إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 48للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الاستجابة لله ورسوله في الأمر والنهي هي ما يخول العبد الوصول إلى الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة، فالله عز وجل ورسوله لا يأمران العبد إلا بما يصلحه، ولا ينهيانه إلا عما يضره ويخسره، والإعراض عن أوامر الله ورسوله سبب لفتح باب فتن عظيمة من الشر والفساد، لا يصيب الظالمين والمعرضين خاصة، وإنما يعم الأرض عياذاً بالله.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. سائلين الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يرضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    والنداء الخامس والأربعون الذي كان يوم أمس بقيت فيه بقية، وقد وعدناكم أن نتلوها عليكم، وأن نسمعها جميعاً، لكن قبلها نعيد ذلك النداء.

    أعوذ بالله الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:20-23]. وقد عرفنا أن مولانا وسيدنا وربنا وإلهنا نادانا بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمنين أحياء يسمعون ويعقلون، وإذا أمروا فعلوا، وإذا نهوا تركوا؛ لكمال حياتهم، فأمرنا بطاعته وطاعة رسوله، فإذا أمرك يا عبد الله! مولاك بأمر فاجتهد في تنفيذه وإن كان ما كان، وإذا نهاك عن فعل شيء فاجتنبه طاعة لله، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك فامتثل الأمر، وإذا نهاك فاجتنب النهي، واحذر أن تسمع أمر الله أو أمر رسوله أو نهي الله أو نهي رسوله ثم تتولى عنه وكأنك لا تسمع.

    ثانياً: لا تأتسِ بالمنافقين والمشركين والكافرين الذين يقولون: سمعنا ما تقول وما تدعو إليه، وهم لا يسمعون بقلوبهم؛ لأنهم غير عازمين على فعل الأمر وعلى ترك النهي، كما قال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [الأنفال:21]. وقد كانوا متواجدين في المدينة.

    ثم علمنا أن شر الخلق وشر الدواب -وكل ما دب على الأرض فهو دابة- شرهم الصم البكم الذين لا يعقلون، والأصم لا يسمع، وهو هنا أي: لا يسمع نداء لله ورسوله، ولا يسمع أمراً أو نهياً لله ورسوله، والبكم أي: لا ينطقون بكلمة الهدى والخير أبداً. فهم لا يعقلون ولا يفقهون ولا يفهمون؛ لأن محطة التلقي والإرسال خربة، فقد خربوها بالشرك والمعاصي، وأصبح ذاك الجهاز في صاحبنا لا يتمكن من أن يعقل ويفهم ما يقال له، أو يؤمر به أو ينهى عنه.

    ثم عرفنا حقيقة، وهي أن الله عز وجل لما خلق الأرواح، وعرف الروح التي إذا أمرت تستجيب وإذا نهيت تستجيب، فقد عرفها أزلاً، ولما عرف منها ما تريده وتطلبه وتريد أن تعيش عليه كتب ذلك في كتاب المقادير، فيكتب فلاناً شقياً، وفلاناً سعيداً، ثم لما يحين وقت خروج وظهور الروح التي لا تستجيب فإنها لا تقبل موعظة، ولا تسمع ولا تستجيب، بل تسخر وتضحك وتحارب الرسل، وتحارب دعوة الله وأولياء الله. وهذا دلّ عليه قوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال:23]، أي: لجعلهم يسمعون نداء الله رسوله، ولكن علم أنه لا خير فيهم، فقد علم هذا أزلاً، وعرف أن هذه الروح تعرض عليها هداية الله فترفضها، وأنها تدعى إلى الله فتكفر، فكتب ذلك، ولكن لها إرادة وحرية، ولا تفهم أن الله يكره عبداً على الكفر أو على الإيمان؛ لأن الدار دار امتحان، ولو كان هناك إكراه لم يكن هناك كلام، ولكن هذا اختيار العبد، فلهذا المكره على المعصية لا يؤاخذ بها، ولا يكتب عليه شيء. ولا ننسى المثل الذي فتح الله به علينا لهذه الحقيقة، وهو: أن الفلاح الذي في أحد كفيه بذر حنظل وفي كفه الآخر بذر حبحب قبل أن يبذر وقبل أن يسقي وقبل أن يأخذ الفائدة يعرف أن هذه تنتج حنظلاً مراً قاتلاً، وهذه تثمر حبحب صالحاً نافعاً قبل الوجود. وهذا المثال يقرب المعنى الذي عرفتم. فالشقي من شقي في كتاب المقادير، والسعيد من سعد فيها، أي: من كتب الله شقاوته وسعادته، وكل الذي يقع هو حسب نظام الله في خلقه، فهو يبعث الرسل، وينزل الكتب، ويوجد دعاة يأمرون وينهون، والروح التي كانت متأهلة في الملكوت الأعلى سرعان ما تعود إلى الله وتستجيب لندائه، والتي عرف الله شقاوتها وأنها لا ترغب في الهداية ولا النور أبداً كتب عليها ذلك، وقال: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23]. آمنت بالله.

    قال: [ أما قوله تعالى في الآية الثالثة من آيات هذا النداء الخامس والأربعون: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] ] فهو عازم أن لا يعود [ إن هذا من باب الفرض والتقدير؛ إذ سبق علم الله تعالى بهم في أنهم لا يسمعون؛ إيثاراً منهم للكفر على الإيمان، والفسق على الطاعة، والضلال على الهدى. لذا لو أسمعهم - أي: لو جعلهم يسمعون- آيات الله كما يسمعها المؤمنون الموحدون، ويعرفون ما تدعو إليه من الهدى، وما تحمله من بشارة للمؤمنين، ونذارة للكافرين والمنافقين والمشركين لتولوا وهم معرضون والعياذ بالله تعالى.

    وسر هذا الإعراض بعد السماع هو: أن سنة الله تعالى في الإنسان أنه إذا توغل في الشر والفساد والظلم والخبث يصبح غير قابل للخير والإصلاح والعدل والطهر، فقد تدعوه ويسمع منك ما تدعوه إليه، وقد تبشره ويسمع منك البشارة وسببها، وقد تنذره ] أيضاً [ فيفهم عنك النذارة وما أنذرته منه، ولكن لتوغله في ظلمة الشر والفساد والخبث والشر يجد نفسه مصروفاً تمام الصرف عما تدعوه إليه.

    فلذا حذر الكتاب والسنة من تأخير التوبة، وأمر باستعجالها؛ مخافة أن العبد إذا استمر في المعصية زمناً تصبح طبعاً له من طباعه، وخلقاً ثابتاً له، فلا يقدر على تركها، فيهلك بها والعياذ بالله تعالى ] والآن وقف إلى جنبي أحد الصالحين وقال: إن عبداً من عباد الله توغل في شرب الحشيشة، وهو يبكي؛ لأنه لم يستطع أن يتركها، فادع الله له. اللهم طهره، اللهم زكه، اللهم نجه، اللهم أبعده من هذه الفتنة يا رب العالمين! اللهم يا مغير الطباع! وطابع الطباع! غير طبعه الفاسد إلى طبع صالح؛ حتى يصبح يكره هذا الخبث، ويلعنه ويلعن أهله. اللهم آمين.

    وهنا بشرى: أحد الصالحين الذي ضاع منه شيء وقال: ادع الله لنا جاءني الآن ووجه متهلل بالبشر، وقال: لقد رد الله عليّ ضائعتي، ووالله ما وسعني إلا البكاء. فالحمد لله.

    قال: [ هذا وأخيراً: لنعلم أن الله في هذا النداء أعلمنا بما يلي ] فهذه هي الخلاصة:

    [ أولاً: وجوب طاعة الله ورسوله ] فلو قال لك الله: عبدي! لا تأكل فلا تأكل، ولو قال لك: عبدي لا تشرب فلا تشرب؛ لأنه سيدك ومولاك. ووالله لا يأمرك ولا ينهاك إلا من أجل إكمالك وإسعادك، فلا تتردد إذاً، واصبر على طاعته وطاعة رسوله.

    [ ثانياً: حرمة التشبه بالمشركين والكافرين ] واجتهد أن تكون لك صورتك الإيمانية. فلابد من مخالفة. وقلنا: حتى الفساق والفجار من المؤمنين يجب أن لا نتشبه بهم، فضلاً عن الكافرين والمنافقين، لا في المنطق ولا في السلوك ولا في الحركة ولا في المشية ولا في الوقوف، بل تميز دائماً، فأنت ولي الله، وهو عدو الله. وقد عرفتم القاعدة -وهي تساوي مليار دولار- وهي: ( من تشبه بقوم فهو منهم ). ولو يجتمع أهل الأرض على أن ينقضوا هذه والله ما استطاعوا نقضها، ومستحيل أن ينقضوها، فهذا قول رسول الله، وهاتوا شخصاً تشبه بقوم ثم لو يكن منهم، بل الذي يتشبه بزان مجرم لن يلبث أن يكون مثله، ومن تشبه بمشرك ضال فلن لا يكون إلا مثله، وكذلك من تشبه بأي شخص، ومن تشبه بالصالحين لن يمسي إلا منهم. والرسول يتكلم عن سنن الله. فإذا رغبت في الشر وأصبحت تتناوله وتتعاطه وتفرح أن تكون مثل أهله فستكون مثل أهله.

    [ ثالثاً: أن من الناس من هم شر من الكلاب والقردة والخنازير؛ وذلك لتوغلهم في الشر والفساد والخبث والظلم، ويؤيد هذا قوله تعالى ] من سورة البينة: [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، أي: الخليقة ] والذي قال هذا الله جل جلاله. فهم شر الخليقة، ويدخل في الخليقة الكلاب والحيات والقردة والخنازير والسباع والضباع، فكل هذه خليقة. وشر الخليقة أهل الكفر والشرك بالله، وقد بينت لكم وجه كونهم شر الخليقة، فالضبع والسبع والقرد والخنزير لم يأمرهم الله وعصوه، بل هم يعيشون حسب ما كتبه الله لهم وقدره عليهم، والآدمي العاقل العارف الفاهم الذي يخلقه الخالق ويرزقه الرازق، ويكلؤه ويحفظه، ويعلمه أنه خلق كل شيء من أجله، ولم يطلب منه سوى أن يذكر ويشكر فإنه يكفر بالله، فلا يذكر ولا يشكر، فهو شر الخلق. والذي لا يقبل هذا ولا يستسيغه ما آمن بالله، فليراجع إيمانه؛ إذ أن الذي أخبر بهذا ليس هو علي بن أبي طالب ولا أبو بكر الصديق ولا الإمام أحمد ، بل هذا كلام الله، فقد قال: أُوْلَئِكَ [البينة:6] لا سواهم هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]. وإنما فقط ادرس القضية وستعرف السبب، فهو الذي خلقك ورزقك وكرمك وأعطاك، وخلق العوالم كلها من أجلك حتى الجنة والنار، وطلب منك أن تعتقد وتقول وتعمل من أجل تطهير نفسك وتزكية روحك؛ من أجل أن يرضى عنك، وينزلك بجواره، ثم تطيع الشياطين والخبيثين والمجرمين، وتعصيه وتتحداه. فإذا فعلت هذا فأنت شر الخلق إذاً.

    وأخيراً: [ ألا ] وهي بمعنى: ألو، وألو هذه أصبحت شائعة ذائعة، يتلذذ بها حتى النساء، وألا الربانية مهجورة لا نعرفها، وقد قال الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. وهؤلاء الأولياء يا عباد الله! ليسوا سيدي عبد القادر ولا البدوي ولا العيدروس ، فهذه خرافات، بل أولياء الله الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]. فهم طول حياتهم يتقون ما يسخط الله عليهم ويغضبه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، فهم في مجاهدة للنفس والهوى والدنيا حتى يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. أولئك هم أولياء الله. اللهم اجعلنا منهم.

    قال: [ فلنذكر هذا، ولنعمل على طاعة الله ورسوله، ولا نُصِر على معصيتهما ساعة فضلاً عن يوم أو أسبوع أو شهر أو عام؛ حتى لا نصبح من شر الدواب. والعياذ بالله العزيز الحكيم.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] هذا نداء أمس.

    1.   

    وجوب الاستجابة لنداء الله والرسول إذا أمرا أو نهيا أو بشرا أو أنذرا

    الآن مع النداء المبارك الجديد، وهو [ النداء السادس والأربعون ] وأبشركم: أن بينكم صالحين، فقد جاءنا أمس شيك بعشرة آلاف باسم عدنان ، وقال: نريد المساهمة في طبع النداءات، وقال: على أن تعطوني عشر العدد هذا أقوم أنا بتوزيعه، فقلنا: نعطيك خمسه .. سدسه، وكلنا يوزع، والآن عند باب المسجد شخص وضع في كفي مالاً، وقال: خذ هذا، نريد الإسهام في طبع الكتاب، ومعنى هذا: أننا قد نطبع إن شاء الله عشرات الآلاف. ويبقى أن الشيطان لن يسمح للمؤمنين أن يتناولوا هذا الكتاب ويقرءونه ويتعلمون الهدى منه، إلا إذا لعناه، واستعذنا بالله منه، فإن الله يعيذنا.

    وهذه النداءات التسعون لم نسمع فيها غير الحق والهدى والنور؛ إذ المنادي هو الله جل جلاله وعظم سلطانه.

    ونأمل أن يكون هذا الكتاب في بيت كل مؤمن، ونأمل أن يوجد أيضاً في الفنادق في العالم الإسلامي، وأن يترجم إلى لغات حية كالإنجليزية والفرنسية، وأن يوجد في فنادق أوروبا وأمريكا، فإذا دخل النزيل وتململ وأراد أن يقرأ فبدلاً من أن يجد الإنجيل الأعمى المظلم، الذي ليس فيه إلا الضلال والخرافة، يجد نداءات ربه، فيقرأها، فإنه لن يجد نداء يدعو إلى غير الفضيلة والكمال والإسعاد للبشرية. ونحن نصرخ ونبكي، والأمر لله.

    وهذا النداء مضمونه فحواه مطلوبه [ في وجوب الاستجابة لنداء الله والرسول إذا أمرا أو نهيا أو بشرا أو أنذرا، ووجوب اتقاء الفتن بما تُتَقى به ] وجعل وقاية بيننا وبينها؛ حتى لا تلتهمنا نارها، ونخسر دنيا وأخرى. بهذا أمرنا الله في هذا النداء.

    وهيا نتغنى ساعة بهذا النداء الكريم.

    [ الآيتان (24 ، 25) من سورة الأنفال

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:24-25] ] قوله: لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] دليل على أن الله لا يدعو عباده لما يميتهم، ولا لما يخسرهم، ووالله ما دعانا إلا لما يزيد في حياتنا وكمالنا وسعادتنا، وإنما هذا من باب التذكير فقط، وإلا حاشا لله وحاشى لرسوله أن يدعونا لما فيه قتلنا وموتنا وهلاكنا.

    والآن مع [ الشرح: ] قال: [ لنعلم أيها القارئ الكريم! أن الله تعالى ما نادى عباده المؤمنين به وبلقائه ليأمرهم إلا من أجل كمالهم وسعادتهم في الدارين ] وقد تكرر هذا الكلام، فلا تتصور أن الله ينادينا لا لشيء، فهذا مستحيل، فنحن أولياؤه، فهو لا ينادينا لا لشيء، وإنما ينادينا ليأمرنا من أجل إكمالنا وإسعادنا، ومن أجل أن يحذرنا مما يشقينا ويخسرنا؛ لأنه مولانا وسيدنا وربنا، فهو يريد إسعادنا في هذه الدار وتلك التي وراء هذا الكون [ وذلك ] واسمع التعليل [ لأنهم عبيده وأولياؤه ] وفوق العبودية الولاية [ والسيد لا يحب لعبده إلا ما يعزه ويكرمه، والولي لا يحب لوليه إلا ما يسعده ويرفعه ].

    الأمر بالاستجابة لله والرسول فيما يأمران به وينهيان عنه

    قال: [ وها هو ] ذا [ تعالى ينادي عباده وأولياءه قائلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24]. والمراد بالرسول هنا ] ليس عيسى ولا إبراهيم، وإنما [ محمد صلى الله عليه وسلم ] وأل هنا للعهد. والرسول الذي أرسل إليكم [ خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، والاستجابة ] هنا في قوله: اسْتَجِيبُوا [الأنفال:24] [ بمعنى: الإجابة ] فمعناها: أجيبوا، ولم يقل: أجيبوا، وإنما قال: اسْتَجِيبُوا [الأنفال:24] لأن العبيد ليسوا كلهم على مستوى واحد، فهو يناديهم ومنهم من يجيب ومنهم من لا يجيب، ومعنى هذا: مزقوا حبال العدو الشيطان التي قيدكم بها، وأبعدوا زخارفه ومحاسنه وأجيبوا، فالاستجابة فيها التكلف، وليست هينة، وأنا إذا قلت لك: اخرج من بابك أو من بيتك لا تستجيب، فلابد من تكلف وتحمل، فكلمة أجب إذا كان الشخص متهيئاً فليس هناك مانع أبداً أن يجيب، ولكن الذي معه الشيطان والدنيا والوساوس وغير ذلك ليس من السهل عليه أن يجيب، فقل له: استجب، وجاهد نفسك ودنياك وهواك وما يعرض لك، ومزق ذلك كله لتجيب ربك. فهناك فرق بين أجيبوا وبين استجيبوا.

    قال: [ أي: أجيبوا الله تعالى إذا دعاكم ورسوله كذلك، أي: إذا دعاكم لاعتقاد أحبه ورضيه فاعتقدوه، وإذا دعاكم لقول طيب والله لا يدعو إلا إلى طيب فقولوه، وإذا دعاكم لعمل صالح والله لا يأمر إلا بالصالح فاعملوه ولا تقصروا فيه ] وإذا اعتاد شخص خرافة فليس من السهولة إذا قلت له: اتركها أن يتركها حتى يجاهد نفسه، وهذا أمر معلوم بالضرورة، ولو أن شخصاً ملازماً لمعصية ليس من السهل عليه الآن أن يتركها إذا لم يجاهد نفسه حتى يجيب.

    قال: [ وكذلك الحال ] والشأن [ مع رسوله صلى الله عليه وسلم إذا دعا إلى معتقد أو قول أو عمل، تجب الإجابة الفورية إلا في حال العجز، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وكذا إذا دعاكم الله لترك معتقد فاسد أو قول سيئ أو عمل غير صالح فأجيبوه، واتركوا ما أمركم بتركه، وكذا الشأن مع رسوله صلى الله عليه وسلم. وعلة هذا الأمر والاستجابة هي من أجل أن تكملوا في آدابكم وأخلاقكم، وتسعدوا في حياتكم بالعز والطهر والصفاء والأمن والخير الكثير ] فاستجابتكم بقبول الأمر والنهي هذه هي التي تخولكم الكمال والإسعاد في الدنيا والآخرة، وهذا حق، فالماء يروي، والطعام يشبع، والحديد يقطع، والنار تحرق، وطاعة الله وطاعة رسوله في الاعتقاد والقول والعمل لن تتخلف نتائجها من العز والطهر والسعادة والكمال، ومستحيل أن يتخلف، والذي لا يأكل لا يشبع، الذي لا يشرب لا يرتوي، والذي يدخل النار لا تنطفئ عليه، والذي لا يستجيب لأمر الله ورسوله لن يسعد ولن يكمل، ومآله ومصيره الشقاء والخسران الأبدي، فهذه سنة لا تتبدل. وأزيدكم برهاناً: لما أعرض المؤمنون والمسلمون عن الله ورسوله هبطوا، واستعمرهم الشرق والغرب، وأذلوهم وأهانوهم، وكفروهم ومسخوهم في الشرق والغرب، والسبب أنهم صموا عن سماع آيات الله عز وجل، أو ما وجدوا من يناديهم باسم الله عز وجل، أو ناداهم فأعرضوا، فحلت النقمة الإلهية بهم وإلى الآن وإلى يوم القيامة، فالآن المسلمون معرضون عن نداء الله ورسوله، إلا أفراداً قلائل هنا وهناك، وهذا لن ينقذهم إذا لم يقبلوا بنسائهم وأطفالهم ورجالهم في صدق، وفي أربع وعشرين ساعة تتغير الحياة بكاملها، ولكنهم يسخرون من كلامنا هذا ويهزءون في الشرق والغرب.

    قال: [ وهذا معنى قوله تعالى: إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] إذ لا يدعو الله ورسوله عباد الله المؤمنين المتقين إلا لما فيه خيرهم وسعادتهم وحياتهم الحياة الطيبة الطاهرة السعيدة في الدنيا والآخرة ].

    تنبيه المؤمنين إلى اغتنام الفرص قبل فواتها

    قال: [ وقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] ] كأن تكون الآن تشتهي البقلاوة والعسل فيحول بينك وبينهما، فتكره البقلاوة والعسل، وتحب السم وغيره، وهذا لا يقوى عليه إلا الله، فهو الذي يحول بينك وبين ما تشتهيه، فإذا بك تكره الحق وتمجه ولا تقبله، فانتبه فأنت بين يدي الله، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24]. والقلب هو الآلة التي بها يحب ويكره، فالله يفصله عنها، فلهذا يجب الخضوع والخنوع والاستسلام والانقياد لله عز وجل والضراعة والسؤال دائماً وأبداً، فلا تعتز بعلمك ولا بإراداتك.

    قال: [ يحمل إشعاراً خطيراً وتنبيهاً عظيماً للمؤمنين، وهو أنه إذا سنحت الفرصة للمؤمن لفعل خير من الخيرات، أو عمل صالح من الصالحات عليه أن يقتنصها بسرعة قبل فواتها، لاسيما إذا كانت دعوة من الله ورسوله إلى فعل كذا أو ترك كذا؛ وذلك لأن الله تعالى قادر على أن يحول بين المرء وما يشتهي، وبين المرء وقلبه؛ إذ هو قادر على أن يقلب القلب ويصرفه من حيث شاء من خير إلى غير، أو من غير إلى خير، ولنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو ويقرر هذه الحقيقة ] فيقول: [ ( اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ). ويقول داعياً أيضاً: ( اللهم مصرف القلوب! صرف قلوبنا إلى طاعتك ) ] فإذا سنحت الفرصة لعمل خير فلا تفوت الفرصة، وانتبه فقد يحال بينك وبين ما تريد، فاليوم قد تستحب الخير وغداً تكرهه، وهذا تحذير إلهي عظيم.

    [ وأما قوله تعالى في ختام الآية: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] ] أي: إليه لا إلى غيره، فتحشرون تجمعون كما تحشر الحيوانات حشراً إلى ساحة فصل القضاء، ولا يوجد حاكم ولا قاض غير الله في ساحة فصل القضاء، فهنا [ يُعلم تعالى عباده المؤمنين بحقيقة ينبغي أن لا يسنوها، وهي أنهم سيحشرون إليه تعالى يوم القيامة، وسيجزيهم بطاعتهم وعصيانهم؛ لذا ينبغي أن لا يترددوا في الاستجابة لله تعالى ورسوله إذا دعاهم لما يحييهم، وهل يدعوهم ربهم وهو وليهم إلى غير ما يحييهم؟ لا والله، وهل يدعوهم رسوله إلى غير ما يحييهم ويكملهم ويسعدهم؟ لا والله ].

    الخطر العظيم الذي يلحق بالأمة عند عدم الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ أما قوله تعالى في الآية الثانية من هذا النداء السادس والأربعين: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] فهذا تحذير خطير للمؤمنين وفي كل زمان ومكان ] كإعلان حرب، ولو أعلنت أمريكا حرباً أو روسيا أو اليابان لاهتز العالم، ووالله إن هذا لأخطر من إعلان حربهم، فالله يقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]. وهذه تعم الظالمين وغير الظالمين. وسيبين الله لنا المراد منها، فهذه الفتنة إذا جاءت تأتي على الأخضر واليابس، وعلى الصالح والطالح، وعلى الشرير والخير، وعلى غير ذلك إذا لم نتق أبداً، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] أولاً. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25]. فإذا عاقب وأخذ من العقب المجرمين والمفسدين فإن عقابه والله شديد، ويحيل النعمة إلى بؤس وشقاء، والأمن إلى ظلم وشر وخوف، ومن أراد أن يتصفح التاريخ يتصفح، وسنذكر نماذج لهذا.

    وهذا التحذير [ من أن يتركوا طاعة الله ورسوله بعدم الاستجابة لندائهما ودعوتهما إلى فعل الواجبات وترك المحرمات؛ لما يترتب على ذلك من انتشار الشر والفساد بصورة يحق بها العذاب ] ويجب [ وكأن هذا الأمر والنهي المأمور بهما في هذا النداء هما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ] والله [ كذلك؛ لأن الفتنة لا تعم المجتمع كله صالحه وفاسده إلا إذا تُرك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ] ونحن في الطريق نقرأ النداء وبخنا أنفسنا، فنحن نأمر الناس بأن يأمروا بالمعروف ونحن ما نأمر ولا ننهى، فيا عدنان ! غداً إن شاء الله بعد صلاة العصر نزور أحد إخواننا أمام منزلنا في حينا نصب قبل ثلاثة أيام دشاً من أكبر الدشوش، وكأنه ما سمع قرار الحكومة ولا أمر خادم الحرمين ولا علماء المسلمين، فهذا ميت وليس حياً، فغداً إن شاء الله نذهب إلى بيته وننصحه بأدب أن يترك هذه الفتنة، وقد بلغنا أن العالم تقزز منها وأنكرها، وهذه فتاوى أهل العلم بأنها حرام في حرام، وأنها خربت القلوب ودمرت النفوس وحولت البيوت إلى حانات، فإذا كان فيه بقية إيمان فسوف يذوب أمامنا، وسيقول: والله لتجلسن حتى أمزقه أمامكم، وإن كان ميتاً فعسى الله أن يحييه، ولو أننا كلنا قمنا بهذا الواجب لما ظهرت الفواحش والمنكرات والأباطيل، ولكن نحن المقصرون، فنحن نقول: ولا نعمل، ولا ننهى ولا نأمر، وهذه حقيقة ينبغي أن نذكرها. وَاتَّقُوا فِتْنَةً [الأنفال:25] من شأنها أنها لا تصيب الظالمين خاصة، بل يعم عذابها وبلاؤها الخاصة والعامة.

    عاقبة عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    لنستمع إلى أقوال الرسول وأصحابه رضوان الله عليهم:

    قال: [ ويقرر هذا قول ابن عباس - رضي الله عنه- في ] تفسير [ هذه الآية ] وقد دعا الرسول له ربه أن يجعله من أهل التأويل والتفسير، يقول: [ أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يُقروا المنكر بين أظهرهم ] وهم يشاهدونه [ فيعمهم العذاب ] والعقاب. وأيما أهل مدينة أو قرية أو إقليم أو مملكة أو جمهورية أو سلطنة كما يقولون أهلها يسكتون فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر إلا عمهم العقاب. وهذا مشاهد.

    قال: [ وفي صحيح مسلم ما يقرر هذه الحقيقة ويؤكدها، فعن زينب أم المؤمنين رضي الله عنها ] وهي زينب بنت جحش ، وهي أخت عبد الله ، وهو أول من حمل راية الغزو والجهاد، وكانت زينب هذه امرأة زيد أولاً، وقد امتحنها الله وامتحن رسوله وامتحن زيداً ، ونجح الكل، فأمست أم المؤمنين، وزيد لم يذكر صحابي في القرآن غيره، واسمه يتردد إلى يوم القيامة، قال تعالى: قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37]. وأما رسول الله فقد أعطاه من الشرف والكمال ما أعطاه. فـزينب [سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلة: ( يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ) ] والقصة كانت في يوم فيه غيم وسحاب وعواصف في الخريف، والرسول كان يخشى أن يصيب الأمة بلاء من الله، فكان يدخل الحجرة ويخرج ويضرب كفيه ويقول: ( ويل للعرب من شر قد اقترب - وهو خائف وجل- فقالت زينب : أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث ).

    وهذا الحقيقة تكلمنا بها وقررناها، وقلنا: على كل مؤمن ومؤمنة في أي بلد أن يعمل على تكثير الصالحين والصالحات، فمتى كان الصالحون أكثر تأخر البلاء، وما فهموا عنا هذا، ففي أي بلد إسلامي اعملوا على تكثير الصالحين والصالحات وهذا ليس مستحيلاً أبداً، وادعوهم إلى بيوتهم واجتمعوا معهم، وأبعدوا عنهم هذا الباطل شيئاً فشيئاً حتى يكثر الصالحون والصالحات، فإذا كان عدد الصالحين والصالحات أكثر فقد أمنا أن البلاء لا ينزل، ونعطيك صكاً بهذا، فأكثروا من الصالحين والصالحات، وليس هذا بالعصا والكرباج، وإنما بالكلمة الطيبة وبزيارة الناس، وبأمرهم وبنهيهم، والابتسامة على وجوهنا، والكلمة الطيبة تخرج منا، وهكذا يوماً بعد يوم، وفي كل يوم ندخل في رحمة الله عدداً من الفاسدين، أما أن نقتنع بما نحن عليه ونسكت فوالله إذا جاءت المحنة لا يستثنى أحد منها.

    قال: [ وهذا أحمد يروي في مسنده رحمه الله تعالى فيقول: عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده ) ] والمعاصي هي أن يأمر الله فلا نطيعه، ويأمر رسوله فلا نطيعه، أو أن يأمر بعشرين أمراً فنطيعه في خمسة ونهمل خمسة عشر منها، أو أن ينهانا عن عشرين فنستجيب في عشرة ونهمل عشرة، أو بأن لا نبحث عن معاصي الله ورسوله، والآن ثلاثة أرباع المسلمين والله ما يعرفون الحرام من الحلال [ ( قالت: قلت: يا رسول الله! أما فيهم أناس صالحون؟ قال: بلى، قلت: كيف يصنع أولئك إذاً؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان ) ] فالمستقيمون الصالحون وإن عذبوا في الدنيا بالبلاء أو بالفقر أو بالاستعمار أو بالأمراض أو بغير ذلك فإن مصيرهم إلى مغفرة من الله ورضوان، ولكن في الدنيا لا ينتقيهم الله ويخرجهم حتى ينزل العذاب، فهذا حصل مع غير هذه الأمة، مع أمة هود وصالح وشعيب، فقد كان الله إذا أراد العذاب يأمرهم بالخروج، فيخرجون آخر الليل، ولما يبعدون من تلك الديار ينزل البلاء بها؛ لأنه عذاب عام، وأما هذه الأمة فلا يأتيها العذاب العام، وإنما يأتيها عذاب بالمرض والفقر والإهانة والذل كما تشاهدون.

    قال: [ وكيف لا ينزل البلاء ولا يصيب الأمة العذاب وقد تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى ] فاسمعها [ فأين الأندلس وأهلها؟ أين ممالك الهند الإسلامية وملوكها؟ أين مسلمو أوروبا الشرقية وديارهم؟ تحولت إلى دور لهو وباطل؛ وما ذلك إلا لظهور المنكر من خبث وشر وفساد وتركه حتى عم فنزل العذاب وعم ].

    قال: [ وأخيراً أيها القارئ! والمستمع! إليك ما يلي فاعلمه:

    أولاً: وجوب الاستجابة لأمر الله ورسوله فعلاً وتركاً معاً.

    ثانياً: تعيين اغتنام فرصة الخير إذا سنحت، وإياك والتفريط فيها! ] والآن نحن في المملكة لنا فرصة سانحة، فمر بالمعروف، وانه عن المنكر، وعلم وأرشد، فأنت في عافية، وفي البلاد أخرى لا يسمحون، وستزول هذه الفرصة إن أهملناها، فعجل، فـ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24].

    [ ثالثاً: وجوب الأمر بالمعروف إذا ترك والنهي عن المنكر إذا ارتكب، وإلا فسيعم الخبث وتهلك الأمة. فلنذكر هذا، ولنأمر بالمعروف ولننه عن المنكر ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    واعلموا أن العاقبة للمتقين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وصلى الله على نبينا محمد وآله.