إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 109-114

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 109-114للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الذنوب الخطيرة عدم الاستبراء من البول، ومعناه ألا يجعل قاضي الحاجة مانعاً أو ساتراً بينه وما يتطاير من البول، ومن هنا قال الفقهاء: يجب إزالة النجاسة والتحرز منها، أما شرطية طهارة الثوب لصحة الصلاة ففيه خلاف؛ إذ ذهب بعض أهل العلم كالشافعي إلى ذلك، وذهب مالك في رواية إلى عدم الشرطية، ودلت السنة على استحباب الاستنجاء بالماء.

    1.   

    شرح حديث: (استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونصلي ونسلم على عبده ورسوله النبي الأمين, وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    الحديث الأول: هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    والحديث كما أشار المصنف رواه الدارقطني في سننه , في باب: نجاسة البول والأمر بالتنزه منه, والقول في بول ما يؤكل لحمه. وقال الدارقطني عقبه: الصواب مرسل، بل إن الدارقطني رحمه الله رواه بإسنادين عن أبي هريرة : الأول منهما: من طريق ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة , وقال عقبه: الصواب مرسل, ثم رواه من طريق آخر .. من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ( أكثر عذاب القبر من البول). وقال: صحيح.

    الدارقطني إذاً: روى الحديث بإسنادين:

    أولهما بلفظ: ( استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه)، وحكم عليه بأنه مرسل.

    والثاني: باللفظ الآخر الذي ساقه المصنف: ( عامة عذاب القبر من البول)، وقال عقبه: صحيح.

    وهذا اللفظ الآخر: ( عامة عذاب القبر من البول ) رواه أيضاً أحمد، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه , وقال الحاكم عقبه: حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين, ولا يعلم له علة, ولم يخرجاه, قال: وله شاهد من حديث ابن عباس , ثم ذكر هذا الشاهد.

    وقد أعل هذا الحديث بالإسناد الأخير الذي هو من طريق أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة , أعله أبو حاتم وقال: إن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم باطل, ولكن خالفه في ذلك أكثر أهل العلم بالحديث, ولذلك صحح الحديث الدارقطني , فقال عقبه: صحيح, وكذلك صححه الحاكم كما سبق, قال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة, وصححه أيضاً النووي والشوكاني والمصنف -أعني: ابن حجر - وغيرهم, فاللفظ الآخر: ( أكثر عذاب القبر من البول) صحيح, خلافاً لما هو شائع عند كثير من الناس من تضعيفه لهذا الحديث جملة وتفصيلاً.

    شواهد الحديث

    ثم إن للحديث شواهد كثيرة, منها:

    ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه).

    وحديث ابن عباس رواه الدارقطني والحاكم وغيرهما, وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إسناده حسن, ليس فيه غير أبي يحيى القتات , يعني: ليس فيه رواة ضعفاء غير أبي يحيى القتات , وفيه لين, وكذلك الهيثمي في المجمع وأعله بـأبي يحيى هذا.

    وكذلك قال النووي في المجموع: الحديث رجال إسناده عدول ضابطون على شرط الشيخين إلا أبو يحيى القتات , ثم قال: وله متابع وشواهد يتقوى بها بحيث يكون حسناً, ويجوز الاحتجاج به. هذا حديث ابن عباس .

    والشاهد الثاني: حديث أنس بن مالك، وهو بلفظ حديث الباب, وقد رواه الدارقطني، وقال: المحفوظ المرسل، وكذلك قال أبو زرعة وأبو حاتم، فحديث أنس إذن مرسل, ولا يصح مرفوعاً متصلاً.

    الشاهد الثالث: هو حديث عبادة عند البزار قال: ( سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول فقال: إذا أصابكم شيء منه فاغسلوه, فإني أظن أن منه عذاب القبر).

    وهذا الحديث قال الحافظ ابن حجر في التلخيص : إسناده حسن, ولكن حكمه على هذا الحديث بالحسن ليس بحسن؛ لأن الهيثمي في مجمع الزوائد ذكر الحديث وذكر أن في إسناده يوسف بن خالد السمتي , وهو مرمي بالكذب, بل إن الحافظ ابن حجر نفسه في تقريب التهذيب لما ذكر يوسف بن خالد السمتي قال: تركوه, ورماه يحيى بن معين بالكذب , فكيف يكون الإسناد حسناً وفيه هذا الراوي الذي تركه العلماء، ورماه يحيى بن معين بالكذب؟ هذا أقل ما يقال فيه: إنه ضعيف جداً. ولذلك فإنه لا يصلح للاستشهاد به, لكن ذكرته لبيان حاله, حيث إن الحافظ ابن حجر قد حسنه كما في التلخيص .

    والشاهد الرابع: هو مرسل عن الحسن البصري رواه سعيد بن منصور في سننه , ورجاله ثقات على أنه مرسل, وعلى كل حال فهذا المعنى ثابت.

    ولعل مما يصلح أن يستدل له به ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير, ثم قال: بلى إنه كبير, أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول, وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة, ثم أخذ صلى الله عليه وسلم جريدة رطبة فشقها نصفين، ووضع على كل قبر منها نصفاً, وقال: لعلهما يخففان عنهما ما لم ييبسا ).

    معنى الاستبراء والاستتار من البول

    وقوله: ( أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول) هكذا جاء في صحيح البخاري ( لا يستبرئ) من البراء, يعني: لا يبرئ نفسه من البول بغسله وإزالته, وفي رواية: (لا يستتر), وهذه الرواية عند مسلم , وفي رواية ثالثة عند مسلم أيضاً (لا يستنزه من البول).

    ما معنى قوله: ( فكان لا يستتر من البول

    أي: أنه لا يستتر من الناس.

    هذا قول لكنه ضعيف, فهل هناك أقوى منه؟

    نعم. أي: أنه لا يجعل بين بدنه أو ثيابه وبين البول ساتراً يمنع وصول البول, فمعنى لا يستتر أي: أنه بمعنى لا يستبرئ أو لا يستنزه, أما رواية (لا يستنزه) فهي ظاهرة, وفي رواية رابعة في غير الصحيحين (لا يتوقى), والروايات يشرح بعضها بعضاً؛ لأنها من اختلاف الرواة, فعلم أن المقصود أنه لا يحرص على البعد عن البول في بدنه ولا في ثيابه.

    شق الجريدتين الخضراوين وغرسهما في القبرين

    وحديث ابن عباس فيه بحث طويل من وجوه كثيرة, يعني: مما يتعلق بالأحكام, لكن لا داعي للوقوف عنده؛ لأنه ليس هذا موضعه, فنبقي في حديث الباب, ( استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).

    فحديث ابن عباس فيه مباحث طويلة، سواء في موضوع عذاب القبر, أو في موضوع وضع الجريدتين, أو ما أشبه ذلك, لو دخلنا فيها أخذت بقية المجلس, ولكن وضع الجريدة هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.

    إيه, بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام هذا شفاعة لهم, كما يشفع للناس يوم القيامة مثلاً بأنواع كثيرة من الشفاعة معروفة, هذا منه, ولذلك شفع صلى الله عليه وسلم لهذين الرجلين ووضع الجريدة ودعا لهما.

    وقيل في تعليل ذلك أقوال, لكن هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام على الصحيح؛ وذلك لأن لا أحد يستطيع أن يجزم بأن هذا القبر يعذب حتى يضع عليه جريدة أو ما أشبه ذلك, إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الذي علم أن صاحبي هذين القبرين يعذبان.

    وما روي عن بريدة رضي الله عنه أنه أوصى أن يوضع معه في قبره جريدة فهو اجتهاد خاص منه, ولم يكن على ذلك بقية الصحابة رضي الله عنهم ولا التابعون, فما يصنع بعض الناس من وضع الجريد على القبور, أو أحياناً يقبرون الإنسان تحت شجرة, أو ينبتون شجرة عليه يغرسونها بعد وفاته، كل هذا ليس له أصل كما ذكر الخطابي وغيره.

    حكم الاستنجاء من البول والغائط

    نعود إلى حديث الباب حديث أبي هريرة ( استنزهوا من البول؛ إن عامة عذاب القبر منه). قوله: (استنزهوا من البول) هذا أمر بالاستنزاه منه في البدن وفي الثياب, وفيه مسائل عديدة.

    الأولى: مسألة وجوب الاستنجاء من البول والغائط، وهذه المسألة ذهب عامة أهل العلم فيها .. جمهور العلماء أحمد، والشافعي، ورواية عن مالك، وداود الظاهري، وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم إلى وجوب الاستنجاء من البول والغائط وكل خارج من السبيلين، بأدلة كثيرة، سبق بعضها من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قوله.

    ومن أدلتهم هذا الحديث، فهو أمر: ( استنزهوا من البول ). والأمر يقتضي الوجوب.

    وذهب أبو حنيفة ومالك في رواية عنه، والمزني من الشافعية، إلى أنه لا يجب الاستنجاء إذا كانت النجاسة قدر الدرهم فأقل، يعني: إذا كان قدر النجاسة على الموضع قدر الدرهم فأقل فإنه لا يجب الاستنجاء منها, واستدلوا بأدلة عقلية ونقلية, فمن أدلتهم النقلية: أنه ورد عن أبي هريرة مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم).

    وهذا الحديث رواه الدارقطني، والبيهقي، وابن عدي وغيرهم, وفيه روح بن غطيف , وقد قال العلماء في هذا الحديث ما قالوا, حتى قال الذهلي : أخشى أن يكون موضوعاً, وقال البخاري : باطل, وقال ابن حبان : موضوع, وقال البزار : أجمع أهل العلم على نكرة هذا الحديث فلا يحتج به, وهو حديث: ( تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم).

    ومن حججهم: أن بقايا النجاسة في موضع الاستنجاء لا يجب إزالة أثرها، إزالة الأثر ليست واجبة, فيعفى عن يسيرها في موضعها, فكذلك لم يجب إزالة أصلها.

    وقالوا: أيضاً لا يجب إزالتها بالماء فكذلك لا يجب إزالتها بغيره, ولا شك أن هذه قياسات فاسدة في مقابل نصوص صريحة صحيحة في وجوب الاستنجاء، ووجوب إزالة النجاسة عن البدن, وأن إبقاءها سبب لعذاب القبر. فالقول الصحيح هو وجوب الاستنجاء, وإزالة النجاسة من موضع الاستنجاء. وهو مذهب جماهير أهل العلم.

    حكم إزالة النجاسة من الثوب

    المسألة الثانية من الحديث: هي إزالة النجاسة من الثوب, يعني: إذا أصاب ثوب الإنسان نجاسة فهل يجوز أن يصلي فيه أو لا يجوز؟ وهذه المسألة فيها أقوال:

    القول الأول: أن ذلك واجب, وأنه شرط لصحة الصلاة, وهذا مذهب جمهور العلماء, الإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أهل العلم, أنه يجب إزالة النجاسة من الثوب, وأن ذلك شرط لصحة الصلاة.

    وحججهم أيضاً كثيرة, منها: قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]. فإنه أمر بتطهير الثياب, يشمل الثياب الملبوسة, فيدل على وجوب تطهيرها.

    ومنها: حديث الباب.. حديث ابن عباس : ( أحدهما كان لا يستنزه من البول). وهاهنا قال: ( استنزهوا من البول).

    ومنها حديث أبي سعيد : ( لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما وقال: إن جبريل أخبرني أن بهما قذراً ). والحديث رواه أبو داود وغيره, وسبق الكلام عليه, فدل على أن الصلاة في ثوب نجس لا تجوز, وأن طهارة الثوب شرط لصحة الصلاة, هذا القول الأول.

    القول الثاني: أن ذلك واجب, لكنه ليس بشرط, قالوا: لأن الأدلة السابقة تدل على الوجوب؛ لكنها لا تدل على الشرطية, وهذه رواية عن الإمام مالك، رجحها الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، وفي السيل الجرار وغيره, أن إزالة النجاسة عن الثوب واجبة للصلاة, لكنها ليست بشرط.

    القول الثالث: أن إزالة النجاسة عن الثواب سنة مؤكدة, وهذا أيضاً مروي عن مالك رحمه الله, وهو رواية عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، وأبي مجلز وسعيد بن جبير وغيرهم من التابعين, أن ذلك سنة مؤكدة وليس بواجبه. ولعل من أدلتهم ما ورد.

    وهذا الدليل أحب أن نتبين إن كان الاستدلال به صحيحاً أم لا؟

    ما ورد من حديث ابن مسعود في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ساجداً عند الكعبة فجاء المشركون بسلى جزور ووضعوه على ظهره, فظل ساجداً ثم أكمل صلاته عليه الصلاة والسلام بعد أن رفع السلى عنه ).

    فقالوا: لولا أن هذا يجوز ما أتم النبي صلى الله عليه وسلم صلاته.

    ويجاب عن هذا الاستدلال بأن يقال: إن هذا مما يؤكل لحمه, فروثه طاهر وليس بنجس, أما أنه قبل التشريع فهذا يعترض عليه بأن آية وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] مكية, وهي في سورة المدثر وهي من أول السور نزولاً.

    لكن يجاب عنه بأن هذا ليس بنجس والله أعلم, كما هو القول الراجح كما سبق, ولذلك فإن القول بأن إزالة النجاسة عن الثوب سنة مؤكدة قول ضعيف، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى , قال: وهو قول ضعيف؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة في غسل دم الحيض وغيرها. لأنه قد يستدل أيضاً بالأحاديث الواردة في غسل دم الحيض, وقد سبق شيء منها.

    والراجح: هو القول الأول أو الثاني, إما أن يقال: إنها شرط وإما أن يقال: إنها واجبة فقط وليست بشرط, والأدلة على الشرطية عندي ليست ظاهرة الآن, أما الأدلة على الوجوب فلا شك في ظهورها. هذه المسألة الثانية في الحديث.

    حكم الأبوال

    أما المسألة الثالثة -وإن كانت مرت لكن نجمع أشتاتها في هذه المناسبة-: هي مسألة الأبوال وحكمها.

    والأبوال أربعة أنواع, ممكن نعدها:

    النوع الأول: بول الإنسان الكبير.

    والنوع الثاني: بول الصغير.

    والثالث: بول ما يؤكل لحمه.

    والرابع: بول ما لا يؤكل لحمه.

    فأما بول الإنسان الكبير فهو نجس إجماعاً, والأدلة عليه كثيرة وسبقت, حتى في هذا الدرس.

    وأما بول الصغير فهو نجس أيضاً, لكن يتسامح في غسله كما سبق, وقد ذهب داود الظاهري في رواية عنه والنخعي في رواية عنه أنه طاهر, والصواب: أنه نجس وإن تسومح فيه.

    النوع الثالث: بول ما يؤكل لحمه, وقد سبق ترجيح أنه طاهر.

    الرابع: بول ما لا يؤكل لحمه, وهو نجس عند أكثر أهل العلم, لم يخالف في نجاسته إلا داود الظاهري فيما روي عنه, وربما عالم آخر إن كان صح ذلك. ولذلك فجمهور العلماء على أن الأبوال كلها نجسة, لكن الصحيح التفصيل كما سبق.

    ومن أدلتهم على نجاسة الأبوال كلها هذا الحديث, قالوا: لأنه قال: ( استنزهوا من البول ). فالبول هاهنا اسم جنس محلى بالألف واللام, فيجب أن يكون عاماً في جميع الأبوال. ( استنزهوا من البول ). بول إنسان, حيوان, مأكول, غير مأكول, صغير, كبير, بدون تفصيل, لكن هذا الاستدلال فيه تعسف وتكلف, أولاً: لأن المقصود في قوله: ( استنزهوا من البول ), يعني: البول الذي يخرج من الإنسان. ولذلك في حديث ابن عباس السابق في الصحيحين قال: ( أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله ). فالبول في (استنزهوا من البول) بمقام الإضافة, كأنه قال: يستنزه الإنسان من بوله, ثم إن الإنسان قلما يصيبه بول غيره, إنما أكثر ما يصيبه بول نفسه, ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( فإن أكثر عذاب القبر منه )، فكيف يكون أكثر عذاب القبر بشيء لا يكاد يصيب الإنسان إلا نادراً, إنما أكثر عذاب القبر من البول الذي يخرج من الإنسان, وقد لا يتنظف الإنسان منه في بدنه أو في ثيابه.

    وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله سبعة أوجه في ترجيح أن المقصود (من البول) يعني: من بول الإنسان نفسه وبول غيره كذلك أيضاً, يعني: من الآدميين, فهذا معنى الحديث, يعني: يستنزه الإنسان من بوله.

    فوائد الحديث

    والحديث فيه فوائد عامة: منها: إثبات عذاب القبر، ومنها: أن عدم الاستنزاه من البول سبب في عذاب القبر, ومنها: أن عدم الاستنزاه من البول كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن من حد الكبيرة ما توعد عليه بعذاب في الآخرة, وهذا توعد عليه بالعذاب.

    وينبغي أن يشار إلى أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون حجة للموسوسين الذين يبالغون في الطهارة, حتى يخرجون عن حد الاعتدال والتوسط إلى حد الإفراط والمبالغة, فيبغضون إلى أنفسهم عبادة الله عز وجل.

    في هذا الدرس داود الظاهري في بول ما لا يؤكل لحمه، أما بول ما يؤكل لحمه فكما سبق, يعني ما أعطيت الآن فيه تفصيلاً؛ لأنه سبق, فبول ما يؤكل لحمه أبو حنيفة والشافعي يقولون بنجاسته, أحمد ومالك وجمهور السلف على أنه طاهر.

    والرذاذ الذي يصيب الإنسان إن علم الإنسان بتطاير البول إلى موضع من جسده أو ثوبه غسله, فإن لم يعلم ذلك يقيناً فالأصل براءة الذمة والطهارة, فلا يتكلف الإنسان إلا شيئاً ظاهراً ظهوراً لاشك فيه, لعلنا ننهي الأحاديث يا إخوان! لأن هذا الباب أخشى أن يفتح علينا أسئلة كثيرة.

    1.   

    شرح حديث: (علمنا رسول الله في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى)

    الحديث الثاني: حديث سراقة بن مالك قال: ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    وهذا الحديث كما ذكر المصنف رواه البيهقي، وسنده ضعيف, وقد رواه أيضاً الطبراني، وقال الحازمي : ليس له إلا طريق واحد, وفيه راو لم يسم, وكذلك قال الهيثمي : فيه راو لم يسم, وقال النووي : اتفقوا على تضعيفه، وقال ابن حجر : سنده ضعيف, وسبب ضعفه أنه من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه قال: مر بنا سراقة بن مالك إلى آخر الحديث. فتبين بهذه الأقوال أن الحديث ضعيف, وفي إسناده رواة مجهولون, فلا يصح, ولو صح لكان دليلاً على مشروعية الاعتماد على اليسرى ونصب اليمنى حال قضاء الحاجة, لكنه لا يصح, فلا يثبت في ذلك شيء, والقول بأن هذا مستحب كما عليه بعض كتب الفقه يحتاج إلى دليل؛ لأن الاستحباب حكم شرعي, لابد في إثباته من دليل صحيح لا غبار عليه, وسراقة بن مالك هو ابن جعشم المدلجي , وهو الذي لحق بالرسول صلى الله عليه وسلم في الهجرة, فساخت قوائم فرسه, وقال في ذلك القصيدة المشهورة التي يخاطب فيها أبا جهل :

    أبا حكم والله لو كنت شاهداً لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه

    علمت ولم تشكك بأن محمداً رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

    إلى آخر القصيدة.

    1.   

    شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات)

    أما الحديث الثالث: فهو حديث عيسى بن يزداد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات) . والحديث رواه ابن ماجه , وسنده ضعيف, والراوي فيه هو عيسى بن يزداد بالياء المنقوطة نقطتين, والزاي المنقوطة أيضاً, وقال بعضهم: بالباء والراء, ابن برداد يعني, وأرى أن نسخة سبل السلام الموجودة في أيدي بعض الطلاب ذكر فيها الاسم بطريقة مخضرمة, صار اسمه ابن بزداد، فلا أدري هل هذا ثابت أم أنه من الطباعة، فهو إما أن يكون يزداد أو برداد كما ظهر لي.

    تخريج الحديث

    والحديث رواه أيضاً غير ابن ماجه، فقد رواه ابن قانع، وأبو نعيم، والعقيلي، وابن عدي، والبيهقي، وأحمد وغيرهم, وهو ضعيف, فإن عيسى بن يزداد وأبوه مجهولان, كما قال يحيى بن معين : لا يعرف عيسى ولا أبوه, ولا يثبت لأبيه صحبة, كما قاله أبو حاتم والبخاري وغيرهما , ولذلك فالحديث مرسل عند كافه أهل العلم, ولا يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم, ولذلك ضعفه العلماء, كما ضعفه هاهنا الحافظ ابن حجر، وضعفه أيضاً النووي، وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال كما في الفتاوى : ونتر الذكر بدعة على الصحيح, لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكذلك سلت الذكر بدعة, لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما روي عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك -يعني هذا الحديث- فضعيف لا أصل له. ثم قال رحمه الله: إن البول يخرج بطبعه فإذا انتهى انقطع بطبعه, وهو كما قيل: كالضرع إذا حلبته در وإذا تركته قر, فعلم بذلك أن الحديث أيضاً ضعيف, وأن سلت الذكر أو نتره من البدع, وقد عدها ابن القيم أيضاً من البدع, كما في إغاثة اللهفان وغيره.

    فأيضاً الحكم الوارد في هذا الحديث من مشروعية نتر الذكر لا يصح ولا يثبت, بل لا يشرع نتره، ولا سلته، ولا التنحنح، ولا القيام، ولا التحرك، ولا القفز، ولا حشوه بالقطن, ولا غير ذلك من البلايا والهوام والطوام التي يفعلها بعض المبتلين بالوسواس, عافانا الله وإياكم منه.

    1.   

    شرح حديث ابن عباس في إتباع الحجارة بالماء في الاستنجاء

    الحديث الرابع والأخير: هو حديث ابن عباس : ( في قصة أهل قباء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يثني عليكم, فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء ).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    والحديث رواه البزار بسند ضعيف, وأصله في أبي داود كما ذكر المصنف, أما رواية البزار فهي كما ذكر هاهنا ( إنا نتبع الحجارة الماء). وسندها ضعيف, وسبق الكلام فيه, ضعيف من وجهين: الأول: أن فيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف.

    والثاني: أن عبد الله هذا روى الحديث عن أحمد بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه, وأبوه ضعيف أيضاً.

    أنكر الحديث بعض أهل العلم, حتى قال النووي وابن الرفعة والمحب الطبري : إن هذا الحديث لا أصل له, ولا يعرف في كتب العلم, ولعله خفي عليه, فإنه معروف, لكنه بإسناده ضعيف, ولذلك ذكره النووي مرة أخرى في الخلاصة , وأشار إلى أنه في البزار ولكنه ضعيف, فكأنه اطلع عليه بعد ذلك.

    وأما رواية أبي داود فإنه ليس فيها ذكر الحجارة, بل فيه أنهم كانوا يستنجون بالماء. وهذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم, ولكن قال ابن حجر في التلخيص : إسناده ضعيف, وكذلك قال النووي في المجموع : إنه ضعيف, حتى الحديث الذي فيه ( أنهم كانوا يستنجون بالماء) الذي قال المصنف: وأصله في أبي داود , يعني: هذا الحديث, ولكنه ضعفه هو والنووي.

    شواهد الحديث

    إنما للحديث شواهد يتقوى بها, منها: حديث عويم بن ساعدة الأنصاري عند أحمد والحاكم وابن خزيمة وغيره، فالحديث بشواهده حسن, وقد صححه الألباني في إرواء الغليل , الحديث حسن: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء : إن الله يثني عليكم -يعني: في قوله تعالى: (( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ))[التوبة:108]- فكيف تصنعون؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله! إلا أنه كان لنا جيران من اليهود , فكانوا يغسلون أدبارهم بالماء, فغسلنا كما غسلوا ). فالحديث بهذا حسن, وهو دليل على مشروعية الاستنجاء بالماء, وأنه أفضل من الاستنجاء بالأحجار, وسبق الكلام في هذه المسألة.

    الجمع بين الحجارة والماء في الاستنجاء

    أما الجمع بين الماء والأحجار فقد ذكر عدد من أهل العلم أنه أولى وأحسن وأكمل, كما نقل عن الإمام أحمد , ورجحه صاحب المغني، كذلك رجحه الصنعاني في سبل السلام وغيره, فهو من حيث النظر أفضل وأطيب وأنقى, لكنه ينبغي ألا يخرج الإنسان إلى حد الوسوسة والإسراف في ذلك, أو يكون في ذلك غلو وإفراط.

    1.   

    عدد أحاديث آداب قضاء الحاجة في بلوغ المرام

    هذا ما يتعلق بحديث ابن عباس , وقد عرف أن عدد أحاديث آداب قضاء الحاجة في بلوغ المرام أحد وعشرون حديثاً، كما ذكره صاحب سبل السلام، وإن كانت في المطبوع هذا اثنين وعشرين؛ لأنه عد حديثاً واحداً حديثين، وهو حديث أبي هريرة في الاستنزاه من البول، وعدها صاحب البدر التمام خمسة عشر، فأغفل ذكر بعض هذه الأحاديث.