اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة آل عمران (29) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة آل عمران (29) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
إن الأنبياء هم أفضل خلق الله سبحانه وتعالى وأصدقهم، وما يكون لمن هذا شأنه بعد أن شرفه الله عز وجل بالنبوة والرسالة أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه، فضلاً عن عبادة غيره، ومثل هذا الأمر من المحال، وما تصوره ولا ادعاه على أنبياء الله إلا اليهود والنصارى، وقد بين الله براءة أنبيائه من ذلك في كتابه العزيز.
مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة آل عمران
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.وقد انتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الأربع تلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:81-83].معاشر المستمعين والمستمعات! لا بأس أن نذكر أنفسنا بالآيتين اللتين درسناهما البارحة، والآيات صلتها قوية ببعضها البعض. قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].قال تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79] لا، فحاشى وكلا، وَلَكِنْ [آل عمران:79] يقول لهم: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79] أي: اعلموا واعملوا وعلّموا، تصبحون ربانيين، كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79].فهذه بشرى لنا -والحمد لله- أننا ربانيون، فالذين يعلمون كلام الله لعباده ويدّرسونه ويدرسونه هم الربانيون، لكن لا ننسى أنهم يعلمون ويعملون ويعلّمون، ( من علم وعمل بما علم، وعلّمه غيره دعي في السماء عظيماً )، فمن يرغب في أن يكون من الربانيين؛ فليتعلم كتاب الله، وليعمل بما علمه فيه، ولينقله إلى غيره فيعلمه سواه، فهذا هو الرباني، فمثل هذا لا يرضى أن يسجد له الناس أو يركعوا وينحنوا له، أو يحلفون برأسه، أو يستغيثون به. فقوله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ [آل عمران:79] أي: الفقه في الدين، وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران:79] فهيهات هيهات أن يقع هذا.فرد الله بهذا على اليهود والنصارى وعلى بدعهم، فقال لهم: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:79-80] فحاشى وكلا.هذه فزنا بها، هي مع الآتيات من الآيات البينات.
 

تفسير قوله تعالى: (وإذا أخذ الله ميثاق النبيين...)
يقول تعالى مخاطباً رسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران:81] أي: اذكر لطائفة اليهود والنصارى الوقت الذي أخذ الله فيه ميثاق النبيين، ما من نبي ينبئه الله ولا رسول يرسله الله إلا يأخذ عليه، وعلى أمته هذا العهد الموثق المضبوط بالالتزامات.وهو: إذا بعث الله نبياً أو أرسل رسولاً على ذلك النبي أو الرسول وعلى أمته أن يؤمنوا به ويصدقوه، وتورط اليهود والنصارى، أخذ الله هذا الميثاق على عيسى كما أخذه على موسى، وهم يدعون اتباع موسى وعيسى، وبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فكان الواجب الحتمي أن يؤمنوا به ويصدقوه، فعكسوا فكفروا به وكذبوه، فيا ويلهم من الخلود في العذاب الدائم. ‏
 معنى قوله تعالى: (قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ...)
وقوله: قَالَ [آل عمران:81] أي: الله عز وجل لأولئك النبيين والرسل: أَأَقْرَرْتُمْ [آل عمران:81]؟ أي: بهذا الذي اعترفتم؟ قالوا: أقررنا وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران:81] وعهدي وميثاقي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران:81].إذاً: قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران:81] قالوا: شهدنا، قال: وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].
تفسير قوله تعالى: (فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون)
فالآن لو يأتينا رسول أو نبي ويصدق ما عندنا، فلا نقف إلى جنبه ولا ننصره؛ لأن الله أغلق هذا الباب، وأعلمنا أنه ختمها بخاتم لا ينفض ولا ينقض، فمهما جاءنا رجل يدعي هذا نرد عليه أنه كذاب ودجال وليس برسول الله، لكن قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت الرسل والأنبياء تتوارد في البلد الواحد عشرات، يجب على كل نبي أن يؤمن بالنبي الذي قبله، أو الذي جاء بعده، وأن ينصره ولا يخذله في دعوته، لكن بعد أن ختم الله الرسالات بخاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فكل من جاء يدعي النبوة وقال: أنا نبي أو رسول فهو ساحر ودجال يستتاب ثلاثة أيام أو يقتل.قال تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ [آل عمران:82] أي: أعرض عن هذا العهد ونقضه ونكثه، ولم يؤمن بمن جاء يحمل هداية الله ولم يقف إلى جنبه ناصراً له، هذا هو الفاسق الخارج عن أمر الله وطاعته، فمن تولى بعد ذلك العهد والميثاق الذي أُخذ عليه، والمراد بهم: الرسل وأتباعهم وأممهم فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:82] وإن كان الرسول -والنبي حاشاه أن يفسق-، ولكن من باب هذا الخطاب لأمته، ومن باب الفرض أيضاً ليفهموا لو كان نبياً وفسق عذابه معروف.
 معنى قوله تعالى: (قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ...)
وقوله: قَالَ [آل عمران:81] أي: الله عز وجل لأولئك النبيين والرسل: أَأَقْرَرْتُمْ [آل عمران:81]؟ أي: بهذا الذي اعترفتم؟ قالوا: أقررنا وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران:81] وعهدي وميثاقي؟ قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران:81].إذاً: قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران:81] قالوا: شهدنا، قال: وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].
تفسير قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض...)
ثم قال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83]. ‏
 معنى قوله تعالى: (وإليه يرجعون)
ثم قال تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] أي: إلى الله المصير، ومن ثم يتم الجزاء، جزاء العدل الإلهي عز وجل، فلو كانوا يرجعون إلى غيره لهان الأمر، يمكنهم أن يعربدوا كما يشاءون ما هم راجعين إليه، اخرجوا عن طاعتي وافسقوا عن أمري؛ لأنكم لا تعودون إلي، ولكن المصير إلى الله عز وجل: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].قال تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83] أي: ليس باختيارهم، يرجعون رغم أنوفهم وحسب مراد الله منهم.أين يوجد الله الذين يرجعون إليه؟قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:67-69] جاء الرب عز وجل. وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:69-70].وانظر: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71] أي: يساقون كما تساق الإبل والبهائم وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا [الزمر:71] أي: زمرة بعد زمرة، وطائفة بعد أخرى حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:71] أي: كانت الأبواب مغلقة؛ حتى لا يخرج لهبها ولا تتلطف ولا تصاب ببرودة. حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:71-72]. فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72] أي: الذين رفضوا أن يسجدوا لله، ورفضوا أن يخضعوا لله، ورفضوا أن يسلموا لله أمره في عباده، فامتنعوا عن طاعته وعبادته.وغير الكافرين أين هم؟ قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73] أي: أبواب الجنة الثمانية وهي مفتوحة من قبل، وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]. سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [الزمر:73] وطهرتم فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ [الزمر:73-74] أي: أرض الجنة فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:74-75].فاستقر أهل النعيم في نعيمهم وأهل العذاب في عذابهم، وانتهت الحياة بكاملها، وتمت حياة قائمة دائمة باقية ببقاء الله عز وجل إلى الأبد.موكبان أو مواكب صدر حكم الله: أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر:50]، وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر:71].إذاً: ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:72].أهل الجنة: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ [الزمر:73] كيف يتقون ربهم؟! فهل: كما نتقيه، نجعل بيننا وبين غضبه وقاية ما يغضب علينا، إذا قال: صوموا صمنا، وإذا قال: أفطروا أفطرنا، إذا قال: خذوا أخذنا، وإذا قال: هاتوا أعطينا، بهذا يتقى الله عز وجل.ولكن معاشر المستمعين والمستمعات! لا ننسى أنه لا بد من معرفة كيف نتقي الله وبم نتقيه؟فهيهات هيهات أن يتقي الله عبد وهو ما عرف ما يحب الله ولا ما يكره، وهيهات هيهات أن تتقي الله امرأة وهي لا تعرف ما يحب الله ولا ما يكره، ولا تعرف كيف تؤدي ذلك المحبوب له، وكيف تقدمه على الصورة التي يحبها وهي التي شرعها، وبينها في كتابه وعلى لسان رسوله.فاليهود والنصارى أعرضوا عن دعوة الله، وحملهم على ذلك الكبر -والعياذ بالله- والطمع وأوساخ الدنيا، فضلوا وأضلوا أمماً وأجيالاً تعيش إلى جهنم. فالحمد لله الذي نجانا من هذه الفتنة.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
قال: [ هداية الآيات:أولاً: بيان سنة الله تعالى في الأنبياء السابقين، وهي أن يؤمن بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضاً].مثلاً: ما كان من هارون مع موسى؟ وهل خذل موسى هارون أو هارون خذل موسى؟ لا والله.وما كان من إسماعيل وإسحاق ويعقوب مع بعضهم البعض في عصر واحد، هل كذّب أحدهم الآخر أو خذله أو وقف ضده، أو قال: لا تصدقوا فلان؟ الجواب: لا.وداود وسليمان نبيان رسولان فهل خذل أحدهما الآخر أو كذب أحدهما بالآخر؟ الجواب: لا. والله أبداً، بل كانا مسلمين مصدقين لبعضهم البعض.وزكريا ويحيى وعيسى مع بعضهم البعض هل كذب أحدهم الآخر؟ لا. شأنهم شأن العلماء في أمة الإسلام، فهل كذب أبو حنيفة مالكاً وقال: لا تأخذوا برأيه؟ لا والله.وهل كذب مالكاً الشافعي ؟ وهل كذب أحمد الشافعي أو مالك ؟ الجواب: لا؛ لأن أمرهم واحد: الإسلام لله عز وجل، وإلى الآن العلماء بحق، العارفين لا يكذب بعضهم بعضاً ولا يخذل بعضهم بعضاً، والله! ما كان، بل ينصر بعضهم بعضاً ويصدق بعضهم بعضاً، ومن جاء بالتدجيل والباطل والكذب فهو مرفوض ومرمي به بعيداً ولا يقبل، فإذا جاء الآن -كما قلت- من يدعي النبوة يقتل، وقد ادعاه ثلاثون رجلاً فلم تقبل منهم قتلوا.. يستتابوا ثلاثة أيام إما أن يتوب ويرجع ويقول: لست برسول ولا نبي وإلا يقتل.آخر واحد منهم جاءنا في البيت في القرن الخامس عشر كنا مع طالب في البيت فقال: أنا نبي الله! فقلت: أنت نبي الله؟! قال: نعم، آمنوا بي. قلنا له: كيف؟ اتق الله، قد ختم الله النبوة. فقال: ليس الأمر لكم، أنا على علم، أنا نبأني الله، أنا نبي.. اتبعوني.جاء: السلام عليكم. يا عبد الله! وعصاه في يده، هذا الشاب جاء من القصيم.. أو من الجنوب، يدعي أنه نبي، قال: وأنت نبي؟ قال: نعم، وانهال عليه بالعصا، اضرب.. اضرب حتى صرخ، أنا كاذب لست بنبي، هذا في في حارة السحمان.وهذا كان قبل ثلاث أو أربع سنين.وهكذا ادعى النبوة بعد نبينا ثلاثون رجلاً، الآن واحد وثلاثين، لكن يفضحون منهم من يقتل ومنهم من الضرب فقط يؤدبوه ويسكت.لكن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ما ظهر نبي نبأه الله إلا وآمن به من كان قبله، ورحب به وأهل وسهل ووقف إلى جنبه؛ لأنه المبلغ عن الله عز وجل الرسالة، وهي أن يعبد الله بالأمر والنهي؛ من أجل أن يكمل الناس ويسعدوا في الدنيا والآخرة.فالعبادات من الوضوء، ومن الطهارة، إلى الجهاد والرباط ما خرجت عن كونه نظاماً إلهياً لإسعاد البشرية وإنجائها، فما من شريعة شرعها الله إلا وهي تؤدي هذا الغرض السامي، أن يسعد الناس ويطهروا ويكملوا في الدنيا ويكملون ويسعدون في الدار الآخرة في جنات النعيم، فهي دعوة واحدة، وملة واحدة، فمن جاء بنبوة قال الأنبياء: مرحباً، إن خالفهم أو عارضهم كذاب، دجال، ساحر.. يضربونه.فالآن نحن في المدينة لو يجيء عالم يدعي العلم أو كذا ننظر، إذا خرج عن منهج كتاب الله ورسوله فهو ساحر أو دجال، إن وافق ما في كتاب الله وسنة الرسول قدرناه وأجللناه وكبرناه، ووقفنا إلى جنبه، فهذه هي دعوة الله.وصل الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة آل عمران (29) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net