اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 25 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 25 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
لما أن أزداد أذى المشركين للمؤمنين المستضعفين، ولم يستطع النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عنهم بطش الكافرين، أمرهم بالهجرة فراراً بدينهم، وحفاظاً على حياتهم، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة، وأخبرهم أن فيها ملكاً على دين المسيح لا يظلم عنده أحد، فخرجت أول كوكبة منهم متوجهين إلى أرض الحبشة، يحملون معهم الدين الحنيف، وسكنوا في جوار النجاشي، الذي أمنهم على أنفسهم، فأصبحوا يعبدون الله عز وجل دون خوف ولا استخفاء.
أول هجرة في الإسلام
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فقد انتهى بنا الدرس إلى مقطوعة [أول هجرة في الإسلام] وما المراد من الهجرة؟ الهجرة: أن ينتقل المسلم من موطن أو بلد أو موضع لا يستطيع أن يعبد الله تعالى فيه إلى بلد آخر يتمكن فيه من عبادة الله عز وجل، فإذا عجز أن يعبد الله في مكان -وهو خُلق لهذه العبادة- تعين عليه أن يرحل إلى مكان آخر يتمكن فيه من عبادة الله عز وجل. ومن هنا: لو وجد المرء نفسه في منزل أو عمارة يرى أنه لو بقي فيها عصى الله تعالى وجب عليه أن يهجر هذا المنزل إلى آخر، فضلاً عن أن يكون في بلد أو في ديار أو مع قوم لم يمكِّنوه من أن يعبد الله عز وجل، فالهجرة هنا واجبة لازمة. وإن مات تاركاً لعبادة الله مؤثراً الموطن أو الإخوان أو المال فالله عز وجل يقول: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النساء:97] بأي ظلم ظلموها؟ بأكل الحرام وكسب الكبائر والآثام؛ من أجل البقاء في الموطن، فتركوا ذكر الله، ووقعوا في الشرك والكفر بآيات الله. هذا هو الظلم للنفس. قال تعالى: (إن الذين توفاهم) وتوفاهم حذفت منه التاء والتقدير: (تتوفاهم الملائكة) أي: ملك الموت وأعوانه، (ظالمي أنفسهم) أي: حال كونهم ظالمي أنفسهم، قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ [النساء:97]، قالت الملائكة لهم عند قبض أرواحهم: (فيم كنتم)، وما هذه الظلمة والأوساخ والعفن، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97] فما تمكنا من عبادة الله، وغُلبنا وقُهرنا، فلا طهرت أرواحنا ولا زكت نفوسنا، فتقول الملائكة موبخة مؤنبة لهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97] أي: لا عذر لكم في هذا أبداً. فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:99]، وتأملوا لم هذا؟ تفكروا يا معاشر المستمعين والمستمعات! أننا خلقنا وخلقت الأكوان والجنة والنار والكل من أجل أن يعبد الله، فإذا تعطلت العبادة كانت كنكث الأكوان كلها؛ فلهذا لو تركت أهلك ومالك وسلطانك ودولتك وكل ما تملك .. ورحلت من أجل أن تعبد الله ما زدت على أن أديت واجباً أوجبه الله عليك، هذه هي الحقيقة! وإن شئتم حلفت بالله لكم على ذلك، أما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فأي مانع يمنع من العبادة معناه تعطيل لسر الحياة بكاملها، وستسمعون كيف هاجر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أُمروا بالهجرة وأُذن لهم فيها.إذاً: معاشر المستمعين! إن مجلساً فقط يضمك مع أناس سفهاء يقولون الباطل وينطقون بالسوء، يجب عليك أن تهجره، وحرام عليك أن تبقى فيه إيثاراً لمعنى من المعاني أو مصلحة من المصالح. قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين: [أول هجرة في الإسلام: إنه بعد أن جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته] إذ قضى ثلاث سنوات يدعو سراً -في الخفاء- في دار الأرقم بن أبي الأرقم والتي هي الآن عبارة عن مكتبة عمومية تابعة لوزارة الأوقاف، تلك هي دار الأرقم بن أبي الأرقم ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم مختبئاً فيها، ويجيء من شاء الله مجيئه إليه ويسمع عنه ويدخل في رحمة الله [وكثر عدد المسلمين] لما جهر في السنة الخامسة أو الرابعة من الدعوة كثر عدد المسلمين -قطعاً- و[ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا أيديهم وألسنتهم بالسوء] اليد بالضرب، واللسان بالبذاءة والقول السيئ كالتقبيح والتعيير.[ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه غير قادر على حمايتهم] علم صلى الله عليه وسلم -فداه أبي وأمي- أنه لا يستطيع حماية إخوانه ولا يقدر على ذلك؛ لضعفه وقلة أنصاره، وكثرة العدو [فأذن لهم في الهجرة إلى الحبشة] أي: لا بأس لمن تضايق وما استطاع أن يتحمل السب والشتم والضرب والتجويع أن يلتحق بالحبشة [فقال لهم -فداه أبي وأمي-] (والعالم أجمع) وهذه من بدعنا، فما سمعنا من قالها أو كتبها، فإن شئتم أنكروها، أما أنا فأقول: فداه أبي وأمي والعالم أجمع، فالكل لا يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال صلى الله عليه وسلم: [( لو خرجتم إلى أرض الحبشة )] أي: لو خرجتم من هذا الضيق والمضايقة إلى أرض الحبشة [( فإن فيها ملكاً لا يُظلم أحد عنده )] وهل عرف هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بواسطة الأخبار والأنباء والتجار الذين يترددون على المنطقة؟ لا. فلا حاجة إلى هذا وجبريل يتردد عليه ويأتيه بالأنباء وأخبار الغيب. ‏
 وصول أول فوج من المهاجرين إلى الحبشة
قال: [فوصلوها وكانوا قرابة عشرة رجال: منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة بن عنبسة بن ربيعة ومعه امرأته سهلة بنت سهيل ، والزبير بن العوام ، فأقاموا بالحبشة شهرين: شعبان ورمضان من سنة خمس من البعثة، وعادوا إلى مكة في شوال، وسبب عودتهم ما بلغهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطلح مع قريش، وأنه لم يبق اضطهاد للمسلمين من قبل المشركين لما تم من الصلح بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم] هذه إشاعة الإعلام. فعاد المؤمنون إلى مكة بدون تثبت.[وسبب هذه الشائعة الكاذبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ حول الكعبة سورة (والنجم)، فلما بلغ قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، ألقى الشيطان في مسامع المشركين قوله] أي قولة الشيطان [تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، فخُيِّل للمشركين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قالها] وإنما قالها شيطان مارد [وأنه بذلك قد امتدحها] أي: امتدح الأصنام [فلما سجد صلى الله عليه وسلم في آخر السورة -وهي سجدة من عزائم السجدات-] عند الجمهور [سجد المشركون معه، حتى إن الوليد بن المغيرة -وكان كبير السن- أخذ كفاً من البطحاء وسجد عليه، ثم تفرق الناس، وبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن سجود المشركين كان من أجل ما ألقى الشيطان في مسامعهم من مدح للات والعزى موهماً إياهم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي امتدحها، فحزن لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلمه الخبر، فأنزل الله تعالى -تسلية له وتخفيفاً عنه- قوله من سورة الحج: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج:52]] أي: قرأ [ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52].فسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب عنه ما وجد في نفسه من الخوف والحزن بما أعلمه به ربه من أن هذا الأمر جرى على سنة من سننه تعالى في أنبيائه ورسله لحكم عالية يعلمها تعالى.ولما قارب المهاجرون دخول مكة تبين لهم أن إسلام أهل مكة باطل، وأن المشركين ما زالوا على الشرك والكفر، وأنهم قد ازدادوا قسوة وشدة على المسلمين فلم يدخلوا إلا بجوار، أو في استخفاء] بجوار يعني: بكفالة، كل واحد طلب من يكفله [وأقاموا بمكة بعد عودتهم إليها يتلقون الأذى ويعذبون ويضطهدون -كما كانوا قبل هجرتهم وعودتهم- فرأوا لذلك أن يعودوا إلى الحبشة مرة ثانية، فعادوا وهاجر معهم خلق كثير بلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلاً].وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 25 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net