إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 84للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله للمؤمن إذا كان بين ظهراني الكافرين أن يهاجر، والمرأة في هذا الأمر كالرجل، ولا يجوز إرجاع المؤمنة إلى زوجها الكافر، ولا حتى في ظل معاهدات الهدنة، وإنما يعاد إليه ما أنفق عليها من مهر، أما المرأة المرتدة عن الإسلام والمقيمة بين ظهراني الكفار فلزوجها المسلم أن يأخذ منها ما أنفق عليها.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    معاشر المستمعين والمستمعات! درسناه بالأمس النداء التاسع والسبعين، ونعيد تلاوة ذلك النداء؛ رجاء أن نذكر ما قد علمنا ونسينا منه:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:1-2].

    وخلاصة هذا النداء في النقاط الخمس التالية:

    أولاً: حرمة موالاة الكافرين، فقد دل هذا النداء على أن موالاة الكافرين - بمعنى: حبهم ونصرتهم- محرمة، إذ قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:144]. وقال في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]. والولي هو الذي تحبه وتنصره، والعدو هو الذي تبغضه وتكرهه وتخذله. فهذا النداء دل على حرمة موالاة الكافرين، وذلك بنصرتهم وتأييدهم وموالاتهم دون المسلمين، بل المسلمين يوالي بعضهم بعضاً، ويعادون أعداءهم من الكافرين.

    ثانياً: عظم جرم الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى أعدائهم الكافرين من يهود أو نصارى أو مشركين وغيرهم، فلا يحل لمؤمن أن ينقل سر جيوش المسلمين إلى أعدائهم الكافرين.

    ثالثاً: بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين، إذ قال تعالى: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ [الممتحنة:2]، أي: يتمكنوا منكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [الممتحنة:2] بالضرب، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة:2] وبالسب والشتم. والذي أخبر بهذا خالق القلوب والعقول، وغارز الغرائز وطابع النفوس، فهو الذي قال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة:2].

    رابعاً: بيان فضل أهل بدر رضوان الله عليهم، وأنهم من أفضل المؤمنين؛ لأن حاطب بن أبي بلتعة الصحابي الجليل هو الذي تورط في هذه المحنة، وكانت نفسه طاهرة، وقلبه زكياً، وإنما ضعفه البشري حمله على أن يطلع المشركين على خروج الرسول صلى الله عليه وسلم لقتالهم في مكة. وقد اعتذر، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عذره، وقال عمر رضي الله عنه قال: دعني يا رسول الله! أضرب عنقه، فقال الرسول: ( لا، وما يدريك يا عمر

    ! أن الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم! ).

    وهكذا ينبغي أن تقبل أعذار الصادقين منا، فقد يتأول أحدنا شيئاً، ويرى أنه الحق والخير، فيقع في خطأ، فلا يحملنا ذلك الخطأ على أن نمسح الكمالات التي له وفيه بيننا من أجل خطأ ارتكبه، والله عفو كريم، ويحب العفو.

    فهذا فيه بيان فضل أهل بدر رضوان الله تعالى عليهم.

    خامساً: مشروعية قبول عذر الصادقين الصالحين إذا عثر أحدهم اجتهاداً منه فأخطأ، إذ حاطب بن أبي بلتعة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المهاجرين من إخوانه لهم أقرباء في مكة يدفعون عن أقربائهم ويحمونهم، وهو ليس عنده أحد؛ لأنه ليس بقرشي، بل هو مولى من أحلافهم فقط، فأراد أن يتخذ هذه اليد عند قريش حتى تحمي أقرباءه من أم أو زوج أو ولد في مكة، ثم الذي حمله على هذا يقينه أن المشركين لن يستطيعوا أبداً أن يهزموا رسول الله، وأن الله ناصره عليهم، فهو موقن أن النصر لرسول الله والمهاجرين والمجاهدين. فاعتذر وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عذره؛ لأنه والله والذي لا إله غيره لا يرضى أن يمس رسول الله بأدنى مساس، ولا يرضى أن ينهزم رسول الله والمؤمنون، فضلاً عن أن يقتل أو يصلب أو يحرق. بل كان موقناً بأن نصر الله لأوليائه، ولكن لضعفه البشري رأى أن يتخذ له يداً عند المشركين إذا حصل قتال؛ حتى يحمون أو يدفعون عن أسرته المنقطع عنهم.

    وقوله تعالى في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1] هذا لكل المسلمين إلى يوم القيامة، فإذا كنت ولي الله وهذا عدو الله فلا توالي عدو الله، وإلا كنت ضد الله، وليست وليه، وأنت وليك من يحبك وينصرك. فلا يحب الله فلاناً وتكرهه أنت، وإلا لم تكن ولياً لله، ولا يكره الله فلاناً وتحبه، وإلا لم تكن ولياً لله كذلك؛ إذ الموالاة معناها: المحبة والنصرة. وليت السامعين يعون هذه، فهم يتحدثون عن الولاء والبراء ولا يفهمون له معنى.

    ونحن نسمع الله تعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]. وهذا خبر بمعنى: الإنشاء، أي: المؤمنون والمؤمنات يجب أن يجب بعضهم بعضاً، وأن ينصر بعضهم بعضاً، ويحرم بغض بعضهم لبعض، وخذلان بعضهم لبعض، بل وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

    ونقل أخبار المؤمنين إلى الكافرين هو ما يعرف بالجاسوسية وبالعيون، وهذا لا يمكن لمؤمن أن يقدم عليه.

    وإذا كنا نحن نتهيأ لأن نغزو أو لأن نجاهد العدو لم يسغ لأحدنا أن ينقل أخبار جيشنا وتنقلاتنا واستعداداتنا، فهذا لا يجوز.

    ثم قال تعالى: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1]. وهم قد أخرجوا الرسول من مكة، وأخرجوا ألوف المهاجرين؛ من أجل أنهم آمنوا بالله ربهم، كما قال تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1].

    1.   

    بيان حكم المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان وكيفية معاملتهن مع أزواجهن

    هذا هو [ النداء الثمانين ] وهو من سورة الممتحنة أيضاً، ونص هذا النداء طويل، ومضمونه [ في بيان حكم المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، وكيفية معاملتهن مع أزواجهن ] فلو جاءتنا الآن مؤمنة من بريطانيا هاربة، بعد أن أسلمت وزوجها كافر، وهربت منه إلى بلاد المسلمين فهذا النداء يبين كيف نعاملها، فيجب أن نتعلم كيف نعامل المهاجرات اللائي هربن من دار الكفر إلى دار الإيمان.

    وفيه أيضاً: بيان كيفية معاملتهن مع أزواجهن، فإذا كان زوجها كافراً في بريطانيا، وهاجرت هي إلى المدينة بعد أن آمنت، فقد بين هذا النداء كيف نعامل زوجها والحمد لله!

    ولنستمع إلى النداء ونتغنى به بعض الوقت.

    [ الآيتان (10 ، 11) من سورة الممتحنة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [الممتحنة:10-11] ] هذه قوانين السماء، وهذه شرائع الرحمن الرحيم.

    معنى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [الممتحنة:10] أي: من بلاد الكفر إلى بلادكم أيها المؤمنون! فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: اختبروهن. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة:10]، أي: بعد الامتحان. فإذا علمنا بعد الامتحان أن فلانة هاجرت من بلجيكا وفرنسا إلى بلاد الإيمان بعد أن آمنت، وحلفت بالله الذي لا إله غيره أنها ما هاجرت من بلادها وجاءت إلينا إلا لإيمانها بالله ورسوله فقط، وأنها لم تجئ لعشقها فلاناً ورغبتها في تزوجه، ولا خوفاً من فلان وفلان أن يضربوها، وإنما جاءت فقط إيماناً بالله ولقائه، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10]. ولو أتت جيوش أمريكا كاملة تطالب بهذه المرأة التي أسلمت فلا نسلمها، كما قال تعالى: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]. ولو كانت كافرة وزوجها كافراً فهما متلائمان، ولكن لو أسلمت فقد انقطعت عصمة النكاح، فلا تحل مؤمنة لكافر أبداً، ولا يحل كافر لمؤمنة. وهذا حكم الله، فتأملوا، فقد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: اختبروهن هل حقاً هن مؤمنات أم جئن لغرض آخر؟ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: تردوهن أبداً إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآَتُوهُم مَّا أَنْفَقُواْ [الممتحنة:10]. فإذا جاء زوجها البريطاني وقال: أنا تزوجتها بألف جنيه فنعطيه ماله، أو قال: أنفقت عليها خمسة آلاف جنيه استرليني، فيرد له المال، وتدفعه الدولة أو المسلمين، وتبقى المؤمنة بيننا. وهذا هو التضامن والتكافل، وهذه عدالة الله، فقد قال: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]. فإذا كان قد أنفق على هذه الزوجة عشرة آلاف أو عشرين ألفاً ثم أسلمت وخرجت من عصمته والتحقت بدار المؤمنين فلا يحرم هذا الكافر أبداً من نفقاته، بل ردوا عليه ما أنفق. ولا تقوى البشرية إلى أن تصل إلى هذا المستوى من العدالة.

    ثم قال تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10]. فإذا امتحنا هذه البريطانية التي هاجرت ووجدناها مؤمنة، وجاء زوجها يشتكي ويطلب ما أنفق عليها فيجب أن نعطيه، ثم بعد ذلك يجوز نكاحها، ولا تبقى هكذا صعلوكة بيننا، كما قال تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10]. وهو المهر، فهو واجب، فتزوجها إن آتيتها مهرها؛ لقوله تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [الممتحنة:10]، أي: تتزوجوهن.

    ولا يتزوجها من أول يوم تأتي فيه، وليس عليها عدة، ولكن تنتظر وتستبرئ بحيضة واحدة؛ لنعلم هل في بطنها جنين من ذلك الكافر أو لا، فإذا حاضت وطهرت فتزوجها يا عبد الله! ولا حرج، وإن تبين أن في رحمها جنيناً فحينئذ لا بد وأن ننتظر حتى تلد، ولا نسقي بمائنا زرع غيرنا كما قال أستاذ الحكمة صلى الله عليه وسلم، وعندما تلد فحينئذ نتزوجها، ويكون الولد تابعاً لأمه فقط وليس لأبيه، ويتربى في حجر أمه وزوج أمه؛ حتى ينشأ عبداً صالحاً يعبد الله، ويتهيأ لدخول الجنة.

    وسبحان الله! فهذه نعم الله وشرائعه التي جهلها المسلمون، ولم يعرفوها، وابتعدوا عنها. وأيما مؤمنة تعرف العربية وتجلس في درس كهذا فإنها تصبح عليمة بهذه الأحكام التي يعجز عنها البشر.

    فإذا نحن أعطينا زوج المرأة التي أسلمت وبقي هو كافر عشرة آلاف جنيه الآن فنعطيها مهرها ونتزوجها، ولا نقول: لقد أعطينا زوجها، ولذلك لن نعطيها هي أيضاً، فهذا كلام السوقة والعفاريت، وليس كلام أولياء الله؛ لأننا أعطينا زوجها إنقاذاً لها؛ لندفع زوجها عنها، وهي الآن مؤمنة حرة بيننا، فمن أراد أن يتزوجها فلا بد وأن يؤتيها مهرها.

    ثم قال: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]. والكوافر جمع كافرة، فإذا أسلم الرجل مثلاً وجاء المدينة وامرأته كافرة في بريطانيا فإنها لا تبقى امرأته، بل تنفصم العصمة بينهما. فلو دخل هو في الإسلام وبقيت هي كافرة على كفرها فإنها لا تحل له، كما قال تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10].

    ثم قال تعالى: وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ [الممتحنة:10]. وسبحان الله! فإذا أسلم فلان وجاء مهاجراً من بريطانيا، وبقيت زوجته كافرة فإنها لا تبقى زوجة له، وعليه أن يقول لأهلها: ردوا علينا ما أنفقنا؛ لأن ابنتكم أبت أن تسلم؛ وهذا لقوله تعالى: وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ [الممتحنة:10].كما يعطى هو عندما يطالب بالنفقة إذا أسلمت هي، وبقي هو على كفره. وكل هذا ليبقى الإيمان والإسلام في مرتبتهما الطاهرة السامية.

    ثم قال تعالى: وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ [الممتحنة:10]. فهذا ليس حكم الشيخ ولا الملك، ولا السلطان ولا الوزير، بل هذا حكم الله. يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:10]. فاقبلوا وأذعنوا له واستسلموا.

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10]. ولو كان جاهلاً لم نقبل حكمه، ولو كان يتخبط وليس عنده حكمة لم نرضى بحكمه، ولكن الذي حكم بهذا عليم حكيم، فلا نرد حكمه، بل نرد حكم المخلوق؛ لأنه قد يكون جاهلاً، أو قد يكون أحمقاً، أو لا حكمة له في تصرفاته. ولكن إذا صدر الحكم من العليم الحكيم فلا يرد حكمه؛ لأنه عليم حكيم. والله يقول: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:10]، أي: بين المؤمنين. فكونوا مع المؤمنين، وليس مع الكافرين.

    وقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ الممتحنة:10 ]: أي فلا يرد حكمه إذاً، ولا يطعن فيه ولا ينتقد، بل يجب التسليم له؛ لأنه لم يصدر عن جاهل أو عن حيران أو عن أحمق، وإنما صدر عن عليم حكيم، فتطمئن النفوس تماماً وتطيب.

    معنى قوله تعالى: (وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ...)

    قال تعالى: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:11]. فإذا كانت زوجاتنا عند الكفار ولم يسمحوا لهن بالهجرة ولم نستطع إخراجهن من بينهم، أو إذا رضيت زوجاتنا بالكفر وطالبناهم بأن يردوا علينا ما أنفقنا، فقالوا: لا نعترف لكم بشيء فهنا نغزوهم، فإذا نحن غزوناهم ونصرنا الله عليهم وغنمنا الغنائم فقبل أن نقسم الغنائم نعطي لأهل الزوجات ما أنفقوا على زوجاتهم أولاً. ولا إله إلا الله! فلو أن الكفار منعونا وأبوا أن يعطونا ما أنفقنا على أزواجنا اللائي بقين عندهم فقد ظلموا وتجبروا، فنغزوهم بسم الله، فإذا غزوناهم وانتصرنا وجئنا بالغنائم فأولاً: نعطي إخواننا الذين زوجاتهم هناك إذا كانوا قد أنفقوا عليهن ولم يرد عليهم شيء، فنعطيهم من هذه الغنيمة أولاً، ثم نقسم الغنيمة بعد ذلك. والذي علمنا هذا هو الله، واسمع الله يقول: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:11]. فإذا أنفقوا ألفاً فأعطوهم ألفاً، وإذا أنفقوا مائة فأعطوهم مائة.

    ثم يقول تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [الممتحنة:11]، أي: اتقوه في إنفاذ أحكامه وامتثال أوامره؛ لأنه العليم الحكيم كما عرفتم.

    [ الشرح ] والآن نستمع إلى الشرح؛ ليزيدنا وضوحاً لهذه الأحكام الشرعية، ولا تقولوا: هذا من حق القضاة وطلاب الكليات الذين يدرسون، فهذا ليس صحيحاً، بل على المؤمنين والمؤمنات أن يسمعوا ويفهموا؛ حتى يستقر العلم في أذهانهم.

    صلح الحديبية

    قال: [ اعلم أيها القارئ الكريم! أن لهذا النداء سبباً ] في نزوله [ نزل به، وهو أن ما تم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين من صلح في الحديبية في السنة السادسة ] والحديبية على بعد عشرين كيلو من مكة غرباً في طريق جدة القديم. وصلح الحديبية هو: أنه خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة في ألف وأربعمائة بطل يريدون العمرة فقط، أو يجسون نبض المشركين لما انهزموا في غير ما موطن، ولكن المشركين ما إن بلغهم خروج الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أعدوا عدتهم، وجهزوا جيوشهم وقالوا: لن يدخلها أبداً إلا برضانا، ولن نسمح له أن يدخل بالقوة، مع أن الرسول لم يخرج لقتالهم، بل خرج للعمرة فقط، ومعه ألف وأربعمائة، وكلهم رضي الله عنهم إلا واحداً، فقد كان منافقاً واحداً، وكان يستتر بالناقة عند البيعة.

    وهنا كلمة لو تبلغ لأولئك الغافلين المخدوعين المغرر بهم المضللين، الذين يكفرون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلعنونهم، وهي: أن الله جل جلاله أخبر عن رضاه عن المبايعين تحت الشجرة في الحديبية، واقرأ قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا [الفتح:18-19]. وكان هؤلاء ألفاً وأربعمائة صحابي، وكان على رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم. والمضلل بهم يلعنوهم ويكفرونهم، والله قد أخبر أنه رضي عنهم، وهم يقولون: كفروا، وكأنهم يقولون: إن الله لا يعرف؛ لأنه أخبر أمس أنه رضي عنهم، ولم يدر أنهم سيكفرون به. والذي يعتقد هذا والله ما بقي له حظ في الإسلام، بل لقد كفر؛ لأنه ينسب إلى الله الجهل وعدم العلم، وأنه بالأمس أنزل قرآناً أعلن رضاه عنهم، ولم يدر أنه إذا مات نبيهم ارتدوا وكفروا، ويصف الله الذي علم الأشياء قبل خلقها ووجودها بهذا. وأنا أعلم أنه يوجد هنا من هؤلاء المخدوعين المغرر والمضلل بهم، وأنهم يعتقدون أن أبا بكر وعمر كفرا وارتدا، وأنهم يلعنونهما. وهؤلاء والله موجودون.

    وأقول لهؤلاء: إن الله جل جلاله في سورة الفتح أخبر بما يلي: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] التي تمت عندها البيعة. وذلك لما أعلنت قريش الحرب على الرسول، فبايعه رجاله على أن يقاتلوا تحت الشجرة. فالله عز وجل أعلن عن رضاه عنهم، وهل الله لم يكن يدري أنهم بعد سنتين أو ثلاث سيرتدون؟! ومن اعتقد هذا فإنه ينسب الله إلى الجهل. ولكن الذين أوجدوا هذا هم أصحاب المبدأ المجوسي، ولو فهم أتباعهم هذا لصعقوا على الأرض يبكون، ولتابوا إلى الله، وانضموا إلى جماعة المسلمين. ولكن هذا شأن المغرر بهم المخدوعين.

    وفي الحديبية تم الصلح بين رسول الله والمؤمنين من جهة والمشركين في مكة من جهة أخرى. وقد ذكرنا لكم بعض بنود الصلح التي يحار لها العقل. فقد [ جاء من بين مواده ] وكان من جمله بنوده: [ أن من جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ] من المسلمين هارباً [ من مكة ] من سطوة الكفار وظلمهم [ إلى المدينة من الرجال ] وجاء إلى الرسول هارباً وهو مؤمن [ رده ] الرسول [ إلى مكة، ولو كان مسلماً مهاجراً فاراً بدينه ] ورضي الرسول بهذا؛ لأنه يريد صلحاً يفتح الله به على المسلمين.

    وقد تنازل عن أكثر من هذا، فقد تنازل عن كلمة رسول الله لما قالوا: لا نقبلها، فأسقطها، وقال: ( اكتب: محمد بن عبد الله ). وهذه السياسة لم يعرفها ساسة المسلمين، ولن يعرفوها؛ لأنهم والله لم يدرسوا هذا الكلام ولا عرفوه، وإنما تخرجوا من جامعات بريطانيا وروسيا، وهم لم يجلسوا هذا المجلس والله، ولم يوقنوا بأنه مجلس رباني، ينفعهم في الدنيا والآخرة أبداً. ونترك أمرهم لله.

    فالرسول تنازل عن كلمة الرحمن الرحيم؛ لما سيتحقق بعدها من سعة الدعوة وانتشارها، وقبول الناس لها والدخول فيها.

    وكان من جملة ما في هذه الاتفاقية أو هذا الصلح: [ ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه صلى الله عليه وسلم ] فإذا هرب مؤمن من المدينة إلى المشركين نصروه وآووه وتركوه عندهم، ولم يردوه إلى الرسول، وإذا هرب آخر مؤمن من مكة إلى المدينة ردوه، وقد جاءوا بالفعل فقالوا لهم: عودوا إلى بلادكم؛ لأن الاتفاقية اقتضت هذا، فكانوا يبكون، ولم يكن يسع الرسول إلا الوفاء بالعهود، ولم يكن ينقضها كاليهود.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ...)

    كانت بنود الاتفاقية في الحديبية تشمل الرجال فقط، فكان من هرب من مكة من فحولها إلى المدينة يرده الرسول، ومن هرب من المدينة إلى مكة لم يرده المشركون للرسول، وأما النساء فلم يذكرن، ولم تشملهن الاتفاقية؛ لأنهن في العادة لا يهاجرن [ وأثناء ذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة ] وكان أبوها من طغاة الكفار، وكانت هي مؤمنة، فجاءت مهاجرة [ فلحق بها أخواها عمارة والوليد ؛ ليرداها إلى قريش، فنزل هذا النداء الكريم، فلم يردها عليهما النبي صلى الله عليه وسلم؛ لخلو هذا من مواد الاتفاقية - اتفاقية صلح الحديبية ] فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرد أم كلثوم ؛ لأنها مسلمة جاءت مهاجرة، والبند يخص الرجال، وليس النساء، فلم يسمح لهما بأن يأخذوا أختهم، بل قال لهما: ارجعوا.

    امتحان المؤمنات المهاجرات بعد صلح الحديبية وعدم إرجاعهن إلى الكفار

    قال: [ فأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:10]! أي: يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالإسلام ديناً وشرعاً حكيماً، إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [الممتحنة:10]، أي: من دار الكفر إلى دار الإسلام فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة:10]، أي: غلب على ظنكم أنهن مؤمنات فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10].

    وكيفية الامتحان: هي أن يقال لها: احلفي بالله - أي: قولي بالله الذي لا إله إلا هو- ما خرجت إلا رغبة في الإسلام، لا بغضاً لزوجي، ولا عشقاً لرجل مسلم في هذه البلاد ] وإنما فقط من أجل الإسلام.

    إذا أسلمت الزوجة دون زوجها انفسخ نكاحها على أن يرجع له ما أنفقه عليها

    قال: [ وقوله تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10] وذلك لأن الإسلام فصم ] وقطع [ تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته؛ إذ حرم الله نكاح المشركات وإنكاح المشركين ] أي: وتزويج المشركين بالمؤمنات [ ولهذا لم يأذن الله تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين.

    وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10] أي: إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما أنفق عليها من مهر ] وصداق [ والذي يعطيه هو إمام المسلمين أو جماعة المسلمين ] إذا لم يكن لهم إمام.

    وجماعة المسلمين تخبط الناس فيها اليوم، فمنهم من يقول: هم الإخوان المسلمين، ومنهم من يقول: هم كذا، وهم تائهون بعيدون، لم يعرفوا جماعة المسلمين.

    وقد عرفها الشيخ وهو غلام حدث، وأنشأ جريدة من أجل المطالبة بوجود جماعة المسلمين أيام الاستعمار في ديار المسلمين، وكان الداعي لهذا: أننا عرفنا من كتب الفقه: أنه إذا مات إمام المسلمين، ولم يستطع المسلمون أن يبايعوا إماماً، وعجزوا واختلفوا، فيجب أن ينهض المسلمون بأعداء الدولة، ولا يحاربوا سلطاناً ولا ملكاً ولا حاكماً، وإنما فقط ينظمون أنفسهم باسم جماعة المسلمين، ويعلمون الجاهل، ويؤوون البعيد، وينصرون الذليل، ويطعمون الجائع، ويكسون العاري، ويعلمون الجاهل، ويهدون الضال. وهذه لا وجود لها في العالم الإسلامي من ألف سنة، مع أن أهل القرية في أي مكان يجب أن تكون لهم جماعة المسلمين، بحيث لا يجوع أحد في القرية أبداً، ولا يظلم ولا يهان بينهم، ولا يبقى بينهم جاهل لا يعرف الله، وإذا وجد يأتون به إلى المسجد ويعلمونه. ولكن هذا الفقه وهذا الفهم لم يعد يوجد اليوم.

    والآن بلاد العالم الإسلامي يحكمون بلا شريعة، بل بشريعة الغاب، ووالله لو كانوا مسلمين بحق لما احتاجوا إلى هذا الحاكم ولا إلى هذه الحكومة، ولما تحاكموا عند محكمة تطبق قانون فرنسا وبريطانيا. فأهل القرآن وأهل السنة الذين لهم إمام يصلي بهم، وواعظ يوجههم ويرشدهم لا يتحاكمون إلى سلطان الكفر، وإنما يتحاكمون إلى كتاب الله. وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، أي: جماعة المسلمين. فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ [النساء:59]، أي: إلى كتابه، وَالرَّسُولِ [النساء:59]، أي: إلى سنته، ولا تبالوا بالحاكم كان كافراً أم مسلماً. ولكن محنتنا الجهل، فنحن ما عرفنا الطريق.

    شروط الزواج بالمرأة المهاجرة

    قال: [ وقوله تعالى: وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ [الممتحنة:10] أي: تتزوجوهن، إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الممتحنة:10] أي: مهورهن مع باقي شروط النكاح، وهي: الولي، فإن لم يكن لها ولي ] لأنها مهاجرة [ فالقاضي وليها ] فإن لم يكن قاض عندنا [ أو ذو الرأي من عشيرتها إذا لم يوجد في البلد قاض شرعي، وانقضاء عدتها ] أيضاً، فلا بد أن تنقضي عدتها، وقد عرفنا أنها تستبرأ من رحمها [ إذا كانت مدخولاً بها ] وأما إذا لم يدخل بها زوج فلا بأس.

    حكم النكاح إذا أسلم الزوج دون الزوجة

    قال: [ وقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10] أي: إذا أسلم الرجل، وبقيت امرأته مشركة انقطعت عصمة الزوجية بينهما، وأصبحت لا تحل لزوجها الذي أسلم، وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة ولحقت بدار الكفر فإن العصمة قد انقطعت بينهما ] أي: بينها وبين زوجها [ ولا يحل إمساكها ] لأنها كافرة وهو مسلم [ وفائدة ذلك ] أي: فائدة انتهاء العصمة: [ أنها لو كان تحت الرجل نسوة ] ثلاث مثلاً [ له أن يزيد رابعة؛ لأن التي ارتدت أو التي كانت مشركة وأسلم وهي في عصمته لا تمنعه من أن يتزوج رابعة؛ لأن الإسلام قطع العصمة ] ولم تعد زوجته. وهذا مثل الذي تحته أربع نساء فلو ماتت زوجة منهن له أن يتزوج رابعة، ولكن لو طلق إحدى الأربع لم يحل له أن يتزوج حتى تنتهي عدتها، بل ما دامت هي في العدة فلا يتزوج أخرى، وإلا أصبحت خامسة وهذا حرام. بل لا بد أن ينتظر انفصام العقد بانتهاء العدة. ولو كفرت إحدى زوجاته وارتدت وتحته أربع فله أن يتزوج؛ لأن الزواج انتهى. وهي لا تشبه المطلقة؛ لأن العصمة انتهت بالردة [ وذلك لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]. والعصم جمع عصمة، والعصمة هي المانع من أن تتزوج المرأة زوجاً آخر، وهي في عصمة زوجها.

    وقوله تعالى: وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ [الممتحنة:10] أي: اطلبوا من المرتدة ما أنفقتم عليها من مهر يؤدى لكم. وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10] أي: وليطلب - أي: المشركون- ما أنفقوا من مهور على أزواجهن اللائي أسلمن وهاجرن إليكم ] وقد بينا أن هذا عدالة الله.

    علم الله وحكمته اقتضيا حكمه الوارد في هذا النداء

    قال: [ وقوله تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:10] أي: فاقبلوه وارضوا به؛ فإنه حكم عادل رحيم.

    وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة:10] أي: عليم بخلقه وحاجاتهم، حكيم في قضائه عليهم، وتدبيره لهم، فليسلم له الحكم وليرض به؛ فإنه قائم على أساس المصلحة للجميع ].

    حكم من رفض الكفار إعطاءه ما أنفقه على زوجته إن انفسخ نكاحهما بارتداد الزوجة

    قال: [ وقوله تعالى في هذا النداء الكريم: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:11]، أي: وإن ذهب بعض نسائكم إلى الكفار مرتدات- والعياذ بالله- وطالبتم بالمهور فلم يعطوكم، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوا من الغنيمة قبل قسمتها، أعطوا الذي ذهبت زوجته إلى دار الكفر، ولم يحصل على تعويض، أعطوه مثل ما أنفق ].

    الحث على تقوى الله تعالى

    قال: [ وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [الممتحنة:11] أي: خافوا عقابه، فأطيعوه في أمره ونهيه، ولا تعصوه، وطبقوا هذه الأحكام التي بينها لكم في هذا النداء حرفياً؛ لما في ذلك من العدل والرحمة والخير الكثير ].

    ملخص ما اشتمل عليه هذا النداء من أحكام

    قال: [ واعلم أيها القارئ! ما يلي:

    أولاً: وجوب امتحان المهاجرة، فإن علم إسلامها فلا يحل إرجاعها إلى زوجها الكافر ] أبداً.

    [ ثانياً: حرمة نكاح المشركة ] فالمشركة لا يحل نكاحها أبداً، بخلاف الكتابية من اليهود والنصارى.

    [ ثالثاً: لا يجوز الإبقاء على عصمة الزوجة المشركة.

    رابعاً: من ذهبت زوجته ولم يرد عليه شيء ثم غزوتم وغنمتم فأعطوه ما أنفق من مهر من الغنيمة قبل قسمتها، وإن لم تكن غنيمة فجماعة المسلمين وإمامهم يعطونه ] ويجمعون له.

    [ خامساً: وجوب تقواه تعالى بتطبيق شرعه، وإنفاذ أحكامه، والرضا بها.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].