إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الحيض - حديث 151-157

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الحيض - حديث 151-157للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كانت حمنة بنت جحش ممن تستحاض، فشكت للنبي صلى الله عليه وسلم فأرشدها إلى أن تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام وهو غالب عادة النساء، ثم تغتسل وتصلي، وهذا حال من لم تستطع التمييز، وليست لها عادة ترد إليها، أما إن ميزت فتعمل على التمييز، والصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض، ولا يجوز مجامعة الحائض، بل هو كبيرة كما نص عليه الشافعي، وقيل: يجب على من فعل ذلك التصدق بدينار أو نصفه.

    1.   

    شرح حديث حمنة بنت جحش في الاستحاضة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فننتقل إلى حديث حمنة بنت جحش، وقد سبق شرح حديثها في المجلس السابق، وأشير إلى ما في حديث حمنة باختصار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدها إلى أن تتحيض ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله، ثم تغتسل وتصلي، وإن استطاعت أن تؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتجمع بينهما في غسل واحد، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتجمع بينهما في غسل واحد، وتغتسل للفجر فعلت، وهذا أعجب إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

    تخريج الحديث

    وحديث حمنة فيه مسألة تتعلق بإسناده، ذكرتها وأشير إليها باختصار: وهي أن العلماء اختلفوا في تصحيحه، فصححه طائفة من العلماء كثيرة، على رأسهم البخاري والإمام أحمد والترمذي، حيث قال كل منهم: هذا حديث حسن صحيح، وصححه كذلك ابن العربي والشوكاني، وحسنه الألباني .

    وضعفه آخرون، منهم أبو حاتم، كما نقل ابنه أنه وهنه، ولم يقو إسناده، وكذلك الإمام أحمد في رواية أبي داود أنه قال: في النفس منه شيء، وكأنه يومئ إلى تضعيفه، وممن ضعفه أيضاً ابن حزم، حيث أعله بالانقطاع.. في علماء آخرين.

    وسبب اختلافهم في تضعيف الحديث أو تصحيحه: هو أن الحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد اختلف فيه، فمن العلماء من ضعفه، كـعلي بن المديني، وابن معين، وابن خزيمة، وابن حبان .. وغيرهم، ومن العلماء من وثقه، حيث احتج به الإمام أحمد، والحميدي، وإسحاق، وقال فيه الترمذي : إنه صدوق، وقال الذهبي في الميزان: حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن، وهذا والله تعالى أعلم أعدل الأقوال في عبد الله بن محمد بن عقيل أنه صدوق، وحديثه حسن، وبناءً على ذلك أن الراجح أن حديث حمنة حديث حسن .

    فوائد الحديث

    وحديثها فيه فوائد سبقت منها: رد المستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز إلى عادة غالب النساء، حيث تتحيض ستة أيام أو سبعة، ثم تغتسل وتصلي.

    وفيه: وجوب الغسل من المحيض، وهذا معروف بالقرآن والسنة.

    وفيه: أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، وهذا الذي ذهب إليه جمهور العلماء، وسيأتي الإشارة إليه في الحديث الذي بعد هذا.

    وفيه: جواز الجمع بين الصلاتين للحاجة وللمرض، أن المريض له أن يجمع بين الصلاتين، فيجمع بين الظهر والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء؛ وذلك لأن المستحاضة ذات عذر ومرض، فأجاز لها الرسول صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الصلاتين.

    وفيه: أنه يستحب للمستحاضة، إذا جمعت بين الصلاتين، أن تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر، هذا أظهر ما في حديث حمنة .

    وفيه: أنه يجب عليها أن تتلجم، يعني: أن تضع على فرجها شيئاً يمنع خروج الدم، إلا إذا كان الدم أكثر من ذلك، بحيث لا تستطيع أن تمنعه، فإنها تصلي ولو خرج الدم منها، وقطر على الحصير، وهكذا أصحاب الأعذار، كمن به سلس، أياً كان هذا السلس، فإنه يجب عليه أن يضع على فرجه ما يمنع خروج النجاسة، وانتشارها على بدنه وثيابه ومصلاه، ثم يتوضأ لكل صلاة .

    1.   

    شرح حديث أم حبيبة بنت جحش في الاستحاضة

    أما الحديث الذي بعده وهو حديث عائشة وقد مضى معنا حديث عائشة ومضى شيء منه وهو في قصة أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها، حيث: ( شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدم. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة )، والحديث رواه مسلم .

    وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( وتوضئي لكل صلاة ).

    معاني ألفاظ الحديث

    إنَّ المنهج في الدعوة إلى الله والذي أمر الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأمرنا أن نقتدي به، هو كما قال عز وجل على لسان نبيه ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ))[يوسف:108].

    ترجمة أم حبيبة بنت جحش

    في هذا الحديث أولاً: ذكر أم حبيبة : وهي بنت جحش أخت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأخت حمنة وقد مر ذكرها، وهذا يذكرنا بما قاله ابن عبد البر رحمه الله: إن بنات جحش الثلاث كلهن مستحاضات: زينب وحمنة وأم حبيبة، وأم حبيبة هذه كانت استحيضت سبع سنين، وهي مشهورة بذلك، واسمها غير معروف وإن كان بعضهم قال: إن اسمها حبيبة، وكنيتها أم حبيب، لكن المشهور في الرواية أن كنيتها أم حبيبة بهاء في آخرها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه .

    حكم اغتسال المستحاضة لكل صلاة

    وقد اختلف أهل العلم في غسلها لكل صلاة ما حكمه؟ على أقوال:

    فقيل: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، يعني: المستحاضة، وهذا منقول عن جماعة من الصحابة مثل: ابن عمر، وابن الزبير، وعطاء من التابعين.. وغيرهم.

    ومن حجتهم ما رواه أبو داود عن عائشة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زينب -يعني بنت جحش - أن تغتسل لكل صلاة) . والحديث رواه أبو داود وهو ضعيف، ضعفه النووي والشوكاني .. وغيرهم، فلا حجه في هذا الحديث.

    القول الثاني في مسألة الغسل: أنها تغتسل كل يوم، يعني: من الظهر إلى الظهر، وهذا ورد أيضاً عن جماعة من الصحابة، كـعائشة، وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وليس فيه في ذلك أحاديث مرفوعة، إنما روى أبو داود عن علي رضي الله عنه أنه قال: (فاغتسلي من الظهر إلى الظهر)، وليس لهم في ذلك حجة قائمة.

    القول الثالث وهو قول الجمهور، وهو المعروف عن الأئمة الأربعة وسواهم: أنه لا يجب على المستحاضة غسل إلا غسل المحيض، فتغتسل إذا انتهى حيضها وبدأت الاستحاضة، سواء كان ذلك عن طريق الأيام، أو عن طريق تمييز الدم، أو عن طريق عادة النساء، تغتسل بعد ذلك ثم تتوضأ لكل صلاة، ولا يجب عليها اغتسال غير اغتسالها من المحيض، وهذا هو قول الجمهور وهو الصحيح؛ وذلك لأن إلزام المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، كما كانت تفعل أم حبيبة بنت جحش فيه من المشقة والعنت العظيم، حيث تؤمر بالغسل خمس مرات في اليوم، فهذا فيه حرج عظيم عليها، والحرج مندفع كما هو معروف في الشريعة، ولا يأمرها الشارع بما فيه هذا الحرج والعنت والمشقة، وإنما يجب عليها الوضوء، وهذا مذهب الثلاثة: أحمد والشافعي وأبي حنيفة: أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، أما مالك فإنه لا يلزمها حتى بالوضوء، إلا أن تحدث حدثاً آخر فيجب عليها الوضوء لذلك الحدث.

    فأما حجة الجمهور في إيجاب الوضوء، فحجتهم ما ورد في رواية البخاري من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ثم توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت )، يعني: الوقت الذي تعده حيضاً، فتقعد عن الصلاة، فأمرها بالوضوء لكل صلاة.

    وأما حجة مالك، فإنه لم ير هذه اللفظة ثابتة، وقد روي أن هذا من قول عروة، وليس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما لم تثبت هذه الزيادة عند مالك، لم يوجب عليها الوضوء لكل صلاة.

    والأقرب قول الجمهور: في وجوب الوضوء عليها لكل صلاة؛ وذلك لأن الوضوء ليس فيه حرج ولا مشقة..

    1.   

    شرح حديث أم عطية: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً)

    هذا الحديث حديث عائشة كان يجب أن يكون أيضاً من حصة المجلس السابق، أما بقية الأحاديث فهي الأحاديث التي نأخذها هذه الليلة إن شاء الله، وهي حديث أم عطية، وأنس، وعائشة، وابن عباس:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: ( كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً )، رواه البخاري وأبو داود واللفظ له.

    وعن أنس رضي الله عنه: ( أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، رواه مسلم .

    وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض )، متفق عليه.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار، أو بنصف دينار ) رواه الخمسة وصححه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه.

    الشيخ: الحديث الأول: حديث أم عطية رضي الله عنها أنها قالت: ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً )، رواه البخاري وأبو داود واللفظ له.

    ترجمة أم عطية

    أم عطية : هي نسيبة بنت كعب المازنية، وهي من كبار الصحابيات، بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تخرج معه في القتال، تسقي الجرحى، وتداويهم، وتمرضهم.

    ولها ذكر كثير في الصحيحين.. وغيرهما، منه ذكرها في حديث بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ماتت، فكانت أم عطية فيمن يغسلها.

    ومنها: ذكر أم عطية في أنه تصدق عليها بشاة، فأهدت لـعائشة رضي الله عنها شيئاً منها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هل عندكم شيء، قالت: لا، إلا ما بعثت به أم عطية فقال لها: هاتيه فقد بلغت محلها ). ولها ذكر في الصحيحين في مواضع كثيرة غير هذين.

    واسمها: نسيبة بنت كعب المازنية، وقيل: غير ذلك.

    تخريج الحديث

    قالت: ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً )، الحديث رواه البخاري، في باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.

    ولفظ البخاري : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً )، يعني: بدون قولها: (بعد الطهر)، والكلمة هذه (بعد الطهر)، كلمة مهمة؛ لأنه يتغير بزوالها المعنى، ينقص نقصاً واضحاً كما هو ظاهر، فرواية البخاري : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً )، وليس فيه قوله: (بعد الطهر)، ولكن البخاري أشار من خلال الترجمة إلى أن المعنى بعد الطهر وإن كان لم يرفق رواية: (بعد الطهر).

    والحديث رواه أبو داود بزيادة: (بعد الطهر)، ورواه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارمي .. وغيرهم وسنده صحيح.

    قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.

    وقال النووي في المجموع : إسناده صحيح على شرط البخاري .

    وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل مثل ذلك.

    والحديث له طرق عديدة تثبته، وإن كان فيه عنعنة قتادة في قوله: (بعد الطهر) .

    معاني ألفاظ الحديث

    حديث أم عطية رضي الله عنها فيه: ذكر الصفرة والكدرة، فما هو المقصود بهما؟

    المقصود بالصفرة والكدرة: أن يخرج من رحم المرأة ماء مثل الصديد، تعلوه صفرة أو كدرة، وليس يشبه شيئاً من الدماء المعروفة، ماء مثل الصديد تعلوه الصفرة، أو تعلوه الكدرة، ولا يشبهه شيئاً من الدماء المعروفة، هذا معنى الصفرة والكدرة .

    حكم الصفرة والكدرة التي تخرج من المرأة وأقوال العلماء فيها

    وقد اختلف العلماء في حكم الصفرة والكدرة التي تخرج من المرأة: هل تعد حيضاً أم لا تعد حيضاً؟

    القول الأول: الصفرة والكدرة حيض إن اتصلا بالحيض وإلا فلا وأدلته

    فالرأي الأول في المسألة: أن الصفرة والكدرة إن كانت متصلة بالحيض، فهي حيض، وإن كانت في غير أيام الحيض، فلا تعد حيضاً. هذا القول الأول، يعني: لا يعطون الصفرة والكدرة حكماً مطلقاً، فيقولون: هي حيض أو ليست بحيض، بل يفصلون، فيقولون: إن كانت الصفرة والكدرة التي رأتها المرأة متصلة بالحيض، فحكمها حكم حيض، وإن كانت في غير أيام الحيض، فليست بحيض، وهذا القول نسبه البغوي إلى أكثر العلماء، ونص عليه الإمام أحمد، وذكر ابن قدامة في المغني أنه مذهب مالك وربيعة والشافعي .. وغيرهم، وهو رأي الليث والأوزاعي وإسحاق .. وسواهم. ولكن من مراجعة كتاب المجموع للنووي يتضح أن الأصح من مذهب الشافعية أنهم يقولون: الصفرة والكدرة في زمن الإمكان حيض، وليس في زمن الحيض، وهناك فرق بين قولنا: الصفرة والكدرة في زمن الإمكان حيض، وبين قولنا: الصفرة والكدرة في زمن الحيض حيض.

    هذا الفرق يتضح من خلال المثال التالي: عندنا امرأة حاضت دماً أسود لمدة خمسة أيام، ثم طهرت، هذا يعتبر حيضاً ما فيه إشكال، طهرت لمدة خمسة عشر يوماً ثم رأت صفرة لمدة خمسة أيام ثم طهرت، هذه الأيام الخمسة التي رأت فيها الصفرة هل تعد عند الجمهور حيضاً أم لا تعد حيضاً؟

    عند الجمهور، يعني: منصوص الإمام أحمد ومالك وربيعة والليث والذين ذكرتهم، أصحاب القول الأول لا تعد حيضاً؛ لأنها ليست في زمن الحيض، ولا متصلة به لا قبله ولا بعده، فليست حيضاً، بل تعد استحاضة هذا ظاهر قولهم.

    لكن عند الشافعية على حسب ما قرره النووي تعد حيضاً؛ لأنه في زمن الإمكان، بمعنى: أنه من الممكن أن تكون حيضاً فتكون حيضاً؛ وذلك لأن بينها وبين الطهر خمسة عشر يوماً فأقل الطهر عندهم خمسة عشر يوماً فيقولون: ما دامت طهرت بعد الحيض الأول ثم مكثت خمسة عشر يوماً، ثم رأت الصفرة، فهذه الصفرة يجوز أن تكون حيضاً، فتعد حيضاً عندهم، هذا الذي رجحه النووي من مذهب الشافعية.

    لا يهم كثيراً ماذا يكون مذهب الشافعي، المهم أن نعرف الأقوال ونميز بينها، ثم نعرف القول الراجح.

    فنعود إلى القول الأول، القول الأول: أن الصفرة والكدرة إن كانت متصلة بالحيض، فهي حيض، وإن كانت في غير أيام الحيض فهي طهر لا تعد حيضاً، بل تصوم فيها المرأة وتصلي.

    وحجة أصحاب هذا القول وهم الجمهور: حديث أم عطية، وهو قولها: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً )، فدل على أن الصفرة والكدرة إذا كانت متصلة بالحيض، فهي حيض، حكمها حكم الحيض.

    وقولها: (كنا لا نعده)، يعني: في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا عند أكثر العلماء من باب المرفوع حكماً، أي له حكم المرفوع؛ لأن المعروف أن هذا يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيقره، ولم تكن المؤمنات لتفتات على الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، وهو بين أظهرهن، إلا ويسألنه عن حكم الله ورسوله في هذه المسألة، فالراجح أن هذا من باب المرفوع حكماً، له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    القول الثاني: الصفرة والكدرة حيض إن سبقها حيض وإلا فلا وأدلته

    القول الثاني: أن الصفرة والكدرة إن كان سبقها حيض، فهي حيض، وإلا فليست بحيض، إن كان سبقها حيض قل أو كثر، فهي حيض، وإلا فليست بحيض، وهذا مذهب أبي ثور، وروي نحوه عن أبي يوسف، وداود الظاهري، واختاره ابن المنذر .. وغيرهم، قالوا: إن سبق الصفرة والكدرة حيض ألحقت به، وإن لم يسبقها حيض فهي طهر، ولا أعرف لهم دليلاً في ذلك.

    القول الثالث: الصفرة والكدرة حيضاً في زمن الحيض وغيره وأدلته

    القول الثالث: أن الصفرة والكدرة حيض، أياً كان، سواء كانت في زمن الحيض أو في غيره، فكل صفرة أو كدرة تراها المرأة فهو حيض، وهذا القول منسوب للإمام مالك، ذكره ابن رشد في بداية المجتهد عن المدونة، وكذلك نسبه ابن حزم في المحلى للإمام مالك : أن كل صفرة أو كدرة فهي حيض، والمشهور عن الإمام مالك القول الأول.

    القول الرابع: الصفرة والكدرة لا تعد حيضاً لا في زمن الحيض ولا في غيره وأدلته

    القول الرابع: أن الصفرة والكدرة ليست حيضاً، ولا تعد حيضاً، لا إن كانت متصلة بالحيض، ولا إن كانت منفصلة عنه، بل قالوا: الصفرة والكدرة لا تسمى دماً، ولا تعد حيضاً، بل هي من ضمن ما تبقيه الرحم من الأشياء الأخرى فلا تعد حيضاً، وهذا مذهب الإمام ابن حزم كما هو ظاهر جداً في كتاب المحلى، وحجته قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( دم الحيض دم أسود يعرف )، كما سبق من حديث عائشة .

    فقال: ما سوى ذلك الدم المعروف فليس بحيض، سواء كان صفرة أو كدرة أو غيرهم. هذه أربعة أقوال في مسألة الصفرة والكدرة.

    والأقرب والراجح منها والله تبارك وتعالى أعلم: هو القول الأول، ولعله يصح أن ينسب للجمهور: أن الصفرة والكدرة إن كانت متصلة بالحيض، فهي حيض، وإن لم تكن متصلة به، فلا تعد حيضاً، بل هي طهر، ولكن يجب على من تصيبها الصفرة والكدرة أن تغتسل لكل صلاة، كما هو معروف مما سبق.

    ملخص لأقوال العلماء في حكم الصفرة والكدرة

    ويمكن أن نقول من خلال العرض السابق: إن الأقوال خمسة أيضاً؛ لأن قول الشافعية أن الصفرة والكدرة في زمن الإمكان حيض، فربما نستطيع أن نقول: إن الأقوال خمسة:

    القول الأول: وهو مذهب الجمهور كما ذكره البغوي وغيره، وابن قدامة في المغني : أن الصفرة والكدرة إن كانت متصلة بالحيض، في زمنه ووقته، فهي حيض، وإن كانت في غير ذلك، فليست بحيض، وهذا هو الراجح، لحديث أم عطية : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً ).

    القول الثاني: وهو قول الشافعية أن الصفرة والكدرة في زمن الإمكان حيض، أما في غير زمن الإمكان فليست بحيض، يعني: في الزمن الذي لا يمكن أن تكون حائضاً فيه، كما لو رأت الصفرة -مثلاً- بعد ثلاثة أيام من الطهر مثلاً.

    القول الثالث: أن الصفرة والكدرة إن كانت بعد رؤية الحيض، فهي حيض، وإن كانت قبل رؤية الحيض فليست بحيض.

    القول الرابع: أن الصفرة والكدرة حيض مطلقاً.

    القول الخامس: أن الصفرة والكدرة ليست بحيض مطلقاً.

    والراجح: هو القول الأول؛ لحديث أم عطية.

    والقول الخامس قول ابن حزم أنه لا يعد الصفرة والكدرة شيئاً، قد يستدل له برواية في البخاري، في حديث أم عطية : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً )، وقد جاء نحوه عن عائشة، واستدل ابن حزم فعلاً برواية عائشة : ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً ).. أو نحوه.

    ولكن الظاهر من خلال الروايات الكثيرة عند أبي داود والدارمي والبيهقي والحاكم .. وغيرهم، ومن صنيع البخاري أيضاً: أن الصحيح عن أم عطية كانت تقول: ( كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً )، ويرجحه رواية عائشة التي ذكرها البخاري تعليقاً، ورواها أصحاب السنن: ( أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة من الكرسف -يعني: القطن أو غيره- من الليل، -يعني: ينظرن هل طهرن أم لا؟!- فكانت تقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء فإنها قد تكون الصفرة والكدرة )، فدل على أن الصفرة والكدرة إذا كانت متصلة بالحيض فحكمها حكمه .

    1.   

    شرح حديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)

    ننتقل للحديث الذي بعده: وهو حديث أنس : ( قال إن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، رواه مسلم .

    تخريج الحديث

    الحديث رواه مسلم في كتاب الحيض، وذكره بسياق طويل فيه: ( أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت -يعني: لم يجتمعوا معهن في غرفة واحدة، أو تحت سقف واحد- فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى قوله: (( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ))[البقرة:222].. إلى آخر الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح. فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفه -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم-، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير

    وعباد بن بشر

    فقالا له: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أنه قد وجد عليهما، فخرجا من عنده فاستقبلتهما هدية لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث في أثرهما فدعاهما فسقاهما من اللبن، فعلما أنه لم يجد في نفسه صلى الله عليه وسلم عليهما )، هذا سياق مسلم للحديث.

    معاني ألفاظ الحديث

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، المقصود بالنكاح هاهنا الجماع.

    وأترك بقية مسائل الحديث لما بعده؛ لأن الأحاديث الثلاثة كلها تدور في إطار واحد.

    1.   

    شرح حديث عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض)

    ننتقل للحديث التالي: وهو قول عائشة رضي الله عنها: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض)، والحديث متفق عليه.

    تخريج الحديث

    معاني ألفاظ الحديث

    في هذه الأحاديث ألفاظ: منها: قولها: (فأتزر) أصله فأأتزر بهمزتين، أدغمت إحداهما في الأخرى فأأتزر، وقد أنكر أكثر النحاة هذا الإدغام، حتى قال صاحب المفصل وهو ابن يعيش : إنه غلط، ولكن ذكر بعضهم أن هذا مذهب الكوفيين، جواز إدغام الهمزتين، وهو مقصور على السماع: (يأمرني فأتزر)، يعني: فأأتزر.

    ومعنى قولها: (فأتزر)، أي: تضع الإزار على فرجها، والمشهور عند كثير من الفقهاء أنه فيما بين السرة والركبة، لكن ليس هذا بلازم، بل سوف يأتي ما يدل على خلافه.

    المقصود: أنها تضع على فرجها شيئاً.

    وقولها: (فيباشرني)، أي: تمس بشرته بشرتي، وليس المقصود الجماع بلا خلاف، وإنما المقصود: تمس بشرته بشرتي.

    وقولها في الحديث الأخر: (وكان أملككم لإربه)، الإرب: جاء بكسر الهمزة وسكون الراء (إربه)، وهذا هو الأكثر في الرواية، والمعنى أي: العضو المعروف وهو الذكر، وجاء في بعض الروايات بأربه بفتح الهمز والراء (لأربه)، فعلى رواية (أربه) المقصود: لحاجته، فيكون المعنى: أملككم لشهوته، بحيث لا تدعوه المباشرة فيما دون الفرج إلى الوقوع في الحرام، والمعنيان قريب بعضهما من بعض، وكلاهما ثابت في الرواية، وإن كان الخطابي رحمه الله أنكر على المحدثين رواية الكسر (لإربه)، ولكنها ثابتة، والإرب يأتي بالمعنيين أيضاً: يأتي بمعنى العضو، ويأتي بمعني الحاجة، فلا وجه للإنكار حينئذٍ .

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض

    الحديث الرابع حديث ابن عباس رضي الله عنه: ( عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار ).

    تخريج الحديث

    الحديث رواه الخمسة، وصححه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهم وقفه كما قال المصنف.

    وذهب جماعه من العلماء إلى أن هذا الحديث ضعيف، بل بالغ النووي فقال في شرحه لصحيح مسلم، وفي الخلاصة، وفي المجموع شرح المهذب، قال: اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف، ولكن هذا الحكم من النووي على أنهم اتفقوا على ضعفه فيه نظر، صحيح أن هناك من ضعفه من العلماء، كما قال الشافعي في أحكام القرآن: لو كان الحديث ثابتاً لأخذنا به، وكما قال ابن حجر في التلخيص قال: حديث ابن عباس كثر الاضطراب في سنده ومتنه، وقال ابن عبد البر : حجة من لم يوجب الكفارة على من أتى امرأته وهي حائض: اضطراب حديث ابن عباس، وأن الأصل براءة الذمة.

    و النووي قال كما أسلفت: اتفق الحفاظ على ضعفه، لكن هذا الاتفاق غير صحيح، فإن الحاكم صححه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان، وممن صحح الحديث أيضاً ابن القيم وابن التركماني، وصححه من المتأخرين الألباني كما في إرواء الغليل، وفي كلام أبي داود ما يدل على تصحيحه له، حيث ساق في رواية له، ثم ساق رواية أخرى، وقال: هكذا الرواية الصحيحة، وكذلك الإمام أحمد استحسن الحديث.

    والحديث له طرق كثيرة، ومداره على مقسم عن ابن عباس، وإنما اختلف شعبة فيه فمرة رفعه إلى النبي، ومرة وقفه على ابن عباس، ولعل شعبة تراجع عن رفعه واكتفي بالقول بوقفة، لكن رفعه غيره، فالقول بتصحيح الحديث أو القول بثبوته مرفوعاً قول وجيه، وقال به جماعة من أهل الحديث كما أسلفت، فلا وجه لتضعيفه، فضلاً عن القول بأنه اتفق على ضعفه.

    1.   

    المسائل المتعلقة بأحاديث مباشرة إتيان الحائض

    في هذه الأحاديث الثلاثة وهي: حديث أنس رضي الله عنه، وحديث عائشة، وحديث ابن عباس فيها عدة مسائل :

    حالات مباشرة الحائض وحكمها

    المسألة الأولى: مسألة حكم مباشرة الحائض.

    ومباشرة الحائض لها ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: مجامعتها، يعني: مباشرتها في الفرج، جماع الحائض، وهذا حرام بإجماع العلماء، بنص القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول الله جلا وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فثبت بالقرآن والسنة وإجماع أهل العلم تحريم جماع الحائض، وهذا لا خلاف فيه، حتى قال الفقهاء: لو إن رجلاً أنكر تحريم جماع الحائض، لكان كافراً بهذا الإنكار؛ لأنه أنكر أمراً ثبت بالقرآن والسنة والإجماع، فهو من المعلوم من الدين بالضرورة.

    وإذا جامع الرجل امرأته وهي حائض:

    فإن كان جاهلاً بالحكم الشرعي، أو جاهلاً بالحال، يعني: لم يعلم أنها حائض أو مكرهاً على ذلك ملجأً عليه، فلا شيء عليه في ذلك، لا إثم ولا كفارة.

    أما: إن جامعها وهو يعلم بالحكم، وأنه حرام، ويعلم بأنها حائض وهو مختار غير مكره، فإنه آثم بلا شك، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، كما نص عليه الإمام الشافعي، نص على أن إتيان المرأة وهي حائض كبيرة من كبائر الذنوب، وقد اختلفوا هل عليه كفارة أم لا؟ وسوف تأتي.

    هذا القسم الأول من أقسام مباشرة الحائض: وهو الجماع، وهو حرام بالإجماع كما سلف.

    القسم الثاني: هو مباشرتها فيما فوق السرة وما تحت الركبة، وهذا جائز أيضاً بالإجماع سواء بذكره، أو بتقبيلها أو بضمها أو بلمسها.. أو بغير ذلك، فهذا جائز بالاتفاق فيما فوق السرة ودون الركبة، وقد حكى أبو حامد الإسفراييني وجماعة من أهل العلم الإجماع على جواز ذلك، وما نقل من مخالفة لذلك فلا عبرة به، مع ثبوت النص والإجماع السابق عليه.

    القسم الثالث: هو مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة، في غير القبل والدبر، يعني: مباشرتها ما بين سرتها وركبتها في غير قبلها، أما الدبر فهو حرام، كما هو معروف في الحيض.. وغيره، وهذا اختلف فيه، فذهب كثير من أهل العلم كـأبي حنيفة ومالك إلى أنه لا يجوز، وذهب غيرهم وهو رأي جمهور السلف ومذهب الإمام أحمد وإسحاق وأبي ثور والأوزاعي .. وغيرهم، وهو الصحيح دليلاً، إلى أنه يجوز للرجل أن يستمتع من امرأته الحائض، حتى فيما بين السرة والركبة، إلا أنه يتقي الفرج، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس في صحيح مسلم : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فثبت بالنص تحريم النكاح، يعني: تحريم الجماع في حال الحيض، وحل ما عداه، وهذا هو القول الصحيح.

    إلا أن يكون الإنسان يعلم من نفسه ضعفاً وشدة شهوة، فيخشى إن اقترب من زوجته فيما بين السرة والركبة، أن يقع في الجماع، فحينئذٍ يحرم عليه ذلك، من باب سد الذريعة، واتقاء السبيل إلى الحرام، وإن كان مباحاً له في الأصل، فما بين السرة والركبة قيل: بتحريمه، وقيل: بأنه جائز وليس بحرام، وهذا هو الصحيح.

    وأما الأحاديث فتحمل على الاستحباب، الأحاديث التي فيها الأمر بالاتزار (يأمرها فتأتزر)، فإنها محمولة على الاستحباب، جمعاً بين الأدلة، ومما يدل على الجواز ما رواه أبو داود أيضاً بسند قوي عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر واحدة من أزواجه، وهي حائض، ألقى على فرجها ثوباً )، وهذا يدل أيضاً على أنه لا يشترط أن يكون الاتزار ما بين السرة والركبة، كما هو شائع عند كثير من الفقهاء بل إنما يقصد إن يلقي على فرجها ثوباً، ولو كان فيما دون السرة وفيما فوق الركبة، هذا فيما يتعلق بمباشرة الحائض، فيما بين السرة والركبة.

    وحديث الباب حديث عائشة : ( يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض )، ومثله حديث ميمونة، إنما هو مجرد فعل من النبي صلى الله عليه وسلم، فليس فيه دليل على تحريم مباشرتها فيما بين السرة والركبة، ليس فيه دليل على تحريم ذلك، ولعل بعض هؤلاء استدلوا بحديث معاذ رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما فوق الإزار )، الحديث رواه أبو داود وضعفه .

    هذه المسألة في هذه الأحاديث: وهي مسألة مباشرة الحائض، وتبين أن لها ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: الجماع، وهو حرام بالاتفاق.

    الحالة الثانية: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة، وهو جائز بالاتفاق.

    الحالة الثالثة: وهي المباشرة فيما بين السرة والركبة، وهو جائز على الصحيح، بشرط أن يتقي الفرج، وبشرط ألا يخشى أن يؤدي به ذلك إلى الوقوع في الحرام .

    حكم من أتى امرأته وهي حائض

    المسألة الثانية: في هذه الأحاديث مسألة حكم من أتى امرأته وهي حائض، كما في حديث ابن عباس، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة.

    فذهب الشافعي في مذهبة القديم، وهو منقول عن ابن عباس، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وإسحاق، ورواية عن الإمام أحمد : أن عليه الكفارة، أنه يتصدق بدينار أو بنصف دينار، واحتجوا بحديث ابن عباس السابق: ( يتصدق بدينار أو بنصف دينار ).

    واختلف هؤلاء في تحديد الكفارة هل هي دينار أو نصف دينار؟ فقال بعضهم: إن كان موسراً تصدق بدينار، وإن كان معسراً تصدق بنصف دينار.

    وقال بعضهم: إن كان في أول الحيض تصدق بدينار، وإن كان في آخره تصدق بنصف دينار.

    وقال بعضهم: إن كان في الحيض في الدم تصدق بدينار، وإن كان بعد الطهر وقبل الغسل تصدق بنصف دينار، وليس على شيء من ذلك دليل صحيح.

    وذهب الشافعي في مذهبه الجديد، وأبو حنيفة والجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد ونسبه النووي في شرحه على مسلم إلى جمهور السلف، وطائفة كبيرة جداً من التابعين إلى أنه ليس عليه شيء، إنما عليه الإثم، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفر.

    ويحتجون أولاً: بأن الحديث عندهم ضعيف لا تثبت به حجة. وقالوا: الأصل براءة الذمة، فلا يمكن أن نشغل ذمة هذا الإنسان بشيء من المال، إلا بدليل صحيح ثابت ثبوت الشمس في رابعة النهار. وبناءً عليه قالوا بعدم ثبوت الكفارة.

    وإذا قلنا: بأن الحديث صحيح، فإن القول الأول وجيه، وهو القول بأنه يجب على من أتى امرأته وهي حائض أن يتصدق بدينار، أو بنصف دينار، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس، وحتى على القول! بأنه موقوف، فإن ابن عباس رضي الله عنه يغلب على الظن أنه لا يكون قال هذا من عند نفسه، بل أن يكون قاله بتوقيف، أو نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    فوائد عامة من أحاديث مباشرة المرأة وهي حائض

    في هذه الأحاديث الثلاثة السابقة أيضاً، فوائد عامة منها:

    مشروعية مخالفة المشركين وأهل الكتاب في سائر أمورهم، حتى قالوا: ( لا يريد هذا الرجل -يعنون النبي صلى الله عليه وسلم- أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفه ).

    وفيها: الرخصة والتيسير في هذا الدين، حيث رخص النبي صلى الله عليه وسلم للرجل من امرأته الحائض كل شيء، إلا الجماع.

    وفيها: جانب مما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أزواجه: عائشة، وميمونة، وأم سلمة، وهو يظهر تلطفه صلى الله عليه وسلم في معاشرتهن، سواء حال الحيض أو غيرها، حيث كان صلى الله عليه وسلم يغتسل مع عائشة وكلاهما جنب، وكان يباشرها وهي حائض، وكان يخرج إليها رأسه وهو معتكف، فترجله وهي حائض، وكذلك يدعو أم سلمة فتنام معه في الخميلة، وله في ذلك أخبار أخرى صلى الله عليه وسلم، تدل على ما كان عليه من كرم السجايا وحسن الطباع مع أهله وأزواجه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) صلى الله عليه وسلم وبارك وأنعم.

    هذا والله تعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك .