إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران (29)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الأنبياء هم أفضل خلق الله سبحانه وتعالى وأصدقهم، وما يكون لمن هذا شأنه بعد أن شرفه الله عز وجل بالنبوة والرسالة أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فضلاً عن عبادة غيره، ومثل هذا الأمر من المحال، وما تصوره ولا ادعاه على أنبياء الله إلا اليهود والنصارى، وقد بين الله براءة أنبيائه من ذلك في كتابه العزيز.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة آل عمران

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الأربع تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:81-83].

    معاشر المستمعين والمستمعات! لا بأس أن نذكر أنفسنا بالآيتين اللتين درسناهما البارحة، والآيات صلتها قوية ببعضها البعض.

    قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].

    قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79] لا، فحاشى وكلا، وَلَكِنْ [آل عمران:79] يقول لهم: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79] أي: اعلموا واعملوا وعلّموا، تصبحون ربانيين، كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].

    فهذه بشرى لنا -والحمد لله- أننا ربانيون، فالذين يعلمون كلام الله لعباده ويدّرسونه ويدرسونه هم الربانيون، لكن لا ننسى أنهم يعلمون ويعملون ويعلّمون، ( من علم وعمل بما علم، وعلّمه غيره دعي في السماء عظيماً )، فمن يرغب في أن يكون من الربانيين؛ فليتعلم كتاب الله، وليعمل بما علمه فيه، ولينقله إلى غيره فيعلمه سواه، فهذا هو الرباني، فمثل هذا لا يرضى أن يسجد له الناس أو يركعوا وينحنوا له، أو يحلفون برأسه، أو يستغيثون به.

    فقوله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ [آل عمران:79] أي: الفقه في الدين، وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79] فهيهات هيهات أن يقع هذا.

    فرد الله بهذا على اليهود والنصارى وعلى بدعهم، فقال لهم: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79-80] فحاشى وكلا.

    هذه فزنا بها، هي مع الآتيات من الآيات البينات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين...)

    يقول تعالى مخاطباً رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران:81] أي: اذكر لطائفة اليهود والنصارى الوقت الذي أخذ الله فيه ميثاق النبيين، ما من نبي ينبئه الله ولا رسول يرسله الله إلا يأخذ عليه، وعلى أمته هذا العهد الموثق المضبوط بالالتزامات.

    وهو: إذا بعث الله نبياً أو أرسل رسولاً على ذلك النبي أو الرسول وعلى أمته أن يؤمنوا به ويصدقوه، وتورط اليهود والنصارى، أخذ الله هذا الميثاق على عيسى كما أخذه على موسى، وهم يدعون اتباع موسى وعيسى، وبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فكان الواجب الحتمي أن يؤمنوا به ويصدقوه، فعكسوا فكفروا به وكذبوه، فيا ويلهم من الخلود في العذاب الدائم.

    معنى قوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ...)

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران:81] والميثاق هو: العهد الموثق بالأيمان لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران:81] أي: مهما آتيتكم، وبلغ ذلك ما بلغ في العلم والمعرفة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [آل عمران:81]؛ لأن الرسول إذا كان يكذب ما عند الأنبياء من قبله ما هو برسول، ساحر أو دجال؛ لأن دعوة الله واحدة، فهيهات هيهات أن يأتي رسول ويكذب بما جاء به موسى أو عيسى أو إبراهيم، فهذا كاذب؛ فكل رسول يبعث ويرسل يصدق من كان قبله، ومن عاصرهم ووجدهم آمن بما عندهم ولا يرد شيئاً أو يكذبه.

    إذاً: اذكر يا رسولنا لهؤلاء اليهود والنصارى من نجران وغيرهم إذ أخذ الله ميثاق النبيين، وهم مائة وأربع وعشرين ألف نبي، مهما آتيتكم من كتاب أيها الرسل والأنبياء، وآتيتكم من حكمة وفقه ومعرفة.

    معنى قوله تعالى: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم...)

    قال تعالى: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:81] أي: وتقفون إلى جنبه يبلغ دعوته، فهذا الميثاق أخذه الله على الأنبياء والرسل.

    ثم قوله: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ [آل عمران:81] أي: الاستفهام تقريري، وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران:81] أي: عهدي وميثاقي قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران:81] أي: أقررنا بهذه القضية وسلمنا.

    قال إذاً: اشهدوا أيها الرسل والأنبياء على هذه القضية التي تعلقت بكم، والله معكم من الشاهدين، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]

    كيف يصح إذاً ليهودي أو نصراني يعرف هذا ويكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكذب بما جاء به؟ كيف تبقى له صلة بالدين أو الإسلام أو العبادة؟!

    وهذا الله عز وجل يخبر عن نفسه ويقول لرسوله: اذكر هذا لليهود والنصارى المتبجحين بأنهم على الحق، وأنهم على الدين الصحيح، واذكر لهم هذا الميثاق، وهو قوله تعالى للنبي والرسول: إذا جاء رسول من رسلي أو نبي من أنبيائي، مهما كنت يا نبي، ويا رسول من العلم والمعرفة والكتاب والوحي، يجب أن تصدق بهذا الرسول وتنصره، ولا تقف ضده ولا تخذله؛ لأن دعوة الله واحدة هي: أن يعبد الله وحده عبادة تسعد أهلها في الدنيا والآخرة، وتنجيهم من الشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة.

    فهل يصح لليهود أو النصارى أن يردوا على هذا؟!

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ [آل عمران:81] أي: مهما آتيتكم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران:81] ما تعتزوا بذلك وتقولوا: لسنا في حاجة إلى موسى إن بعث أو محمد، فقال: ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [آل عمران:81]، فإن جاء الرسول يكذب فليس برسول الله، هذا رسول الشيطان؛ لأن الله واحد ودعوته واحدة، والمبلغون عنه أمرهم واحد.

    معنى قوله تعالى: (لتؤمنن به ولتنصرنه...)

    ثم قال تعالى: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران:81] واللام لام التوكيد للقسم، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:81] أي: ليس مجرد إيمان ويتركونه للأعداء، أو يقوم بالدعوة وحده وهم يضحكون، لا بد من الإيمان والنصرة، وأن تقفوا إلى جنبه حتى يبلغ رسالة ربه.

    معنى قوله تعالى: (قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ...)

    وقوله: قَالَ [آل عمران:81] أي: الله عز وجل لأولئك النبيين والرسل: أَأَقْرَرْتُمْ [آل عمران:81]؟ أي: بهذا الذي اعترفتم؟ قالوا: أقررنا وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران:81] وعهدي وميثاقي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران:81].

    إذاً: قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران:81] قالوا: شهدنا، قال: وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)

    فالآن لو يأتينا رسول أو نبي ويصدق ما عندنا، فلا نقف إلى جنبه ولا ننصره؛ لأن الله أغلق هذا الباب، وأعلمنا أنه ختمها بخاتم لا ينفض ولا ينقض، فمهما جاءنا رجل يدعي هذا نرد عليه أنه كذاب ودجال وليس برسول الله، لكن قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت الرسل والأنبياء تتوارد في البلد الواحد عشرات، يجب على كل نبي أن يؤمن بالنبي الذي قبله، أو الذي جاء بعده، وأن ينصره ولا يخذله في دعوته، لكن بعد أن ختم الله الرسالات بخاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فكل من جاء يدعي النبوة وقال: أنا نبي أو رسول فهو ساحر ودجال يستتاب ثلاثة أيام أو يقتل.

    قال تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ [آل عمران:82] أي: أعرض عن هذا العهد ونقضه ونكثه، ولم يؤمن بمن جاء يحمل هداية الله ولم يقف إلى جنبه ناصراً له، هذا هو الفاسق الخارج عن أمر الله وطاعته، فمن تولى بعد ذلك العهد والميثاق الذي أُخذ عليه، والمراد بهم: الرسل وأتباعهم وأممهم فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:82] وإن كان الرسول -والنبي حاشاه أن يفسق-، ولكن من باب هذا الخطاب لأمته، ومن باب الفرض أيضاً ليفهموا لو كان نبياً وفسق عذابه معروف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض...)

    ثم قال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    سبب نزول الآية

    هنا ذكر في سبب هذه الآية: أن كعب بن الأشرف

    اليهودي -عليه لعائن الله- تجادل مع النصارى من نجران أو من غيرهم، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم، في أي الفريقين على ملة إبراهيم النصارى أو اليهود؟ فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن كلا الفريقين ليس على ملة إبراهيم، لا اليهود ولا النصارى، أي: كلا الفريقين بريء من ملة إبراهيم؛ لأن ملة إبراهيم هي التوحيد وهي أن يعبد الله بما شرع وحده، فكل من عبد بغير ما شرع الله فهو من المبطلين، وكل من عبد الله وأضاف إلى عبادة الله عبادة غيره فهو مشرك وليس على ملة إبراهيم، (( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))[النحل:120]. إذاً فلما أعلمهم بالحق والواقع تبرءوا منه وقالوا: لن نؤمن بك. فقال تعالى: (( فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ))[آل عمران:82].

    معنى قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون)

    ثم قال تعالى موبخاً مؤدباً أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83] أي: كيف يطلبون ديناً غير دين الله، ويطلبون عبادة ما شرعها الله يعبدونه بها؟! فأين يذهب بعقولهم؟

    مع أنه أسلم لله من في السماوات ومن في الأرض، فلا يوجد كائن في الملكوت الأعلى أو الأسفل من الإنس والجان، والملائكة، والحيوان، والنباتات، والمخلوقات.. فكلها ذلت وخضعت لأمر الله يحكم بها ما يريد.

    والكافر ما أسلم وما خضع، يحييه الله متى شاء ويميته متى شاء، ويفقره متى شاء ويغنيه متى شاء، ويصححه ويمرضه، فهل يستطيع الكافر أن يخرج عن تدبير الله فيه؟!

    فكل الكائنات خاضعة مسلمة منقادة لله عز وجل، يحكم فيها بما يريد، ويدبرها كما يشاء، كيف يرغبون عن الإيمان بالله وعبادته وحده، وله أسلم من في السماوات والأرض؟

    وإذا قلنا: من في السماوات نذكر ذلك العالم الأقدس الأطهر وهم الملائكة الذين لا يحصي عددهم إلا الله، -وحسبنا- لما في الروضة سمعوا هزة ودوي، وقالوا: ما هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما عليها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد )، ذلك العالم الذي لا يعصي الله عز وجل، ولا يترك ذكره ولا لحظة، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، وعالم الجن خاضع لأمر الله، ينفذه فيك ما شاء، عالم الإنس كذلك، عالم الحيوان.. الكل أسلم، أي: انقاد وخضع لأحكام الله فيه وقضائه عليها.

    فالكافر أوجده الله، ويميته الله، ويعطيه ويمنعه الله ويعزه ويذله الله عز وجل، فما خرج عن تدبير الله وحكمه ولا لحظة.

    معنى قوله تعالى: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً)

    قال تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83] أي: الملائكة والمؤمنون والمؤمنات أسلموا طوعاً، وأذعنوا لله وخضعوا لأمره، والكفار مكرهون على أن ينفذ الله أمره فيهم، هذا يعميه وهذا يبصره، وهذا يعطيه وهذا يمنعه، وهذا يميته وهذا يحييه.

    معنى قوله تعالى: (وإليه يرجعون)

    ثم قال تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] أي: إلى الله المصير، ومن ثم يتم الجزاء، جزاء العدل الإلهي عز وجل، فلو كانوا يرجعون إلى غيره لهان الأمر، يمكنهم أن يعربدوا كما يشاءون ما هم راجعين إليه، اخرجوا عن طاعتي وافسقوا عن أمري؛ لأنكم لا تعودون إلي، ولكن المصير إلى الله عز وجل: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    قال تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] أي: ليس باختيارهم، يرجعون رغم أنوفهم وحسب مراد الله منهم.

    أين يوجد الله الذين يرجعون إليه؟

    قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:67-69] جاء الرب عز وجل. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:69-70].

    وانظر: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71] أي: يساقون كما تساق الإبل والبهائم وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71] أي: زمرة بعد زمرة، وطائفة بعد أخرى حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:71] أي: كانت الأبواب مغلقة؛ حتى لا يخرج لهبها ولا تتلطف ولا تصاب ببرودة.

    حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:71-72].

    فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72] أي: الذين رفضوا أن يسجدوا لله، ورفضوا أن يخضعوا لله، ورفضوا أن يسلموا لله أمره في عباده، فامتنعوا عن طاعته وعبادته.

    وغير الكافرين أين هم؟

    قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] أي: أبواب الجنة الثمانية وهي مفتوحة من قبل، وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73].

    سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [الزمر:73] وطهرتم فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ [الزمر:73-74] أي: أرض الجنة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:74-75].

    فاستقر أهل النعيم في نعيمهم وأهل العذاب في عذابهم، وانتهت الحياة بكاملها، وتمت حياة قائمة دائمة باقية ببقاء الله عز وجل إلى الأبد.

    موكبان أو مواكب صدر حكم الله: أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر:50]، وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71].

    إذاً: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72].

    أهل الجنة: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [الزمر:73] كيف يتقون ربهم؟!

    فهل: كما نتقيه، نجعل بيننا وبين غضبه وقاية ما يغضب علينا، إذا قال: صوموا صمنا، وإذا قال: أفطروا أفطرنا، إذا قال: خذوا أخذنا، وإذا قال: هاتوا أعطينا، بهذا يتقى الله عز وجل.

    ولكن معاشر المستمعين والمستمعات! لا ننسى أنه لا بد من معرفة كيف نتقي الله وبم نتقيه؟

    فهيهات هيهات أن يتقي الله عبد وهو ما عرف ما يحب الله ولا ما يكره، وهيهات هيهات أن تتقي الله امرأة وهي لا تعرف ما يحب الله ولا ما يكره، ولا تعرف كيف تؤدي ذلك المحبوب له، وكيف تقدمه على الصورة التي يحبها وهي التي شرعها، وبينها في كتابه وعلى لسان رسوله.

    فاليهود والنصارى أعرضوا عن دعوة الله، وحملهم على ذلك الكبر -والعياذ بالله- والطمع وأوساخ الدنيا، فضلوا وأضلوا أمماً وأجيالاً تعيش إلى جهنم. فالحمد لله الذي نجانا من هذه الفتنة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال: [معنى الآيات: ما زال السياق] أي سياق الآيات [ في الرد] على من؟ [ على نصارى نجران، فيقول تعالى لرسوله: اذكر لهم -يا نبينا- ما أخذ الله على النبيين وأممهم من ميثاق ] وهذا الميثاق هو [ أنه مهما آتاهم من كتاب وحكمة ثم جاءهم رسول مصدق لما معهم من النور والهدى ليؤمنن به ولينصرنه على أعداءه ومناؤيه من أهل الكفر، وأنه تعالى قررهم فأقروا واعترفوا ثم استشدهم على ذلك فشهدوا وشهد تعالى أيضاً ] سبحان الله! كيف اليهودي أو النصراني يسمع بهذا ويفهم كما فهمنا ويبيت كافراً؟ أمراً عجب [ فقال: وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81] ثم أكد تعالى ذلك مرة أخرى بأن من يعرض عن هذا الميثاق ولم يف به يعتبر فاسقاً ويلقى جزاء الفاسقين ]. فجزاء الفاسقين الهون والدون، والشقاء والبلاء في دار الخلد التي لا تطلب الفناء، أي: عذاب أبدي.

    [ قال تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ [آل عمران:82] -أي: لا غيرهم- الْفَاسِقُونَ [آل عمران:82] ].

    قال: [ وقد نقض هذا الميثاق ] وحلوا ما أبرم فيه [ كل من اليهود والنصارى ]، فاليوم وقبل اليوم نقضوا، [ إذ لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقد أُخذ عليهم الميثاق بالإيمان به، وبنصره، فكفروا به، وخذلوه ] بل وحاربوه [ فكانوا بذلك الفاسقين المستوجبين لعذاب الله تعالى ] في الدنيا والآخرة.

    قال: [ ثم وبخ تعالى أهل الكتاب قائلاً: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83] ] فالهمز هنا للتوبيخ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83] يبغون: أي الإسلام.

    [ أي يطلبون، ولله أسلم، أي: انقاد وخضع من في السموات من الملائكة والأرض من سائر المخلوقات الأرضية طوعاً أو كرهاً، أي: طائعين أو مكرهين وفوق هذا أنكم ترجعون إليه فيحاسبكم، ويجزيكم بأعمالكم.

    هذا ما تضمنته الآية الأخيرة، إذ قال تعالى : أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83]] هذا الاستفهام توبيخ وإنكار عليهم غير دين الله يطلبون.

    وَلَهُ [آل عمران:83] أي: لله أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [آل عمران:83] وأنتم لا تسلمون؟ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    أولاً: بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين، وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً].

    مثلاً: ما كان من هارون مع موسى؟ وهل خذل موسى هارون أو هارون خذل موسى؟ لا والله.

    وما كان من إسماعيل وإسحاق ويعقوب مع بعضهم البعض في عصر واحد، هل كذّب أحدهم الآخر أو خذله أو وقف ضده، أو قال: لا تصدقوا فلان؟ الجواب: لا.

    وداود وسليمان نبيان رسولان فهل خذل أحدهما الآخر أو كذب أحدهما بالآخر؟ الجواب: لا. والله أبداً، بل كانا مسلمين مصدقين لبعضهم البعض.

    وزكريا ويحيى وعيسى مع بعضهم البعض هل كذب أحدهم الآخر؟

    لا. شأنهم شأن العلماء في أمة الإسلام، فهل كذب أبو حنيفة مالكاً وقال: لا تأخذوا برأيه؟ لا والله.

    وهل كذب مالكاً الشافعي ؟ وهل كذب أحمد الشافعي أو مالك ؟

    الجواب: لا؛ لأن أمرهم واحد: الإسلام لله عز وجل، وإلى الآن العلماء بحق، العارفين لا يكذب بعضهم بعضاً ولا يخذل بعضهم بعضاً، والله! ما كان، بل ينصر بعضهم بعضاً ويصدق بعضهم بعضاً، ومن جاء بالتدجيل والباطل والكذب فهو مرفوض ومرمي به بعيداً ولا يقبل، فإذا جاء الآن -كما قلت- من يدعي النبوة يقتل، وقد ادعاه ثلاثون رجلاً فلم تقبل منهم قتلوا.. يستتابوا ثلاثة أيام إما أن يتوب ويرجع ويقول: لست برسول ولا نبي وإلا يقتل.

    آخر واحد منهم جاءنا في البيت في القرن الخامس عشر كنا مع طالب في البيت فقال: أنا نبي الله! فقلت: أنت نبي الله؟! قال: نعم، آمنوا بي.

    قلنا له: كيف؟ اتق الله، قد ختم الله النبوة. فقال: ليس الأمر لكم، أنا على علم، أنا نبأني الله، أنا نبي.. اتبعوني.

    جاء: السلام عليكم. يا عبد الله! وعصاه في يده، هذا الشاب جاء من القصيم.. أو من الجنوب، يدعي أنه نبي، قال: وأنت نبي؟ قال: نعم، وانهال عليه بالعصا، اضرب.. اضرب حتى صرخ، أنا كاذب لست بنبي، هذا في في حارة السحمان.

    وهذا كان قبل ثلاث أو أربع سنين.

    وهكذا ادعى النبوة بعد نبينا ثلاثون رجلاً، الآن واحد وثلاثين، لكن يفضحون منهم من يقتل ومنهم من الضرب فقط يؤدبوه ويسكت.

    لكن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ما ظهر نبي نبأه الله إلا وآمن به من كان قبله، ورحب به وأهل وسهل ووقف إلى جنبه؛ لأنه المبلغ عن الله عز وجل الرسالة، وهي أن يعبد الله بالأمر والنهي؛ من أجل أن يكمل الناس ويسعدوا في الدنيا والآخرة.

    فالعبادات من الوضوء، ومن الطهارة، إلى الجهاد والرباط ما خرجت عن كونه نظاماً إلهياً لإسعاد البشرية وإنجائها، فما من شريعة شرعها الله إلا وهي تؤدي هذا الغرض السامي، أن يسعد الناس ويطهروا ويكملوا في الدنيا ويكملون ويسعدون في الدار الآخرة في جنات النعيم، فهي دعوة واحدة، وملة واحدة، فمن جاء بنبوة قال الأنبياء: مرحباً، إن خالفهم أو عارضهم كذاب، دجال، ساحر.. يضربونه.

    فالآن نحن في المدينة لو يجيء عالم يدعي العلم أو كذا ننظر، إذا خرج عن منهج كتاب الله ورسوله فهو ساحر أو دجال، إن وافق ما في كتاب الله وسنة الرسول قدرناه وأجللناه وكبرناه، ووقفنا إلى جنبه، فهذه هي دعوة الله.

    وصل الله على نبينا محمد وآله وصحبه.