إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين يكذبون بآيات الله ليس عندهم حجة واضحة، وليس لهم منطق سليم ينطلقون منه، إنما هو التقليد الأعمى لآبائهم الأولين، والرغبة في البقاء على ضلالتهم إلى يوم الدين، فإن سئلوا عن خلق السموات والأرض والشمس والقمر لم ينسبوا ذلك إلا لله، وإن سئلوا عن مسبب أسباب الحياة كلها لم يجحدوا أنها لله، لكن غلبت عليهم شقوتهم، واستمرت غفلتهم، حتى حرموا الرحمة واستحقوا العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وبعد: فما زلنا مع آيات سورة العنكبوت المكية المدنية، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:61-64].

    هيا بنا نقضي هذه الساعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وهو يدعو إلى عبادة ربه عز وجل والمشركون يتطاولون ويعاندون ويكابرون ويكذبون ويقولون، والرسول ثابت، والله هو الذي ثبته حتى لاحت أنوار الإيمان في الكون، ثم توفاه الله عز وجل.

    يقول تعالى وهو يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [العنكبوت:61] يا رسولنا!

    لئن سألت أبا جهل وعقبة بن أبي معيط وفلاناً وفلاناً من المشركين عبدة الأصنام والتماثيل التي حول الكعبة!

    ثلاثمائة وستون صنماً يعبدونها، يسجدون لها، يلتفون حولها، يستغيثون بها، يستعينون بها، يحلفون بها، يؤلهونها، وهي أصنام صنعوها بأيدهم، وحجارة التمسوها من الأودية والجبال!

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [العنكبوت:61]، هل يستطيعون أن يقولوا: اللات؟ العزى؟ مناة؟

    الجواب: لا يستطيعون أبداً، مضطرون اضطراراً فطرياً إلى أن يقولوا: الله!

    ليس هناك حيلة.. لا يستطيع عربي أن يقول: الصنم الذي نعبده خلق كوكباً في السماء أو أوجد جبلاً في الأرض، أو أحيا ميتاً أو أمات حياً.. مستحيل!

    مضطرون اضطراراً بالفطرة إلى أن يقولوا: الله. وبذلك قامت عليهم الحجة.

    إذاً: كيف تنصرفون عن عبادته وتعبدون ما لا يستحق العبادة من أحجار وأصنام؟

    أين يذهب بعقولكم؟ كيف تصرفون العبادة لغير الله؟

    هكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [العنكبوت:61]، سخر الشمس والقمر، فهما دائبان لا يفتران، لا يملان، الدهر كله هذا طالع وهذا غائب وهكذا.

    من فعل هذا سوى الله؟

    من سخر الشمس والقمر؟

    لو تجتمع البشرية كلها فإنها لا تصل إلى القمر ولا إلى الشمس ولا تصنع مثليهما أو تسخره!

    من سخرهما، طول الحياة لا يملان ولا يفتران أبداً؟ الله.

    إذاً: كيف نلتفت إلى غير الله وندعو ونعبد ونسأل غير الله؟ أين يذهب بعقولنا؟

    هذه آيات الكون.. آيات الكون تدل دلالة قطعية على وجود الرب تبارك وتعالى، وعلى قدرته التي لا يعجزها شيء، وعلى علمه الذي أحاط بكل شيء، وعلى رحمته التي ما فارقها شيء!

    كيف نلتفت إلى اللات أو الأصنام، أو إلى عيسى ومريم كما يلتف النصارى اليوم، يعبدون عيسى وأمه ويؤلهونهما؟! إنه العجب العجاب!

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [العنكبوت:61]، الجواب: والله لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:61]، وبالفعل يقولون: الله.

    إذاً: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61]، كيف ينصرفون عن عبادة الله وحده ويعبدون الأصنام والأوثان والشهوات؟

    أمر عجب! لو كانوا جاهلين.. عميان.. ما عرفوا.. ما كذا.. قد يعذرون، أما وهم يعلمون يقيناً أن الله هو الذي خلق هذه العوالم وخلقهم وخلق ما بأيديهم وما في جيوبهم وكل شيء هو خالقه، ثم يغمضون أعينهم ويدعون صنماً أو حجراً، فأمر عجب !

    فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61]، كيف يصرفون العبادة لغير الله؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ... )

    ثم قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62]، نزلت هذه الجملة من هذه الآية في طغاة مكة الذين كانوا يسخرون من بلال وصهيب وفلان من الفقراء، ويقولون: لو كان الله أحبكم وأنتم مؤمنين فلم لا يغنيكم مثلما أغنانا؟ لم يفقركم؟

    ويقولون: لو كان هذا الدين الذي تدعون إليه فيه خير، وفيه كذا.. لأغناكم!

    أنتم الفقراء ونحن الأغنياء ويعتزون بغناهم. وهذا قد يقوله الملاحدة والعلمانيون اليوم أيضاً، فما هو الجواب؟

    يقول تعالى: اللَّهُ [العنكبوت:62]، لا سواه، الله رب كل شيء ومليكه، الله خالق كل شيء ومليكه، الله ذو الاسم الأعظم يَبْسُطُ الرِّزْقَ [العنكبوت:62] ويوسعه لِمَنْ يَشَاءُ [العنكبوت:62]، من أبيض أو أصفر، من كافر أو مؤمن، من بار أو فاجر؛ لحكم عالية، لأنه المدبر للكون.

    اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ [العنكبوت:62] أي: يوسعه لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62]، ويضيقه على من يشاء من عباده.

    لم؟ للابتلاء والامتحان والاختبار، ليرى من يشكره على إنعامه، ومن يكفره ولا يؤمن بها، فهو يوسع لحكمة ويضيق لحكمة.

    والحكمة: هل يشكر من وسع عليه الرزق أو لا يشكر؟ هل يطغى ويفجر؟

    وهل الذي ضيق عليه يصبر ويفزع إلى الله ويحتسب أو يجزع ويسخط ويقول الباطل والسوء؟

    هذه الآية وحدها كافية في الدلالة على وجود الله وعلمه وقدرته وحكمته!

    ونحن نشاهد الأرض كلها.. هذا غني وهذا فقير، هذا موسع عليه وهذا مضيق عليه، الأبيض كالأصفر، والبعيد كالقريب.

    أليس كذلك؟ بلى.

    من وسع؟ ومن ضيق؟ الله.

    لم يوسع ويضيق؟ لحكم عالية، من أجل أن يرى الصابرين والشاكرين والجازعين والكافرين؛ وليتم الجزاء في الدار الآخرة على هذا العمل في دار الدنيا، فأسقط الله تلك الترهة التي نطقوا بها، وقالوا: نحن كفار أغنياء، وأنتم مؤمنون فلم أنتم فقراء؟

    فالغناء والفقر ليس سببه الإيمان والكفر، وإنما هو الامتحان الإلهي الرباني لعبيده يعطي هذا ويمنع هذا، يوسع على هذا ويضيق على هذا؛ ليرى في ظاهر الحياة من صبر ومن شكر، أو من ضجر وسخط وكفر.

    هذا معنى قوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62]، أي: يضيقه له.

    معنى قوله تعالى: (إن الله بكل شيء عليم)

    ثم ختم هذا بقوله: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62]، لا يخفى عليه في الملكوت الأعلى والأسفل شيء أبداً.

    يعلم الظواهر والبواطن، فهو عليم بمن يستحق المال، وعليم بمن يستحق الفقر!

    عليم بمن يستحق العطاء، وعليم بمن يستحق المنع!

    ولا يفعل ذلك إلا لحكمة؛ لأنه عليم بكل شيء، لا يخفى عن أمره شيء، فلهذا لما يوزع المال أو الصحة أو العافية أو كذا.. فهو توزيع العليم الحكيم

    إذاً: علينا أن نفزع إليه إذا احتجنا إلى دينار أو درهم أو قرص عيش أو كأس ماء، نفزع إلى الله، لعلمنا أنه هو الرزاق، وأنه هو الذي يعطي ويمنع.

    وإذا رأينا الأغنياء والمبذرين كذا.. فنعرف أن الله ابتلاهم وامتحنهم، ابتلاءً لهم وما هو لحبهم أو لكمالهم؛ بل هو الامتحان والابتلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [العنكبوت:63]، أي: سألت كفار قريش ومشركيها: مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا [العنكبوت:63]، اللات؟ العزى؟ عبد القادر الجيلاني ؟ عيسى بن مريم؟ من.. من.. من..؟

    الجواب: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63].

    والملاحدة أو العلمانيون اليوم يقولون: الطبيعة.

    ما هي الطبيعة؟ بماذا عرّفوها؟ الطبيعة ذات عقل؟ ذات سمع؟ ذات بصر؟ ذات إرادة؟ ذات كذا..؟ ما هي؟

    والله ما هو إلا إبليس ألقاها عليهم؛ ليقولوا: الطبيعة؛ حتى يتهربوا من الإيمان وعبادة الله عز وجل، وإلا فالطبيعة من طبعها؟

    إنه الله الخالق عز وجل.

    فالمشركون في الزمان الأول يقولون: الله. والمشركون في الزمان الحاضر يقولون: الطبيعة.

    هذه الفرية من صنعها؟ من قدمها للعالم؟ اليهود، والله لليهود هم الذين أوجدوا البلشفية الحمراء والشيوعية الكافرة، والتي تعيش على مبدأ: (لا إله والحياة مادة) وهو تأليه الطبيعة، ونجحوا في ما فعلوا.

    كانت البشرية قبل مائتين سنة ولا يوجد على الأرض من يقول: الله ليس بخالق ولا رازق، كما هو حال العرب. الله خالق كل شيء.

    إذاً: كيف يسيطرون على العالم؟ هيا نفسد عقيدتهم!

    فوضعوا هذا المبدأ، مبدأ الطبيعة، أو البلشفية والشيوعية: لا إله والحياة مادة.

    من خلق المادة يا عميان؟ الحياة.. المادة من مدها؟ من أعطاكموها؟ من أوجدها؟!

    ونجحوا كما قلنا، ومضت الأعوام، وقد هبطت الشيوعية بتدبير الله عز وجل، وانتهت، لكن أوجدوا بدل الشيوعية: العلمانية، ومع الأسف يوجد في العالم الإسلامي من يقول: العلم، العلم.. العلم فقط لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا.. العلم هو الذي يرفع ويعز ويعطي ويمنع، وهي كذلك من وضع اليهود، استبدلوا البلشفية أو الشيوعية بالعلمانية.

    العلم من علمناه؟ من عرفنا به؟ أليس الله؟ كيف ننكر وجود الله ونقول: هذا الكون كله بالعلم وما هو بتدبير الله عز وجل؟!

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [العنكبوت:63] يا رسولنا. أي: سألت المشركين في مكة مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [العنكبوت:63]، وهو ماء المطر من السحاب، فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا [العنكبوت:63]، بعدما جفت ويبست فأصبحت ذات زروع وأشجار وأهواء.

    من؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63]، والله ما يعرفون إلا كلمة: الله. فلهذا كفار المشركين أفضل مليون مرة من كفار الملاحدة والعلمانيين، بل أشراف الكفار.

    لم؟ لأنهم يؤمنون بالله الخالق الرازق، ولم يقولوا: لا إله والحياة مادة، وهؤلاء آمنوا؛ لأنهم يشاهدون الكون.

    كيف يجحدون ويغطون السماء؟ وهؤلاء يجحدون الكون كله العلم.

    لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63]، الذي ينزل من السماء ماء المطر من السحاب، فيحيي به الأرض بعد موتها، فتصبح ذات أشجار وذات زروع وذات كذا ونباتات. ‏

    معنى قوله تعالى: (قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون)

    قال تعالى هنا لرسوله إذاً: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [العنكبوت:63]، الحمد لله.. اعترف المشركون بالله!

    اعترفوا بأنه الخالق الرازق، المحيي المميت، الحمد لله!

    وهكذا من أنعم الله عليه بنعمة فليحمد الله، الحمد لله.. الحمد لله نجانا الله من البلشفة الشيوعية، وطهر ديارنا وقلوبنا والحمد لله.. الحمد لله.

    أين الشيوعية التي كانت في بلاد العروبة؟ ماذا يقولون؟

    اشتراكية اشتراكيتنا نوالي من يواليها ونعادي من يعاديها، صاحوا ثم كلمة الاشتراكية والله ما هي إلا مصنوعة من البلشفية والشيوعية؛ فقط حتى تقبل، وامتدت أعناق العرب وقبلوها من موريتانيا إلى إندونيسيا إلا من سلم الله عز وجل. الحمد لله.

    قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:63]، والله أكثرهم لا يعقلون، البلاشفة والشيوعيون والعلمانيون والمشركون والضالون والعابدون لغير الله والمتهوكون في الباطل والشر والله ما عقلوا، أكثرهم ما يعقل، لو كان له عقل لعقله دون الباطل، ودون الكفر والشر، لكن ليس عنده عقل.

    تعرفون العقال أو لا؟ عقال البعير يربط به، وعقال العمامة؛ حتى لا يذهب بها الريح، فلو كان له عقل يعقله لا يقول كلمة الباطل، ولا يتقدم إلى السوء والباطل.. يعقله، لكن لا عقول لهم، ليس عندهم بصيرة عقلية أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ...)

    وأخيراً يقول تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [العنكبوت:64]، التي يتبجحون بها، ويطالبون بالمال والثروة، والغنى و.. و.. إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64]، وهو كما أخبر، ما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب.

    تعرفون اللهو؟ الأطفال يلعبون من الصباح ويعودون المساء وما بأيدهم شيء، يا أمي أعطينا نأكل، وكان يجري ويلهث ويلعب ويصيح، وأخيراً: أعطوني، فكذلك أصحاب الدنيا وطلابها والحريصون عليها والمتكالبون عليها يعملون وفي النهاية لا شيء، لهو ولعب، لا يستفيدون منها شيئاً!

    وهكذا يزهدنا الله تعالى في طلب الدنيا.. طلباً غير مؤذون لنا فيه، ولا مشروع لنا العمل به، كأن نطلبها بالكبر والعجب والسخرية والربا والزنا والباطل والمحرمات، والكفر وكذا..

    لا نطلب الدنيا بهذا، وإن طلبناها طلبناها بما أذن لنا فيه!

    افتح دكاناً أو مزرعة، أو سافر في تجارتك لا بأس واتق الله ولا تعصيه!

    أما أن تطلب الدنيا بالطرق الممنوعة والسبل المحرمة، فهذا لا يحل لمؤمن ولا يقدم عليه أبداً، ومصيره والعياذ بالله جهنم.

    وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [العنكبوت:64] القريبة التي نحياها إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64]، ما خرجت عن اللهو اللعب.

    اللهو: ما تلهوا به ويشغلك، واللعب: الذي تلعبه ولا تجد منه شيئاً.

    وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64]، أي: هي الحياة الكاملة.

    والحيوان: نهر في الجنة يسمى: الحيوان.

    والمراد من الحيوان: الحياة التامة الكاملة العظيمة، وأبلغ من كلمة حياة الحيوان، أبلغ وأعظم من كلمة الحياة.

    صلينا اليوم على رجلين! إلى أين ذهبا؟ والله إلى الدار الآخرة، وهكذا يوماً بعد يوم ونحن ننتقل إليها،.

    من ينكرها سوى أعمى لا بصيرة له أبداً؟!

    كيف ينكر الدار الآخرة ويذهب، أمه وأبوه وجده وعمه ذهبوا أمامه، وهو يقول: ما هي الدار الآخرة؟

    أين يذهب بهم؟ والله إلى الدار الآخرة، وإن كانت هذه المسافة البرزخ، ولكن العتبة الأولى في الدار الآخرة هي القبر.

    هكذا يزهدنا تعالى في طلب الدنيا بغير المأذون والمشروع لنا، ويرغبنا في الدار الآخرة ويحثنا على طلبها!

    فيقول: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [العنكبوت:64]، التي تكالبوا عليها وكفروا بسببها وأشركوا من أجلها و.. و.. و.. ما هي إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64]، فقط، تنتهي باللهو واللعب وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ [العنكبوت:64]، الآتية لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] أي: الحياة الكاملة الأبدية لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64]، ما علموا! لكن أهل القرآن والإيمان يعلمون.

    واللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات: من هداية هذه الآيات:

    أولاً: التعجب من تناقض المشركين الذين يؤمنون بربوبية الله ويجحدون ألوهيته ].

    نعم. التعجب من حال المشركين والعياذ بالله!

    يؤمنون بالله الخالق الرازق ويعبدون غيره؟ كيف لا نتعجب؟!

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، كيف لا يعبدونه؟ من خلق السماء؟

    ليقولون الله. كيف لا يعبدونه ويعبدون اللات والعزى والأصنام والأحجار؟

    والعلمانيون يعبدون الشهوات والدنيا وأوساخها.

    [ ثانياً: بيان حقيقة وهي أن الغنى والفقر لا يدلان على رضا الرب ولا على سخطه، وإنما يدلان على علم الله وحكمته وحسن تدبيره ].

    هذه التي ينبغي ألا تنسى أبداً: الغنى والفقر لا يدلان على رضا الله ولا على سخطه، فكم من فقير الله ساخط عليه!

    وكم من غني الله راض عنه!

    كم من غني الله ساخط عنه! وكم من فقير الله راض عنه، وإنما الغنى والفقر هو من باب ماذا؟

    من باب التدبير الإلهية لخلقه، ليرى من يشكر ويرى من يجزع أو لا يصبر، ابتلاء وامتحان كالذي يتم في المدرسة.

    من هو الذي يصبر على الفقر أو يصبر على الغنى؟

    الصبر على الغنى فلا يفسق ولا يفجر ولا يبذر ولا يسرف ولا يأكل أموال الناس!

    صبر على الفقر فلا يشحت ولا يسرق ولا يكذب، ويقول: الحمد لله.. الحمد لله، وبذلك يفوز الغني والفقير. اللهم اجعلنا منهم.

    [ ثالثاً: بيان حقارة الدنيا وتفاهتها وعظمة الآخرة وعلو قيمتها؛ فلذا أحمق الناس وأشدهم سفاهة من يعمى عن الآخرة ويكفر بها ويبصر الدنيا ويؤمن بها ].

    نعم والله ورب الكعبة، أعمى الناس الذين يعرضون عن الآخرة ويقبلون على الدنيا، طول النهار، طول العام وهو يسأل عن الدنيا ويستعد لها ويعمل، ولا يسأل عن الآخرة أبداً، ولا يحاول أن يلتفت إليها، والعياذ بالله.