إسلام ويب

تفسير سورة النساء (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أمر الله سبحانه وتعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها، أتبع ذلك بالأمر لأوصياء اليتامى أن يعطوهم أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد، ونهاهم أن يستبدلوا أموال اليتامى الطيبة بأموالهم الرديئة، لما فيه من أذيتهم والإضرار بمصالحهم، ومن كان عنده يتيمة في حجره وكان لها مال فلا يتزوجها إن خشي أن يظلمها، وإنما يزوجها لغيره، ويختار هو من شاء من النساء غيرها مثنى وثلاث ورباع مما أحله الله لعباده.

    1.   

    قراءة في تفسير قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ...) وما بعدها من كتاب أيسر التفاسير

    الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليلتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين!

    وها نحن مع سورة النساء، ويا لها من سورة، وهنيئاً للمؤمنات بهذه السورة المباركة، نتلو الآيات، وقد تلوتها في عجالة بالأمس، ثم ندرسها من الكتاب لنقف على أسرار هذه الآيات وأحكامها الشرعية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:2-4].‏

    شرح الكلمات

    قال المؤلف غفر الله لنا وله: [شرح الكلمات]قوله [ الْيَتَامَى [النساء:2]: جمع يتيم ] وهو الفرد [ذكراً كان أو أنثى ].

    وحقيقة اليتيم: من مات والده وهو غير بالغ، أما إذا مات الوالد والابن قد بلغ سن الرشد والتكليف فلا يقال فيه يتيم، أما الحيوانات من الأنعام وغيرها فاليتيم فيها هو من ماتت والدته؛ لأن الشاة إذا مات جديها أو خروفها لا يعوله والده ولا يعترف به، والبقرة إذا مات الثور، هل العجل يبحث عن والده؟ لا. معه أمه، لكن إذا ماتت الأم تيتم، وأصبح منفرداً يستحق الرحمة والإحسان.

    قال: [ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2] ] والخبيث [ الحرام. والطيب: الحلال ] وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء:2] أي: لا تستبدل الحرام بالحلال، أو الحلال بالحرام، فتأخذ الحرام وتترك الطيب الحلال.

    قال: [ الخبيث: الحرام. والطيب: الحلال. والمراد بها هنا: الرديء والجيد ].

    المراد من الطيب هنا: الجيد. كالتمر الجيد، والخبيث هو الرديء من زرع وتمر أو غير ذلك، فالجيد هو الطيب، والخبيث هو الرديء الذي لا يصلح ولا يقبل.

    وقوله: [ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2]: الحوب: الإثم العظيم.

    أَلَّا تُقْسِطُوا [النساء:3] أي. أن لا تعدلوا ] والقسط هو العدل، والإقساط مصدر العدل، والقاسط الظالم الجائر، والمقسط العادل: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [الجن:15].

    من هم القاسطون؟ الظالمون الذين بدل أن يعبدوا سيدهم ومولاهم عبدوا الهوى والدنيا والشيطان، فهؤلاء ظالمون.

    وورد: ( المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة )، والمقسطون هم العادلون في أقوالهم.. في أفعالهم.. في قضائهم.. في حكمهم.. في كل شيء، حتى في الأكل والشرب لا يجورون ولا يظلمون.

    قوله: [ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] ] معناه [ أي: اثنتين أو ثلاث أو أربع؛ إذ لا تحل الزيادة على الأربع ].

    وقوله: [ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] ]. أي: أقرب، والدنو القرب، أقول: دنا مني فلان؛ إذا قرب، وهذا أدنى من هذا؛ أي: أقرب [ أَدْنَى أقرب أن لا تجوروا بترك العدل بين الزوجات ] وقوله: [ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء:4] ] الصدقات [ جمع صدقة: وهي الصداق والمهر، ونحلة بمعنى: فريضة واجبة ] لا بمعنى عطية، فالمهر عطية أعطاهم الله إياها، وهي في حقنا واجبة بها استحللنا به الفروج [ هَنِيئًا [النساء:4] الهنيء: ما يستلذ به عند أكله ] الهنيء من الطعام والشراب الذي تجد له لذاذة في فمك ونفسك عند أكله أو شربه [ مَرِيئًا [النساء:4] المريء: ما تحسن عاقبته، بأن لا يعقب آثاراً سيئة ].

    هل هناك فرق بين الهنيء والمريء؟

    لما يأكل أخوك أو يشرب تقول له: هنيئاً مريئاً، هل مريء بمعنى: هنيء؟ إذاً سيكون هذا تكرار للقول، فالهنيء: ما يستلذ به عند تناوله، تقول: هنيئاً هذا الشراب لك. أي: تجد لذة فيه. ومريء لا يعقب أثراً سيئاً، فلا تخمة ولا قيء ولا مغص ولا ألم، وأهل الجنة يقال لهم: هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4].

    وأهل المغرب يقولون لمن أكل أو شرب: صحة، العامة يفتحون الصاد فيقولون: صَحة، فبحثنا من أين جاءتهم هذه الكلمة، فعثرنا عليها في الصحيح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلكم: أن أم أيمن ، واسمها بركة وكنيت بـأم أيمن ، وهي مولاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ورثها من أبيه عبد الله لما مات، فقد ترك له خمسة جمال وأم أيمن ، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:8]، كان صلى الله عليه وسلم لآدابه الرفيعة يتبول في الليل -ليالي الشتاء- في إناء من طين ويضعه تحت سريره، ما عندهم مراحيض، ويحتاج إلى أن يخرج، فليلة من الليالي السعيدة قامت أم أيمن ظامئة، وما عندهم مصباح ولا فانوس البيت كله ظلام، هيا نشكر الله. ما نستطيع! لو نظل الليل والنهار نقول: الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله. ما نوفيه، المصابيح كأننا في الجنة، وفي بيوتنا في مراحضنا، وأكثرنا ما عرف شكر الله ولا حمده. بيت النبوة بيت فيه رسول الله، بيت ينزل فيه جبريل ما عندهم مصباح، فوجدت القدح فيه البول فظنته ماء فشربته ولم تشعر بمرارة ولا بعدم طيب، يا ليتني كنتها، فقام الحبيب صلى الله عليه وسلم لشرفه وآدابه ليريقه في الصباح، فأخذ القدح فوجده فارغاً، فنادى: أم أيمن !أين البول؟ قالت: شربته يا رسول الله! قال: صحة يا أم أيمن ! فوالله ما شكت بطنها حتى ماتت، صحة يا أم أيمن . دعوة أبي القاسم لا ترد.

    فمن ثم أخذ أهل المغرب دعوتهم من هنا، ولا شك أنها نقلت إليهم من أصحاب رسول الله الفاتحون عبد الله بن جعفر وعقبة بن نافع ومن وأمثالهم.

    صحة يا أم أيمن ، ونحن نقول: هنيئاً. والجملة دعائية: اللهم اجعله هنيئاً في بطنه ومريئاً له.

    معنى الآيات

    قال: [ معنى الآيات: لما أمر تعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها في الآية السابقة ]وهي قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولا تصلوها، نعم [ لما أمر تعالى بصلة الأرحام وحرم قطعها في الآية السابقة؛ أمر في هذه الآية أوصياء اليتامى ] الأوصياء: جمع وصي [ أمر أوصياء اليتامى أن يعطوا اليتامى أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد، وآنسوا منهم الرشد ] يا أوصياء اليتامى! إذا بلغوا اليتامى سن الرشد وآنستم وأبصرتم منهم الرشد لا السفه أعطوهم أموالهم.

    كم سن الرشد ؟ أول الرشد قد يكون في الخامسة عشر، وقد يتأخر إلى الثامنة عشر، إذا دخل الولد الثامنة عشر تقطع يده إذا سرق، ويرجم إذا زنى أو يجلد، ولهذا مالك وتلامذته يقولون: سن البلوغ الثامنة عشر، وغيرهم يقول: الخامسة عشر، ونحن أمة الوسط نقول: يبتدئ من الخامسة عشر إلى الثامنة عشر.

    وللبلوغ علامات وصفات وآيات تدل عليه، منها بالنسبة إلى الذكور: إنبات الشعر، فإن أنبت الولد الشعر، والمراد به: شعر العانة، الشعر الذي يطوف بذكره وحول فرجه، إذا نبت الشعر هناك بلغ الغلام.

    ومن آداب الفقهاء أنهم قالوا: إذا كان ولدك يهرب من التكاليف، فضع مرآة تحته وهو واقف؛ لأهم لم يكن عندهم سراويل، فلما تضع مرآة تحته وتنظر تعرف إذا نبت الشعر أو لم ينبت. حتى ما ينظر إلى العورة نظراً كما هو، مع أنه والده، وأما إنبات الشعر في الشارب فهذا قد تجاوز البلوغ.

    وعلامة ثانية، هذه لا يعرفها إلا الولد: الاحتلام، إذا نام فاحتلم فأفرز المني فقد بلغ، إذا نام فرأى نفسه يواقع أو يطارد أو يعامل النساء فأفرز المني، وهو ماء أبيض ثخين، هذا المني شبيه بطلع الذكر من النخل، سبحان الله! ولهذا العامة يقولون: قال سيدنا رسول الله: (استوصوا بعمتكم النخلة خيراً)، أكرموا عمتكم النخلة؛ لأنها أخت أبيكم. كيف؟ قالوا: الطينة التي صنع الله منها آدم هي التي نبتت منها النخلة، والرسول الكريم قال: إن من الشجر شجرة مثلها مثل ابن آدم، فأخذ الأصحاب يسيحون في الصحارى: ما هذه الشجرة التي مثلها مثل ابن آدم؟ ما عرفوا. وكان بينهم عبد الله بن عمر ، قال: فوقع في نفسي أنها النخلة، ولكن استحيت وأنا بين الشيوخ، وحدث بها والده عمر فقال: أي عبد الله ! لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم، ثم لما جهلوا قال: النخلة.

    وفيها شبه كبير بالرجل المسلم لا الكافر والعياذ بالله، النخلة كل ما فيها صالح، الكرناف، الليف، الخشب، الطلع، الجريد، التمر.. كل ما فيها صالح، يصنعون منها الأبواب، يسقفون منها البيوت، الجريد يصنعون منه الفرش، لا إله إلا الله! مثلها كالرجل المسلم كل ما فيه نافع، كلمته نافعة، نظرته نافعة، أخذه إعطاؤه كل ما فيه نافع وليس فيه ضرر.

    إذاً: النخلة كالرجل المسلم كلها خير، وإذا كان الرجل فيه شر وشرور فلا علاقة له بالنخلة، وإنما علاقته وشبهه بالسدر وبذات الشوك.

    قال: [ أمر في هذه الآية أوصياء اليتامى أن يعطوا اليتامى أموالهم إذا هم بلغوا سن الرشد ].

    الرشد ضد السفه، الرشيد الذي يضع كل شيء في موضعه لحكمته وعلمه وتمام عقله، سن الرشد ما هي؟ البلوغ، علامات البلوغ للذكر الإنبات والاحتلام، وللأنثى الحيض والإنبات أيضاً، إذا حاضت الجارية وهي بنت عشر أو خمسة عشر انتهى أمرها وبلغت، وأصبحت مكلفة إذا حاضت، وقد تحيض في الحادية عشرة أو الثانية عشرة بحسب قوة بنيتها، فبلوغ الجارية أسرع ويأتي قبل بلوغ الغلام.

    قال: [ فقال تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء:2]، ونهاهم محرماً عليهم أن يستبدلوا أموال اليتامى الجيدة بأموالهم الرديئة فقال تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ [النساء:2] أي: الرديء من أموالكم بالطيب من أموالهم -أموال اليتامى- لما في ذلك من أذية اليتيم في ماله ].

    المراد من هؤلاء الأوصياء وإلا لا؟ ما هو كل واحد.

    قال: [ ونهاهم أيضاً عن أن يأكلوا أموال يتاماهم مخلوطة مع أموالهم؛ لما في ذلك من أكل مال اليتيم بغير حق، فقال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] ].

    (إلى) هنا يصح أن تكون بمعنى (مع)، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، أي: مخلوطة بها، ويصح أن تبقى (إلى) على ظاهرها: ولا تأكلوا أموالكم مضافة إلى أموالهم، مخلوطة إلى أموالهم.

    [ فقال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] وعلل ذلك -التحريم- بأنه إثم عظيم، فقال عز وجل: إِنَّهُ [النساء:2] أي: الأكل. كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] والحوب: الإثم ].

    هنا معنى آية ستأتي: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] آية بالنسبة إلى أهل الإيمان واليقين جعلتهم فقدوا النوم، وذهبت بلذة الحياة عندهم.

    إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10] تراه ماء هابط أو طعام وهو في الحقيقة نار.

    لما نزلت هذه الآية وقف أوصياء اليتامى ففصلوا أموال يتاماهم عن أموالهم، فأصبحت المرأة تنصب القدر لتطبخ غداءها وغداء زوجها وأولادها، وقدر آخر ليتيمها، القربة كانت واحدة؛ والآن قربة الولد اليتيم وحدها يشرب منها، وقربة الزوجة وأولادها وزوجها ثانية، الفراش كذلك، فصعب الأمر وشق عليهم وبكوا، أيبكون خوفاً من الدولة؟

    لا. بل خافوا من الله؛ لأنهم آمنوا به حق الإيمان، والله لقد كربوا وحزنوا، فنظر الله تعالى إلى أوليائه وصالح عباده فرحمهم؛ فأنزل آية من سورة البقرة بعد النساء: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى [البقرة:220] يسألونك يا رسولنا عن اليتامى ماذا يعملون بأموالهم؟ أجبهم: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220] اخلطوا مالكم مع مالهم على شرط أن يكون مالهم متوفراً محفوظاً نامياً، فالتي تنصب قدراً خاصاً بالولد، الفلفل والبطاطس واللحم يكلفه هذا الغداء كم؟ عشرون ريالاً، لما يكون مع خمسة أولاد وزوجة وأم كم؟ ثمن وإلا لا؟ ثمانون ريالاً عليه منها عشرة ريال فقط، أيهما أولى الخلط أم الفصل؟

    وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ [البقرة:220] إذا كان خلطهم لأجل تنمية أموالهم وإصلاحها والزيادة فيها اخلطوا، وإذا كان الخلط لتأكلوا أموالهم فلا.

    سبحان الله العظيم! أرأيتم كيف يتلقى المؤمنون تعاليم الله وهدايته وشرعه وأحكامه! أصبحوا أمة مضرب المثل في العدل والمعرفة والكمال، عرف عدونا هذا وسلب القرآن منا والسنة وتركونا كالحيوانات يأكل بعضنا بعضاً.

    ماذا فعلوا؟ يا شيخ! ما لك تقول هذا؟ ما لي! نسبة العالمين في أمة الألف مليون والله لا تزيد على واحد في المائة، وتسعة وتسعون همج رعاع ضياع لا يعرفون الحق من الباطل، ما يجلسون في حجور العلماء، ولا يسألون ولا يتعلمون، ولا يقرءون كتاباً ولا سنة، ولا يرحلون لطلب العلم، كيف يتعلمون؟

    إذاً: يصح خلط مال اليتيم بمال الوصي على شرط: أن يكون الخلط أنفع لليتيم وأصلح لماله؛ فإن كان الخلط ينقص مال اليتيم وينتفع الوصي به لا يحل أبداً، وهذه الآية المحرمة هي هذه: ولا تأكلوا أموالكم مخلوطة إلى أموالهم، وعلل ذلك بأنه إثم عظيم، فقال عز وجل: إِنَّهُ [النساء:2] أي: الأكل. كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2] والحوب: الإثم.

    قال: [ هذا معنى الآية الأولى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [النساء:2].

    وأما الآية الثانية؛ فقد أرشد الله تعالى أولياء اليتيمات ] لا اليتامى الذكور [ أولياء اليتيمات إن هم خافوا ألا يعدلوا معهن إذا تزوج أحدهم وليته أرشدهم إلى أن يتزوجوا ما طاب لهم من النساء غير ولياتهم مثنى وثلاث ورباع. يريد اثنتين اثنتين أو ثلاث ثلاث أو أربع أربع كل بحسب قدرته، فهذا خير من الزواج بالولية فيهضم حقها وحقها آكد لقرابتها ].

    وإليكم ما قالت أم المؤمنين، روى مسلم صاحب الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، من عائشة هذه؟ لو تجمع نساء العالم كلهن ما كن مثل عائشة أبداً. هل هي جامعية؟ عندها دكتوراه؟

    المرأة المسلمة وحاجتها إلى التعليم

    اشتكت بعض المؤمنات: لم هذا الشيخ يثبط النساء من أن يتعلمن ويحصلن على شهادات عالية جامعية؟

    قلنا لهم: سوف تعلمن! من الخير للمؤمنة أن تتعلم كيف تعبد ربها، كيف تزكي نفسها، كيف تتأهل لدار السلام، أما أن ترمي بنفسها في المدارس المتوسطة والثانوية والجامعة والهدف معروف، ماذا؟ الوظيفة، وإن كانت خسيسة.

    لعل الشيخ واهم؟ هذا قلته من أربعين سنة تقريباً وكان كما قلت، لما بدأ الكتاب في المملكة يكتبون في جريدة البلاد والمدينة: المرأة السعودية في ظلام، في ديجور، لم لا تفتح لها مدارس وتتعلم؟

    قلنا لهم: اسمعوا! المؤمنات بأعيننا، تخرج البنت وتدخل عند جارتها تتعلم كيف تعبد الله؛ لأن الجار عالم يعلم أمه وزوجته وبناته، وعشنا ألفاً وأربعمائة سنة والمؤمنات يتلقين العلم من بعضهن البعض، العلم الذي به يعرف الله ويعبد، به تنمو الأخلاق وتزداد الفضائل، ما هو علم الريال والدينار، وقلنا: والله! إن فتحتم المدارس الابتدائية لتفتحن الثانوية -وأيامها لم تكن قد وجدت المتوسطة بعد- ولتفتحن الجامعة ولتوظفن البنات، وتبقى الوظيفة محدودة في دائرة التعليم، لكن هذه مرحلة أولى فقط، وسوف تَراهن -لا قدر الله- إن عشت موظفات في الدوائر الحكومية؛ لأنها خطوة فخطوة، وأصحاب هذا الفن يقولون: هي الظروف، لا تستعجلوا، لا بد وأن تأكلهم جهنم. ما مضت الأربعون سنة وقد وصلنا الآن إلى الوظيفة بالتعليم.

    والله تعالى أسأل أن يبقي حكومة آل سعود أولاد عبد العزيز ؛ فإن هي ذهبت إن لم تروا بناتكم وأخواتكم موظفات كاشفات عاريات فاذبحوني. أين أنت يا شيخ؟ أحرقوا قبري بالنار؛ لأنها السنن، والعدو المتربص المتململ يقول: لم يبق هذا النور في هذه البلاد؟ لم لا تكون هذه كغيرها من العالم؟ لم يبق هذا اللباس الأسود وهذا الحجاب وهذا التعنتر؟

    فلهذا أوصي كل مؤمن ومؤمنة ألا يعصي الله في هذا البلد؛ لأن معاصينا هي التي تسقط حكومة آل سعود. والله الذي لا إله غيره! أيعرف هذا اليهود والمجوس ولا نعرفه نحن؟ ألسنا أهل القرآن؟ أما قال: ( ويل للعرب من شر قد اقترب. قالت زينب : أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث ) عرف هذا الثالوث فهو يملأ بيوتنا بالخبث، وقلوبنا بالضلال، ونفوسنا بالشهوات بوسائط مختلفة من التلفاز، إلى الدش، إلى المجلة، إلى الإذاعة، إلى كذا كذا.. حتى ننهار وقد انهار ثلثينا.

    فلهذا أوصيكم قبلتم أو لم تقبلوا: ألا يراك الله ترتكب في هذه البلاد ذنباً من الذنوب؛ فإنك تساعد على إسقاط حكومة القرآن، أما أن تتكلم فيها وتطعن؛ فهذه والعياذ بالله من أكبر الذنوب والآثام، قد لا تغفر لصاحبها؛ لأنه عمل فيها بالفأس لهدمها.

    يا شيخ! لم العلماء ما يقولون هذا؟ أنت فقط تعرف هذا الكلام؟

    إي نعم. إني على علم، على بصيرة، على معرفة، عاشت هذه البلاد في أيامها الأولى ما تعرف إلا بالوهابية، والمذهب الخامس، وأنهم كفار، من إندونيسيا إلى موريتانيا لا يعرفون السعودي إلا كافر ووهابي، من أثار هذه؟ من هيج هذا؟ لأن راية القرآن ارتفعت، الأمن ساد، الطهر انتشر، تحقق ما لم يتحقق في أعظم دولة في العالم مع جماعة من البدو، كيف تم هذا؟ هذا تم لأنه بنيت الدولة على قول الله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41] عمي عنها المسلمون من إندونيسيا إلى موريتانيا، وما رأوها ولا شاهدوها، وأقاموا الدول ذات الانتفاخات والصياح ولم يقيموا من هذه الأربعة ركناً واحداً، من منعهم؟

    قالت فرنسا: يا شمال إفريقيا! نعطيكم الاستقلال على شرط ألا تقيموا دولة القرآن؟

    بريطانيا لما نادت وحررت ممالك الهند اشترطت عليهم ألا يكونوا دولة القرآن، لكن لم لا نقيم دولتنا على أسس وضعها الله لإقامة الدولة الإسلامية؟ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] وحكموا وسادوا، ماذا فعلوا؟ غنوا ورقصوا؟! أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41] وتكالب عليهم العرب والعجم. تجولنا في الشرق والغرب ما نسمع من أحد يثني خيراً على هذه البلاد من عرب وعجم، لم؟ لأن الشياطين ما تريد أن تبقى هذه الراية. عرفتم هذا؟ أنا أقول: هذه آية الله أقامها في العباد، لما أيس العالم من وجود دولة إسلامية تقوم على هذه الأركان القرآنية الأربعة جاء الله بها، وتحقق أمن وطهر وعدل ما عرفته الدنيا إلا أيام أحفاد أصحاب رسول الله في القرون الثلاثة، ومن وقتها وهم يكيدون ويمكرون حتى تحللنا وأصبح في بلادنا العهر، الزنا، السرقة، الجرائم، التلصص، الربا. لا إله إلا الله، أصابع من هذه؟ أصابع الثالوث، ومددنا أعناقنا وسكتنا، لم ما ينصح بعضنا لبعض؟

    طهر بيتك لا نسمع فيه إلا القرآن يقرأ، ما نسمع فيه أغاني ومزامير ولا نشاهد سوءاً ولا أباطيل، أدب أولادك، علمهم ذكر الله، احفظ بناتك، تحمل العناء والتعب واصبر ولا تخن ولا تغش ولا تكره، ولا تطلب وظيفة بدون حق.

    خلاصة القول: الآن كنا في حاجة إلى وقود للسيارة، ما بقي إلا دقيقتين ثلاثة كيف نعمل؟ قلنا: نتوكل على الله ونمشي علنا نحصل عليه، ثم وجدنا المحطة. هيا صب، أخذ يصب، لما قال المغرب: الله أكبر. نزع، قال: ما نزيد، الله أكبر الله أكبر. سبحان الله! قال: نعم ممنوع، أعطوني عشرة ريالات للترات التي صببتها، هذه الآية من آيات الله، هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من يوم أن سمعناه ونحن نشاهد الطعن في الهيئة والنغزة والطعن ما يريدونها؛ لأنها جبل أشم، ودعامة عظيمة للدولة القرآنية، ونحن نقول: أطيعوا الهيئة، تعاونوا معها، أحبوا رجالها؛ لأنها أعظم دعامة لكم يا عباد الله، والأعداء يكرهون ويبغضون ويكتبون الطعن في الجرائد أيضاً؛ لأنهم عالمون ونحن ما عرفنا شيئاً، ما علمنا.

    خلاصة القول: يا مؤمن -وسوف تسمع هذا في قبرك- لا تعص الله في هذا البلد أبداً، تريد أن تعصيه اخرج إلى بلاد أخرى حفاظاً على هذا النور وعلى هذه الدولة القرآنية. هذا أولاً.

    وثانياً: إياك أن يسمعك الله تطعن أو تتكلم بسوء في هذه الحكومة؛ لأن الطعنة عبارة عن فأس تضرب وتهدم، والعدو عمل على هذا وعمل وانمدت الأعناق والبلاء، ما نريد أن تزول هذه الدولة حتى توجد دول عظيمة أخرى تُحكِّم شرع الله، أما أن يمسح هذا وتقوم الحجة لليهود والنصارى، ما نرضى بهذا أبداً بحال من الأحوال.

    كلمة أقولها يضحك منها الهابطون من إخواننا السعوديين، نقول: والله الذي لا إله غيره! لأن أرضى أن أذبح وأسرتي فرداً بعد فرد على أن تبقى هذه البقية الباقية على ما هي عليه من الضعف أحب إلي من أن تذهب، نذبح واحداً واحداً وتبقى هذه البقية، يبقى صوت أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، صوت تطبيق حد من حدود الله هو خير لنا.

    هيا نعمل: نطهر ديارنا وبيوتنا وإخواننا، ما نرضى بالخبث؛ لأن العدو عرف أنه إذا ما استطعنا من طريق حرب الخليج نستطيع من طريق إفشاء الخبث وحب الدنيا والشهوات والتكالب على أوساخها حتى يهبط الشعب في متاهة، وحينئذ يتم مراد العدو.

    هذا الكلام سمعتموه؟ ما تسمعونه، لم ما تنقلونه؟ أنتم أمناء وإلا لا؟ قل: أخي! لا تعص الله في هذا البلد بأي معصية حفاظاً على هذه البقية الباقية من النور الإلهي، ومن تكلم بكلمة ضد هذه الحكومة نقداً أو طعناً أو تشهيراً، قل له: اسكت، هذا الكلام لا يصح في راعي غنم فضلاً عن أن يكون في حاكم مسلم، والهابطون يطعنون في العلماء، في الحكام، في كل واحد؛ لأنهم هبطوا من علياء السماء، ما عرفوا الله ولا الطريق إليه.

    تابع معنى الآيات

    قال: [ فهذا خير من الزواج بالولية ] ما دمت ما تستطيع أن تحسن إليها وتزوجت بها لجمالها أو لأجل مالها فقط، لا تتزوجها وتزوج من شئت من المؤمنات، إن شئت اثنتين أو ثلاثة أو أربعة، فوق أربع لا يصح أبداً، والإجماع على أن من تزوج أكثر من أربع يقام عليه حد الرجم إذا كان عالماً، وإذا كان جاهلاً يجلد حتى يتوب.

    قال: [ هذا معنى قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] -أي: اليتيمات- فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:3] ] ولذَّ.

    [ مَثْنَى [النساء:3]، ] حال كونه اثنتين اثنتين أو ثلاث ثلاث أو أربع أربع [ وقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3] يريد تعالى: وإن خاف المؤمن ألا يعدل بين زوجاته لضعفه؛ فليكتف بواحدة ولا يزد عليها غيرها، أو يتسرى بمملوكته إن كان له مملوكة ].

    المملوكة أيام كان الجهاد، غزونا إيطاليا وانتصرنا ماذا نعمل بالأسرى؟ نقتلهم؟ لا. ماذا نعمل بالنساء والأطفال؟ نجوعهم؟ حرام، نعذبهم؟ لا يجوز، نوزعهم على المجاهدين على شرط أن يطعموهم مما يطعمون ويكسونهم مما يكتسون، حتى يدخلوا في رحمة الله. المرأة ماذا تصنع بها؟ لها غريزة ولها شهوة جنسية وإلا لا؟ إذاً: ما دامت عندك وأنت تملكها تسرى بها، تحسن ثيابها وطعامها وفراشها وتطأها بإذن مولاك ومولاها، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3].

    إذا عجزت عن التعدد لضعفك، وعدم القدرة على العدل انكح مرأة واحدة، ولك أن تتسرى بمملوكة من مملوكاتك، اشتريتها أو ملكتها بجهادك. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3].

    [ وقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3] ] الأيمان تملك؟ الجهاد، السيف بم تأخذه بيسارك أو بيمينك؟

    قال: [ يريد تعالى: وإن خاف المؤمن ألا يعدل بين زوجاته لضعفه فليكتف بواحدة ولا يزد عليها غيرها، أو يتسرى بمملوكته إن كان له مملوكة، فإن هذا أقرب إلى ألا يجور المؤمن ويظلم نساءه، هذا معنى قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى [النساء:3] -أي: أقرب- أَلَّا تَعُولُوا [النساء:3] ].

    والعول هنا بمعنى الجور، ويكون بمعنى الفقر أيضاً، ما نستطيع نتزوج اثنتين خشية عدم القدرة على النفقة ويكثر الأولاد.

    عال يعول إذا افتقر أيضاً، فلان يعول العائلة الفلانية يزول فقرها بيده.

    قال: [ وفي الآية الرابعة والأخيرة يأمر تعالى المؤمنين بأن يعطوا النساء مهورهن فريضة منه تعالى فرضها على الرجل لامرأته، فلا يحل له ولا لغيره أن يأخذ منه شيئاً إلا برضا الزوجة؛ فإن هي رضيت فلا حرج في الأكل من الصداق؛ لقوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ [النساء:4] ] ما هو كله [ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] ] تزوجت وأعطيت عشرة آلاف ريال لا يحل لك أن تأخذ ريالاً واحداً إلا برضاها، فإن رضيت وأعطتك خلخالها، سوارها، ذهبها لك ذلك.

    فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ [النساء:4] على شرط تكون نفسها طيبة، ما تكون حيية يغلبها الحياء وما ترد عليك، إذا فهمت هذا ما تأخذ. عرفتم؟ وهذا حتى في الرجال، فلان معروف بالحياء، وكل من يطلب منه شيئاً لا يرده، إذا عرفت هذا منه فلا يجوز لك أن تطلبه. ما أخذ بالحياء ما يؤخذ، يعرف بين الناس أفراداً كثيرو الحياء، كل ما تطلب يعطيك حتى مشلحه؛ هذا ما يجوز أن تطلبه، أنت تعرف أنه ما يردك وهو ما عنده، فكذلك صداق المرأة إذا تعرف أنها حيية واستحت منك، وقلت لها: أعطينا ما عندكِ فتعطيك ونفسها غير مطمئنة ولا راضية ما يجوز، لم؟ أما قال تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا [النساء:4] عرفت أن نفسها طيبة بما أعطتك. فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4] فإن علمت أنها ما أعطتك إلا حياء أو خوفاً منك ما يجوز أن تأخذه.

    هل فهمتم معاشر المستمعين والمستمعات؟

    لو كان المؤمنون في العالم الإسلامي والمؤمنات كل ليلة في بيوت الله طول العام يتعلمون الكتاب والحكمة هل يبقى جاهل أو جاهلة؟

    والله ما يبقى، وإذا رفع الجهل ماذا حل؟ العلم، وإذا حل العلم حل الطهر والأمن والصفاء.