إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 96للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الطلاق منه ما يكون طلاق سنة ومنه ما يكون طلاق بدعة، فطلاق السنة أن يكون في طهر لم يجامعها فيه الزوج، وأن يكون بلفظ واحد، وأما الطلاق البدعي فأن يطلقها ثلاثاً في مجلس واحد، أو في طهر جامعها فيه، ومتى ما وقع الطلاق فإنه يشرع للمرأة أن تعتد في بيتها حتى يراجعها زوجها أو تنقضي عدتها دون مراجعة فيفترقان عندها بإحسان إذا لم يتيسر الإمساك بالمعروف.

    1.   

    تابع مشروعية الطلاق السني وبيان العدة وحكم إخراج المطلقة من البيت

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    ما زلنا مع النداء الثامن والثمانين، وهو كما علمتم: في مشروعية الطلاق السني، وفي بيان العدة، وفي عدم إخراج المطلقة من البيت حتى تنتهي عدتها، اللهم إلا أن تؤذي، وفي مشروعية الإشهاد على الطلاق والرجعة كذلك. وهذه الأحكام جديرة بالفهم والحفظ.

    ولا مانع من أن نعيد تلاوة هذا النداء مرة أخرى. والمطلوب هو أن نحفظ هذه الأحكام ونفهمها، وندعو الناس إلى تطبيقها؛ فهي أحكام ذات أثر كبير في الحياة الاجتماعية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:1-2].

    وقد افتتح هذا النداء بنينا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه القائد العام، ولأن الأمة تابعة له، فيقدم لما له من الصدارة، ولذلك قال تعالى: يا أيها النَّبِيُّ [الطلاق:1]. ونحن أتباع له في هذا، فكأنه قال: يا أيها النبي! ويا أيها الذين آمنوا! فلنقل: لبيك اللهم لبيك!

    كيفية الطلاق السني ومتى يكون

    قال تعالى لنا هنا: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق:1]، أي: إذا عزمتم على طلاقهن فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، أي: لقبل عدتهن.

    وقد عرفنا أن من آدابنا الإسلامية ومن حكم هذه الشريعة المحمدية أن أحدنا لا يطلق في حالة غضب أو لمجرد خلاف أو نزاع بينه وبين أم أولاده، وأن هذا المسلك والله ما جاء به الإسلام.

    وقوله: إِذَا طَلَّقْتُمُ [الطلاق:1] معناه: إذا أردتم الطلاق وعزمتم عليه. وهذا كما قدمنا من أن الرجل إذا رأى المرأة تسيء إليه وتضره وطالت المدة، وهو عبد الله ووليه فإن الله لا يرضى لعبده ووليه الضرر، فإذا لم يجد حلاً لدفع هذا الضرر عن نفسه إلا من طريق فراق هذه المؤمنة، فهنا يأتي باثنين من عدول المؤمنين، ويقول لها: أشهدكما أني طلقت فلانة، فيا فلانة! الزمي بيتك، وابقي مع أولادك أو في منزلك حتى تنتهي عدتك. وهذا لأن ربنا تعالى قال: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق:1]. ثم إذا شاء الله أن يراجعها أثناء العدة راجعها، وإذا أصر على عدم المراجعة؛ لأن الطلاق كان لدفع ضرر، والضرر ما زال كما هو، فإذا انتهت عدتها فيقول لها: اخرجي إلى أهلك. والمؤمنون اليوم لا يفعلون هذا.

    أو يكون الطلاق إذا رأى أن هذه المؤمنة لا تسعد ولا تستريح ما دامت معه، بل إنها في ضرر وفي شقاء، فيرفع الضرر عن هذه المؤمنة؛ لأنه أخته في الله، فيحاول دفع هذا الضرر عنها يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، فإذا لم يستطع أن يرفع الضرر عنها بعد أن حاول، وعجز ولم يجد حيلة أبداً إلا فراقها وطلاقها من أجل أن يرفع الضرر عنها، فيأتي باثنين ويدخلهما إلى الحجرة ثم ينادي من وراء الستار: فلان! وفلان! أشهدكما أني طلقت فلانة، ويقول: يا فلانة! الزمي بيتك، واطعمي واشربي واستريحي حتى تنتهي عدتك، وعند ذلك التحقي بأهلك. ويفعل هذا لأنها أخته في الله، وهو أخوها في الله، فهي أمة الله، وهو عبد الله.

    هذا هو الطلاق الذي جاء به الإسلام، وهو الطلاق السني الذي سنه رسول الله، ومشى عليه وبينه.

    أنواع الطلاق البدعي

    الطلاق البدعي أنواع: منها: أن يطلق المرأة في حيضها أو نفاسها. فلا تطلق امرأتك وهي حائض؛ فإنك تؤذيها، ولا تطلقها وهي نفساء؛ فإنك تؤذيها ببعد مدة العدة، وهي تتأذى بها.

    ومنها: أن يطلقها في طهر جامعها فيه، فإذا كانت حائضاً أو نفساء ثم انقطع الدم وطهرت بعلامة الجفاف أو القصة البيضاء، واغتسلت وصلت وكان قد عزم على طلاقها من قبل سنة أو شهور فيجب ألا يجامعها قبل أن يطلقها، بل إذا طهرت طلقها.

    ثم وهي في عدتها أو في قبل عدتها فإن شاء الله بأن يراجعها إذا تجلى له رفع الضرر فحينئذ يراجعها، والحمد لله. وإن لم يراجعها حتى انتهت عدتها بانت منه وعادت إلى أهلها.

    متى يكون الطلاق مشروعاً

    قال الله في نداءه لنا: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]. و(طَلَّقْتُمُ) هنا بمعنى: عزمتم على الطلاق. وهذا العزم على الطلاق لا يأتي في ساعة الغضب فيقول: إن فعلت فأنت طالق. بل يأتي بعد فترة من الزمن، بعد أن يحاول بكل جهده أن يرفع الضرر عن نفسه حتى لا يطلق امرأته، أو يرفع الضرر عن امرأته حتى لا يطلقها. فإذا لم يجد حلاً إلا الطلاق، فالطلاق قد شرع لرفع الضرر. ولهذا إن لم يكن هناك ضرر وطلق فقد عصى وأثم وأسرف، وكان كالذي يأكل وهو شبعان. وهذا لا ينبغي؛ لأن الطلاق شرعه الله لرفع الضرر عن أحد الزوجين، أو عنهما معاً إذا كان هناك ضرراً على أحدهما، أو عليهما معاً.

    ويؤخذ من قوله تعالى: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1] أنه لن يكون الطلاق في أول العدة إلا إذا كان في طهر لم يمسها فيه، فإذ طهرت فلا يقربها ولا يجامعها، ثم يطلقها. وهنا تقصر أيام العدة والحمد لله، وبدلاً من أن تكون ثلاثة أشهر فقد تكون شهرين.

    الحكمة من إحصاء عدة الطلاق

    قال تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1]. وهذا أمر. أي: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [الطلاق:1] يا عباد الله! والفائدة من إحصاء العدة هو: أنه إذا أراد الزوج أن يراجع يعرف هل انتهت العدة أو لا، وكذلك إذا أراد أن يبعثه بها إلى أهلها يعرف هل انتهت العدة أو لا؛ لأنه لا ينبغي أن يخرجها من بيتها إلا بعد انقضاء عدتها، إلا إذا آذت وتجلى ظلمها كما علمتم. هذا هو سر إحصاء العدة. فلابد أن تسجل يوم الطلاق، وأنه كان في الساعة كذا يوم كذا.

    الحث على تقوى الله عز وجل

    قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطلاق:1]، أي: في أي شيء. فتقوى الله عامة، وهي طاعته في ما أمر به فعلاً، وفيما نهى عنه تركاً. فتقوى الله هي: ألا تعصيه بترك واجب أوجبه عليك أو بفعل حرام حرمه عليك. هذه هي التقوى. وبها يتقى غضب الله وعذابه.

    ومعنى التقوى هنا: أي: اتقوا الله في هذه التعاليم، وهي:

    أولاً: ألا تطلق المرأة إلا لأول عدتها، ولا تطلقها في الحيض ولا في النفاس، ولا في طهر جامعتها فيه.

    ثانياً: أحصي العدة واعرفها باليوم؛ لفائدة الرجعة وعدمها.

    فاتقوا اله في هذين الحكمين، وفي كل حكم من أحاكمه.

    حكم إخراج المطلقة من البيت

    قال تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق:1]. وهذا يجب أن يتقى الله فيه، لا أن تقول: أنت طالق، فاخرجي واذهبي إلى أهلك؛ لأن هذا لا يصح. فلا تخرجها من بيتها، بل اتركها في فراشها وفي طعامها وشرابها وراحتها حتى تنتهي العدة، ثم إن كان بقي لها شيئاً من مهرها فأعطها إياها، وإذا لم يبق منه شيء فأكرمها وأنعم عليها بخمسمائة ريال .. بألف ريال، تتزود بها وتمشي إلى أهلها؛ لقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ [البقرة:236]. فهذه المتعة من سنن الإسلام وشرائع الله.

    ثم قال تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1]. سواء كانت فاحشة قول أو عمل أو سلوك، وكانت ظاهرة ليس فيها خفاء.

    جزاء من تعدى حدود الله تعالى

    قال تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [الطلاق:1]، أي: هذا الطلاق وهذه العدة وهذه التعاليم من الحدود التي حدها الله، فلا يحل تجاوزها. ومن تجاوزها فقد كفر بحكم الله وشرعه وتجاهله والعياذ بالله، وإذا لم يحكم شرع الله وقع من الفساد والشر ما لا يقدر.

    وأنتم تعرفون معنى العلامة الحمراء للسيارات في الشوارع، ولو أن كل أحد تعدى عليها لأكل الناس بعضهم بعض، وحطم بعضهم بعضاً، وهذه من أبسط الأشياء.

    فإذا تحدينا حدود الله وتعديناها ولم نبال بها، وأصبح هذا يطلق كما شاء، وهذا يتزوج كما شاء، وهذا يعطي كما شاء فإنه يعم والله الفوضى والبلاء. ولذلك قال تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1]، أي: عرضها للهلاك وللخزي وللعذاب. وقد عرضها لهذا بتعديه حدود الله، وعدم وقوفه عندها إيماناً واحتساباً، وطاعة لله، فظلم نفسه.

    الحكمة من عدم إخراج المطلقة من البيت

    قال تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1]، أي: لا تدري يا عبد الله! سبب أمر الله لنا بألا نخرج المطلقة من بيتها، وسبب أمره لنا بإحصاء العدة، وسبب أمره لنا بالطلاق الشرعي في حدوده. وهذا السبب: إنك لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1]. فقد يلقي في نفسك الرغبة في عودتها فترجعها، فتجد المكان والمجال واسعين، وهذا بخلاف ما لو تعديت الحدود وطلقتها على غير الشرع، فإنك تفوت هذه الفرصة.

    أنواع العدة

    قال تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ [الطلاق:2]. وهنا سنتكلم ونبين أنواع العدد.

    فالأجل إذا كانت العدة عدة وفاة: أربعة أشهر وعشر ليالٍ.

    وإذا كانت عدة طلاق ننظر، فإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها وتلده، وإن كانت تحيض فعدتها ثلاثة أقراء، أي: أطهار، كما علمتم.

    وإن كانت لا تحيض لكبر سنها أو صغره فعدتها بالضبط ثلاثة أشهر، فإن انتهت الأشهر الثلاثة بانت من زوجها.

    أنواع الطلاق

    الطلاق نوعان، وهم: بائن ورجعي. فالطلاق الرجعي هو هذا الذي علمناه، وهو: أنه إذا أراد أن يرفع الضرر عن هذه المؤمنة؛ لأنها إن بقيت عنده تبقى في أذى طول عمرها، فرحمة بها يعزم على طلاقها، فيأتي بشاهدين عدلين ويقول: أشهدكما أني طلقت فلانة، ويقول: يا فلانة! قد طلقتك، فابقي في بيتك كلي واشربي، وانعمي واستريحي إلى أن تنتهي عدتك، كما قال تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1].

    وأما الطلاق البائن فهو نوعان:

    النوع الأول: أن يطلقها ولا يراجعها حتى تنتهي عدتها، فقد بانت منه فلا تحل له إلا بنكاح وعقد جديد، فيخطبها ويمهرها مهراً ترضى به، ويرضى بذلك وليها، ويتم العقد. هذا نوع من الطلاق البائن.

    والنوع الثاني: هو الطلاق البائن بينونة عظمى وكبرى، وهو أن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، أي: أنه يطلقها ثلاث تطليقات، فتبين منه بينونة كبرى. فلا يحل له زواجها حتى تنكح زوجاً غيره ثم يموت عنها أو يطلقها بدون حيلة.

    حكم المحلل وحكم نكاح المرأة المحللة

    يوجد جماعة يحتالون على الطلاق البائن، وقد لعنهم الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( لعن الله التيس المستعار ). والتيس المستعار هو ذكر العنز، الذي له صولة وجولة.

    وقد شبه به الرجل الذي يأتي بعد أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات وتبين منه فيقول للزوج: أنا أرجعها لك، وذلك بأن أتزوجها، وبعد أسبوع أطلقها بعد أن يدفع له ألف ريال.

    وقد يقول: هذا صديقنا وفي كرب وغير ذلك، فقد بانت منه زوجته، فسأردها عليه، ولا يخبره أبداً، فيخطب المرأة من وليها، ويعطيه مالاً كثيراً؛ حتى يقبل، ثم إذا جامعها أسبوعاً أو أسبوعين يطلقها. فإذا عن سبب فعله هذا قال: حتى أردها لصديقنا، فهو رجل مؤمن وفي كرب. فهذا ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال فيه: ( لعن الله التيس المستعار )، أي: الذي يحلل المطلقة طلاقاً بائناً بنكاح هذه المرأة بحيلة من الحيل.

    ولو تبين أنه احتال لم تحل، ولاسيما إذا تآمر مع المطلق، واتفقا على شيء، فهذه لا تحل أبداً. ولا تحل إلا إذا مات الزوج أو طلقها برضاه بعد عام أو عامين أو ثلاثة، فحينئذ له أن يرجع إليها.

    الحكمة من عدم رجوع الزوجة لزوجها بعد طلاقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره

    عدم رجوع الزوجة لمطلقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره هذا قانون وشرع الله، وقد شرع الله هذا لحكم عالية، وهي: أن هذا الفحل الذي يتلاعب بالفحولة فيتزوج ثم يطلق، ثم يراجع ثم يطلق، ثم يراجع ثم يطلق يستحق أن يكسر أنفه، وأن يهان، وذلك بألا تحل له هذه المرأة التي عبث بها؛ حتى يطأها فحل آخر. وأنتم تعرفون أيها الفحول! أن الفحل يرضى أن يموت ولا يطأ امرأته رجل آخر. ولهذا كسر الله أنفه ليتأدب، وذلك بألا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]. وإذا لم يكن ظنه يقيناً بأنهما سيعودان عودة سليمة، وأنهما سيعودان للمكر والعبث مثل ما كانا فهذا لا يجوز أبداً.

    فلنحمد الله على هذا التشريع الإلهي. ولنأسف ولنحزن على أننا أعرضنا عنه بالجهل، فقد جهلناه ولم نعرفه ولم نطلبه، ولهذا أصبنا بما أصبنا به. فأصبح الطلاق بالثلاث شائعاً، أو: إن فعلت كذا فأنت كذا. وهذا يا عباد الله! لا يصح. فالطلاق شرع لرفع الضرر كبيع البيت، فإن العاقل لا يبيع منزله الذي يسكنه لا لشيء؛ لأن هذا عبث، ولا يبيعه إلا إذا وقع في ديون أو في خصومة أو في بلاء. وكذلك العاقل لا يقدم على طلاق امرأته لا لشيء، ولا يتلفظ بقوله: إن خرجت فأنت طالق، أو إذا تكلمت بالتلفون فأنت طالق، أو بكلام من هذا النوع؛ وهذا لأن الطلاق - كما علمتم، زادنا الله وإياكم علماً- شرعه الله وأذن وسمح به لرفع الضرر، لا للتحدي والمعاكسة والعنترية، بل لرفع الضرر عن أحد الزوجين، بحيث يعرف أنه لو بقي مع هذه المرأة فلن يسعد، بل سيكون دائماً في شقاء وضرر، فهذا لا يرضى الله له الأذى؛ لأن الله لا يرضى لوليه الأذى، فأذن له أن يطلق، فيعطيها حقها ويطلقها، وسيرزقها الله امرأة أخرى يسعد معها.

    وإذا كان الضرر عليها هي وليس عليه، وهو في خير، ولكنها هي التي لم تستطع أن تسعد معه بسبب كذا وكذا، وقد حاول معها ولم يستطع، بل بقيت دائماً في شقاء، فلا يجوز أن يبقي هذه المؤمنة في شقاء، بل يطلقها لوجه الله، ويعطيها حقها، ولا يمتعها.

    أحكام الخلع

    بين الرحمن عز وجل مسألة الخلع في سورة البقرة.

    والخلع: من خلع الشيء يخلعه إذا فصله عنه.

    والزوجان يلتحمان كالجسم الواحد، ويكادان يكونان جسماً واحداً، كما قال تعالى: لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف:189]. وقال: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21].

    والمخالعة تكون إذ لم ترغب المرأة في هذا الزوج، كأن تكون لم تسعد معه، وقد بقيت معه العام الأول والثاني والثالث، ولكنها لم تطق الجلوس معه، ولم تشكو أخلاقه ولا معاملته، وإنما لم تسعد معه، وهو مؤمن.

    ففي هذه الحالة إذا أرادت أن تخرج من بيته فتخلع نفسها بمقابل، كأن تقول له: خذ هذا المال تزوج به، والله يغنيك عني وطلقني.

    ويجوز أن تعطيه أكثر من المهر، فإذا أمهرها خمسة آلاف ريال يمكن أن تقول له: خذ خمسين ألف ريال واعف عني وطلقني.

    وهذا الخلع أذن الله فيه عز وجل لرفع الضرر، فقد قال تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] نفسها. وهذا هو الخلع.

    ولا يحل للفحل أن يلدغ هذه المؤمنة، وتلسعها في الخفاء، ويتعرض لها بالأذى حتى تصرح، وتقول: طلقني وخذ مليوناً. بل هذا يفعله بعض الناقصين الهابطين الذين ليس لهم مروءة ولا دين، فأحدهم يتعمد أذى الزوجة ولدغها ولسعها يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام؛ من أجل أن تصرخ وتقول له: خذ وطلق. وهذا لا يحل أبداً، بل هذا جريمة من أكبر الجرائم.

    والخلع فقط يكون إذا لم تسعد المرأة، وانصرف قلبها عن هذا الرجل، ولم تجد معه لذة الزواج، ولم تطق البقاء في هذه الأسرة، فإذا حصل هذا، ولم يظلمها زوجها ولا آذاها، - ولكن القلوب يقلبها الله كيف يشاء- فلا مانع أن تفدي نفسها، فتعطي للزوج مثل ما أنفق عليها أو أكثر. ولا يجوز أن يؤذيها لهذا الغرض، كما لا يجوز أيضاً أن يحملها على ما لا تطيق، كأن يقول لها: إذا أردت الطلاق فأعطني مليوناً؛ حتى لا تجد هذا المبلغ.

    والشاهد عندنا في هذا: الرجل الذي أمهر زوجته حديقة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتردين عليه حديقة؟ قالت: نعم ). وكذلك لو أنه أمهرها عمارة وطالب بردها فلا بأس، ولكن لا يطالبها بشيء لا تطيقه؛ نكاية بها، أو تعجيزاً لها؛ لأن هذا ليس من شأن المؤمن، بل على المؤمن إذا عرف أن هذه المؤمنة لم تسعد معه، ولم يحصل لها خير معه، وأنها تريد أن تفارقه؛ لتدفع الضرر عن نفسه، وليس لشيء آخر، وأنه لم يظلمها ولم يؤذها، وكان في حاجة إلى نفقة يتزوج بها فلا مانع أن يأخذ ما أمهرها، وقد أذن الله في هذا، فإن خافا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [البقرة:229].

    إمساك الزوجة أو مفارقتها بالمعروف

    قال تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ [الطلاق:2]. وهذا الأجل الذي تبلغه المرأة هو نهاية العدة التي نحصيها يومياً. فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ [الطلاق:2] بالمراجعة بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2].

    وقد قلت: إن بعض السفلة في الجاهلية كان أحدهم يمسكها حتى تكاد تنتهي العدة ويراجعها؛ ليواصل أذاها والضغط عليها وتعذيبها. وهذا نهي عن هذا، فإذا أردت أن تمسكها فامسكها بمعروف، وليس بالمنكر، أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2] إذا فارقها أيضاً، ولا يجري وراءها بالسب والشتم، وأنها فعلت وفعلت، وينكل بها؛ حتى ينفر الناس منها، ومن الزواج بها، فهذا حرام، بل إما إمساك بمعروف أو تسريح بمعروف. وهذا قانون السماء، وهو شريعة الله التي كفرت بها البشرية وهجرتها، فعاشت في الفساد والشر والبلاء، وجلسوا يغنون، ولم يدروا أنهم في بلاء، واليهود في هذا كالنصارى وكالمشركين، فكلهم بشر، وكلهم بنو آدم، ونساؤهم بنات حواء. فإعراضهم عن الإسلام وعن هذه التشريعات والأحكام الإلهية وخروجهم عنها والله إنه الشقاء، وليس سعادة أبداً، بل إنهم والله لفي شقاء، ولن يسعدوا ويكملوا إلا إذا دخلوا في رحمة الله، وطبقوا الإسلام وعاشوا عليه.

    والمسلمون المعرضون شأنهم في هذا شأن غيرهم أيضاً.

    وأيما عبد قبل هداية الله ودخل فيها سعد وكمل، وأيما عبد أعرض عنها وتنكر لها وعاش بدونها فوالله لن يسعد، ولن يكمل، ولن يفارق البلاء، وإن تظاهر بأنه سعيد، يغني ويرقص فوالله إنه لفي جحيم.

    حكم الإشهاد في النكاح والطلاق والرجعة

    قال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]. والإشهاد في النكاح ركن واجب، والنكاح باطل بدونه، ولكنه في الإرجاع سنة، ولو تركه في الطلاق يمضي الطلاق بدون حاجة إليه، ولكن السنة أن يشهد اثنين.

    ومن فوائد الإشهاد: أنه قد ينسى أنه طلق مرتين، ثم يطق مرة ثالثة، فيقول له الشاهد: لقد طلقت ثلاثاً، فأنا شهدت على الثانية. فلابد من الإشهاد.

    أداء الشهادة لله

    قال تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] يا عباد الله! فاشهد لله، وليس للعصبية ولا للقبلية ولا لفلان وفلان، بل لتكن شهادتك لله. ولهذا كانت شهادة الزور من أكبر الذنوب، وقد ضربت لها أمثالاً غير ما مرة، ومن هذه الأمثلة: مثال عامي بسيط، وهو: إذا أتاك شخص بشيك مزور بخمسين ألف ريال، وختم عليه بختم وإمضاء وزير الداخلية أو إمضاء وزير المالية فإنه يستحق على جريمته عند الأمة والشعب والحكومة أن يسجن إلى الأبد، ويكون عندهم أكبر مجرم.

    والذي يشهد شهادة وينتقل الحق من فلان إلى فلان هو نائب عن الله، ويوقع باسم الله. وإذا كان لا الإمضاء باسم وزير أو رئيس أو ملك أو حاكم لا يطاق فالذي يشهد شهادة زور نيابة عن الله، ويعطي الحق لغير أهله بشهادته نيابة عن الله فجرمه أشنع وأشد. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يربي أصحابه: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر! ألا أنبئكم بأكبر الكبائر! قالوا: بلى يا رسول الله! )، أي: نبئنا. ( قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور! ألا وشهادة الزور! حتى قلنا: ليته سكت ) . وهذا لتعرفوا قبح شهادة الزور؛ لأن الذي يشهد شهادة الزور يشهد نيابة عن الله، فينتقل الحق بشهادته إلى فلان.

    وشهادة اثنين يقتل بهم القاتل، ويرجع بها المال لصاحبه، وتنتقل العمارة بكاملها. فقيمة شهادة اثنين أن الله تعالى أنابهما عنه، ولهذا أعطي الحق بها.

    ومن مظاهر الهبوط - كما بلغنا- أنه يوجد صعاليك حول المحاكم إذا رءوا شخصاً يبحث عن شاهد، يشهدون له ولو بأربعة ريال. فقد هبطنا بعد أن كنا في علياء الكمال والسماء، ولما نزلنا إلى الأرض كالحيات أصبحنا نبيع شهادة الزور، وأما إذا كانت الشهادة بين القبيلة والقبيلة فإنهم يأتون بأربعة شهود أو عشرة يشهدون على أن فلاناً من قبيلة أخرى.

    سبب هبوط الأمة وبيان ما يرفعها

    علة هذه الظواهر الهابطة وتفسيرها يا علماء القرآن! ويا علماء النفس! أن كل هذا بسبب الجهل بالله. فهم لم يعرفوا الله حتى يحبوه ويخافوه ويطيعوه، ولم يعملهم أحد، وهم لم يسألوا، ولذلك لم يعرفوا.

    والظلم والخبث والشر والفساد هي من ثمار الجهل. والدليل على هذا: قول تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] المتضلعون من العلم، المتوغلون في المعرفة. والمقصود بالعلم هنا: العلم بالله، وبما عند الله وما لديه، وليس علم الفلسفة والسفسطة، ولا علم القانون الهوائي، ولا السحر ولا التدجيل، بل المقصود به: العلم بالله، وهذا العلم يثمر للعالم شيئين: حب الله، فيؤثر حب الله على حب نفسه وماله، وأهله والناس أجمعين، ويوجد له خشية الله، فيرضى أن يقتل أو يحرق أو يصلب ولا يعصي الله علناً بكبيرة من كبائر الذنوب.

    قال تعالى: ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ [الطلاق:2]، أي: يؤمر به وينهى عنه مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]. فهذه الأحكام الشرعية لا ينهض بها ويطبقها ويلتزم بها إلا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وأما من كان لا يؤمن بالله ولا بلقائه فوالله أنه ليس أهلاً لأن يطبق مسألة من هذه المسائل؛ لأنه في عداد الأموات، ولهذا وجهها الله لـ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [الطلاق:2]. ولهذا علينا أن نعلم البشرية كيف تؤمن بربها ولقائه، ونعلم إخواننا في قرانا ومدننا، ولا نتركهم جهلة ثم نستنكر أن يسرقوا ويفجروا، وأن يحكموا بالباطل والقوانين، فهم لم يعرفوا الله حتى يحبوه أو يخافوه.

    خلاصة ما تضمنه هذا النداء من أحكام

    قال: [ هذا واعلم أن هناك خلاصة لما تقدم، فخذها ] أي: خذ هذه الخلاصة [ بعناية، هي:

    أولاً: أن السنة في الطلاق: أن يكون في طهر لم يمسها فيه، وأن يكون بلفظ واحد، لا بالثلاث ] بل قوله: أنت طالق بالثلاث بدعة منكرة، والله لم يشرع الطلاق بكلمة واحدة؛ لعلمه وحكمته، بل شرع الله له أن يطلقها ويبقى مدة ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ويبقى معها أشهراً أو أعواماً، ثم يطلقها، ولم يشرع له أن يقول: أنت طالق بالثلاث مرة واحدة. وقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا غضباً شديداً.

    وقد مضى الطلاق ثلاثاً واحدة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ولما تولى عمر رضي الله عنه ورأى العبث اجتهد وقال: سنطبق عليهم كلامهم حتى نردعهم، فجعل الطلاق بالثلاث في كلمة واحدة بائناً. وظن أنه يستطيع أن يقطع به الطريق، وإذا بنا نحن نعبث عبثاً آخر، ولا نعد الطلاق بالثلاث ثلاث أبداً؛ لأننا نعبث ونقول: أنت طالق بالثلاث. وليس هذا هو دين الله. والجمهور يقولون إذا قال: بالثلاث فهي ثلاثاً.

    [ ثانياً: أن العدد أربع، عدة من تحيض، فهي ثلاثة قروء، أي: حيضات ] أو أطهار [ وعدة من لا تحيض لكبر أو صغر، وهي ثلاث أشهر، وعدة الحامل، وهي وضع حملها ولو يوماً وليلة ] ولو ساعة [ وعدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشراً ] أي: عشرة أيام.

    وأما عدة الحمل مع الوفاة فأكثر أهل العلم على أنها تعتد بأطول الأجلين، فإذا كان عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام وكان باقياً لها على وضع الحمل ستة أشهر فتعتد بوضع الحمل، وإذا كان باقياً لها شهر حتى تلد ومات زوجها فإنها تعتد عدة الوفاة؛ لأنه أطول الأجلين، وهذا أفضل؛ لأنها مشتركة في أمرين، عدة الوفاة وعدة الحمل.

    والعدد أربع: عدة من تحيض ثلاثة قروء، أي: أطهار أو حيض، وعدة من لا تحيض؛ لأنها كبيرة بنت ستين أو سبعين سنة، فقد انقطع الدم عنها، أو لأنها طفلة في العاشرة أو التاسعة، فهذه عدتها ثلاثة أشهر، وعدة الحامل أن تضع حملها، ولو وضعته بعد أربع وعشرين ساعة فقد انتهت عدتها، ولها أن تتزوج من غد، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر، ولكن إن كانت متوفى عنها وحبلى فأهل العلم يقولون: الأولى أن تعتد بأطول الأجلين؛ لأنها لما تعتد بأطول تؤانس أهل الميت، وتشاركهم في مصيبتهم، لا أن يموت أخوهم أو أبوهم وتتزوج هي من الغد، فهذه لا تطاق. بل لابد وأن تصبر معهم؛ حتى يذهب دموعهم وحزنهم. وهذا هو الأفضل، وإن فعلت بالرأي الآخر فلا شيء عليها.

    ولو قلنا: تعتد بالوضع مباشرة فقد يتوفى الزوج اليوم وتلد الزوجة غداً أو بعده وبذلك تنتهي عدتها، ويمكن أن تخطب وتزوج، ولذلك فمن الخير أن تعتد بأطول الأجلين، وهذا رحمة بالمؤمنين.

    والحامل إذا وضعت حملها انتهت عدتها، ولو وضعته بعد أسبوع، أو بعد أربع وعشرين ساعة.

    [ ثالثاً: الطلاق في الحيض وفي طهر جامعها فيه طلاق بدعي ] وليس سنياً، و[ كثير من أهل العلم لا يعدونه طلاقاً ] ومنهم سماحة مفتينا رحمه الله تعالى الشيخ عبد العزيز ، ونحن نظراً لهبوط الأمة مشينا على هذا؛ لأننا لا نطلق الطلاق الشرعي، ونطلق على أقل شيء تفعله المرأة؛ لأننا ما زلنا هابطين. والجمهور يعدونه طلاقاً.

    [ رابعاً: الطلاق قبل الدخول إذا عقد عليها ثم قبل أن يبني بها طلقها [ لا عدة فيه على المطلقة، وقد مضى هذا ] وتقدم [ في نداء ] خاص [ من نداءات سورة الأحزاب، فارجع إليه ] فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49]. فارجع إليه.

    [ اللهم علمنا ما جهلنا، وانفعنا بما تعلمنا، ولك الحمد والشكر.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.