إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 210-214

شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الأذان - حديث 210-214للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة على الأذان، فذهب الجماهير إلى الجواز؛ لعدم دليل محرّم، وذهب قلة إلى الحرمة، وفرق آخرون فأجازوا الأجرة من بيت المال دون آحاد الناس والراجح الأول، ويقدم المؤذن المتبرع على المستأجر إلا أن يكون في آخذ الأجرة ميزة لا توجد في المتبرع، هذا ويستحب الطهارة في الأذان، والترسل فيه، والفصل بين الأذان والإقامة بوقت معتدل.

    1.   

    شرح حديث عثمان بن أبي العاص في أمره باتخاذ مؤذن وجعله إمام قومه والإقامة بوقت معتدل

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال: ( يا رسول الله! اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )، الحديث يقول المصنف: أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم.

    ترجمة الراوي

    صحابي الحديث هو عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، أبو عبد الله الثقفي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف، وكان أصغر القوم، كان عمره آنذاك سبعاً وعشرين سنة، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على الطائف، وظل كذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر سنتين أو نحوها، ثم عزله عمر وولّاه عمان والبحرين .

    وكان رضي الله عنه له موقف مشهور في حروب الردة حين عزمت ثقيف أو همت بالردة، فقام عثمان بن أبي العاص خطيباً فيهم فقال: (يا معشر ثقيف! إنكم آخر من أسلم فلا تكونوا أول من ارتد وغيَّر وبدل)، فثبتوا على الإسلام وبقوا عليه، فكانت الطائف إحدى الأمصار الثلاثة التي بقيت على الإسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وكان شجاعاً معروفاً في الجاهلية، حتى إنه نُقل أنه تغلب على عمرو بن معدي كرب وهو من الشجعان المشهورين، حتى إن عمراً هرب منه واختفى في ظلمة الليل، فتمثل عثمان بن أبي العاص يقول:

    لعمرك لولا الليل قامت مآتم حواضر يخمشن الوجوه على عمرو

    يعني: من النساء اللاتي يبكينه ويندبنه.

    فأفلتنا فوت الأسنة بعدما رأى الموت والخطّي أقرب من شبر

    يعني: أنه كاد أن يقتله لكنه اختفى بالليل وهرب منه، وهذا يدل على أنه شجاع.

    وقد نقل البيهقي في الدلائل: أن عثمان شهد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني كان موجوداً آنذاك، وإذا ثبت هذا فإنه يكون عمره حين موته نحواً من مائة وعشرين سنة، وكانت وفاته رضي الله عنه بـالبصرة سنة (51) للهجرة.

    روي له غير هذا الحديث، روى له مسلم في صحيحه، وروى له أصحاب السنن، لكن لم يخرج له البخاري شيئاً فيما أعلم.

    تخريج الحديث

    والحديث الذي رواه المصنف الآن أخرجه الخمسة وهم معروفون، وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه، وأخرجه ابن خزيمة وابن أبي شيبة وغيرهم.

    قال الترمذي عقب إخراجه: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يأخذ المؤذن على أذانه أجراً، واستحبوا أن يحتسب في أذانه.

    وقد رواه الترمذي في باب من كره أخذ الأجرة على الأذان، وكما أنه صححه الحاكم -فيما ذكره المصنف- فكذلك صححه ابن خزيمة، حيث رواه في صحيحه، وهذا يقتضي تصحيحه عنده، والحديث إسناده صحيح لا مطعن فيه.

    معنى قوله: (واقتد بأضعفهم)

    قوله عليه الصلاة والسلام: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم) (اقتد) من القدوة، أي: اجعل أضعف القوم لكبر أو مرض أو عجز قدوة لك، تصلي بصلاتهم، صلاة خفيفة لا مشقة فيها على المأمومين.

    حكم أخذ الأجرة على الأذان وأقوال العلماء فيه

    في الحديث مسألة فقهية: هي حكم أخذ الأجرة على الأذان، ما حكم أخذ الأجرة على الأذان؟

    القول الأول: جواز أخذ الأجرة على الأذان

    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

    الأول: أنه يجوز أخذ الأجرة على الأذان، سواء أخذها من الإمام -يعني: من السلطان- أو من الحكومة مثلاً، أو أخذها من آحاد الناس وأفرادهم لهم أو لغيرهم.

    المذهب الأول: أن هذا كله جائز، وهذا مذهب أكثر الشافعية، وهو أيضاً مذهب الإمام مالك وداود الظاهري ورواية عن الإمام أحمد رحمهم الله أجمعين.

    واحتجوا بأن هذا عمل يمكن المفاوضة فيه والاتفاق عليه كغيره من الأعمال، فجازت فيه الإجارة.

    كما استدل بعضهم بأنه يجوز أخذ الرزق على الأذان، وإذا جاز أخذ الرزق عليه جاز أخذ الأجرة عليه.

    وقد قال ابن قدامة في المغني : لا أعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق على الأذان.

    والواقع أن الخلاف موجود لكنه قليل.

    وما هو الفرق بين الرزق وبين الأجرة؟

    المقصود بالرزق: هو ما يعطى له ولأولاده وأهل بيته من غير تحديد، كما كان يحدث في هذه البلاد منذ زمن، كان أهل المسجد أو أهل القرية إذا جاء الإمام أو المؤذن أعطوه شيئاً من التمر أو العيش أو غيره، فهذا يسمى رزقاً؛ لأنه لم يكن بناء على اتفاق محدد.

    وأما الأجرة فهو اتفاق محدد على مبلغ معلوم، كما يقع الآن للمؤذنين حيث يكون لهم رواتب محددة في نهاية الشهر، فهذه أجرة وليس رزقاً، هذه أجرة.

    فإذا كان يجوز أخذ الرزق فكذلك يجوز أخذ الإجارة، وما هو الفرق بينهما؟ لا فرق بينهما مؤثراً في الحكم.

    وهذا المذهب قال النووي رحمه الله: هو الأصح. مذهب الجواز مطلقاً قال النووي: هو الأصح.

    القول الثاني: عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان

    المذهب الثاني في هذا: أنه لا يجوز أخذ الأجرة لا من الإمام من بيت المال ولا من سائر الناس، وهذا مذهب أبي حنيفة والأوزاعي، والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وذهب إليه بعض الشافعية وقالوا: إن الأذان عبادة، قربة للمؤذن نفسه، فلم يجز أخذ الأجرة عليها كسائر القرب الخاصة به، فإنه لا يجوز أخذ الأجرة عليها، كما أن منهم من يحتج بحديث الباب وقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعثمان بن أبي العاص : ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )، فقالوا: إنه عليه السلام أمر باتخاذ هذا المؤذن، فدل على أن من يأخذ على أذانه أجراً لا ينبغي أن يُجعل مؤذناً، وحملوا هذا على أنه دليل على تحريم أخذ الأجرة على الأذان.

    القول الثالث: جواز أخذ الأجرة من بيت المال دون آحاد الناس

    والمذهب الثالث أنهم يقولون: يجوز أخذ الأجرة من بيت المال أو من الإمام، ولا يجوز أخذها من الناس؛ لأن مال بيت المال هو في المصالح العامة، وهذه من المصالح العامة، ولكن لا يجوز أخذه من الناس، ولا أعلم دليلاً واضحاً على التفصيل في ذلك.

    الراجح في حكم أخذ الأجرة على الأذان

    الأرجح من هذه الأقوال: أنه يجوز أخذ الأجرة مطلقاً، سواء أخذها من بيت المال أو أخذها من الناس؛ وذلك لأسباب:

    أولاً: حديث الباب -حديث عثمان بن أبي العاص - ليس نصاً في النهي أو التحريم، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم صراحة على من أخذ أجراً على أذانه، لكنه أمر عثمان أن يختار المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجراً، ومما لا شك فيه أن المؤذن المحتسب المتبرع أولى من المؤذن الذي يأخذ على أذانه أجراً، هذا لا شك فيه، فالمؤذن المحتسب المتبرع -إذا وجد وكان رجلاً عدلاً صالحاً للأذان- أولى من المؤذن الذي يأخذ على أذانه أجرة، وعلى هذا يحمل حديث عثمان بن أبي العاص ؛ ولذلك قال الإمام النووي في المجموع : أما حديث عثمان فمحمول على الندب. يعني: أن الأفضل أن لا يأخذ، لكن لو أخذ جاز.

    أما قولهم: إن الأذان قربة له فلم يجز أخذ الأجرة عليها؛ فهذا أيضاً فيه نظر؛ وذلك لأن أخذ الأجرة في الأذان ليس على ألفاظ الذكر، وإنما أخذ الأجرة لأمور أخرى، كرعاية الوقت، ولزوم المكان؛ فإن المؤذن يحتاج إلى أن يقيم فلا يسافر إلا في أحوال معلومة، ويحتاج أن يكون عند أوقات الأذان قريباً من مسجده ليؤذن فيه، ويرعى الوقت فلا يتقدم أو يتأخر، وهو في ذلك يتحمل أمراً زائداً على مجرد الذكر، فإن احتسب في ذلك فهذا حسن ولا إشكال في أفضليته، لكن إن كان يؤذن بأجر فإن هذا جائز له ومباح، سواء أخذ الأجر من الحكومة -من السلطان- أو أخذ الأجر من سائر الناس، لا دليل على التفريق بين هذا وذاك.

    فوائد الحديث

    وفي حديث عثمان رضي الله عنه فوائد أخرى غير هذه المسألة:

    منها: جواز طلب الإمامة؛ لقوله: (اجعلني إمام قومي)، وقد قال الله عز وجل في صفة عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، فأثنى عليهم بدعائهم أن يكونوا أئمة للمتقين، والإمامة عامة تشمل: الإمامة في الصلاة، والإمامة في الفقه والدين، والإمامة في الجهاد، والإمامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإمامة في سائر أبواب الدين، فهي مطلوبة أن يسعى الإنسان إليها ويدعو الله عز وجل أن يرزقه إياها؛ لأنها فضيلة في الدين، فهي مشروعة ؛ ولذلك قال عثمان : ( يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت إمامهم )، ولم يقل له كما قال فيمن طلب الإمارة: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً طلبه ولا أحداً حرص عليه)؛ وذلك لأن الإمامة في الصلاة وفي الدين عموماً هي مرتبة دينية محضة لا يتلبس بها شيء من أمور الدنيا، فكان طلبها أمراً فاضلاً مشروعاً، أما الإمارة والولاية فإنها مرتبة يتلبس بها شيء من مقاصد الدنيا: كالجاه والمنصب والمال والمرتب.. وما أشبه ذلك، فكان في طلبها شبهة أن يكون الإنسان أراد الدنيا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الإمارة عن ذلك ومنعه من الولاية: ( إنا لا نولي هذا الأمر أحداً طلبه ولا أحداً حرص عليه )، أما الإمامة فقد قال له عليه الصلاة والسلام: ( أنت إمامهم ).

    وفي الحديث أيضاً دليل على أن الورع قد يكون بفعل الشيء لا بتركه؛ فإن كثيراً من الجهلة يظنون أن الورع هو ترك المشتبه بالحرام أو المشتبه بالمكروه، وهذا جزء من الورع، وإنما الورع يشمل هذا ويشمل فعل ما يشبه أن يكون واجباً أو يشبه أن يكون مستحباً، فإذا اشتبه عليك أمر أنه قد يكون واجباً تفعله، قد يكون مستحباً تفعله، وهذا من الورع في الدين، أن تفعل ما يشتبه بالواجب أو بالمستحب، ومن ذلك الإمامة فهي مثال، بعض الناس يتخلى عن الإمامة؛ لماذا؟ قال: أخشى أخشى أخشى، يخشى من أمور معينة، أخشى من الرياء.. أخشى من التقصير.. أخشى من أن عندي جماعة لا يصلون فأسأل عنهم! لكن ينسى هذا المسكين المغفل أن من الورع أحياناً أن يتولى الإمامة وإن كان يخشى، لماذا لا يخشى أن يسأل: كيف يترك الإمامة لمن هو أقل منه فقهاً في الدين، أو أضعف منه قراءة، أو أقل منه تقوى، فيكون آثماً مفرطاً بترك الإمامة؟! ولذلك لاحظ أن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوليه الإمامة.

    وكذلك من فوائد الحديث: وجوب مراعاة المأمومين في الصلاة، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( واقتد بأضعفهم ) يعني: صل بصلاتهم صلاة لا مشقة فيها على المأمومين، انظر أضعفهم فصل بصلاته، وهذا دليل على أن الإمام يراعي حال المأمومين، فإذا كان الذين يصلون معه -مثلاً- من كبار السن والضعفاء والعجزة فإنه يخفف صلاته، وإن كان الذين يصلون معه من الشباب الأقوياء الذين لديهم جلد على العبادة ولا يستثقلون هذا الأمر؛ فإنه يطيل بهم في حدود المشروع، فتتفاوت الأفضلية من إمام إلى إمام بحسب المأمومين، وإن كان هذا لا يعني أيضاً أن يخضع الأمر لهوى الناس المحض، لكن يراعي أحوالهم من مرض أو عجز أو زمانة أو انشغال بأمور معينة، يراعي ذلك كله.

    ومن فوائد الحديث: وجوب اتخاذ المؤذن؛ لقوله: ( واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً )، وهذا راجع إلى وجوب الأذان كما سبق تقريره، أن الراجح في الأذان أنه فرض كفاية؛ ولهذا قال له هاهنا: ( اتخذ مؤذناً ).

    وفيه -كما سبق- أن المتبرع المحتسب في الأذان مقدم على من يأخذ أجرة، إلا أن يكون فيمن يأخذ أجرة ميزة لا توجد في المتبرع، كأن يكون أتقى لله عز وجل، أو أن يكون أندى صوتاً، فحينئذ يقدم هو؛ لأن مقصد الأذان يتحقق به أكثر من غيره، فيقدَّم على المتبرع بالأذان.

    هذا حديث عثمان بن أبي العاص.

    1.   

    شرح حديث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)

    الحديث الثاني هو حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ). ‏

    تخريج الحديث

    والحديث أخرجه السبعة كما يقول المصنف، وهم معروفون أيضاً، أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من قال: يؤذن في السفر مؤذن واحد، وأخرجه أيضاً مسلم في الصلاة، باب الأحق بالإمامة، وذلك لأن في الحديث الكلام على من هو أجدر بالإمامة كما سيأتي ذكر لفظه.

    وبعض ألفاظ الحديث عند البخاري : أن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: ( قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ما بين يوم وليلة، وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً بنا، فلما رأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا دعانا فسألنا عمن تركنا وراءنا، فأخبرناه، فقال: اذهبوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم -وهذا اللفظ الذي ساقه المصنف- فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم، وصلوا كما رأيتموني أصلي )، والحديث رواه أيضاً الدارمي والبيهقي والبغوي وابن حبان وابن أبي شيبة -إضافة إلى السبعة- بألفاظ متفاوتة.

    ترجمة الراوي

    والحقيقة أن الحديث مليء بالفوائد والمسائل أيضاً، لكن نذكر أولاً ما يتعلق بترجمة مالك:

    فهو مالك بن الحويرث الليثي، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه بني ليث، وكان عليه الصلاة والسلام يتجهز لغزوة تبوك، وكانوا نحو عشرة أو دون ذلك، كانوا نحو عشرة، قدموا والنبي صلى الله عليه وسلم يتجهز لغزوة تبوك، فأقاموا عنده عشرين يوماً كما ذكر في هذا الحديث، وقد عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، سكن البصرة ومات بها سنة أربع وتسعين للهجرة.

    حكم الأذان للمسافر وأقوال العلماء فيه

    الحديث فيه مسألة فقهية، وهي: مسألة الأذان للمسافر، هل يؤذن المسافر أو لا يؤذن؟

    القول الأول: مشروعية الأذان للمسافر وأدلته

    المشهور عند الجماهير: أن المسافر يؤذن كالمقيم، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ورواية عن مالك، وهو مذهب جماهير أهل العلم من الخلف والسلف: أن المسافر يؤذن للصلاة، كما يؤذن لها المقيم.

    ولهم على ذلك أدلة كثيرة جداً، لعله مر شيء:

    منها: حديث أبي ذر في مسلم لما أراد المؤذن أن يؤذن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد )، وقد سبق الحديث في باب الإبراد في الظهر، هذا دليل على الأذان للمسافر.

    حديث أبي قتادة -وهو في الصحيح في البخاري وغيره-: ( حين فاتتهم الصلاة فأذن بلال )، وفي لفظ خارج الصحيح: ( أن الذي أمره بالأذان النبي صلى الله عليه وسلم )، فدل على الأذان في السفر.

    ومنها أيضاً: حديث جابر في الأذان في المزدلفة للمغرب والعشاء، وكانوا في سفر.

    ومن الأدلة على مشروعية الأذان في السفر: حديث أبي سعيد الخدري -سبق معناه في الأذان في صحيح البخاري - أنه قال: ( إذا كنت في بادية فأذنت فارفع صوتك بالأذان؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له ).

    ومنها: حديث أنس -يعني: يصلح أن يكون دليلاً- في صحيح مسلم أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فسمع رجلاً يؤذن، فلما قال: الله أكبر الله أكبر، قال: على الفطرة، ولما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى )، وإن كان هذا ليس صريحاً في أن الرجل كان حاله حال المسافر، لكن يحتمل ذلك.

    ومنها أيضاً: حديث أبي جحيفة -وسبق معنا- في صحيح البخاري، حديث أبي جحيفة في أذان بلال وأنه قال: (فجعلت أتتبع فاه بالأذان هاهنا وهاهنا: حي على الصلاة، حي على الفلاح)، ولا شك أنهم كانوا حينئذ في فلاة.

    ومنها أيضاً حديث الباب، حديث مالك بن الحويرث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعدما رجعوا في سفرهم: ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم )، فدل على أن الأذان للمسافر مستحب، وهذا هو الصحيح لا إشكال في هذا.

    القول الثاني: عدم مشروعية الأذان للمسافر

    لكن في المسألة قول آخر ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وسبقت الإشارة إليه الأسبوع الماضي فيما بين الأذان والإقامة عند الكلام على مسألة (حي على خير العمل)، وأنها لم تثبت، فذكرت أن البيهقي روى عن ابن عمر رضي الله عنه أنه لا يرى الأذان للمسافر، وأنه روي عنه ذلك بأسانيد قوية، وكذلك روى عبد الرزاق بسند صحيح -كما يقول الحافظ ابن حجر - عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إنما الأذان في السفر للإمام، أو أمير السفر الذي يكون له جماعة -يعني: يدعوهم إلى الصلاة- فأما غيره فإنما هي الإقامة)، هذا قول ابن عمر رضي الله عنه، وهو رواية في مذهب الإمام مالك، وقول مخرَّج في مذهب الإمام الشافعي .

    ولا شك أن القول الصحيح هو الأول، ولا أظن أن الأمر يحتاج إلى إطالة في هذا لصراحة الأدلة وقوتها وكثرتها وعدم وجود ما يعارضها.

    فوائد الحديث

    من فوائد حديث مالك بن الحويرث : رعاية الرجل أهله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم )، فأمر عليه الصلاة والسلام مالكاً ومن معهم أن يعلموا أهلهم، يعني: يعلمونهم الدين والصلاة وما علموا من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على وجوب رعاية الأهل، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، وفي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته )، فينبغي للإنسان أن يتعهد أهله.. أولاده.. زوجته.. والديه إن كان له والدان، وغالباً ما يكونان كبيرين في السن ويحتاجان إلى تعليم، يتعاهدهم كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الحويرث بذلك.

    ومنها: رفق الإمام والعالم والمربي برعيته وخاصة من الشباب وتمكينهم من حوائجهم التي لا غنى لهم عنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمالك بعدما علم أنهم تركوا أهلهم وأنهم قد اشتهوا أهلهم، كما يقول: ( أو اشتقنا إلى أهلنا ) أمرهم أن يعودوا إليهم؛ لأن هذه أمور لابد منها للإنسان، خاصة الشباب، أن يفضي إلى زوجته ويكون في قرب أطفاله فلا يطول عليه السفر فيضر به ذلك، وهذا من رعاية الإسلام بالغرائز الفطرية التي ركب الله تعالى عليها العبد.

    ومنها: فضيلة الأذان، بل وجوبه حيث أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( فليؤذن لكم أحدكم )، ولكنه وجوب كفائي كما سبق تقريره.

    وأخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث: أن الإمامة أفضل من الأذان، وكيف استدلوا بهذا الحديث على ذلك؟

    قوله: ( فليؤمكم أكبركم )؛ وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة للأذان لم يحدد شيئاً، لم يقل: فليؤذن لكم أكبركما، قال: ( يؤذن أحدكم )، أما الإمامة فقال: ( وليؤمكم أكبركم )، فأخذ بعضهم من هذا فصيلة الإمامة على الأذان، وقد سبق ذكر هذه المسألة مفصلة في أقوال أهل العلم في أيهما أفضل: الإمامة أو الأذان.

    1.   

    شرح حديث: (إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر...)

    أما الحديث الثالث فهو: حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال لـبلال : إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ) الحديث يقول المصنف: رواه الترمذي وضعفه. ‏

    تخريج الحديث

    الحديث رواه الترمذي في الصلاة أيضاً، باب: ما جاء في الترسل في الأذان، وزاد عقب اللفظ الذي ساقه المصنف وقوله: ( قدر ما يفرغ الآكل من أكله ) قال: ( والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني )، هذا لفظ الترمذي، يعني: زاد على اللفظ الذي ساقه المصنف بعد قوله: ( قدر ما يفرغ الآكل من أكله ) قال: ( والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني )، وقد أشار الترمذي بعد ذلك إلى ضعف الحديث فقال عقبه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم، وهو إسناد مجهول، وعبد المنعم شيخ بصري، عبد المنعم هذا الذي ذكره الترمذي هو عبد المنعم بن نعيم بالتصغير، وهو ضعيف عند علماء أهل الحديث، بل هو شديد الضعف، ولكن روى الحديث الحاكم والبيهقي من طريق أخرى وليس فيها عبد المنعم، ولكن مدار الطريقين -يعني: طريق الترمذي وطريق الحاكم - على يحيى بن مسلم البكاء شيخ عبد المنعم هذا، يحيى بن مسلم البكاء وهو ضعيف، فالحديث بطريقيه ضعيف أيضاً، ومن الطريف أن شيخ عبد المنعم في هذا الإسناد اسمه يحيى بن مسلم البكاء وهو ضعيف، وهناك راو آخر اسمه أيضاً يحيى بن مسلم أبو الضحاك، هذا البكاء وذاك الضحاك، والضحاك أحسن حالاً من البكاء وإن كان فيه مقال، لكنه أحسن حالاً من البكاء، فالحديث ضعيف.

    معاني ألفاظ الحديث

    قوله في الحديث: (إذا أذنت فترسل)، الترسل: هو التريث في الأذان والترتيل.

    وقوله: (وإذا أقمت فاحدر) الحدر: هو الإسراع والاستعجال في الإقامة.

    وقوله عليه الصلاة والسلام في اللفظ الذي ساقه الترمذي : (والمعتصر إذا دخل) يعني: (وقدر ما يفرغ المعتصر إذا دخل لقضاء حاجته)، المعتصر: مأخوذ من العصَر بفتح الصاد أو العصْر بسكونها، والمقصود بالمعتصر: هو الرجل الذي يريد أن يقضي حاجته، يريد الخلاء، سمي بذلك من المعتصر، والمعتصر: هو الملجأ والمستخفى، يعني: المكان الذي يختفي فيه الإنسان يسمى معتصراً؛ فلذلك سمي من يقضي حاجته معتصراً .

    فقوله: (والمعتصر) يعني: ينتظر الإنسان الذي يريد أن يقضي حاجته ويتوضأ للصلاة.

    إذاً: الحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.

    حكم الترسل في الأذان والحدر في الإقامة

    في الحديث مسألتان يدل عليهما:

    الأولى: الترسل في الأذان والحدر في الإقامة، وهذا ثابت من غير هذا الحديث، ثابت من أحاديث أخرى، هل تعرفون منها شيئاً مما مر معنا يدل على الترسل في الأذان، يعني: التريث وعدم الاستعجال؟

    حديث عبد الله بن زيد : ( ألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً)، ومثله حديث أبي سعيد الذي سبق مراراً: (ارفع صوتك بالأذان)، لأن (أندى منك صوتاً) معناها أجهر، أرفع صوتاً، يعني: أرفع صوتاً، هذا معنى: (أندى)، فقوله: (أندى منك صوتاً)، وقوله في حديث أبي سعيد: (ارفع صوتك بالأذان) يدلان على أن المشروع الترسل في الأذان؛ الذي يرفع صوته لا بد له من الترسل في الأذان، وكذلك يمكن أن يستدل بحديث عمر : ( إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر )، فدل على أن المؤذن يكبر ثم يسكت قليلاً ثم يكبر الأخرى.. وهكذا يجعل بين كل جملة والتي تليها شيئاً من الوقت، فدل هذا على أن الأذان يترسل فيه، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين؛ ولذلك لا يبالغ في رفع الصوت فيها، ولا يشرع فيها الإطالة والترتيل والترسل، وإنما المشروع في الإقامة الاعتدال، فاستعجال بعض الناس في الإقامة حتى ربما أداها كلها بنفسين مثلاً هذا فيه ضرر؛ لأن من الناس من يكون في آخر صلاته يتنفل، فيحتاج إلى أن لا يستعجل عليه ليتم صلاته، ومنهم الشيخ الكبير الذي لا يستطيع القيام بسرعة، ومنهم ومنهم، فالأولى أن يحدر الإنسان في الإقامة لكن لا يبالغ في ذلك بل يعتدل؛ لئلا يضر بالمأمومين. هذه مسألة.

    حكم الفصل بين الأذان والإقامة بوقت معتدل

    أما الأخرى في الحديث فهي قوله: ( واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته).

    وهذا أيضاً ثابت وإن كان الحديث لا يصح، ثابت من أحاديث أخرى، مر شيء منها، وثابت من جهة معنى الأذان أيضاً:

    فأما من جهة المعنى فإن من المعلوم أن الأذان إنما شرع لدعوة الغائبين والبعيدين للمجيء إلى الصلاة، ويناسب هذا أن يكون بين الأذان والإقامة وقت يتسنى لهم فيه أن يتوضئوا ويفرغوا من حاجاتهم التي في أيديهم ثم يأتوا إلى المسجد، ولو كانت الإقامة عقب الأذان مباشرة لفات معظم المقصود من الأذان.

    إذاً: حكمة شرعية الأذان تدل على أن المستحب أن يجعل بين الأذان والإقامة وقتاً معتدلاً يتمكن الناس فيه من الحضور، هذه واحدة.

    والأخرى من حيث الأحاديث: أن المشروع للإنسان أن يصلي الصلاة في أول وقتها إلا في العشاء، وإلا في الإبراد لصلاة الظهر عند اشتداد الحر، وكلتا المسألتين مسألة -تأخير العشاء ومسألة الإبراد، بل ومسألة الصلاة في أول وقتها- سبقت معنا في أول.. في أي موضوع سبقت؟ هاه محمد .

    في باب المواقيت، سبقت معنا في باب المواقيت.

    إذاً: المستحب أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، لكن يجعل بين الأذان والإقامة فاصلاً ولو يسيراً.

    ومما يدل أيضاً على وجود هذا الفاصل ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بين كل أذانين صلاة )، والمقصود بالأذانين: الأذان والإقامة، فدل على أنه يستحب للمؤذن وللإمام أن يترك بين الأذان والإقامة وقتاً يتمكن الناس فيه من أداء هذه النافلة وهي السنة بعد الأذان وقبل الإقامة، فهذا دليل على أنه لا يقيم عقب الأذان مباشرة.

    ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري في صحيحه في (باب كم بين الأذان والإقامة)، وإنما قلت: (بابُ) يعني: على الحكاية حسب حفظ الباب، البخاري رحمه الله قال: (بابٌ: كم بين الأذان والإقامة)، ولم يحدد ذلك، ثم ساق حديث ابن المغفل السابق، وساق بعده حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أذن المؤذن يبتدرون السواري للصلاة -وذلك بعد أذان المغرب- حتى يخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يصلون، قال: حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيظن أن الصلاة قد قضيت لكثرة من يصليها، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء )، وهذا الحديث في الواقع أنه صريح فيما نحن بصدده.

    فأولاً: هو صريح في أن الصحابة رضي الله عنهم يصلون بين الأذان والإقامة في أي وقت: في الظهر أو في العصر؟ في المغرب، يصلون بين الأذان والإقامة في المغرب، مع أن المغرب من الأوقات القصيرة ومن الأوقات التي يستحب التبكير فيها والمبادرة إليها، فغيرها من باب الأولى، فهذا من جانب، معناه: أنهم يصلون ويعطون فرصة ليصلوا الراتبة بين الأذان والإقامة، هذه واحدة.

    الأخرى: قوله في آخر الحديث: (ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء)، وهذا اللفظ ليس معناه: أنه لم يكن بين الأذان والإقامة وقت مطلقاً، بمعنى: أنه كان يقيم فور انتهاء الأذان، كلا، ليس هذا المقصود، بل جاء في رواية معلقة ساقها البخاري أيضاً في صحيحه : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة إلا قليل )، فقوله: ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) (شيء) هاهنا نكرة تحمل على: لم يكن بينهما شيء ذو بال أو كبير شيء، بدليل قوله في الرواية الأخرى المعلقة -وهي مفسرة-: ( ولم يكن بين الأذان والإقامة إلا قليل )؛ ولذلك تلاحظون أن البخاري رحمه الله لم يجزم بالحكم في هذه المسألة، بل قال: (بابٌ: كم بين الأذان والإقامة)، يعني: ما مقدار ما بين الأذان والإقامة.

    وقد علم بهذه النصوص التي سقتها أن المستحب أن يجعل الإمام بين الأذان والإقامة قدراً معتدلاً يتمكن الناس فيه من المجيء للمسجد، والوضوء لمن لم يكن على وضوء، والنافلة سواء كانت راتبة -كما في صلاة الظهر والفجر- أو كانت نافلة مطلقة كما في الركعتين بين الأذان والإقامة.

    هذه المباحث الموجودة في حديث جابر رضي الله عنه.

    1.   

    شرح حديث: (لا يؤذن إلا متوضئ)

    ننتقل للحديث الذي بعده، وهو قول المصنف: (وله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤذن إلا متوضئ )، وضعفه) يعني: الترمذي .

    تخريج الحديث

    الترمذي روى حديث: ( لا يؤذن إلا متوضئ ) في (باب: من قال: لا يؤذن إلا متوضئ)، أو (باب: من كره الأذان بغير وضوء)، وساقه هكذا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يؤذن إلا متوضئ )، ثم ساقه بعد ذلك موقوفاً على أبي هريرة وقال: وهذا أصح.

    وكلا الحديثين ضعيف: المرفوع والموقوف، وسبب ضعف الحديث مرفوعاً وموقوفاً أنه من رواية الزهري - محمد بن شهاب الزهري - عن أبي هريرة، ومن المعلوم أن ابن شهاب الزهري لم يدرك أبا هريرة، لم يلقه ولم يرو عنه، فهو منقطع معل بالانقطاع، يضاف إلى ذلك أن المرفوع فيه علة أخرى قوية: وهي أنه من رواية الوليد بن مسلم وقد عنعنه، وهل تعرفون ماذا يكون الوليد بن مسلم؟ سبق معنا في أكثر من موضع أن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، وهو أن يسقط ضعيفاً بين ثقتين، فيظهر الإسناد على أنه جيد والواقع أنه ضعيف، لكن الضعيف محذوف، وهذا أخبث أنواع التدليس، فمن كان هذا شأنه -يدلس تدليس التسوية- لا يقبل حديثه إلا إذا صرح هو وجميع شيوخه ومن فوقه بالتحديث، وهاهنا فقد عنعن الوليد بن مسلم ومن فوقه، رووا الحديث بالعنعنة، فالحديث -إذاً- لا يصح مرفوعاً ولا يصح موقوفاً، وإن كان الموقوف أحسن حالاً من المرفوع.

    وقد جاء هذا المعنى عن وائل بن حجر عند البيهقي ولكنه مرسل ضعيف، وجاء عند أبي الشيخ من حديث ابن عباس، وعلى العموم لا يصح في هذا الباب شيء، لا يصح في باب الوضوء للأذان شيء.

    حكم الطهارة للأذان وأقوال العلماء فيه

    إنما المسألة المتعلقة بالحديث وهي مسألة: حكم الطهارة للأذان، ما حكم الطهارة للأذان، هل يجب أن يكون المؤذن متطهراً من الحدث الأصغر والأكبر أم لا يجب عليه ذلك؟

    اختلف فيه أهل العلم، وفي المسألة قولان مشهوران: ‏

    القول الأول: كراهة الأذان بغير طهارة وأدلته

    القول الأول: أنه يكره الأذان بغير طهارة، يعني: يجوز أن يؤذن بغير طهارة ولكن مع الكراهة، أذانه صحيح مع الكراهة، وهذا مذهب أكثر الشافعية وأبي حنيفة وأحمد، ونقل عن جماعة من السلف كـالحسن البصري وغيره، وهو مذهب الثوري وأبي ثور وداود الظاهري وابن المنذر وغيرهم، قالوا: يجوز أن يؤذن غير المتوضئ مع الكراهة، يكره له أن يؤذن وهو على غير طهارة.

    وأدلتهم: أنه لا يصح في الباب شيء يدل على النهي عن ذلك، يعني: من حيث الجواز قالوا: الدليل على أنه يجوز أنه لم يرد نهي صريح عن ذلك؛ لأن الحديث -كما سبق- ضعيف: ( لا يؤذن إلا متوضئ )، فيبقى الحكم من حيث الجواز على الأصل أنه جائز.

    وأما كونهم يستحبون له أن يكون متوضئاً فلهم في ذلك أدلة أيضاً سبق من خلال هذه الدروس شيء منها.

    هذا الدليل الأول ما رواه مسلم تعليقاً من حديث أبي الجهيم بن الصمة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جمل، فجاء رجل فسلم عليه فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام حتى جاء إلى الجدار فتيمم ثم رد عليه السلام )، فدل على أن المستحب أن يكون الإنسان عند ذكره لله تعالى على طهارة، وإن كان يتسامح في هذه الطهارة ما لا يتسامح في الطهارة للصلاة للفريضة، هذا دليل.

    من الأدلة: ما رواه أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن سلم عليه: إني كرهت أن أذكر الله تعالى وأنا على غير طهر )، وهذا الحديث إسناده صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والدارمي .. وغيرهم، وفيه قول النبي عليه السلام: (كرهت)، فدل على أنه يكره للإنسان أن يذكر الله وهو على غير طهارة.

    ومن الأدلة على الجواز: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في كل أحيانه )، ورواه البخاري تعليقاً، فدل على أنه لم يكن يمنعه صلى الله عليه وسلم من ذكر الله تعالى شيء، ولا شك أن الأذان لا يعدو أن يكون ذكراً لله عز وجل.

    إذاً: هذا القول الأول أنه يجوز مع الكراهة، وهذه بعض أدلتهم.

    القول الثاني: حرمة الأذان بغير طهارة

    القول الثاني قالوا: لا يجوز أن يؤذن إلا متوضئ، وهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد، فقالوا: لا يجوز أن يؤذن إلا أن يكون متوضئاً.

    ولعلهم يستدلون بحديث الباب وفيه ما فيه من المقال، وشواهده كذلك ضعيفة، وربما يكون هذا أيضاً بالنسبة للمؤذن الذي يكون في المسجد؛ لأن الأذان ليس مرتبطاً بدخول المسجد، بل قد يؤذن في الصحراء أو في غير المسجد، فإذا كان المؤذن في المسجد فربما يقال أيضاً بالاستدلال بحديث: ( أما هذا فقد عصى أبا القاسم )، فيمن خرج من المسجد بعد الأذان، خاصة إذا كان بإمكانه أن يتوضأ قبل الأذان.

    وقال بعضهم: إنه إذا أذن ثم خرج من المسجد فقد يأتي الناس للصلاة فلا يجدون أحداً فيخرجون ربما يظنون أن الناس قد صلوا مثلاً.

    هناك قول ثالث ضعيف ذكره بعضهم: أنه يجوز بلا كراهة، ولا أعلم دليلاً على هذا القول، بل هو قول ضعيف.

    والأصح من هذه الأقوال هو القول الأول بجواز ذلك مع الكراهة، أي أنه يجوز مع الكراهة.

    1.   

    شرح حديث: (من أذن فهو يقيم)

    حديث زياد بن الحارث الصدائي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أذن فهو يقيم ).

    تخريج الحديث

    الحديث نسبه المصنف للترمذي وقال: وضعفه أيضاً.

    والحديث فيه قصة، وهي: ( أن بلالاً

    رضي الله عنه تأخر فأذن زياد بن الحارث الصدائي

    رضي الله عنه، فلما جاء وقت الإقامة أراد بلال

    أن يقيم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم
    ).

    والحديث رواه أيضاً أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وعبد الرزاق والطبراني وغيرهم، وفي سنده عند جميعهم علة: وهي أنه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف؛ ولذلك قال الترمذي عقب روايته: حديث غريب، حديث زياد حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف، ضعفه يحيى بن سعيد القطان، ولم يكتب أحمد حديثه، ويقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري -الكلام لا يزال للترمذي - يقوي أمره ويقول: هو مقارب الحديث، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن يكون المقيم هو المؤذن.

    على كل حال الراجح أن الحديث ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ضعيف من قبل حفظه، وإن كان رجلاً صادقاً ديناً صالحاً في نفسه، لكنه ضعيف، وقد حاول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تقوية أمره فلم يصنع شيئاً؛ فإن جمهور المحدثين الذين هم أدرى وأعلم به على تضعيفه وعدم الاحتجاج بحديثه؛ لسوء حفظه كما سبق.

    إذاً: الحديث ضعيف؛ ولذلك ضعفه جماعة من العلماء كـالترمذي والبغوي وغيرهما.