إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 25للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أن أزداد أذى المشركين للمؤمنين المستضعفين، ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عنهم بطش الكافرين، أمرهم بالهجرة فراراً بدينهم، وحفاظاً على حياتهم، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وأخبرهم أن فيها ملكاً على دين المسيح لا يظلم عنده أحد، فخرجت أول كوكبة منهم متوجهين إلى أرض الحبشة، يحملون معهم الدين الحنيف، وسكنوا في جوار النجاشي، الذي أمنهم على أنفسهم، فأصبحوا يعبدون الله عز وجل دون خوف ولا استخفاء.

    1.   

    أول هجرة في الإسلام

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى مقطوعة [أول هجرة في الإسلام] وما المراد من الهجرة؟

    الهجرة: أن ينتقل المسلم من موطن أو بلد أو موضع لا يستطيع أن يعبد الله تعالى فيه إلى بلد آخر يتمكن فيه من عبادة الله عز وجل، فإذا عجز أن يعبد الله في مكان -وهو خُلق لهذه العبادة- تعين عليه أن يرحل إلى مكان آخر يتمكن فيه من عبادة الله عز وجل.

    ومن هنا: لو وجد المرء نفسه في منزل أو عمارة يرى أنه لو بقي فيها عصى الله تعالى وجب عليه أن يهجر هذا المنزل إلى آخر، فضلاً عن أن يكون في بلد أو في ديار أو مع قوم لم يمكِّنوه من أن يعبد الله عز وجل، فالهجرة هنا واجبة لازمة. وإن مات تاركاً لعبادة الله مؤثراً الموطن أو الإخوان أو المال فالله عز وجل يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97] بأي ظلم ظلموها؟ بأكل الحرام وكسب الكبائر والآثام؛ من أجل البقاء في الموطن، فتركوا ذكر الله، ووقعوا في الشرك والكفر بآيات الله. هذا هو الظلم للنفس. قال تعالى: (إن الذين توفاهم) وتوفاهم حذفت منه التاء والتقدير: (تتوفاهم الملائكة) أي: ملك الموت وأعوانه، (ظالمي أنفسهم) أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم، قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، قالت الملائكة لهم عند قبض أرواحهم: (فيم كنتم)، وما هذه الظلمة والأوساخ والعفن، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97] فما تمكنا من عبادة الله، وغُلبنا وقُهرنا، فلا طهرت أرواحنا ولا زكت نفوسنا، فتقول الملائكة موبخة مؤنبة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97] أي: لا عذر لكم في هذا أبداً. فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:99]، وتأملوا لم هذا؟

    تفكروا يا معاشر المستمعين والمستمعات! أننا خلقنا وخلقت الأكوان والجنة والنار والكل من أجل أن يعبد الله، فإذا تعطلت العبادة كانت كنكث الأكوان كلها؛ فلهذا لو تركت أهلك ومالك وسلطانك ودولتك وكل ما تملك .. ورحلت من أجل أن تعبد الله ما زدت على أن أديت واجباً أوجبه الله عليك، هذه هي الحقيقة! وإن شئتم حلفت بالله لكم على ذلك، أما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فأي مانع يمنع من العبادة معناه تعطيل لسر الحياة بكاملها، وستسمعون كيف هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أُمروا بالهجرة وأُذن لهم فيها.

    إذاً: معاشر المستمعين! إن مجلساً فقط يضمك مع أناس سفهاء يقولون الباطل وينطقون بالسوء، يجب عليك أن تهجره، وحرام عليك أن تبقى فيه إيثاراً لمعنى من المعاني أو مصلحة من المصالح.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [أول هجرة في الإسلام: إنه بعد أن جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته] إذ قضى ثلاث سنوات يدعو سراً -في الخفاء- في دار الأرقم بن أبي الأرقم والتي هي الآن عبارة عن مكتبة عمومية تابعة لوزارة الأوقاف، تلك هي دار الأرقم بن أبي الأرقم ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم مختبئاً فيها، ويجيء من شاء الله مجيئه إليه ويسمع عنه ويدخل في رحمة الله [وكثر عدد المسلمين] لما جهر في السنة الخامسة أو الرابعة من الدعوة كثر عدد المسلمين -قطعاً- و[ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء] اليد بالضرب، واللسان بالبذاءة والقول السيئ كالتقبيح والتعيير.

    [ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير قادر على حمايتهم] علم صلى الله عليه وسلم -فداه أبي وأمي- أنه لا يستطيع حماية إخوانه ولا يقدر على ذلك؛ لضعفه وقلة أنصاره، وكثرة العدو [فأذن لهم في الهجرة إلى الحبشة] أي: لا بأس لمن تضايق وما استطاع أن يتحمل السب والشتم والضرب والتجويع أن يلتحق بالحبشة [فقال لهم -فداه أبي وأمي-] (والعالم أجمع) وهذه من بدعنا، فما سمعنا من قالها أو كتبها، فإن شئتم أنكروها، أما أنا فأقول: فداه أبي وأمي والعالم أجمع، فالكل لا يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال صلى الله عليه وسلم: [( لو خرجتم إلى أرض الحبشة )] أي: لو خرجتم من هذا الضيق والمضايقة إلى أرض الحبشة [( فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده )] وهل عرف هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة الأخبار والأنباء والتجار الذين يترددون على المنطقة؟ لا. فلا حاجة إلى هذا وجبريل يتردد عليه ويأتيه بالأنباء وأخبار الغيب.

    خطط اليهود ومكائدهم لإفساد الحكم والدين

    ندخل في السياسة قليلاً؛ لكي تتعلموا السياسة! قد ذكرت لكم أن بني عمنا اليهود -عليهم لعائن الله- أرادوا أن يفرّجوا عن أنفسهم فنظروا وقالوا: نعمتنا تأتي من طريق رجال الدين والحكام (الملوك)؛ إذ كانت تلك الفترة لا يسمى الحاكم إلا ملك -كان هذا في العالم بأسره- فليس هناك سلطان ولا داي ولا باي ولا رئيس جمهورية .. ولكن ملك، بل كان فيما سبق من ملك امرأة ودابة يركبها وخادماً يساعده يسمى ملكاً، أما قال تعالى لبني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:20]؟ كيف جعلهم ملوكاً؟ بين ذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم، قال: كان من ملك منهم امرأة ومنزلاً أي: بيتاً، وخادماً فهو ملك، ونحن الآن ملوك أم لا؟ ستقولون: لا، حتى لا تحمدوا الله وتشكروه، ولكن نحن الآن أكثر من ملوك، فالذي يملك بيتاً وامرأة وأولاداً ووظيفة ودخلاً سنوياً أو شهرياً ماذا يريد بعد ذلك؟ قولوا: الحمد لله!

    فاليهود بني عمنا قالوا: اسمعوا! إذا تمكنتم من القس -وهو العالم النصراني- فاذبحوه وابقروا بطنه وخذوا أمعاءه واخنقوا بها الملك. يقصدون أي ملك كان، ملك فرنسا أو إيطاليا أو أسبانيا، يعني كل الملوك، من أجل أن تنفرج الغمة عن اليهود.

    ومن ثم سقطت الملوكية وأصبح الأغبياء يتقززون من كلمة ملك، حتى العرب أصحبوا لا يطيقونها ويشمئزون منها؛ وقد رأينا بأم أعيننا أن البلد الذي فيه ملك -كبلجيكا- أحسن من البلد الذي فيه رئيس وجمهورية، ففي بلجيكا ملك، ومن ثم يُعلم من الإسلام درسٌ كل أسبوع في مدارس الحكومة البلجيكية، وتورط العرب المسلمون وأصبحوا يكرهون كلمة ملك، ويقولون: اذبحوا الملوك.

    أيها الناس! ارتفعوا في مستوياتكم العلمية والعقلية، فاليهود هم الذين جاءوا بالبلشفة الحمراء الشيوعية، وتولدت منها الاشتراكية، ومن ثم تغنى الأغبياء بها ورفعوا أصواتهم وقالوا: اشتراكيتنا نوالي من يواليها ونعادي من يعاديها! وأبعدوا الملوك وطردوهم، إنه جهل كامل! فالعزة والكرامة والغنى والطهارة والصفاء تأتي من تطبيق شريعة الله، وسلوك العبد المسلك الذي وضعه الله للكمال والعزة، وليست العزة والكرامة في كلمة ملك أو رئيس أو سلطان. وهكذا شغلوا الناس بهذه الكلمة وفتنوهم.

    وماتت الشيوعية، ولعل من ذبحها هم، فقد استطاعوا أن يسودوا في أوروبا وأن يتحكموا فيها وفي كنائسها، أما أعلنا يوم أعلن بولس الثامن : أن اليهود برآء من دم السيد المسيح، أن الإسلام قد أعلن عن هذا منذ ألف وأربعمائة سنة فقال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157]، ولما صاروا غارقون في ضلالهم -وهم الضالون- وتحكم اليهود فيهم أعلنوا براءة اليهود من دم السيد المسيح، وأصبحت أوروبا كأمريكا -بلاد الصليب- ثلاثة أرباعها لا يؤمنون بالله ولا بالصليب، بل بلاشفة شعارهم: لا إله والحياة مادة.

    بعد أن ذبح اليهود الشيوعية ودفنوا الاشتراكية هل يتركون العالم يستيقظ ويعود إلى لا إله إلا الله؟ لا. أتوا بالعلمانية، وولدت العلمانية من بطن بني عمنا اليهود، وما هي العلمانية؟ العلمانية هي أن كل شيء للعلم، دع قال الله وقال رسوله، فالقضية قضية علم، وبهذا العلم يتوصل إلى الملكوت الأعلى ويُفعل ويُفعل، وسحرونا بكلمة العلمانية، مع العلم أن هذا الكلام كان من ألف وأربعمائة سنة، ولكن أي علم؟ قال الله عز وجل: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] لا والله، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وأعظم من ذلك أمر الله رسوله أن يطلب العلم: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، أي: يا رب زدني علماً. وزبدة ذلك تتجلى في طهارة المجتمع وصفائه، وفي مودته وإخائه، وفي تعاونه، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ما المراد بالعلماء؟ هل هم علماء السحر والتدجيل والتضليل.. أم علماء السياسة المنتنة العفنة التي تعيش على مبادئ وضعها الملاحدة والزنادقة؟! أم علماء الهيدروجين والذرة.. أم علماء الحياة والكون؟! هذه كلها علوم مادية هابطة، إن العلم هو العلم بالله الرب العليم الحكيم، العلم بأسماء الله وصفاته وجلاله وكماله وإنعامه وإفضاله وإحسانه، وما أعد لأوليائه، وما لديه لأعدائه، العلم بمحابه من المعتقدات والأقوال والأعمال.

    هذا العلم صاحبه يخشى الله عز وجل، فلا يقدر على أن يكذب كذبة واحدة، ولا يقدر على أن يتناول قرشاً واحداً مما حرم الله، ولا يقدر صاحب هذا العلم أن ينظر إليك بنظرة شزراء فضلاً عن أن يسلبك مالك ويهتك عرضك ويمزق وجودك، ومن شك في هذا فليقف وليشرف على بلد مثل هولندا -مثلاً- تعال ندخل نتنعم بما فيها من كمال، فلا سرقة ولا كذب ولا خيانة ولا فجور ولا باطل.. ولا ولا، ولكن ينزو بعضهم على بعض في الشوارع، فأين العلم إذاً؟!

    لقد كنا في السماء وهبطنا إلى الأرض فما هي السلالم والمعارج التي نعرج بها إلى حيث كنا؟!

    لقد شاع في ديار المسلمين -بوحي اليهود- السحر، فأصبحنا نرى العجب، وقد عثرت في بيتي أمس على ساحرة، كنت أراها مؤمنة تصوم وتصلي!! أبقي بعدها هذا شيء؟ لقد هبطنا! وما علة هبوطنا؟ والله إنه الجهل بالله وبمحابه وبمكارهه، وما عنده وما لديه، فمن يرفعنا؟ وما الطريق إلى ذلك؟ إنه العلم. أي علم؟

    العلم الذي هو نور الله وعبادته، العلم بشرع الله وما عنده وما لديه، العلم الذي مصدره قال الله جل جلاله، وقال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الكتاب والحكمة، وهذا الذي يزكي النفوس، ويطهر القلوب، وينظف العقول، ويدعم البشري حتى يصبح شبيهاً بأهل السماء والملكوت الأعلى في طهره وصفائه ويقينه وإيمانه.

    الطريق إلى العلم والنور الإلهي

    أخيراً: ما الطريق إلى هذا العلم؟ وإلى الآن لم يردنا هذا السؤال لا من أمير ولا من عالم ولا من حاكم ولا من بصير ولا من أعمى.. ولا ولا، ولو نردد هذا القول طوال العام فليس هناك من يقول: يا شيخ! كيف الطريق إلى هذا العلم؟

    إذاً: هذا آية أننا موتى! وأقسم بالله الذي لا إله غيره ولا رب سواه أنه لن تعود أمة الإسلام في أي بلد في الشرق أو الغرب من العرب أو العجم إلا إذا عادت إلى علم الكتاب والحكمة، اعتقاداً وقولاً وفقهاً وعملاً وتطبيقاً.

    ستقولون: يا شيخ! وهذه المدارس المتنوعة، والمراحل العلمية المختلفة -من الابتدائي إلى آخره- ألا تكفي؟

    نعم. لا تكفي، أين آثارها؟ هل انتهت السرقات والزنا والفجور والكذب والخيانة وخلف الوعد والحسد والكبر والسحر؟! لم ينته شيء! فأين إذاً آثار هذا العلم؟!

    ونقول -فقط-: إن الطريق هو أن أهل كل قرية إسلامية سواء كانت في جبل أو سفح، على ساحل البحر أو في الرمال الصحراوية -أهلها ثلاثمائة نسمة إلى ألف أو ألفين في الغالب- هذه القرية كل أهلها وسكانها مسلمون، نساء ورجالاً، يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، على أهل هذه القرية أن يجتمعوا في مسجدهم وإن كان صغيراً كبروه، وإن كان ضيقاً وسعوه، ولو بالخشب والحطب كما كان هو مسجد أبي القاسم ورجاله أبطال العالم وقادة البشرية، فيوسعون هذا المسجد ليتسع لنسائهم وأطفالهم ورجالهم، فإذا وسعوه سألوا أنفسهم: لِم خلقنا؟ فإذا علموا أنه لعبادة الله، سألوا أنفسهم مرة أخرى: لم نعبده؟ وبالطبع: لنسمو ونسعد ونكمل ونرتفع ونصبح أهلاً لسعادة الدنيا والآخرة ..

    فيتنادون من ليلتهم: معاشر الإخوان! معاشر الأبناء! معاشر المؤمنات! من الليلة إن شاء الله لا تغرب شمسنا إلا ونحن في هذا المسجد بنسائنا وأطفالنا.

    وأنا أقول: يا عباد الله! إذا مالت الشمس إلى الغروب فأوقفوا العمل: يا فلاح ألق بالمسحاة! ويا تاجر أغلق باب الدكان! ويا صاحب المقهى أو المطعم أوقف هذا الطبخ أو هذا البيع! وتوضئوا الوضوء المعروف لكم واحملوا أسركم إلى المسجد، والقرية لا تحتاج إلى السيارة أو بعير، فالمسجد في وسطها، فإذا دخلوا المسجد جلس إليهم العالم الرباني الذي يفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليتغنى معهم بآية من كتاب الله، فيحفظونها كلهم في ربع ساعة أو ثلثها، ثم يبين لهم مراد الله منها، ويسألهم هل أنتم مؤمنون؟ فيقولون: نعم. فيقول: إذا أمركم الله مولاكم وسيدكم هل تفعلون؟ فيقولون: نعم. فيقول: فقد أمركم الله بكذا في هذه الآية، هل حفظتموها وفهمتم معناها؟ هل أنتم على عزم أن تطيعوا ربكم؟ فيقولون: نعم. فيقول: إذاً افعلوا هذا الذي أمر الله به الليلة، وعودوا إلى بيوتكم، وأنتم تذكرون الله وتهللون وتكبرون.

    ومن الغد -إن شاء الله يحضرون- كأمسهم، فيحفظون حديثاً لنبيهم حفظاً كاملاً في ربع ساعة أو ثلث ساعة، ثم يقول لهم المربي: الرسول يريد منا أن نفعل كذا، أو أن نترك كذا، إذاً معشر المؤمنين والمؤمنات نترك هذا الذي أراد الرسول أن نتركه، ومن الليلة لا يحدث هذا في بيتنا ولا في شارعنا ولا في قريتنا. ويتركوه!

    ثم اليوم الثالث كذلك، وهم يتعلمون ويطبقون، ويسمون ويرتفعون، والأنوار تشع يوماً بعد يوم، فوالله لا تمضي سنة إلا والقرية كأنها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تجد فيها كاذباً، ولا فاجراً، ولا حاسداً، ولا مبغضاً، ولا زنديقاً، ولا مهملاً لدين الله، ولا مبغضاً لأولياء الله.

    ولا يبقى في القرية رجل ولا امرأة إلا مريض في بيته، أو حائض، بل حتى الحيَّض يُجعل لهن مكاناً ملاصقاً للمسجد يتلقون فيه حكمة واحدة بلا تعدد ولا كثرة، من حكم أستاذ الحكمة ومعلمها صلى الله عليه وسلم، وهل النبي أستاذ في الحكمة؟ إي نعم، أما قال تعالى فيه: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129].

    وشيء آخر: لن تجد بينهم من يشكو الفقر أبداً؛ لأنهم لن يُتركوا ليسألوا غير الله، فتجدهم يقتسمون ويقاسمون ما عندهم فيما بينهم؛ لأنهم أسرة واحدة، وبيت واحد، وكلمتهم واحدة، فإذا صفوا وطهروا، ورضوا وصلحوا، وأصبحوا أولياء الله، لو رفعوا أكفهم إلى الله وسألوه أن يزيل الجبال لأزالها.

    لِم لا يكون هذا؟ أين العلماء؟ أين الأمراء؟ أين المسئولون؟ لِم لا يعملون هذا؟

    لك أن تقول: يا شيخ! جربنا هذا وما نجحنا فيه أبداً.

    والله ما كان ولن يكون، فإن لله سنناً لا تتبدل ولا تتحول: فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، والكتاب والحكمة يزكيان النفس ويطهران القلوب ويصلحان الفاسد فينا، ولن تتخلف سنن الله. وإذا كان بينهم أهل القرية من هو منافق قد يدخل في رحمة الله ويؤمن، وإذا تضايق وكتب خلوده في جهنم رحل، فما يشعرون إلا ويقال: فلا قد رحل، أغلق دكانه أو باعه. فلا يبقى في بلاد الطهر أبداً وهو خبيث.

    وكذلك المدن ذات الأحياء، هناك بعض المدن فيها سبعين حي أو ثمانين، وأخرى فيها ثلاثة أحياء أو أربعة بحسب اتساعها وكبرها، فأهل كل حي في المدينة يوسعون مسجدهم أو جامعهم، بالإسمنت والحديد وإلا بالطوب واللبن، أو بالخشب وجريد النخل، المهم أن يقوا أنفسهم من الحر والبرد والمطر، ويجتمعون بعد النداء، فيناديهم العالم الرباني في حيهم ومن معه من إخوانه ومن بينهم شيخ القرية أو رئيس الحي فيقول: أبناءنا.. إخواننا.. أمهاتنا.. بناتنا! من غد إن شاء الله لا يتخلف واحد عن طلب الهدى والعلم في بيت الله.

    وما إن تأخذ الشمس في الغروب من اليوم التالي إلا وهم زرافات ووحداناً آتين من بيوتهم ومن دكاكينهم ومن مقاههم بأبنائهم ونسائهم إلى بيت ربهم، وتم هذا؛ لأنهم آمنوا بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق وأن النار حق، فيجتمعون في مسجدهم ليصلوا المغرب كما نصلي، ثم يجلس لهم المربي ويعلمهم ليلة آية وأخرى حديثاً وهم يحفظون ويعلمون ويطبقون، فما تمضي سنة إلا وتلك المدينة بأحيائها كأنها والله كواكب في السماء تنير الحياة وتضيئها، فلا خبث ولا ظلم ولا شر ولا فساد .. ولكن أخوة ومحبة وتلاقي وود ورحمة، والحاكم والمحكوم سواء، والغني والفقير سواء، والكل أولياء الله نساء ورجالاً، لِم لا يتحقق هذا؟!

    إن الشيوعيون لما كانوا يفرضون مبادئهم الإلحادية، كانوا يجمعون أهل القرية بالكرباج والحديد والنار من العصر إلى نصف الليل، يكفرونهم ويغسلون أدمغتهم من الإيمان بالله ولقائه، ونحن لا نحتاج إلى كرباج ولا إلى عصا.. ولا ولا، ولكن كلمة طيبة فقط، نقول: أبناءنا إخواننا أمهاتنا! غداً إن شاء الله نجلس في بيت الله نتعلم الكتاب والحكمة ونصلي المغرب والعشاء، ونعود تباعاً مستنيرين معرضين عن الشهوات والأطماع وزخارف الحياة، وهكذا يتوفر المال، والله إنه يتوفر، فلو سلك كل أهل قرية أو مدينة هذا المسلك -والله العظيم- لفاض مالهم، فالذي كان يعيش على عشرة آلاف في الشهر يكفيه منها ألفان، وماذا يفعل بالباقي؟ يقول: خذوه وأنفقوه في سبيل الله!

    ماذا قولكم في هذا الأمر؟! هل هناك من يعقب على هذا أو يكتب ليضحك الناس علينا؟

    يمنعكم الله من ذلك! إن هذا لهو الحق!

    إذاً: متى نفيق؟ ومتى نصحو؟ الذين صحوا وأفاقوا يكفِّرون الحكام ويخرجون عليهم ويقولون: الجهاد في سبيل الله! ويقتل بعضهم بعضاً، هؤلاء هم أصحاب الصحوة. متى نصحو؟ ومتى نفيق، ونحقق ولاية الله؟!

    ستقولون: يا شيخ! كيف نحقق هذه الولاية؟

    أقول: ما هي إلا خطوتان فقط: آمن حق الإيمان واعرض إيمانك على القرآن، فإن صدَّق عليه وأمضى فأنت مؤمن، وإن رأى نقصاً فعليك بإكماله، ثم اتق الله فلا تخرج عن طاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين علماء أو حكاماً.

    ونعود إلى السيرة النبوية ..

    خروج المهاجرين من مكة

    قال فداه أبي وأمي: [( لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه )] أي: اذهبوا إلى هذا الملك الطيب الصالح، فقد عرفنا أن من نزل به لا يظلم أبداً ولا يعتدى عليه، وابقوا هناك حتى يجعل الله لكم مخرجاً وفرجاً [وقبل المسلمون العرض الكريم] من النبي الكريم [فخرجوا من مكة فراراً بدينهم] الذي مُنعوا من أن يظهروه ويجثوا عليه حتى يطيبوا ويطهروا [يريدون بلاد النجاشي ] وهو أصحمة [وذلك في شهر رجب سنة خمس من البعثة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة] وكأن أمس هو اليوم، لِم؟ للأمن والشبع، فلا خوف ولا جوع، فأيما أرض فيها أناس لا يخافون ولا يجوعون تمضي الحياة عليهم ولا يشعرون، أما صاحب الجوع فلا، لقد كنا ننظر النخلة متى تؤبر ومتى تُبلح حتى يشيب أهل القرية، والآن لا خوف، فأبوابنا مفتوحة وقلوبنا آمنة، والبطون شبعى، ويمضي العام كأنه يوم. فقولوا: الحمد لله.

    وهناك كلمة سياسية: هل تقرءون سورة الفيل؟! سأقرؤها عليكم: بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] أي: فعل ما فعل بذلك الجيش المهاجم العازم على إبادة المؤمنين، إنه جيش أبرهة دمره الله بالنفاثات، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:2-3] كانت تحمل قذائف من جهنم (من سجيل)، تخرج من البحر والناس يشاهدونها، قذيفة في فمه وأخرى في مخلبه، فإذا أرسلت على العسكر تتفتتوا وتحللوا، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5]، لقد تنعثرت رءوسهم وأيديهم وبطونهم.

    لِم فعل الله بهم هذا؟ إنه أمن وإطعام لقريش، قال الله عز وجل ممتناً عليهم: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:1-4].

    أين الساسة ورجال العلم والمال؟ هناك كلمة واحدة: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4]، تنشأ الدولة ولها عشرون وزارة: وزارة الدفاع ووزارة الاقتصاد ووزارة المال وو..، وكل ذلك من أجل أن يتحقق لذلك الشعب: أن يشبع ولا يجوع، ويأمن ولا يخاف، ووالله ما تحقق ذلك، فإن شبعوا ما أمنوا، وإن أمنوا ما شبعوا، ومن أراد أن يرد علي فليتفضل!

    إن كل تلك الوزارات والقيام والقعود والآلات من أجل تحقيق كلمتين: أن الشعب يأمن فلا يخاف، فيمشي في الشارع أو يسافر من شرق البلاد إلى غربها وهو آمن، وينزل في بيت بلا باب ولا نافذة وهو آمن، وألا يجوع أبداً هو ولا أطفاله.

    هل استطاعت الصين أن تحقق هذا؟ هل حققته روسيا أو اليابان أو أمريكا؟ لا. إنك تجد آلاف الملايين في كروب وخبث وشر فساد وظلم وبلاء. إنك تجد الدول تسعى الليل والنهار وتعمل المستحيل على أن تحقق هذا ولا تستطيع، ومتى يتحقق هذا؟ يتحقق بصلتهم بالسماء، بسلوك مسالك وضعها الله للإكمال والإسعاد في الدنيا والآخرة، ويتحقق بالإسلام يطبق نصاً وروحاً في أي بلد، فيصبحون سعداء أمناء.

    ونبرهن وندلل وإن كان الغافلون يكسبوننا حسنات بقولهم: هذا الشيخ يتملق! وقولهم: هذا الشيخ يشتغل مع (cia) ولا نعرف (cia) ولكننا نقول: هذا البلد لما دخله عبد العزيز رحمة الله عليه لم يكن فيه شيء سوى حفنة الشعير وقطيع العنز، لم يكن فيه آلات وطائرات، كان يفيض بالشر والخبث، والشرك والباطل، والذبح وسفك الدماء، والزنا والدعارة، وما أن رفعت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل: هنا لا يعبد إلا الله! ولا يتابع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى -والله- تحقق من الأمن والطهر ما لم يتحقق في أرض الله إلا على عهد القرون الثلاثة الذهبية، قرن الرسول وأصحابه وأبنائهم وأحفادهم. لِم فعل الله هذا؟ ليري العميان كيف يتحقق الأمن والطهر والصفاء بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقد نزلتُ المدينة فسكنت فيها ببيت بلا باب، ولو كنتُ في ديارنا فيا ويحي وويح أمي! ولولا هذا الخلط والخبط من المهاجرين الذين ما هاجروا لله ورسوله بل هاجروا للمادة فقط والضيق الذي يعانونه لما كان هذا.

    ووالله العظيم إني لأذكر صاحب دكان الذهب يضع الخرقة على باب دكانه ويذهب للصلاة، ويروح يتغدى ويرجع وهو كذلك، هل تحقق هذا بالسحر أم بالعصا؟ تحقق فقط بتطبيق شريعة الله، بالكتاب والحكمة، لقد أرانا الله هذه الآية ورغم ذلك لم يمش إقليم ولا بلد إسلامي إلى عبد العزيز أو أولاده حتى تكون بلادهم كهذه البلاد، أو قالوا: ابعثوا لنا قضاة حتى نطبق شرع الله، وقد استقل لنا نيف وأربعون إقليماً ودولة ما استطاع فيهم إقليم أن يرفع راية لا إله إلا الله أبداً، في حين -وبلغوا هذا واسمعوه- كان الواجب الحتمي المفروض -إن كنا مسلمين- على أي إقليم يتحرر من ربقة بريطانيا أو إيطاليا أو فرنسا أن يأتي رأساً وفده ويقول: يا عبد العزيز أو يا فلان -من رجاله- ابعثوا لنا قضاة يطبقون شرع الله فينا فقد استقللنا!

    هل فعلنا ذلك؟ لا. ولكن كل إقليم يستقل وينفصل عن الدولة الاستعمارية يرفع عنتريته والإعراض عن الله.

    ستقولون: يا شيخ! لا تقل هذا! فأقول: دلوني على إقليم استقل فقال: الآن خرجت فرنسا أو إيطاليا واسمعوا أيها المواطنون عسكريون ومدنيون لا بد من إقامة الصلاة وجباية الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ هذه قواعد الدولة القرآنية الإسلامية.

    هل أقيمت الصلاة في بلد؟ لا. فمن شاء أن يصلي ومن شاء أن يغني.

    إذاً: ماذا نرجو؟ وماذا نطلب؟ والله إننا لتحت النظارة، يقول الله عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، فإما أن ننهض من كبوتنا ونقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ونطبق شريعة الله تطبيقاً حقاً، وإلا سوف يُنزل الله بنا نقمته وبلاءه؛ إذ أجدادنا الذين حكمتهم أوروبا كانوا أحسن منا في الصفاء والطهر، ونحن أخبث. وقد سئل أحدهم: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد.

    فإما أن يستقيم المسلمون في كل بلد على منهج الحق فينجو ويكملوا، وإلا تنزل بهم نقمة الله.

    وصول أول فوج من المهاجرين إلى الحبشة

    قال: [فوصلوها وكانوا قرابة عشرة رجال: منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عنبسة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، فأقاموا بالحبشة شهرين: شعبان ورمضان من سنة خمس من البعثة، وعادوا إلى مكة في شوال، وسبب عودتهم ما بلغهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطلح مع قريش، وأنه لم يبق اضطهاد للمسلمين من قبل المشركين لما تم من الصلح بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم] هذه إشاعة الإعلام. فعاد المؤمنون إلى مكة بدون تثبت.

    [وسبب هذه الشائعة الكاذبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة سورة (والنجم)، فلما بلغ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، ألقى الشيطان في مسامع المشركين قوله] أي قولة الشيطان [تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فخُيِّل للمشركين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قالها] وإنما قالها شيطان مارد [وأنه بذلك قد امتدحها] أي: امتدح الأصنام [فلما سجد صلى الله عليه وسلم في آخر السورة -وهي سجدة من عزائم السجدات-] عند الجمهور [سجد المشركون معه، حتى إن الوليد بن المغيرة -وكان كبير السن- أخذ كفاً من البطحاء وسجد عليه، ثم تفرق الناس، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن سجود المشركين كان من أجل ما ألقى الشيطان في مسامعهم من مدح للات والعزى موهماً إياهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي امتدحها، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلمه الخبر، فأنزل الله تعالى -تسلية له وتخفيفاً عنه- قوله من سورة الحج: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]] أي: قرأ [ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52].

    فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب عنه ما وجد في نفسه من الخوف والحزن بما أعلمه به ربه من أن هذا الأمر جرى على سنة من سننه تعالى في أنبيائه ورسله لحكم عالية يعلمها تعالى.

    ولما قارب المهاجرون دخول مكة تبين لهم أن إسلام أهل مكة باطل، وأن المشركين ما زالوا على الشرك والكفر، وأنهم قد ازدادوا قسوة وشدة على المسلمين فلم يدخلوا إلا بجوار، أو في استخفاء] بجوار يعني: بكفالة، كل واحد طلب من يكفله [وأقاموا بمكة بعد عودتهم إليها يتلقون الأذى ويعذبون ويضطهدون -كما كانوا قبل هجرتهم وعودتهم- فرأوا لذلك أن يعودوا إلى الحبشة مرة ثانية، فعادوا وهاجر معهم خلق كثير بلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً].

    وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..