صلاة قراءة، قال أبو هريرة : فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفيناه عنكم ) هذا ومن المعروف المشهور أن مذهب أبي هريرة رضي الله عنه هو الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، قالوا: فكونه جهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) دليل على أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها، فجهر؛ لأنه قال: (فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفيناه عنكم).

    قالوا: ومما يزيد هذا الأمر وضوحاً حديث نعيم المجمر وهو حديث الباب، عن نعيم المجمر قال: [ صليت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ] قالوا: دليل على أن نعيم المجمر قد سمعها من أبي هريرة رضي الله عنه.

    قال: [ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: ثم قرأ بأم القرآن وساوى بينهما ] دل على أنه جهر بالبسملة.. إلى آخر الحديث، والحديث ذكر المصنف أنه رواه النسائي وابن خزيمة .

    وأقول أيضاً تعليقاً على هذا الحديث: أنه رواه أيضاً ابن حبان، ورواه الدارقطني في سننه، وقال: هذا حديث صحيح، رواته كلهم ثقات، ورواه أيضاً الحاكم في مستدركه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، ورواه البيهقي وقال: رواته كلهم ثقات، مجمع على عدالتهم، محتج بهم في الصحيح، وقال في سننه : إسناده صحيح.

    فهذا التخريج ينقل عند حديث نعيم المجمر، حتى لا نحتاج إلى الرجوع إليه مرة أخرى في نهاية هذا الدرس، ينقل هذا التخريج أيضاً إلى حديث نعيم المجمر، فهو أحد أدلتهم على مشروعية الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ولذلك ساقه المصنف رحمه الله؛ لأنه ساق أدلة من لا يرون الجهر، وهو حديث أنس، ثم ساق أدلة من يرون الجهر وأولها حديث نعيم المجمر قال: [ صليت وراء أبي هريرة رضي الله عنه، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن ] ووجه الدلالة من الحديث ظاهر كما سلف.

    والحديث كما هو ظاهر من أقوال أهل العلم أن سنده صحيح، وليس له علة.

    هذا الدليل الأول: أن أبا هريرة جهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وقد قال كما في الصحيح: ( في كل صلاة قراءة، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفيناه عنكم ).

    الدليل الثاني: حديث أم سلمة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يسكت الحمد لله رب العالمين... ) .. إلى آخر الحديث. وحديث أم سلمة بهذا اللفظ بذكر بسم الله الرحمن الرحيم، رواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ورواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه، والدارقطني في سننه، وقال: رجاله كلهم ثقات، وإسناده صحيح.

    هذا حديث أم سلمة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يسكت: الحمد لله رب العالمين .. ) إلى آخر القراءة.

    الدليل الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ) وهذا الحديث حديث ابن عباس رواه الحاكم في مستدركه، وقال: إسناده صحيح، وليست له علة، ورواه الدارقطني أيضاً في سننه، ونقل بعضهم عن الدارقطني أنه قال: إسناده صحيح، وليس في رواته مجروح، ولعل هذا في الكتاب الخاص الذي صنفه الدارقطني في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.

    وقد نقل بعضهم عن الدارقطني أنه قال: لا يصح في الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) حديث. نقل أكثر من واحد، وذكرها صاحب المغني وغيره، وهذه الكلمة عن الدارقطني مشكلة، فإنه قد صح عن الدارقطني رحمه الله تصحيح أكثر من حديث، في الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) منها ما ذكرناه الآن.

    الدليل الرابع لهم على الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم): ما رواه الشافعي عن أنس قال: [ صلى معاوية يوماً بـالمدينة فلم يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في الفاتحة، وجهر بها في السورة التي بعدها، فلما صلى قال له من وراءه: يا معاوية ! أنسيت أم سرقت؟ فلما صلى بعد ذلك جهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في الفاتحة وجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في السورة التي بعدها ] وهذا الحديث رواه الدارقطني وقال: رجاله ثقات. ورواه الحاكم أيضاً وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم .

    وفي رواية للدارقطني : [ أن معاوية لم يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في الفاتحة، ثم جهر بها بعد ذلك ].

    الدليل الخامس: ما رواه الدارقطني أيضاً بإسناد قال عنه: إنه صالح، ورواه الحاكم بإسناد رواته ثقات، كما يقول الحاكم عن أنس رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله علية وسلم كان يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ) .

    الدليل السادس: ما ذكره المصنف هاهنا عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قرأتم الفاتحة فاقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم؛ فإنها إحدى آياتها ) قال المصنف: رواه الدارقطني وصوب وقفه، يعني: ذكر أن الصواب أن الحديث موقوف على أبي هريرة، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث كما ذكر المصنف رواه الدارقطني في سننه، باب وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، والجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) والخلاف في ذلك، وبعدما ساق الدارقطني وهذه الرواية ذكر عن أبي بكر الحنفي أحد رواة الحديث، قال: فلقيت نوحاً -أحد رواة الحديث أيضاً وهو شيخه، يعني ابن أبي بلال -، فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بمثله ولم يرفعه. يعني: أن نوحاً رواه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة من قوله، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    هذه أهم أدلة القائلين بأنه يستحب الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).

    القول الثاني: عدم استحباب الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) قبل قراءة الفاتحة وأدلته

    القول الثاني: أنه لا يستحب الجهر بها، بل يستحب أن يسر الإنسان بها، وهذا ذكره جماعة من أهل العلم عن الجمهور، كما ذكر الترمذي فيما ذكرته قبل قليل أنه قال: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد عزاه ابن المنذر وابن عبد البر وغيرهما لجماعة كثيرة من الصحابة.. وغيرهم، فهذا القول نسبه بعضهم للأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعمار، وابن الزبير .. وغيرهم، فيكون في نسبة القول للخلفاء الأربعة خلاف؛ لأن منهم من نسب إليهم الإسرار، ومنهم من نسب إليهم الجهر، كما أنه مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، حتى قال صاحب المغني : لم تختلف الرواية عن أحمد في أنه لا يشرع الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وهو أيضاً مذهب أبي عبيد .. وغيرهم من أهل العلم.

    أدلة أصحاب هذا القول، أقوى أدلتهم: حديث الباب حديث أنس رضي الله عنه: ( أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] )، وفي رواية: ( لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول القراءة ولا في آخرها )، وفي رواية: ( لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم )، وفي رواية قال: ( يسرون بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ) وهذا صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنهم كانوا لا يجهرون بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ولكن يسرون بها، فهذا من أدلتهم.

    وكيف يجيب أولئك الأولون على هذا الدليل؟ أجابوا عليه بأن قالوا: إن الحديث يحمل على أن المقصود أنهم كانوا يستفتحون بالفاتحة، أنهم كانوا أول ما يقرءون الفاتحة، وأن قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] يعني: سورة الفاتحة وليس لفظ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فهو يعبر بـ(الحمد لله رب العالمين) عن سورة الفاتحة بأكملها، وقد جاء في الحديث الصحيح تسميتها بذلك كما سبق.

    قالوا: وأما من عبر أنهم لا يذكرون (بسم الله) أو أنهم يسرون بها فهذا تعبير من الراوي عما فهمه من أنس، وإلا فإن الحديث محمول على أنهم يبدءون بقراءة سورة الفاتحة.

    قالوا: ومما يدل على ذلك ما رواه الدارقطني بإسناد صحيح، كما قال الدارقطني نفسه قال: وهو حديث صحيح، عن أنس رضي الله عنه نفسه قال: ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يفتتحون بأم القرآن فيما يجهر به ) فقالوا: نصه هنا على أنهم يفتتحون بأم القرآن فيما يجهر به دليل على أن من روى: (لا يذكرون بسم الله) أو (يسرون بـ(بسم الله) أو لا يجهرون بـ(بسم الله) أنه عبر عما فهم من أنس ولا يلزم أن يكون هذا هو لفظ حديث أنس رضي الله عنه. هذا جوابهم على الحديث الأول.

    من أدلة القائلين بعدم الجهر بالبسملة ما سبق من رواية مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ) قالوا: فهذا دليل على أنه لا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.

    ومن أدلتهم أيضاً: حديث عبد الله بن مغفل، وقد ذكرته قبل قليل في شواهد حديث أنس، وأنه أنكر على ولده لما سمعه يجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وحديث عبد الله بن مغفل فيه ضعف كما ذكرت، فإن ابن مغفل ولد الصحابي ضعيف، أو مجهول لا يدرى من هو، وكذلك على فرض صحته، فإنهم قالوا: حديث أبي هريرة وغيره يقدم عليه؛ لأن ابن مغفل رضي الله عنه الصحابي كان من صغار الصحابة، فكان يكون غالباً لا يكون قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم، بل يكون في طرف الصفوف، أما أبو هريرة رضي الله عنه فهو أسبق منه، إسلاماً وأسن منه فكان يكون أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويسمع منه ما لا يسمعه ابن مغفل . هكذا ذكر بعضهم الجمع بين هذين الحديثين.

    وكذلك من أدلتهم على عدم الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم): قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة : ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ) ما قال: إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، لم يذكرها، قال: إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فدل على أنه لا يجهر بهذه الكلمة، أو لا يبدأ بها أو بهذه الآية.

    ومن أدلتهم أيضاً: عدم ثبوت الجهر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصورة واضحة، فإنهم قالوا: لو كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلوات كلها، حضراً وسفراً في المغرب والعشاء والفجر، قال بعضهم: وفي الظهر والعصر، ولعل هذا وهم؛ لأن السرية لا يجهر فيها معلوم لا بالفاتحة ولا بالبسملة، وهذا ذكره ابن القيم في الزاد قال: لو كان يجهر بها في الصلوات الخمس، والظهر والعصر فيما يبدو ظاهر أنه لا يجهر بالبسملة ولا بالفاتحة ولا بغيرها، وإنما المقصود المغرب والعشاء والفجر الصلوات الجهرية، فقالوا: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر في المغرب والعشاء والفجر بالبسملة في الحضر والسفر، لكان هذا ينقل عنه نقلاً متواتراً أو مستفيضاً، فلما لم ينقل عنه نقلاً متواتراً، دل على أنه لم يكن يجهر بها على كل حال.

    قالوا: ومن الأدلة أيضاً: أن البسملة تقاس على التعوذ، ولم يثبت أنه كان يتعوذ صلى الله عليه وسلم جهراً، ولا قال أحد من أهل العلم بمشروعية الجهر بالتعوذ، بل قال ابن قدامة في المغني : يسر التعوذ، لا أعلم فيه خلافاً. يعني: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يقولها سراً، فقالوا: تقاس عليه البسملة، فكما لا يجهر بالتعوذ كذلك لا يجهر بالبسملة.

    هذه أهم أدلتهم على ما سبق.

    الأجوبة عن أدلة القائلين بعدم استحباب الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)

    أجاب عنها ابن عبد البر والمقدسي أيضاً وللمقدسي كتاب مصنف في البسملة، أجابوا على هذه الأدلة، وعلى حديث أنس بالذات من وجوه عديدة:

    أولاً: قالوا: إن الحديث مضطرب المتن؛ لأنه مرة يجهرون، ومرة يسرون، ومرة لا يذكرون، ومرة فلم أسمع أحداً منهم، فقالوا: إن الحديث مضطرب المتن.

    الوجه الثاني: قالوا: وعلى فرض ثبوت الحديث، وهو ثابت بلا شك وأسانيده صحيحة، قالوا: فإنه يرجح بين الألفاظ، ويختار منها اللفظ الذي يدل على أنه يبدأ القراءة بالفاتحة، وليس المقصود أنه لا يجهر بالبسملة، وهذه طريقة الإمام الشافعي رحمه الله ومن وافقه، قالوا: يختار من الألفاظ، ويرجح ما يدل على أنه يبدأ بالفاتحة وليس المقصود أنه لا يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).

    الوجه الثالث: قالوا: إن المقصود بنفي الجهر: (لا يجهر) الجهر الشديد، كما في قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء:110]، وكذلك المقصود بنفي الإسرار المبالغة في الإسرار، فإنه يخافت به فيكون بين ذلك، لا يجهر بها جهراً شديداً، ولا يسر بها إسراراً تاماً أيضاً، بل يكون بين ذلك، وهذه طريقة الإمام ابن خزيمة .

    الوجه الرابع: وقد رجحه ابن خزيمة أيضاً وغيره، قالوا: يحمل الأمر على تعدد الأحوال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يجهر أحياناً بالبسملة، ويسر بها أحياناً، فنقل عنه بعض أصحابه هذا، ونقل عنه بعض أصحابه ذاك، قالوا: وكأن أنساً رضي الله عنه بالغ في الرد على من نفوا الإسرار وأنكروه، فبالغ في الرد عليهم، وقال: ( كنت أصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) أو لا يجهرون بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) ) إنكاراً منه على من أنكروا الإسرار بها، فهو يقول لهم: سمعت النبي أو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان يسرون بها، فلماذا تنكرونه؟ ولهذا اختلف العلماء في الصدر الأول حتى الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا، لماذا؟ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك مختلف، فمرة يجهر، ومرات يسر، ولهذا اختلفت أقوال الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.

    الراجح في مسألة الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)

    ما هو الراجح في هذه المسألة؟ الذي ظهر لي أن الراجح في هذه المسألة: أن الإنسان يسر بالبسملة في الغالب، ويجهر بها أحياناً؛ وذلك لثبوت الجهر بها في أحاديث، وثبوت هذا القول عن جماعة من الصحابة، فدل على أنهم تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاختلفت الرواية في ذلك، ومن ثم اختلف الصحابة رضي الله عنهم، وأحاديث الجهر فيها الصحيح، وفيها الحسن، والكثير منها ضعيف، وكذلك أحاديث الإسرار فيها الصحيح، بل كثير منها صحيح، فنقول: الغالب من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ويجهر بها أحياناً، فهي من العبادات المتنوعة، كأدعية الاستفتاح، وصيغ صلاة الكسوف.. وغيرها مما نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الأذان والإقامة، نقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أوجه متعددة، فيعمل بهذا تارة وبهذا أخرى، وهذا فيه جمع بين النصوص، وفيه توسط واعتدال، وهذا القول بأنه يفعل هذا تارة أو هذا تارة، أو أنه مخير بينها هو مذهب ابن أبي ليلى والحكم، ورجحه ابن خزيمة في صحيحه، كما في الترجمة التي ذكرتها قبل قليل، وكذلك ذهب إليه ابن حبان كما في صحيحه، واختاره الإمام ابن القيم في زاد المعاد، وقال: إنه يجهر تارة ويسر تارات، وأكثر ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإخفاء، وأنه لم يكن يجهر بها دائماً في الصلوات الخمس، وإلا لنقل ذلك نقلاً مستفيضاً متواتراً عنه صلى الله عليه وآله وسلم، وانتصر لهذا القول رحمه الله في زاد المعاد في الجزء الأول.

    هذا خلاصة ما يتعلق بهذه المسألة، وهي مسألة الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) أو الإسرار بها.

    حكم الاستعاذة في الصلاة وأقوال العلماء فيه

    عندنا موضوعات خفيفة الباقية إن شاء الله، من الموضوعات الباقية موضوع الاستعاذة وله علاقة بالبسملة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في أول الصلاة.

    الاستعاذة لها صيغتان:

    الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    والصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    والثانية هي التي اختارها الإمام أحمد رحمه الله، والأمر في ذلك واسع، وقد ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ، فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه ) وحديث أبي سعيد سبق معنا في هذه الأمالي فلا نعيد ذكره.

    القول الأول: استحباب الاستعاذة في الصلاة

    الاستعاذة قال أكثر أهل العلم: إنها سنة في الصلاة، وممن قال: إنها سنة من التابعين: الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق من الأئمة المتبوعين وهو أيضاً مذهب أبي حنيفة، واستدلوا بأدلة، منها: قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، وفي الآية الأخرى: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36] فأمر بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والقراءة تكون في الصلاة، وتكون في غير الصلاة، فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

    وكذلك حديث أبي سعيد الذي ذكرته قبل قليل: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) وحديث أبي سعيد قال عنه الترمذي وسبق: هو أشهر حديث في الباب.

    إذاً: هذا القول الأول: أنه يستحب أو يسن أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم، وقد ذكرت أنه مذهب جماعة من الأئمة المتبوعين، كأصحاب الرأي وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد أيضاً.. وغيرهم.

    القول الثاني: عدم استحباب الاستعاذة في الصلاة

    القول الثاني قالوا: إن الاستعاذة ليست بسنة، وهذا مذهب مالك رحمه الله، وقال: إنه ليس بسنة، واحتج بحديث أنس حديث الباب؛ لأنه لم يذكر فيه الاستعاذة، ولذلك أيضاً ذهب الإمام مالك إلى أنه لا يشرع للمصلي دعاء الاستفتاح، لماذا؟ قال: لأنه لم يذكر في حديث أنس، وإنما ذكر أنهم يستفتحون الصلاة بـ(الحمد لله رب العالمين)، يعني: بقراءة سورة الفاتحة، ولا يقرءون قبل ذلك شيئاً لا استفتاحاً ولا استعاذة، وهذا لا شك قول مرجوح، فهو احتج به في ترك الاستعاذة، كما احتج به في ترك الاستفتاح.

    والراجح أن الاستعاذة سنة في الصلاة، كما هو مذهب الجمهور.

    موضع الاستعاذة في الصلاة

    يتبقى سؤال آخر: هل يستعيذ بالله في كل ركعة، أم في الركعة الأولى فقط؟

    أيضاً في المسألة قولان:

    القول الأول: مشروعية الاستعاذة في جميع الركعات

    قال بعضهم: إنه يستعيذ بالله تعالى في جميع الركعات، في كل ركعة، وهذا القول هو المصحح عند الشافعية كما ذكره النووي في المجموع، قال: هو الأصح عند الشافعية، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد، كما ذكرها ابن القيم في زاد المعاد، قال: روايتها عن أحمد، فهو المصحح عند الشافعية، وهو رواية عن أحمد، ونسب إلى ابن سيرين من التابعين أنه يستعيذ بالله في كل ركعة قبل قراءة الفاتحة؛ وذلك لأنهم اعتبروا أن كل ركعة قراءة مستقلة برأسها، فيستعيذ بالله تعالى لها.

    القول الثاني: الاكتفاء بالاستعاذة في أول الصلاة

    القول الثاني: أنه يكفيه استعاذة في أول الصلاة، وهذا القول أنها تكفي الاستعاذة الأولى مذهب جماعة كثيرة من التابعين، كـعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية أخرى عن الإمام أحمد، كما أسلفت عن ابن القيم، وهي التي رجحها الإمام ابن القيم أيضاً في زاد المعاد، قال: الأظهر أنه يكفي استعاذة واحدة؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ولم يسكت ) وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، ولكنه قال فيه: (حُدِّثت)، فكأنه معلق، أو في أوله انقطاع، والله تعالى أعلم، وإن كان ابن القيم رحمه الله صححه كما في زاد المعاد .

    فبناءً على ذلك نقول: الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أنه يكفي المصلي أن يستعيذ بالله تعالى في أول صلاته استعاذة واحدة؛ وذلك لأن الصلاة كلها قراءة واحدة، فليس بين قراءته في الركعة الأولى، وقراءته في الركعة الثانية فصل بأمر أجنبي، إنما فصل فيها بتكبير وتسبيح وذكر ودعاء واستغفار.. ونحو ذلك، وهذه الأشياء ليست فواصل للقراءة، فكما أن الإنسان لو كان يقرأ القرآن ثم سكت ودعا بمناسبة ذكر الجنة، أو استعاذ.. أو ما أشبه ذلك، فإنه يستمر في القراءة، ولا يلزمه أن يستعيذ مجدداً، فكذلك الحال في الصلاة يكفيه أن يستعيذ في الركعة الأولى فحسب.

    أما الحديثان الآخران: حديث نعيم المجمر، وحديث أبي هريرة، فقد ذكرت ما يتعلق بهما في أثناء الكلام فينقل إلى موضعه.