إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سلمان العودة
  4. شرح العمدة (الأمالي)
  5. شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة

شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة الجمعة من شعائر الإسلام العظيمة الظاهرة، التي يجتمع فيها المسلمون كل أسبوع مرة، في مسجد جامع، فيسمعون الخطبة والموعظة، ويلقى بعضهم بعضاً، وهم فرحون مستبشرون بما منّ الله به عليهم من الألفة والمحبة والاجتماع، وللجمعة شروط إذا توفرت وجبت على المسلم وإلا فلا، ولها آداب وسنن ينبغي التحلي بها، وقد ورد في فضلها نصوص كثيرة تدل على منزلتها ومكانتها عند الله تعالى.

    1.   

    خصائص يوم الجمعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: صلاة الجمعة ].

    المسألة الأولى: أن الجمعة من شعائر الإسلام الظاهرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه وأمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأذن للصحابة أن يجمعوا قبل أن يهاجر إلى المدينة، فجمع بهم مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه وأرضاه في مكان يقال له: نقيع الخضمات في المدينة المنورة، وكره الأنصار أن يؤم بعضهم بعضاً فأمهم مصعب بن عمير، وكانت الجمعة في الجاهلية تسمى العروبة، فسميت في الإسلام بهذا الاسم الشريف: الجمعة، وهو يوم فاضل، هو أفضل أيام الأسبوع، هو الذي فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، وهو عيد الأسبوع، وقد جاء في الجمعة فضائل وخصائص كثيرة جداً أفردها العلماء بالكتابة والتصنيف، ومن أشهر من كتب في ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الجزء الأول من كتابه زاد المعاد، وكذلك الإمام السيوطي في كتابه اللمعة في خصائص يوم الجمعة، وهي تنطق بضم الجيم والميم كما ذكر الله تعالى: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة:9]، وقد تسكن الميم تخفيفاً فيقال: الجُمْعة.

    1.   

    ذكر من تلزمه الجمعة

    المسألة الثانية: [ كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة ] أي: أن كل من وجبت عليه الصلاة المفروضة وجبت عليه الجمعة أيضاً؛ لأنها في مقام إحدى الصلوات المكتوبات، وقد أمر الله تعالى بها وبالسعي إليها، فقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، فدل ذلك على وجوب المشي إلى الجمعة وأدائها وصلاتها، وهذا ظاهر جداً في فرضيتها ولزومها على كل مكلف من المكلفين إلا من استثني.

    وقد جاء في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن الله على قلوبهم ) أي: عن تركهم الجمعة ( أو ليطبعن الله على قلوبهم )، وفي حديث عند أبي داود وأهل السنن وسنده صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً طبع على قلبه فكان من الغافلين ) .

    قال: [ كل من لزمته المكتوبة لزمته الجمعة ] هذا حكم عام.

    1.   

    شروط من تلزمهم الجمعة

    اشتراط الاستيطان في حق من تلزمهم الجمعة

    ثم انتقل رحمه الله إلى بيان الشروط.

    فقال في المسألة الثالثة: [ إن كان مستوطناً ببنائه ] أي: أنها لا تجب إلا على المستوطنين ببناء، والمقصود مطلق البناء يعني: سواء كان من طين، أو حجر، أو آجر، أو كلس، أو خشب، أو خوص، أو غيره، إذ إن نوع البناء ليس له تعلق بالحكم الشرعي، وإنما المقصود الاستيطان والاستقرار.

    أما الرحل كالبدو الذين ليس لهم مقام، وإنما يتتبعون المرعى والكلأ والعشب، فيقيمون اليوم في هذا المكان، ثم يظعنون إلى غيره، فمثل هؤلاء ليس عليهم جمعة، ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة في المدينة، وكان حول المدينة بادية كثير وفي صحراء العرب، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً منهم بإقامة الجمعة، ولم ينقل أن أحداً منهم أقام الجمعة عبر العصور كلها، فدل على أنها إنما تجب في المدن والقرى والمساكن المستقرة السالفة.

    وبناءً عليه أسأل: تلك المخيمات التي تقام من خيام أو خرق أو غيرها، ولكنها تحمل طابع الاستقرار والديمومة والثبات، ويجلس أهلها فيها عشرات السنين من غير تنقل ولا ظعن، إلا أن ينقلهم أو يظعن بهم حاكم أو ملك، أو عدو يطردهم من تلك وينقلهم إلى غيرها، هؤلاء هل يجب عليهم أن يقيموا الجمعة في مخيماتهم أم لا؟

    نعم. ظاهر أنه يجب عليهم أن يقيموا الجمعة، لأن العذر ليس بنوع البناء الذي يسكنون فيها من ورق، أو خوص، أو قصب، أو لبن، أو حجارة أو غير ذلك، وإنما العبرة بطبيعة سكناهم، فإذا كانت سكنى استقرار وثبات وديمومة؛ وجبت عليهم الجمعة واعتبروا مستوطنين، واعتبر ما هم فيه بناء ولو كان من قصب، أو من خرق، أو من خوص، أو من أي مادة أخرى، فهذه هي العبرة، فهؤلاء يلزمهم في الظاهر، وهو القول المعتمد في المذهب -مذهب الإمام أحمد - وجمهور أهل العلم أنه يلزمهم أن يقيموا صلاة الجمعة .

    اشتراط قدر المسافة الذي يلزم به المكلف حضور الجمعة

    المسألة الرابعة وذكر فيها الشرط الثاني فقال: [ بينه وبين الجامع فرسخ فما دون ذلك ] أي: أن الجمعة لا تلزم إلا من كان بينه وبين الجامع فرسخ، ولم يرد في الفرسخ حديث أو أثر، وإنما هو استقراء من بعض الفقهاء، فإنهم قالوا: إن الجمعة تلزم من يسمع النداء، كما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( إنما الجمعة على من سمع النداء )، وهذا الحديث يعتضد بالأحاديث الأخرى في صلاة الجماعة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن وإسناده جيد: ( من سمع النداء فلم يجب -أو فلم يأت- فلا صلاة له إلا من عذر. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض ) .

    والأحاديث في هذا الباب معلومة، فقالوا: كما تجب الجماعة بذلك تجب به الجمعة، وقالوا: إنه بالاستقراء تبين أنه ليس المقصود مطلق سماع النداء، فقد يكون الإنسان قريباً من المؤذن، ولكنه لا يسمع إما لانخفاض الصوت، أو للريح، أو لثقل سمعه هو، أو لغير ذلك، أو لكونه منشغلاً في شيء.

    فالمقصود في ذلك ليس حقيقة النداء، وإنما المقصود أن يحدد ذلك بمقدار لا يختلف، والموضع الذي يمكن أن يسمع منه الإنسان النداء في الوقت المعتاد الغالب، دون أن يكون هناك مؤثرات أخرى إضافية هو قدر فرسخ أو ما قاربه.

    وبناءً عليه نقول: إن التحديد بفرسخ ليس تحديداً شرعياً، بحيث نقول: ما زاد على فرسخ لا يجب عليه، وما نقص عنه فإنه يجب عليه، وإنما نقول: الجمعة على من سمع النداء كما تجب الجماعة، فمن وجبت عليه الجماعة كما ذكر المؤلف قبل وجبت عليه الجمعة، والتحديد بالفرسخ مما لا دليل عليه ولا نص، فينبغي أن يكون الأمر مطلقاً كما أطلقه الشرع، ومن سمع النداء وجب عليه أن يجيب .

    1.   

    ذكر من تسقط عنهم الجمعة

    المسألة الخامسة: قال: [ إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور]. .

    المرأة

    أما المرأة فإنه ليس عليها جمعة ولا جماعة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة مع الجماعة، فأحرق عليهم بيوتهم )، وقد علم أن الجمعة إنما هي على الذكور دون الإناث، أما المرأة فالأفضل في حقها أن تصلي في بيتها سواء صلت منفردة أو صلت بجماعة.

    وهذا مما لا يختلف فيه المسلمون: أنه لا تجب على المرأة الجماعة، وإن ذهب بعضهم -كما ذهب ابن حزم - إلى أن الأفضل في حقها أن تصلي في المسجد مع الرجال مخالفاً بذلك جماهير أهل العلم من السلف والخلف، وظواهر النصوص والأحاديث في قوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن )، فالمرأة الأفضل في حقها بيتها في الجمعة والجماعة .

    العبد

    السادسة: قال: [ والعبد ] أي: أن العبد لا تلزمه الجمعة ولا تجب عليه، إما مطلقاً كما هو مذهب الجمهور، وإما أنها لا تجب عليه إلا بإذن سيده كما قواه الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود وغيره عن طارق بن شهاب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض )، والحديث ذكره أبو داود وقال: طارق بن شهاب -راوي الحديث- أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه.

    وهذا ظاهره: أن يكون الحديث مرسل صحابي، ومرسل الصحابي حجة عند جمهور أهل العلم، ومع ذلك فقد جاء عند الحاكم أن طارق بن شهاب روى هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وقد صححه الحاكم قال: صحيح الإسناد. وكذلك العراقي والشوكاني والذهبي وغيرهم.

    وللحديث شاهد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة، أو عبد، أو مسافر، أو مريض ), والحديث رواه البيهقي والدارقطني وغيرهما.

    وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة جداً ذكرها البزار والطبراني وأحمد وغيرهم، وساق شيئاً منها الهيثمي في مجمع الزوائد، وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، فتدل على أن العبد لا تجب عليه الجمعة، سواء أذن له سيده بذلك أو لم يأذن له .

    المسافر

    السابعة قال: [والمسافر].

    فإن المسافر لا تلزمه الجمعة ولا الجماعة، والمقصود: أنه إذا كان جاداً به السفر أو كان سفره يقتضي ألا يصلي الجمعة، أو كان لا يسمع النداء، أما إن كان المسافر مقيماً بين الناس في المصر وسمع النداء، فالأظهر أنه يجب عليه إجابته؛ لعموم الحديث السابق: ( إنما الجمعة على من سمع النداء )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر ).

    والمقصود إذا كان المسافر مقيماً في المصر أو في القرية، أما إن كانوا جماعة مسافرين، فإن مذهب الجمهور وهو الصحيح أنه ليس عليهم جمعة؛ خلافاً للظاهرية والشوكاني، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سافر أسفاراً طويلة وغزا غزوات كثيرة تزيد على عشرين غزوة، وسافر للحج وللعمرة وغير ذلك، فلم ينقل عنه قط أنه صلى الجمعة في سفر، ولا أنه جهر فيها بالصلاة صلاة الظهر، ولا أنه خطبهم قبل الصلاة، فعلم أن المسافر ليس عليه جمعة، وأن جماعة المسافرين لا يشرع لهم أن يصلوا، ولهذا قلنا قبل -كما قال المؤلف رحمه الله-: إنها إنما تجب على من كان مستوطناً ببنائه.

    المعذور بمرض أو مطر أو خوف

    الثامنة: قال: [ والمعذور بمرض أو مطر أو خوف ]، فإنها تسقط عنه صلاة الجمعة كما تسقط عنه صلاة الجماعة.

    فأما المرض فهو ظاهر، وقد جاء هذا في الحديث السابق حديث طارق بن شهاب الذي رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حق واجب، إلا على أربعة ) وذكر منهم المريض، فإن المريض الذي يشق عليه المجيء إلى الجمعة، أو يؤخر برأه، أو يتسبب له في المضاعفة، أو يزيد في مرضه لا يجب عليه الصلاة.

    كمن يكون مريضاً يشق عليه المشي إليها، أو يؤذيه البقاء في المسجد، أو تكون الروائح الطيبة في الجمعة تتسبب في مضاعفة آلامه أو ما أشبه ذلك؛ فإنه ليس عليه صلاة الجمعة.

    وقد سبق أن الجمعة كصلاة الجماعة، فإن المريض معذور بترك الجماعة، فهو معذور أيضاً بترك الجمعة، وإن كانت الجمعة آكد من الجماعة، وقد سبق عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن لهم في ترك الجماعة في أحوال معلومة.

    ومن العذر أيضاً المطر، فإنه مما يؤذن فيه بترك الجماعة، ويباح فيه الجمع أيضاً، فلهذا يعذر فيه بترك الجمعة؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر مناديه أن ينادي في الليلة المطيرة: ألا صلوا في رحالكم، الصلاة في الرحال، وهكذا الأمر في شأن الجمعة فإنه يجوز لهم أن يتركوها إذا كان ثمة مطر شديد.

    ومثل المطر الشديد ما يشبهه في لحوق المشقة على الناس كالريح والعواصف الشديدة، ومثل ذلك البرد الشديد غير المعتاد والذي يشق على الناس فيه الخروج للصلاة، وكل أمر فيه مشقة عظيمة تلحق الناس، فإنهم يعذرون فيه بترك الجمعة والجماعة.

    ومن الأعذار أيضاً: الخوف فإنه عذر في ترك الجمعة والجماعة كما هو معروف، قال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239].

    وقال: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102] الآية.

    وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه الذي ذكرته قبل قليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من سمع النداء فلم يمنعه من الاتباع عذر لم يقبل الله تعالى منه تلك الصلاة التي صلى، قالوا: وما العذر يا رسول الله؟! قال: خوف أو مرض )، فهذا يصلح دليلاً للمرض كما ذكرته قبل قليل، ويصلح دليلاً للخوف أيضاً.

    والخوف مطلق هاهنا (خوف أو مرض) فيشمل الخوف في حال الحرب والمعارك، ويشمل الخوف على المال من حاكم أن يجتال ماله أو لص، فيرى أنه يبقى ليحرس ماله ويحافظ عليه، أو الخوف على ماله أن يلحقه ضرر عظيم بمغادرته له، كأن يكون عنده شغل متعلق بهذا المال كإصلاح له أو صناعة في أمر ماله، فيخاف عليه من حريق أو نحو ذلك، فهذا عذر له في ترك الجمعة والجماعة.

    ومثله أيضاً الخوف على الأهل أو الولد أو الأتباع أو غيرهم من الناس والرفقة أن يضيعوا أو يضيع عنهم في مثل تلك الحال، فإذا كان ذلك خوفاً حقيقياً جاز له ترك الجمعة، بل ربما يتعين ويجب عليه تركها إذا كان يترتب على ذلك خوف على معصوم من هلاك، أو خوف على مال عظيم أن يجتاح، أو يترتب على ذلك فوات نفس أو مال أو ولد أو نحو ذلك .

    حكم صلاة الجمعة للمرأة والعبد والمسافر إذا حضروها

    التاسعة: قال: [ وإن حضروها أجزأتهم ولم تنعقد بهم ] يعني: إن حضرها هؤلاء الذين ذكر كالمرأة والعبد والمسافر والمريض أيضاً أجزأتهم ولم تنعقد بهم، أي: أنها تجزئهم فلا يحتاجون إلى أن يصلوا صلاة الظهر.

    ولكنها لا تنعقد بهم، أي: لا يعدون من ضمن العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة بناءً على أنها لا تنعقد إلا بأربعين رجلاً فما فوق، كما سوف يأتي، وسيأتينا ذلك وأنه لا يشترط للجمعة عدد.

    حكم الجمعة على المعذور إذا حضرها

    المسألة العاشرة، قال: [ إلا المعذور فإنه إذا حضرها وجبت عليه وانعقدت به ].

    يعني: المعذور بمرض أو مطر أو خوف ممن هو من أهل التكليف أصلاً، فهو حر بالغ عاقل لكنه عذر في ترك الجمعة بمرض فتحامل على نفسه وجاء، أو بمطر، أو خوف فغلب جانب السلامة وحضر.

    فقال: هؤلاء إذا حضروها انعقدت بهم؛ لأنهم في الأصل من أهل التكليف، وكان سقوطها عنهم لدفع المشقة، فإذا حضروا زالت المشقة عنهم بالحضور ووجبت عليهم الجمعة حينئذ وانعقد بهم تمام العدد.

    هذا -كما قلت- بناء على أنه يشترط للجمعة عدد.

    1.   

    اشتراط فعل الجمعة في وقتها لاعتبار صحتها

    الحادية عشرة: قال: [ ومن شرط صحتها فعلها في وقتها ].

    أي: أن من شرط صحة الجمعة أن تفعل في وقتها، وقد اختلف أهل العلم في وقتها، فقيل: هو بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، كما هو رواية في مذهب الإمام أحمد أنها كصلاة العيد، وقيل: إنها تقع قبل الزوال بساعة، وهي رواية أخرى في المذهب أيضاً وقال بها بعض أهل العلم.

    وقيل: إنها بعد الزوال، وهي أقوال متعددة وقد استدل كل بما ذهب إليه.

    وأرجح الأقوال -والله تعالى أعلم- أنها بعد الزوال؛ وذلك لقول الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    فذكر الله تعالى قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] أي: لزوالها، فدل على أن الصلاة مطلقاً إنما تقام لزوال الشمس، سواء في ذلك الظهر أو الجمعة، وهذا ظاهر النص.

    وجاءت أحاديث تقوي ذلك وتعضده، منها: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه -وهو في الصحيحين- أنه قال: ( كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء )، فدل ذلك على أنهم لا يجمعون إلا إذا زالت الشمس، وأن هذا هو الغالب، بل هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويشمل ما خالف ذلك من الأحاديث على ما في معناه.

    فحديث جابر مثلاً في مسلم قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة، ثم يذهبون إلى رحالهم فيريحونها إذا زالت الشمس )، فهذا الحديث ليس صريحاً أن النبي عليه السلام كان يصلي الجمعة قبل الزوال، ثم يذهبون إلى الرحال إذا زالت، بل قد يحمل على أنه يصلي صلى الله عليه وسلم بعد الزوال مباشرة، وكانت خطبته قصيرة وكانت صلاته خفيفة أيضاً، فإذا تبين الزوال ووجد الظل -كما قال سلمة - الذي يستظل به ذهبوا إلى رحالهم فأراحوها.

    وقد يحمل أيضاً على أن المعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إذا زالت الشمس، ثم يذهبون إلى رحالهم فيريحونها، ويحمل ما خالف ذلك على مثله، وهذا هو الغالب من فعل الصحابة رضي الله عنهم والخلفاء الراشدين.

    ولذلك أيضاً جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح في الرابعة ) ... إلى آخر الحديث.

    فدل ذلك على أن الوقت إنما يكون بعد الزوال؛ لأن هذه ساعات محددة ما بين طلوع الشمس إلى زوالها.

    بل قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: إن هذه الساعات اللطيفة -يعني: خفيفة وقصيرة جداً- ما بين الزوال إلى إقامة صلاة الجمعة.

    وقد جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم أقاموا الصلاة قبل الزوال، وقد ورد عن عبد الله بن سيدان رضي الله عنه قال: (شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل انتصاف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد انتصف النهار، وصليتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: قد زالت الشمس). وهذا إذا ثبت يحمل على ضرب من التأويل، أن يكون هذا اجتهاداً من هذا الرجل في تقدير الوقت، أو أن يكون هذا في بعض الأحوال، أو أن يكون هذا اجتهاداً من الصحابة أو بعضهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؛ لأن هناك من يقول: إن الجمعة يدخل وقتها قبل الزوال بساعة، وقد جاء في ذلك آثار وأحاديث مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    وعلى كل لا ينبغي أن يقال: إن وقت الجمعة يبدأ بارتفاع الشمس قدر رمح؛ لأن هذا مما لا دليل عليه، فإما أن يقال: بعد الزوال، وهو الأقوى والأصح دليلاً، وإما أن يقال: بعد الزوال أو معه أو قبله بيسير جمعاً بين الأحاديث والنصوص.

    1.   

    اشتراط أداء الجمعة في قرية مستوطنة

    الثانية عشرة: قال: [في قرية ] أي: ومن شرط صحتها فعلها في قرية يستوطن بها الناس، كما سبق أنه لابد أن تقام في مكان يستوطن به الناس، أما فعلها في البادية فإنه لا يصح ولا يثبت لما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة في المدينة وأذن لأهل القرى أن يصلوا الجمعة، كما جاء في صحيح البخاري: أن أول جمعة أقيمت بعد جمعة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في البحرين في الأحساء في مسجد يقال له: جواثى، كان يصلي فيه بنو عبد القيس وقد أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا الجمعة فصلوها، وهو أول مسجد أقيمت فيه الجمعة بعد المدينة، وهو مسجد معروف قائم إلى اليوم.

    فدل ذلك على أن الجمعة لا تقام إلا في قرية أو مدينة أو مصر، أما البوادي الرحل فلا تقام فيهم الجمعة كما سبق.

    1.   

    العدد الذي تصح به الجمعة

    الشرط الآخر وهو المسألة الثالثة عشرة قال: [ وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها ].

    ذلك بناء من المؤلف على أن وجود الأربعين شرط للوجوب، لقول جابر رضي الله عنه: (مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة)، وهذا ضعيف لا تقوم به حجة، ولا دليل على اشتراط عدد بعينه، بل ينبغي أن يرجع إلى الجماعة، فيقال: كل من وجبت عليهم الجماعة وجبت عليهم الجمعة كما هو الأصل وصحت منهم، حتى قال بعض أهل العلم: لو كانوا اثنين خطب أحدهما واستمع الآخر، وصلوا ما داموا مستوطنين ببنيانهم.

    واستظهر الإمام ابن تيمية رحمه الله أنها تجب على ثلاثة فما فوق، بحيث يكون أحدهم الإمام واثنان يكونان من المأمومين المستمعين للخطبة.

    أما اشتراط أربعين فلا دليل عليه، وهذا من الأقوال المتقابلة، فإن في المسألة ما يزيد على خمسة عشر قولاً: قيل: اثنان. وقيل: ثلاثة. وقيل: سبعة. وقيل: عشرة. وقيل: أربعون. وقيل: أقل. وقيل: أكثر. وهي أقوال متقابلة، وغاية ما احتجوا به مثلاً: أنهم لما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصحابة، أو جمع مصعب بن عمير بالأنصار كان عددهم أربعين فيما رواه أبو داود وغيره، وإنما يقال: هذا أمر اتفاقي لا يدل على أن الجمعة لا تنعقد بما دونهم، بل تنعقد بما دونهم قطعاً ويقيناً دون اشتراط العدد.

    1.   

    خطبة الجمعة

    اشتراط الخطبتين لصحة صلاة الجمعة

    الرابعة عشرة: [ وأن تتقدمها خطبتان ] أي: هذا من شروط صحة الجمعة، ومما لا شك فيه أن ذلك واجب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يقعد بينهما كما في المتفق عليه، وذكرت عائشة رضي الله عنها أن الجمعة إنما كانت ركعتين من أجل الخطبة، فأقيمت الخطبتان مقام الركعتين، وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم استفاضة قطعية متواترة أنه كان يخطب قبل الجمعة خطبتين، وهكذا أصحابه وكافة المسلمين في العصور كلها وفي الأمصار كلها .

    شروط الخطبتين

    الخامسة عشرة: قال: [ في كل خطبة حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقراءة آية، والموعظة ].

    وهذه الأشياء من حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة هي أمور مشروعة في الجملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس فيحمد الله ويثني عليه، ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم كما هو معروف في خطبة الحاجة التي كان يفتتح بها صلى الله عليه وسلم خطبه، فيقول -كما في صحيح مسلم وغيره-: ( إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )، وهذه الخطبة في مسلم أصلها، وعند أهل السنن وأحمد وغيرهم نصها.

    فدل ذلك على أنه يجب أن يكون في الخطبة حمد لله تعالى، وصلاة على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ووعظ للناس، والوعظ هو مقصود الخطبة، فينبغي أن يكون الوعظ شرطاً في الخطبة أو الموضوع الذي يراد تحديث الناس عنه وأمرهم به أو نهيهم عنه، أو توعيتهم بشأنه، فهذا هو المقصود.

    أما جعل شيء من ذلك شرطاً للخطبة فهو مما لم يثبت به نص شرعي يوجب أن يقال: إن الخطبة تبطل بغير ذلك، وإنما يقال: إن مقصود الخطبة أن يحدث الناس بأمر من الأمور الدينية حديثاً يكون فيه بيان ووعظ وتوعية وتنوير لهم بقضية يحتاجون إليها في دينهم من الأمور العامة.

    هذا هو المطلوب في الخطبة وغايتها ومقصدها الوعظ كما هو معروف .

    استحباب الخطبة على المنبر

    السادسة عشرة قال: [ ويستحب أن يخطب على منبر ]؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على المنبر على ما هو معروف، وقد أمر غلاماً أن يصنعه له وكان يخطب عليه في الجمعة والعيدين، ولأن القيام على المنبر أبلغ في إيصال الصوت إلى الناس، ولكن ذلك ليس بواجب، فلو أنه خطب على الأرض أجزأه ذلك أو على موضع عال مرتفع كقلعة أو تل أو نحو ذلك .

    ما يفعله الخطيب إذا صعد إلى فراغ الأذان

    السابعة عشرة: [ فإذا صعد أقبل على الناس فسلم عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان ].

    أي: إذا صعد على المنبر أو على المكان المرتفع أقبل على الناس، أي: استقبلهم بوجهه، لأن هذه السنة العملية المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، (ثم سلم عليهم) أي: قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولو قال: السلام عليكم ورحمة الله، أو: السلام عليكم أجزأ ذلك وجاز، لأنه كاف في السلام، وهذا من جنس عمومات الأحاديث الآمرة بالسلام على من قدم على قوم، فإن الخطيب قد قدم على المصلين المأمومين، فيستحب له استحباباً لا وجوباً أن يسلم عليهم، وذلك -كما قلت- منقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وفعله، ولهذا روى ابن ماجه عن جابر قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم على الناس ).

    ثم إنه يجلس -كما ذكره المصنف- بعدما يسلم عليهم إلى أن يفرغ المؤذن من الأذان، فإنه إذا دخل الخطيب أو الإمام وقعد قام المؤذن فأذن، وهذا هو النداء الذي ذكره الله تعالى في كتابه حينما قال: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، وهو الذي يوجب السعي ويمنع البيع، حتى قال الفقهاء: إن البيع لا يجوز بعد أذان الجمعة الثاني، فهو النداء الذي يكون بعدما يدخل الإمام.

    أما النداء الآخر -وهو النداء الأول- فقد فعله عثمان رضي الله عنه بمشورة من الصحابة وأقروه جميعاً من غير نكير، فصار بحكم المشروع؛ وذلك لأن الناس تخلفوا عن صلاة الجمعة وانهمكوا، فأحدث لهم هذا النداء حتى يفرغوا من مشاغلهم ويقبلوا على الغسل والوضوء والاستعداد لصلاة الجمعة، وقد أقره الصحابة -كما أسلفت- من غير نكير فصار في حكم المشروع؛ ولهذا قال أهل العلم في قوله صلى الله عليه وسلم: ( بين كل أذانين صلاة ) -وهو حديث ابن مغفل المتفق عليه- قالوا: يدخل في ذلك ما بين الأذان الأول والأذان الثاني ليوم الجمعة؛ لأنه لما أقر وتوارثه المسلمون علم أنه في حكم المجمع عليه، وما يكون له أصل في الشرع .

    مشروعية قيام الإمام حال الخطبة وجلوسه بين الخطبتين

    الثامنة عشرة: قال: [ ثم يقوم الإمام فيخطب بهم ثم يجلس، ثم يخطب الخطبة الثانية ].

    أي: أن الإمام يقوم بعد ذلك بعد الأذان فيخطب خطبتيه وهو قائم.

    فأما أنهما خطبتان؛ فذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يخطب بهم خطبتين كما في حديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ثم يخطب ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، قال جابر رضي الله عنه: ( فمن حدثك أنه كان يخطب جالساً فقد كذب. والله لقد صليت معه أكثر من ألفي صلاة ).

    سؤال: قول جابر رضي الله عنه: (أكثر من ألفي صلاة) هل المقصود: أكثر من ألفي جمعة، أو أكثر من ألفي فريضة؟

    المقصود أكثر من ألفي فريضة، ولا يتصور أنه يعني أكثر من ألفي جمعة، لأن السنة كم فيها من جمعة؟ الأسبوع كم فيه؟ واحدة، والشهر؟ أربع، والسنة؟ نحو من خمسين جمعة، وربما تزيد؛ لأن الشهر فيه أربع جمع وقد يزيد أحياناً يومين أو أكثر، ففي السنة خمسون جمعة، فلو تصورنا عشر سنوات مثلاً كم فيها من جمعة؟ خمسمائة أو تزيد، طيب. النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة ومكث فيها كم؟ عشر سنوات.

    إذاً: كل صلوات الجمعة التي صليت في المدينة بعد الهجرة كلها قريب من خمسمائة صلاة جمعه، مع أنه عليه السلام كان في بعضها مسافراً في حج أو عمرة أو غزو أو غير ذلك، فلا يتصور -إذاً- أن المقصود أكثر من ألفي جمعة، وإنما أكثر من ألفي فريضة.

    ويؤخذ أيضاً من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن الإمام يكون قائماً حال الخطبة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولو أنه خطب جالساً أجزأه ذلك مع مخالفة السنة، وقد كان معاوية رضي الله عنه يخطب جالساً؛ لأنه ثقل به اللحم وشق عليه القيام، ولكن السنة أن يخطب قائماً، وأن يقعد بين الخطبتين قعدة خفيفة.

    1.   

    عدد ركعات صلاة الجمعة وصفة القراءة فيها

    المسألة التاسعة عشرة: قال: [ ثم تقام الصلاة، فينزل فيصلي بهم ركعتين يجهر فيهما بالقراءة ].

    تقام الصلاة كما تقام لسائر الصلوات، فينزل الإمام، ولو صلى بهم وهو على المنبر جاز ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم على المنبر كما في الصحيح، وقال: ( إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي )، ولكن الأصل أن الإمام يصلي على الأرض مساوياً المأمومين ولو ارتفع عنهم لحاجة كضيق مثلاً أو لتعليم أو نحوه جاز ذلك كما سبق.

    ثم يصلي بهم ركعتين، والجمعة ركعتان بإجماع أهل العلم بلا خلاف، يجهر فيهما بالقراءة إجماعاً أيضاً، فإنه بنقل الكافة عن الكافة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة، وكانوا يعلمون صلاته وقراءته صلى الله عليه وآله وسلم من جهره بذلك.

    والجهر في مسألة الجمعة -كما سبق في الجهر في الصلوات- هو من السنن المتوارثة، فلو أنه أسر أجزأت صلاته، لو أنه أسر بالجمعة أجزأت صلاته .

    1.   

    ما تدرك به الجمعة

    المسألة العشرون: [ فمن أدرك معه منها ركعة أتمها جمعة وإلا أتمها ظهراً ].

    أي: أن من أدرك مع الإمام ركعة أتم الصلاة جمعة، يعني: صلى إليها أخرى، وإن أدرك أقل من الركعة أتمها ظهراً.

    وقد جاء في ذلك أحاديث، منها: ما رواه أبو هريرة وذكره أهل السنن -النسائي وغيره- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة )، وفي رواية: ( فليصل إليها أخرى )، وفي حديث آخر: ( ومن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً )، وجاء في هذا أحاديث كثيرة يعضد بعضها بعضاً.

    ومما يقوي الاستدلال بهذه الأحاديث، وإن كان بعضهم أعلها، لكن مما يقوي الاستدلال بها الحديث المتفق عليه -وقد ذكرناه قبل- عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة )، وهذا لفظ مسلم : ( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة ).

    واللفظ الآخر: ( من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة )، فدل ذلك على أن العبرة بالركعة، وعلى هذا يحمل معنى الحديث، فيكون -مثلاً- إدراك الجمعة بإدراك ركعة، فإن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعة فما زاد فقد أدرك الجمعة، وفي حال الركعة يضيف إليها ركعة أخرى، أما إن أدرك أقل من ذلك فإنه يتمها ظهراً أربعاً، وحينئذ يجب أن يسر بالصلاة، سواء صلى ركعة أو أكثر، فإنه منفرد يجب عليه الإسرار؛ لأن حكمه الإفراد، ومن المعلوم أن الجمعة لا تتصور من منفرد، ولذلك نقول: يشرع في حقه الإسرار بالصلاة؛ لأنه هو الأمر المشروع في حقه أصلاً باعتبار أن الجمعة لا تجب على منفرد، فيحمل قوله صلى الله عليه وسلم هاهنا: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، أن أصليها على كيفيتها وهيئتها، وهو لا يتصور منه أن يجهر في الجمعة؛ لأنه منفرد فينبغي أن يسر بها .

    1.   

    أثر نقصان العدد وخروج الوقت على صلاة الجمعة بعد الشروع فيها

    الحادية والعشرون: قال: [ وكذلك إن نقص العدد أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً ].

    يعني: إن نقص العدد عن الأربعين كما لو كان العدد أربعين مثلاً على القول باشتراط الأربعين، ثم انفصل أحدهم أثناء الصلاة -مثلاً- لعارض أو خرج، فإنه يقول: يتمونها ظهراً حينئذ، وهذا غريب لا دليل عليه، بل حتى لو سلمنا جدلاً بأن الأربعين شرط في الجمعة فإنه يجب أن يقال: إنهم إذا دخلوا في الجمعة وهم أربعون وجبت في أعناقهم ووجب عليهم أن يتموها جمعة، وما يُدري الإمام إن كان بعض المأمومين مثلاً قد انصرف من الصلاة أو لم ينصرف؟! وهذا من التكلف، والواقع أنه لا دليل عليه، بل لا يشترط للجمعة عدد خاص أصلاً، وقد رجح جماعة من أهل العلم ثلاثة، وأن الجمعة تنعقد بهم، فنقول: حتى لو نقص العدد عن أربعين أو كان العدد أصلاً دون الأربعين انعقدت الجمعة وصحت، بل وجبت عليهم.

    وكذلك قوله: [ أو خرج الوقت وقد صلوا ركعة أتموها جمعة، وإلا أتموها ظهراً ] وهذا صحيح، يعني: أنهم إذا صلوا من الجمعة ركعة قبل خروج الوقت، وفيما يتعلق بآخر وقت الجمعة ما هو؟ نحن ذكرنا قبل قليل أول الوقت، لكن آخر الوقت ما هو؟ هو آخر وقت الظهر بالإجماع.. هو دخول وقت العصر، فإذا صلوا ركعة قبل خروج الوقت أضافوا إليها أخرى وصلوها جمعة، وإن كان ما أدركوا أقل من ركعة؛ فإنهم يتمونها ظهراً؛ لحديث أبي هريرة السابق وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة )، فمفهومه: أن من أدرك أقل من ذلك لا يكون مدركاً لها .

    1.   

    حكم إقامة أكثر من جمعة في المصر الواحد

    الثانية والعشرون: قال: [ ولا يجوز أن يصلى في المصر أكثر من جمعة إلا أن تدعو الحاجة إلى أكثر منها ] وقد يستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في المدينة جمعة واحدة، ومن المعلوم أنه كان يكون في الأحياء، والقبائل في المدينة كان يكون فيها مساجد تصلى فيها الجماعة، وهذا أمر معلوم مستفيض جاء في نصوص وأحاديث كثيرة.

    وأما بالنسبة للجمعة؛ فإنه من الظاهر جداً من النقل أنهم لم يكونوا يصلون الجمعة إلا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم تكن الجمعة تقام إلا في مسجده، فذلك دليل على أن المستحب والفاضل ألا يصلى في المسجد إلا جمعة واحدة أو جمعات بقدر الحاجة، ولكن لو أنهم صلوا في كل مسجد جمعة فينبغي أن يقال: إن ذلك جائز وسائغ وإن صلاتهم صحيحة؛ لأنه لا دليل على بطلان الصلاة حينئذ، ولا على تحريم إقامة الجمعة.

    وغاية ما يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الاستحباب، هذا غاية ما يدل عليه، وقد يقال: إن ذلك اختيار الصحابة رضي الله عنهم أن يسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم ويصلوا معه، ويستمعوا إلى خطبته.

    وعلى كل حال فإن اجتماع الخلق الكثير في المسجد الواحد أفضل لما فيه من كثرة الناس وانتفاعهم، ومظنة نزول الرحمة، وتعرف بعضهم على بعض، وتحقيق فوائد ومصالح الجمعة والجماعة، فينبغي أن يقال: إنه كلما كثر العدد وقلت المساجد الجامعة كان ذلك أفضل، ما لم يكن فيه حرج على الناس أو مشقة، ولو صلى كل قوم في مسجدهم جاز ذلك وأجزأتهم الجمعة، خاصة مع وجود الحاجة .

    1.   

    استحباب الغسل والتطيب والتبكير يوم الجمعة

    الثالثة والعشرون: [ ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب ويبكر إليها ].

    أما الغسل فقد جاء فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، كحديث عائشة رضي الله عنها: [ أن الناس كانوا يأتون الجمعة في أثواب مهانتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم؟ ].

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم -فيما رواه مسلم -: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس طيباً ).

    وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب الغسل لهذا الحديث وما شابهه: ( غسل الجمعة واجب )، والجمهور على أن الغسل سنة مستحبة، وهو الراجح؛ لحديث سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل )، وهو حديث حسن رواه الترمذي وغيره وله شواهد كثيرة يتقوى بها.

    ومما يدل أيضاً على الاستحباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن الغسل مع السواك والطيب، فقال: ( غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك -يعني: واجب- وأن يمس طيباً ) يعني: واجب.

    ومن المجمع عليه -فيما أعلم- أو ما يشبه الإجماع: أن السواك والطيب ليسا واجبين للجمعة، وهو -على الأقل- مذهب الجماهير والكافة من أهل العلم.

    فدل ذلك على أن الغسل ليس بواجب أيضاً بدلالة قرنه معهما، فإذا زال الوجوب عن السواك والطيب زال عن الغسل أيضاً، أو -على أقل تقدير- أضعف دلالة الوجوب، ودل على أن معنى قوله: ( واجب ) يعني: حق أو مؤكد أو مسنون أو مشروع، وليس المعنى الوجوب القطعي الذي يأثم تاركه، وهذا مذهب الكافة وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    وكذلك لبس ثوبين نظيفين فإنه مما يستحب له، لما في ذلك من الاستعداد له، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس أحسن ثيابه للجمعة والوفود وغيرهما، ويعطي أصحابه بعض الثياب ليلبسوها في هذه المناسبات كما جاء ذلك في أحاديث عن عمر وعلي وغيرهما.

    وكذلك الطيب جاء في الحديث السابق حديث جابر رضي الله عنه وغيره.

    أما التبكير فجاء فيه أحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس وأوس بن أوس وهو صحيح: ( من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها )، والحديث رواه أهل السنن، وله شواهد يشد بعضها بعضاً .

    فهو يدل على مشروعية التبكير، ومثله أيضاً الحديث المتفق عليه: ( من راح في الساعة الأولى )، أو الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة.. كما سبق.

    ومثله عموم الأحاديث الواردة في التهجير، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ) وهو في الصحيح، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( تقدموا، ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله )، وقوله: ( ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه )، والمقصود بالتهجير: التبكير إلى الصلاة الجمعة أو غيرها .

    1.   

    حكم أداء تحية المسجد أثناء الخطبة

    الرابعة والعشرون: قال: [ فإن جاء والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما ].

    وهاتان الركعتان هما تحية المسجد؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه من حديث أبي قتادة : ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين )، وهي مشروعة حتى في حال الخطبة، وقد جاء في حديث جابر المتفق عليه: ( أن رجلاً جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقعد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صليت يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فصل ركعتين ).

    زاد مسلم : ( إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليوجز فيهما )، فدل ذلك على استحباب ركعتي تحية المسجد حتى حال الخطبة، وأما الوجوب فلا كما سبق، ويصرف عن الوجوب بصوارف ربما ذكرتها قبل، منها: قوله عليه الصلاة والسلام للرجل لما ( قال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع )، ومنها حديث أبي قتادة نفسه، فإنه فيه: ( أنه جاء فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صليت؟ قال: لا. قال: إذا جاء أحدكم المسجد فلا يجلس )، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية المذكورة في الصحيحين بالقيام، وكذلك الخطيب فإنه يدخل المسجد، فيجلس على المنبر ولا يصلي ركعتين، والمنبر من المسجد.

    فهناك صوارف كثيرة ذكرها العلماء في ضوابطها .

    1.   

    حكم الكلام والإمام يخطب للجمعة

    الخامسة والعشرون والأخيرة: [ ولا يجوز الكلام والإمام يخطب، إلا الإمام أو من كلمه الإمام ].

    أما أنه لا يجوز للمستمعين، فلما جاء في الحديث المتفق عليه: ( إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ).

    وهذا في حال خطبة الإمام، أما إذا قلت له ذلك أو نحوه في حال صمته -كما في الجلسة بين الخطبتين مثلاً- فإنه لا يدخل في ذلك على الراجح، وإنما يحمل ذلك على ما إذا كان الإمام في حال الخطبة.

    وفي رواية أخرى: ( ومن لغا فلا جمعة له ) وإسنادها صحيح، وهو دليل على فوات أجر الجمعة لمن لغا.

    فلهذا لا يتكلم الإنسان والإمام يخطب إلا أن يكلم الإمام أو يكلمه الإمام، ولذلك جاء الرجل -كما في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه في الحديث المتفق عليه، وسبق أن ذكرناه في الاستسقاء- لما قال: يا رسول الله! ادع الله يغيثنا، ثم جاء من الجمعة الثانية فقال: ادع الله أن يمسكها عنا، فهذا من يكلم الإمام، وكذلك الرجل الذي دخل -كما في صحيح مسلم - وقال: ( يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، فنصب للنبي صلى الله عليه وسلم كرسي فجلس وعلمه الإسلام، ثم رجع إلى خطبته فأقبل عليها )، وهذا دليل على سماحة الإسلام ويسره.

    وكذلك من كلمه الإمام كما في قصة الرجل الذي دخل فقال له: ( صليت يا فلان؟! قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين )، فإذا كان يكلم الإمام أو يكلمه الإمام فلا حرج .