إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح بلوغ المرام
  5. شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 101-104

شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب آداب قضاء الحاجة - حديث 101-104للشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ديننا الإسلامي دين عظيم، لم يترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، ومن الخير الذي علمنا ودلنا عليه آداب قضاء الحاجة، كما جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الآداب: وجوب الاستتار حال قضاء الحاجة، وعدم مس الذكر، والاستنجاء باليمين، وعدم استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط.

    1.   

    شرح حديث: (إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه..)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما اليوم فعندنا من الحديث رقم مائة وواحد إلى نهاية الحديث رقم مائة وأربعة.

    الحديث الأول: هو حديث جابر رضي الله عنه: ( إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثا ).

    تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه

    المصنف عزا هذا الحديث للإمام أحمد وقال: صححه ابن السكن وابن القطان وهو معلول، وعزو المصنف هذا الحديث إلى الإمام أحمد لم أجده في مخطوطتين من مخطوطات بلوغ المرام، حيث راجعت هذا الحديث فيهما فلم أجد فيه عزوه لـأحمد، بل وجدت فيهما قوله: رواه وصححه ابن السكن وابن القطان وهو معلول، وهذه العبارة موجودة في المخطوطة ليست كما ينبغي من حيث الدقة، ولذلك فلعل الحافظ بيض للراوي أو للمخرج، يعني: كأنه كان يريد أن يضع المخرج بعد قوله: رواه، ثم يقول: وصححه ابن السكن وابن القطان، وكذلك يظهر لي أن النسخة من كتاب بلوغ المرام التي نقل عنها الإمام الشوكاني في نيل الأوطار ليس فيها ذكر تخريج الإمام أحمد للحديث؛ لأن الشوكاني بعد أن تكلم على حديث أبي سعيد الآتي قال: وفي الباب عن جابر أو قال: وفي الباب .. نعم. وذكر لفظ الحديث عن جابر، ثم قال: صححه ابن السكن وابن القطان وهو معلول. فكأنه نقل عن المصنف في هذا الموضع، لكنه ما عزاه للإمام أحمد .

    وقد بحثت عنه ليس بحثاً مستقصياً بل بحثاً عابراً فلم أجده في مسند الإمام أحمد، ولعلني أواصل البحث عنه إن شاء الله حتى أجده، أو أتثبت من عدم وجوده في المسند.

    ولذلك فإن قول المصنف هاهنا: وهو معلول، مما لا يمكن الجزم بمقصده في علة الحديث؛ لأن الباحث ما لم يطلع على سند الحديث لا يمكن أن يجزم جزماً تاماً بعلته، لكن يمكن أن نتلمس هذه العلة، وكيف يمكن أن نتلمس هذه العلة؟ يمكن أن نتلمسها من الحديث الآخر: فقد روى أبو داود، وابن ماجه، وأحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك ).

    وهذا الحديث كما سلف أخرجه أبو داود، وقال أبو داود عقب إخراجه: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.

    وكذلك أخرجه ابن ماجه وأحمد من الطريق نفسها.

    والحديث صححه ابن السكن وغيره، ولكن الصواب: أنه ضعيف وله علتان:

    العلة الأولى: أنه من رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، وقد طعن عدد من أهل العلم في رواية عكرمة عن يحيى قال الإمام أبو داود: في حديثه عن يحيى اضطراب، يعني: من يقصد بالذي في حديثه عن يحيى اضطراب؟ يقصد عكرمة بن عمار.

    وقال الحافظ ابن حجر في التقريب مثل ما قال أبو داود قال: في روايته عن يحيى اضطراب، ولم يكن له كتاب، فدل ذلك على أن رواية عكرمة عن يحيى مضطربة وضعيفة، ومما يؤكد اضطراب رواية عكرمة عن يحيى أنه اضطرب عليه في هذا الحديث نفسه، فمرة قال: عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض يعني: عن أبي سعيد فهذا طريق. ومرة قال: - عكرمة نفسه- عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة هذا طريق آخر. ولعل عكرمة نفسه اضطرب مرة ثالثة فروى الحديث من طريق جابر لا من طريق أبي سعيد، فيكون الحديث جاء على ثلاثة أوجه: مرة عن أبي هريرة. ومرة عن أبي سعيد. ومرة عن جابر. ومدار الطرق كلها على من؟ على عكرمة بن عمار، وعكرمة في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب فهذا من الاضطراب، هذه هي العلة الأولى، ولا يعترض على هذا بأن رواية عكرمة عن يحيى بن أبي كثير خرجها مسلم في صحيحه واستشهد بها البخاري ؛ لأنه يقال: إن مسلماً رحمه الله وكذلك البخاري انتقوا من روايات عكرمة عن يحيى ما يعلمون أنه وافق فيه الثقات، ولم يحصل له فيه اضطراب، فلا يحتج بإخراج مسلم لروايته؛ لأنه لم يخرج هذه الرواية بعينها، هذه هي العلة الأولى.

    أما العلة الثانية: فهي وجود هلال بن عياض في إسناده، يحيى بن أبي كثير يروي الحديث عن هلال بن عياض، وهلال بن عياض هذا مجهول كما قال ذلك الذهبي قال: لا يعرف، والمنذري قال: لا نعرفه بعدالة ولا جرح، وهو في عداد المجهولين، وكذلك الحافظ ابن حجر في التقريب قال: أحد المجهولين، فعلم بذلك ضعف الحديث من وجهين، أي حديث هذا الذي علم ضعفه؟

    حديث أبي سعيد .

    وبعد هذا العرض المختصر لعلة حديث أبي سعيد نأتي إلى علة حديث جابر ظناً لا جزماً، فيا ترى ما هي علة حديث جابر؟

    علته والله أعلم أنه من رواية عكرمة عن يحيى بن أبي كثير وأنه مضطرب، مرة عن أبي هريرة، ومرة عن أبي سعيد، ومرة عن جابر، وهذا هو الذي جزم به الصنعاني في سبل السلام حيث فسر كلمة (وهو معلول) بأنه من رواية عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، وفي رواياته عنه اضطراب كما سبق.

    حكم كشف العورة والكلام عند قضاء الحاجة

    أما فيما يتعلق بمتن الحديث فإن قوله عليه السلام: ( فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه )، يدل على مشروعية الاستتار عند قضاء الحاجة، وهذا ما سبق في المجلس الماضي.

    وقوله: ( ولا يتحدثا )، دليل على النهي عن الحديث بين الاثنين حال قضاء الحاجة.

    ولو صح الحديث لكان دليلاً على تحريم الحديث حال قضاء الحاجة، لكن هل نقول بأن الكلام أثناء قضاء الحاجة محرم؟ لا. لا يقال بالتحريم لأسباب:

    أولاً: لأن الحديث لم يثبت، وإثبات الحكم بحديث ضعيف كما هو معروف غير سائغ.

    الوجه الثاني: أن بعض أهل العلم نقلوا الإجماع على كراهة ذلك وعدم تحريمه، والواقع أن الحديث لو صح لكان دليلاً على التحريم لا على الكراهة؛ لأن قوله: ( فإن الله يمقت على ذلك )، لا يمكن أن يتوعد بمثل هذا على فعل مكروه، لكن الحديث لا يثبت.

    أما الحديث حال قضاء الحاجة فلا شك أنه خلاف ما تقتضيه المروءة والشهامة، وأنه لا يليق بالإنسان أن يفعل هذا، إلا أن يكون محتاجاً إليه فإنه إذا احتاج إليه قد يصبح عليه أن يتكلم، كما لو تكلم لإنقاذ أعمى خشي أن يسقط في حفرة، أو ما أشبه ذلك من المصالح الظاهرة فحينئذٍ يصبح الكلام إذا لم يقم به غيره واجباً عليه، أما فيما عدا هذا فإن الكلام خلاف ما تقتضيه خصال المروءة الإنسانية.

    أما كشف العورة في حديث أبي سعيد في قوله: (كاشفين عورتهما)، وفي رواية: (كاشفان)، فإن قلنا: كاشفين فإعرابها: حال، وإن قلنا: كاشفان فإعرابها: خبر لمبتدأ محذوف (وهما كاشفان)، وسبق أيضاً في المجلس الماضي الحديث عن الاستتار، وسيأتي مزيد كلام عنه في الجلسة القادمة بإذن الله تعالى.

    هل يوجد حول هذا الحديث إشكال؟

    1.   

    شرح حديث: (لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول...)

    الحديث الثاني: هو حديث أبي قتادة رضي الله عنه في النهي عن مس الذكر باليمين. وأبو قتادة : اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري، مات بـالمدينة تقريباً سنة (56هـ).

    حكم مس الذكر باليمين

    والحديث فيه ثلاث مسائل:

    المسألة الأولى: هي النهي عن مس الذكر باليمين.

    والحديث ورد في بعض الألفاظ مطلقاً، وفي بعضها مقيداً في قوله: (وهو يبول).

    أو: ( إذا بال أحدكم فلا يمسن ذكره بيمينه )، كما عند البخاري .

    أو: ( إذا أتى أحدكم الخلاء فلا يمسن ذكره بيمينه )، وهي عند البخاري أيضاً، فعلم أن النهي عن مس الذكر باليمين نهي عنه في أي حال؟ في حال البول، فبناءً عليه يكون مس الذكر في غير حال البول جائز أم غير جائز؟ ظاهر القيد يدل على أنه جائز، وهذا هو مذهب الأكثرين أنه جائز، ومما يدل على هذا -على جوازه- ما سبق في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لـطلق بن علي : ( إنما هو بضعة منك )، وهذا حديث حسن كما سبق، فهذا دليل على أن مس الذكر في غير حال البول جائز وهذا هو الأقوى.

    وقال بعض أهل العلم: بأنه يمنع مس الذكر باليمين مطلقاً؛ لأنه إذا منع في حال البول مع وجود الحاجة إلى ذلك فمنعه في غير هذه الحال أولى، والأقوى والله تعالى أعلم: أنه لا يمنع من ذلك إلا في حال البول؛ لأنه هو الذي ورد النص فيه. ويكون المقصود: تنزيهه اليمين عن مس الذكر في هذه الحالة، هذا فيما يتعلق بمس الذكر مطلقاً.

    أما مس الذكر حال البول، فذهب أيضاً جماهير العلماء إلى أنه مكروه كراهة تنزيه .. إلى أن النهي في هذا الحديث للتنزيه فقط.

    وذهب الظاهرية: إلى أن النهي للتحريم.

    ولعل حجة الجمهور على حمل النهي على التنزيه: أن هذا من باب الآداب التي يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليها أمته، فهو أمر تأديب وتوجيه وإرشاد لا أمر حتم وإلزام، كما سبق مثله في مواضع عديدة لعل منها: ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغمس الذباب إذا وقع في الإناء ). وغيره كثير، هذه المسالة الأولى.

    بقي أن نفهم ما معنى قوله: (وهو يبول)؟ (وهو يبول) هاهنا جملة حالية كما هو معروف، والذي يظهر لي أن المعنى: حال خروج البول منه، وهذا هو المتبادر، أن المعنى حال خروج البول، وبناءً على ذلك لو مس الإنسان ذكره بيمينه بعد ما فرغ من البول هل يكون هذا منهياً عنه؟ لا. إذا قلنا: إن معنى قوله (وهو يبول): حال خروج البول، فإنه يترتب على الفهم أنه لو مس ذكره بعدما انتهى من البول لم يكن في هذا شيء، لكن الذي رأيته في كلام أكثر الشراح أنهم فهموا منها مطلق النهي عند قضاء الحاجة، يعني: حتى بعد الفراغ من البول، لكن المعنى الأول في نظري أقرب، وسيأتي الآن ما يرجحه أيضاً .

    حكم التمسح من الخلاء باليمين

    المسألة الثانية في الحديث: قوله عليه الصلاة والسلام: ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ). والخلاء: سبق، والمقصود بالتمسح هاهنا: الاستنجاء بالأحجار وغيرها.

    وفيه: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التمسح باليمين، وهذا النهي أيضاً عند أكثر العلماء للتنزيه، أي: أن التمسح باليمين عندهم مكروه كراهة تنزيه.. أن يمسك الإنسان الحجر أو غيره مما يتمسح به ويستنجي به بيمينه، أنه عندهم مكروه كراهة تنزيه.

    وذهب الظاهرية وبعض فقهاء الشافعية وبعض الحنابلة: إلى أنه للتحريم، ومن حجتهم هذا الحديث: ( ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ).

    ومن حجتهم أيضاً: حديث سلمان الآتي: ( أو أن يستنجي أحدنا بيمينه ).

    و على القول بأن الاستنجاء باليمين محرم، فإنه لو فعله واستنجى بيمينه أجزأه ذلك عند جماهير أهل العلم وهو الصحيح. وبعض أهل الظاهر يرون: أنه لا يجزئه إلا أن يستنجي بشماله .

    حكم التنفس في الإناء

    أما المسألة الثالثة في الحديث فهي: النهي عن التنفس في الإناء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ( ولا يتنفس في الإناء )، يعني حال الشرب؛ لأن الإنسان منهي حال الشرب عن أن يتنفس في داخل الإناء؛ وذلك لما قد يخرج من فيه أثناء التنفس من بقايا الطعام، أو ما يحدث للماء من التغير بسبب خروج النفس عليه، بحيث يستقذره هو أو غيره ممن يريد أن يشرب منه، بل السنة كما في حديث أنس في الصحيح: ( أن يبين الإناء عن فمه إذا أراد أن يتنفس )، يعني: يبعده عن فمه ثم يتنفس ثم يعاود الشرب مرة أخرى، وهذا النهي أيضاً هو للتنزيه عند الجماهير وحمله الظاهرية على التحريم، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : إنه نهي تأدب للعلة السابقة.

    هذه هي المسائل الثلاث في حديث أبي قتادة رضي الله عنه .

    الصارف للنهي الوارد في الحديث عن التحريم إلى الكراهة عند الجمهور

    الصارف للنهي عند الجمهور كما سبق -والله أعلم- أن كثيراً من أهل العلم يتوسعون في الصوارف؛ لأنهم إذا قالوا: بأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، قالوا: ويتوسع -يعني: من بعض الفقهاء والأصوليين- في الصوارف التي تصرف الأمر، فقد يصرفونه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أو بحديث آخر أو بقرينة، وقد يصرفونه أحياناً بطبيعة الأمر المتوجه هذا، والعلة المقصودة من ورائه أنها علة تأديبية وتوجيهيه وإرشادية، لا يترتب عليها إثم معين أو ضرر ظاهر أو ما أشبه ذلك. وإلا في الحقيقة لم أقف على صارف خاص في هذا الحديث، إلا أنهم يقولون: إنه أمر تأديب وإرشاد وهذا يقولونه في غيره من الأحاديث، حتى أن منها ما يكون هناك إجماع على عدم القول بظاهره مع أنه لا يوجد صارف، من ذلك بعض الأذكار التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد .. إذا خرج من المسجد .. إذا دخل المنزل .. إذا دخل الخلاء مثلاً، في بعضها أمر بأن يقول، ولا يوجد ما يصرف هذا إلا أن الأمر محمول على التوجيه والإرشاد .

    الحكمة من منع مس الذكر والاستنجاء باليمين

    أما الحكمة من منع مس الذكر باليمين، وكذلك من منع الاستنجاء باليمين فهي والله أعلم: ما سبق من أن اليمين تعد للأشياء الطيبة المستحسنة، كالسواك، والبداءة بها في الوضوء، واللبس، ولبس النعل، والدخول، وما أشبه ذلك، واليسار بخلاف ذلك، فلذلك كرم اليمين عن أن تمس الذكر حال البول أو عن أن يستنجي الإنسان بها .

    حكم استخدام اليدين في الاستنجاء

    لكن هاهنا سؤال قد يثار وينبغي أن يثار حول هذا الحديث: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن مس الذكر باليمين، ونهى عن الاستنجاء باليمين، وكما ذكرت لكم قبل قليل أن أكثر العلماء فسروا النهي عن مس الذكر باليمين وهو يبول يعني: حتى ينتهي.. حتى يقوم من مكانه، فبناءً عليه يمكن أن يكون السؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يستنجي؟ إن مسك الحجر باليمين ومسك الذكر بالشمال يكون خالف الأمر فاستنجى باليمين، وإن مسك الحجر بالشمال يكون خالف الأمر ومس الذكر باليمين؟

    وقد ذكر الإمام الخطابي رحمه الله في شرح البخاري، وكذلك صاحب المغني ذكروا جواباً على هذا، لا أراه سائغاً ولا أرى فائدة من نقله في كيفية الاستنجاء، وفيه تكلف.

    وأجاب بعضهم بأجوبة، لكن أحسن ما يمكن أن يقال في ذلك: هو أن يقال: إن الإنسان إن أراد أن يستنجي من الغائط فحينئذٍ لا إشكال بل يستنجي بالشمال، أما إن أراد أن يستنجي من البول فإما أن يمسك الحجر باليمين ويمسك الذكر بالشمال؛ لأنه حينئذٍ يكون من باب الحاجة إلى هذا، وهذا الذي رجحه صاحب المغني، وقال: هو أولى، وكذلك رجحه الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: إن من زعم أن هذا من الاستنجاء باليمين فقد غلط؛ لأن هذا مثل ما لو صب الإنسان الماء بيمينه على شماله وهو يغسل ذكره.

    وقال آخرون: بل يمسك ذكره بيمينه ويمسك الحجر أو غيره بشماله، لئلا يكون استنجى باليمين، والذي رجحه الشوكاني : أن الإنسان يفعل من هذين الأمرين ما يعتقد أنه أحفظ لليمين وأبعد لها عن النجاسة، ولكن بالنسبة لنا ما دام الآن ترجح قوله (وهو يبول)، يعني: حال خروج البول، فإن هذا البحث كله لا يرد؛ لأننا نقول: إن مس الذكر باليمين بعد انتهاء البول ليس فيه بأس، فلو مس ذكره بيمينه، وجعل الحجر أو غيره مما يستنجي به للشمال لا بأس، ولو عكس أيضاً لا بأس، والأحوال قد تختلف، فقد يستنجي الإنسان بما يخشى معه أن تصل رطوبة النجاسة إلى يده أحياناً، كما لو كان يستنجي بمنديل خفيف، أو خرقة، أو ما شابه ذلك، فيكون بالشمال أولى، وقد يخشى لو مسك ذكره بيمينه أن يصل إليها البول، فيكون مسك الحجر أو غيره مما يستنجي به باليمين حينئذٍ أولى، والأمران فيهما سعة.

    1.   

    شرح أحاديث النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول

    ننتقل للحديث الثالث والرابع والحديثان فيهما مسائل عديدة منها: مسألة استقبال القبلة بالغائط والبول، وهى مشتركة بين حديث سلمان وحديث أبي أيوب .

    فإن سلمان رضي الله عنه قال في حديثه: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ).

    وحديثه -أعني حديث سلمان - رواه مسلم كما ذكر المصنف، ورواه أبو داود وأحمد وغيرهم، وفي أوله سؤال: ( أن رجلاً قال له: هل علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة. قال: أجل نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ). وفي بعض طرق الحديث: (أن رجلاً من المشركين أو من اليهود قال له ذلك).

    فذكر فيه النهي عن استقبال القبلة بغائط أو البول، وهذا يدل على منع استقبال القبلة بالغائط والبول، وهي المسألة التي سنبحثها فيما بقي من الوقت.

    والمسألة الثانية: النهي عن الاستنجاء باليمين، وقد سبق.

    المسألة الثالثة: النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، وسوف أعرض لها إن شاء الله في المجلس القادم.

    المسألة الرابعة: هي النهي عن الاستنجاء بالرجيع أو العظم، والرجيع: هو الروث، وستأتي هذه المسألة في المجلس القادم أيضاً بإذن الله

    أما حديث أبي أيوب فإنه يقول فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا ).

    و الحديث أخرجه السبعة، يعني: أصحاب الكتب الستة مضاف إليهم أحمد .

    قال أبو أيوب : ( فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل )، فعلم من هذه الزيادة معنى قوله القبلة، وأن المقصود: الكعبة في قوله: (قد بنيت نحو الكعبة)، وفي حديث أبي أيوب زيادة على حديث سلمان النهي عن ماذا؟ عن الاستدبار، فإن حديث أبي أيوب جمعهما: ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ).

    وقوله: (مراحيض): هي جمع مرحاض، وهو البيت المعد للخلاء.

    أقوال العلماء في مسألة استقبال القبلة أو استدبارها بالغائط أو البول

    وفي هذين الحديثين مسألة: حكم استقبال القبلة أو استدبارها بالغائط أو البول، وهي من المسائل التي أشكلت علي، وترددت فيها؛ بسبب وجود أدلة ظاهرها التعارض، وضعف البضاعة، لكن أعرض الأقوال الواردة في هذه المسألة وما ترجح منها بادي الرأي، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع الصحيح، وأن يغفر لنا ذنوبنا التي قد تحول بيننا وبين معرفة الحق واتباعه.

    في هذه المسألة أقوال كثيرة، أهمها ستة أقوال:

    القول الأول: تحريم الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وأدلته

    الأول: المنع مطلقاً، وقولنا: مطلقاً، يعني: من البول والغائط، في البنيان وفي الصحراء، وهذا هو مذهب أبي أيوب رضي الله عنه كما هو ظاهر من حديثه، ونسبه بعضهم إلى: الثوري -سفيان الثوري - والأوزاعي، وهو رواية عن الإمام أحمد، ورجحه عدد غير قليل من العلماء المحققين، كـابن تيمية، وابن القيم، وابن حزم، والشوكاني، والألباني كما في تمام المنة وغيرهم. المنع مطلقاً في البنيان وفي غير البنيان، من الاستقبال ومن الاستدبار، وحجتهم عموم النصوص، كحديث سلمان هذا، وحديث أبي أيوب الآخر، ومثلها حديث أبي هريرة : ( إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبل الكعبة ولا يستدبرها )، وهو حديث صحيح، رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما.

    القول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً، وأدلته

    القول الثاني: هو الإباحة مطلقاً، يعني: يجوز استقبالها واستدبارها في البناء وفي غيره، للبول وللغاط، وهذا مذهب عروة بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وداود الظاهري، واحتجوا أولاً: بالبراءة الأصلية، الأصل عدم المنع، وادعى بعضهم في هذه الأحاديث أنها منسوخة، واحتجوا أيضاً بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم أن ناساً يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة. فقال صلى الله عليه وسلم: أوقد فعلوها، حولوا مقعدتي قبل القبلة )، وهذا الحديث رواه ابن ماجه، وأحمد في مسنده، وابن المنذر في الأوسط، والترمذي في العلل الكبير وغيرهم. وهو حديث ضعيف؛ ضعفه ابن حزم، والبخاري، والذهبي قال: منكر؛ وذلك لأن في إسناده خالد بن الصلت، وهو مجهول أو ضعيف.

    القول الثالث: جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء، وأدلته

    المذهب الثالث: أنه يجوز ذلك في البنيان، ولا يجوز في الصحراء، يعني: يجوز أن يستقبل الإنسان القبلة بالغائط أو البول في البنيان، ولا يجوز في الصحراء، وهذا نسبه ابن حجر في الفتح للجمهور، وهو مذهب الشافعي ومالك، ورواية عن الإمام أحمد، واحتجوا بحديث ابن عمر أنه قال: ( ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس )، مستدبر الكعبة، والحديث في الصحيحين.

    القول الرابع: أن النهي عن الاستقبال والاستدبار محمول على التنزيه، وأدلته

    المذهب الرابع: أنه محمول على كراهة التنزيه، أن النهي محمول على كراهة التنزيه؛ وذلك جمعاً بين الأدلة، وهذا مذهب أبي ثور، ورواية عن أحمد، وأبي حنيفة، وروي أيضاً عن بعض الصحابة كـأبي أيوب الأنصاري وغيره، واحتجوا أولاً بأحاديث النهي على الكراهة.

    إذاً: القول الرابع، ما هو؟

    هو أن النهي للتنزيه، أنه مكروه تنزيهاً، وحجة أصحاب هذا القول:

    أولاً: أعملوا أدلة النهي كأحاديث الباب؛ حديث سلمان، وأبي أيوب وحديث أبي هريرة أيضاً وغيرها كثير .. أعملوها في إثبات الكراهة، وأعملوا الأحاديث الأخرى المعارضة لها في صرف النهي عن التحريم إلى الكراهة، وهذه الأحاديث التي أعملوها في صرف النهي عن التحريم إلى الكراهة منها:

    أولاً: حديث ابن عمر ( ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس )، وهذا يعني أنه مستدبر الكعبة، والحديث متفق عليه.

    الدليل الثاني: وهو أقوى من الأول من حيث الدلالة، حديث جابر قال: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فرأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها ).

    وما هو الفرق بين حديث جابر وحديث ابن عمر؟

    الفرق أن حديث جابر فيه الاستقبال، أما حديث ابن عمر فإن فيه: الاستدبار، وحديث جابر أيضاً فيه: أنه قبل أن يموت بعام، وكأن جابراً يرى أن هذا ناسخ والله تعالى أعلم. وقد رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود، وصححه جمع غير قليل من أهل العلم، كما سبق، صححه البخاري أيضاً فيما نقله الترمذي عنه، وصححه ابن السكن، وحسنه الترمذي والبزار وغيرهم. وهو حديث حسن فعلاً، لماذا كان حديثا حسناً؟

    لأن في إسناده محمد بن إسحاق صاحب السيرة وهو صدوق مدلس، فإذا صرح بالتحديث فحديثه حسن، وقد صرح في هذا الحديث بالتحديث في بعض المصادر، فورد تصريحه بالحديث في مسند الإمام أحمد، وفي سنن الدارقطني، وهذه ينبغي أن ينتبه لها؛ لأن بعض شيوخنا ضعف الحديث لوجود ابن إسحاق ولكونه عنعن، صحيح هو في رواية أبي داود وغيره عنعن، لكنه صرح بالتحديث عن أحمد والدارقطني، فحديثه حسن.

    فبذلك ظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الكعبة واستدبرها في قضاء حاجته، أما في استقباله لها: فكما في حديث جابر، وأما استدباره لها: كما في حديث ابن عمر .

    وهذا المذهب الرابع: هو الذي أرى أنه أقوى المذاهب وأسلمها من الاعتراض، وإن كان المذهب الثالث قوياً أيضاً، والثاني أيضاً قوي.

    يعني: القول بالمنع مطلقاً قوي، والقول بالتفريق بين الصحراء والبنيان، لا أقول: قوي، لكن من يقول به كثير.

    القول الخامس: جواز الاستدبار مطلقاً دون الاستقبال، وأدلته

    المذهب الخامس: أنه يجوز الاستدبار في البناء وغيره، ولا يجوز الاستقبال، وهذا رواية عن أحمد وأبي حنيفة أيضاً، وحجتهم: أن الاستدبار ليس فيه ما في الاستقبال من إهانة الكعبة بالبول تجاهها، ومن حيث النقل احتجوا بحديث ابن عمر بأنه قضى حاجته مستقبلاً الكعبة، ولكن يرد عليهم حديث جابر، وأنه ورد أنه قضى حاجته أيضاً مستقبل الكعبة.

    القول السادس: جواز الاستدبار في البناء فقط دون الاستقبال لا في البنيان ولا في غيره

    والمذهب السادس: هو أنه يجوز الاستدبار في البناء فقط، يعني: هذا المذهب يرى أن الاستدبار جائز فقط في البنيان، أما الاستقبال فلا يجوز في البنيان ولا في غيره، وهذا نسب لـأبي يوسف، ولعله احتج بحديث ابن عمر السابق.

    هذه مذاهب العلماء في موضوع استقبال القبلة واستدبارها، وأما بقية مباحث الحديث، فستأتي إن شاء الله في المجلس القادم.

    ونقف عند هذا الحد.

    اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    1.   

    الأسئلة

    الأشياء التي يتوجه لها الوعيد في حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان ...)

    السؤال: النهي في الحديث هل يحمل إذا كان كلاهما كاشفين عن عورتهما؟

    الجواب: الحديث لو صح الوعيد ورد فيه على مجموع الأشياء هذه، على حديثهما معاً، كاشفين عورتهما، فيدل على تحريم الحديث، وعلى تحريم كشف العورة، ويدل على تحريم كل واحد منها على انفراد هذا لو صح.

    توجيه تخريج مسلم لرواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير

    السؤال: ما هي العلة في أنه لا يرد على من قال أن مسلم روى عن عكرمة عن يحيى بن أبي كثير الحديث، ما هي العلة في ذلك فرضاً؟

    الجواب: الجواب على هذا الاعتراض أننا نقول: إن مسلماً والبخاري انتقوا .. مع أن مسلماً خرج له، فيكون مسلم انتقى من أحاديثه الأحاديث التي يعلم أنه وافق فيها الثقات ولم يحصل فيها اضطراب، وتخريج مسلم له من هذا الطريق لا يلزم منه تصحح كل ما جاء من هذا الطريق.