إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 111للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في آخر السنة التاسعة أو أول السنة العاشرة وصل وفد من نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون مباهلته في أي الفريقين على الحق: النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعو إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، أو النصارى الذين يعتقدون بألوهية المسيح، فلما حضر النصارى رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مستعداً للمباهلة ومعه ابنته فاطمة وزوجها علي وابنيهما الحسن والحسين، فأدركوا ألا قبل لهم بهذه المباهلة فتركوها، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وصول وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [وثاني أحداثها:

    وصول وفد نصارى نجران إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم] وألفت النظر إلى أن هذا الحدث بالذات كان في آخر السنة التاسعة وليس في أول العاشرة، ولا فرق بالنسبة إلينا بين أن يكون في التاسعة أو في العاشرة.

    قال: [وفي هذه السنة العاشرة وصل وفد نجران، على رأس الوفد العاقب والسيد، يريدون مباهلة رسول الله صلى الله عليه وسلم] نجران معلومة لدينا الآن في جنوب المملكة، وهذا الوفد المكون من ستين عالماً أو راهباً يرأسه العاقب والسيد يريدون من مجيئهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران إلى المدينة على خيولهم مباهلة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [ليهلك من لم يكن على الحق في دعواه] المباهلة أن يدعو الحاضرون إن كان فلان على الحق فهو على الحق، وإن كان على الباطل أهلكه الله [إذ هم يدَّعون أن عيسى عليه السلام ابن الله] وفد نجران المسيحي الصليبي كان يعتقد أن عيسى ابن الله [تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً] ويعتقدون [أن المسيحية دين الله، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول: عيسى عبد الله ورسوله والدين عند الله الإسلام].

    فقالوا: نجتمع ونرفع أكفنا إلى الله ونضرع إليه ونسأله أن يهلك المبطل منا وينجي المحق، وهذا جاء في سورة آل عمران، إذ نزلت فيهم نيف وثمانون آية.

    [وفعلاً خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين ] هؤلاء أفراد أسرته، علي ابن عمه، وزوجه فاطمة ، والحسنان ولد فاطمة وعلي ، إذا هلكوا يهلكون وإذا نجوا ينجون، والوفد الثاني يهلك كل من فيه أو ينجو [فلما رأوهم] شاهدوا رسول الله وعن يمينه علي ويساره فاطمة وبين أيديهما الحسن والحسين ، لما شاهدوا هذا المنظر [خافوا] خوفاً حقيقياً [وقالوا: هذه الوجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لأزالها] وفشلوا، قال تعالى: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61].

    إذاً: ارتعدت فرائصهم وخافوا وهم ينظرون إلى رسول الله كالبدر، ومن حوله تلك الأسرة الطاهرة: فاطمة وعلي والحسنان، وقالوا: لو أقسمت هذه الوجوه التي يشاهدونها على الله أن يزيل الجبال لأزالها.

    [ولم يباهلوه] صلى الله عليه وسلم [وصالحوه على] أن يدفعوا [ألفي حلة ثمن كل حلة أربعون درهماً] سنوياً [وعلى أن يضيفوا رسل الرسول صلى الله عليه وسلم] إذا جاءوهم إلى بلادهم، سواء كان لهم فنادق أو ما لهم فنادق يضيفونهم إذا جاءوا لاستلام الجزية وما وجب لهم.

    [وجعل لهم ذمة الله تعالى وعهده أن لا يفتنوا في دينهم ولا يعشروا] أي: بدفع العشر [وشرط عليهم: ألا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به، وفيهم نزل نيّف وثمانون آية من سورة آل عمران، وفيها آية المباهلة، وبيان حقيقة عيسى وأنه عبد الله ورسوله، ولم يكن ابن الله، ولا بإله مع الله؛ إذ قص عليهم نشأة عيسى ابتداءً من جدته حنة إلى ولادة مريم له صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم تسليماً كثيراً].

    1.   

    نتائج وعبر من وصول وفد نصارى نجران إلى النبي صلى الله عليه وسلم

    [نتائج وعبر

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نوجزها فيما يلي:

    أولاً: هروب نصارى نجران من المباهلة: دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة دينه الإسلام، وبطلان المسيحية وألوهية عيسى عليه السلام.

    ثانياً: مشروعية إقرار أهل الكتاب على دينهم -وإن كان باطلاً- لنسخه بالإسلام.

    ثالثاً: حرمة أكل الربا والتعامل به حتى على أهل الذمة من يهود نصارى].

    1.   

    تفسير بعض آيات سورة آل عمران

    وجوب متابعة النبي لتحصيل محبة الله عز وجل

    وأذكر لكم تفسير بعض الآيات من سورة آل عمران:

    أول آية لما اعتذروا قالوا: نحن ما عبدنا عيسى ولا أمه إلا طلباً لحب الله تعالى لنا، يعني كنا نريد فقط من تأليهنا عيسى ووالدته، وحملنا على هذا طلب حب ربنا عز وجل، فأنزل الله تعالى قوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، يعني: إن كنتم كما تزعمون ما عبدتم عيسى وأمه إلا طلباً لحب الله فأنا أرشدكم إلى ما يكسبكم حب الله عز وجل وهو: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    قال العلماء: ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب، فإذا كنت تحب ليلى وأنت تائه في الصحارى من حبها وهي تبغضك ماذا استفدت؟ لم تستفد إلا الخسران والهلاك، إذاً فاطلب أن يحبك الله، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    ومن هنا معاشر المستمعين والمستمعات! من أراد منكم أن يحبه الله في صدق فليشتر حب الله، ولكن بماذا؟ بملء الأرض ذهباً؟ لا، لا يستطيع، يا من يريد أن يحبه الله عز وجل سأدلك على الطريق الموصل إلى ذلك، ألا وهو أن تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تمشي وراءه لا عن يمينه ولا عن شماله فضلاً عن أمامه، اعتقد ما يعتقد، وقل ما يقول، واعمل ما يعمل، وأحبب ما يحب، واكره ما يكره وهكذا .. لن تنهي مشيك إلا وقد أحبك الله عز وجل.

    يجب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والآداب والأخلاق، هذه هي مزكيات النفس ومطهراتها، لا تزال تمشي وراء رسول الله، تحب ما يحب، وتفعل ما يفعل، وتترك ما يترك.. فلا تمضي الليالي والأيام إلا وقد زكت نفسك، وطابت، وطهرت، وأصبحت كأنفس الملائكة، ومن ثم يحبك الله؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

    ومن لم يمش وراء رسول الله، وأراد أن يتفوق عليه أو يساويه ويعمل بغير ما يعمل به رسول الله تصبح نفسه أنتن وأخبث من أنفس الشياطين، وهل هذا يحبه الله؟ مستحيل! هذه هي الحقيقة.

    يا طلاب حب الله! الطريق إليه أن تعبدوه بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم بلا زيادة ولا نقصان، وأن تمشوا وراء نبيكم فهو إمامكم وأمامكم، ولا تزالون في تلك الطاعة حتى يحببكم الله؛ لأنكم طبتم وطهرتم.

    ولادة مريم عليها السلام وكفالة زكريا لها

    ثم ذكر الله تعالى لهم بداية نشأة عيسى -والله ورسوله الله أعلم بعيسى من عبدته- فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ [آل عمران:33-35] وعمران هو أحد صلحاء بني إسرائيل وأنبيائهم، وامرأة عمران هي حنة -من الحنين لا من الحناء التي تعرفونها- عليها ألف سلام، إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ وهي بين يدي ربها في ظلمات الليل تناجيه، ترفع أكفها إليه وتدعوه: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [آل عمران:35] والذي في بطنها جنين، نذرته نذراً لله، وسر ذلك أنها كانت لا تلد، وإذا بها في يوم من الأيام تشاهد عصفوراً طائراً يزق أفراخه ويطعمها في الحديقة، فجاشت لديها غريزة حب الولد، وقالت للرب تعالى: إن أعطيتني ولداً فهو لك، يعني: فقط أحمله وألده وأرضعه الرضاعة التي لا بد منها ثم هو لك، المهم أن تشفي صدري، وأن تزيل هذا الشوق في قلبي.

    واستجاب الله لها فحملت، قال تعالى: فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران:36] لأنها تخبره وهي تتأسف وتتحسر؛ لأن الولد يخدم الله عز وجل فيرابط، ويجاهد، ويعلِّم.. ولكن البنت ماذا تفعل؟

    إذاً: هذه حنة تتكلم مع الله عز وجل وهو يسمعها، وهي موقنة بسماعه؛ لأنها مؤمنة إيمان العارفين بالله.

    قال تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ [آل عمران:36] ومعنى مريم باللغة العبرية: خادمة الله، يعني سمتها خادمة الله، أي عابدة الله لا تخدم إلا الله، هذا هو معنى مريم، وهذه هي أم عيسى يا وفد نجران، أتريدون أن تعلموا رسول الله بحاله؟ فقطع ألسنتهم بهذا العلم.

    ثم قال: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ [آل عمران:36] يا رب وَذُرِّيَّتَهَا [آل عمران:36] من بعدها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36].

    وهكذا حصنت بنتها فقالت: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ أي: أحصنها وأحفظها بك وَذُرِّيَّتَهَا كذلك إذا ولدت، وكان لها ذرية أن تحفظهم بحفظك، وتحصنهم بحصنك يا رب، فكانت تحب الولد، وتحب له أن يعيش طيباً طاهراً لا يعرف إلا الله ولا يعبد سواه، فأبعدته عن الشياطين.

    قال تعالى: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران:37] لما وضعتها ولفتها في القماطة بعدما أرضعتها الرضعة الأولى الضرورية (اللبأ)، خرجت إلى علماء بني إسرائيل في المسجد وقالت: يا علماء! هذه نذيرة الله فخذوها، يعني: أنا نذرتها لله، لا أريد أن أسعد بها، فاختلفوا من يأخذها، ومن يشرف بأخذ هذه النذيرة، فما كان منهم إلا أن اقترعوا، فجمعوا أقلامهم وقالوا: نرسلها قلماً بعد قلم في النهر، وأيما قلم وقف في الماء كان أحق بكفالة هذه النذيرة، وبالفعل رموا بالقلم الأول، فمشى في الماء، والثاني كذلك.. ووقف الثالث، وكان صاحبه هو زكريا عليه السلام.

    قال تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران:44] أي: يا رسول الله وما كنت معهم ولا عندهم وهم يلقون أقلامهم في الماء، فأنت لم توجد بعد، ولكن عرفت هذا لأنك رسول الله، يوحي إليك بكلامه ووحيه، وهذه -والله- وحدها كافية لأن يدخل النصارى في الإسلام، فالرسول كان في مكة، وهم كانوا بالشام في فلسطين، إذاً كيف لا يكون رسولاً؟ مستحيل! هذه آية تثبت النبوة المحمدية، ومن تدبير الله الرحيم أن خالتها كانت زوجة لزكريا عليه السلام؛ فتربت مع خالتها، بعد أن حرمت من أمها.

    قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران:37] هذه نذيرة الله عز وجل، لا ينبغي أن تلعب مع البنات، ولا أن تأكل وتشرب مع الأولاد.. ولا.. ولا، فما إن ميزت حتى جعلوها في مقصورة في المسجد -المحراب هو بناية صغيرة لاصقة بالمسجد- لتعبد الله الذي خلقت من أجل عبادته، فهي منذورة لهذا، وكان زكريا عليه السلام يأتيها بالغداء والعشاء، وكلما دخل بطعامه وجد عندها رزقاً، قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا يعني: من أين هذا؟ كيف جاء لك؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ [آل عمران:37-38] يعني: أفاق زكريا، فما كان يرجو الولد وقد عُمّر حتى تجاوز الثمانين أو المائة، وامرأته عاقر، لم يسأل الله ما هو خلاف سنته، ولكن هنالك دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران:38].

    أرأيتم كيف هم الصالحون؟ كلما تتاح الفرصة يغتنمونها، فبعدما أفاق ورأى كيف تطعم مريم وتسقى بدون ما سبب ولا آلة ولا شخص دعا الله عز وجل أن يرزقه الولد، إذاً فالله قد يعطي ما به أسباب بدون أسباب.

    قال تعالى: فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ [آل عمران:39] نادته الملائكة بأصواتها -فهو رسول الله ونبي الله، يسمع الملائكة، ويعرف كلامها- وهو قائم يصلي في المحراب، ليس على المقهى، أو على طاولة اللعب، ونحن نبيت نرقص على التلفاز والآلات الموسيقية.. بيوتنا حُولت إلى مباءات تسمع فيها أصوات العواهر والماجنين، والساقطين، والكفار، والكاذبين، والمجرمين، بل أصبحت صورهم في بيت كثير من الناس، أهذا يرضي الله؟ أيرضي هذا رسول الله؟ أهذا يزكي النفس؟ هل هذا يطيبها ويعدها لولاية الله وكرامته؟!

    هذا هو واقع العالم الإسلامي إلا من رحم الله.

    إذاً: زكريا رسول الله في المحراب يقوم الليل، ورسولنا كان يقوم الليل ويتهجد فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران:39] يعني: بشرى بعد بشرى بعد بشرى.

    تفرغ مريم لعبادة ربها وتبشيرها بعيسى عليه السلام

    وأخذت مريم في عبادة الله في تلك البيت أو ذلك المكان، حتى بُشرت هي أيضاً، أتاها جبريل يقول لها: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [آل عمران:45] يعني: دخل عليها، فقالت له: أعوذ بالله منك إن كنت تقيا فقال: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ [مريم:19-21] الآيات.

    وعندنا هنا لطيفة وهي: أن حنة عندما تعوذت قالت: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36] فأعاذ الله مريم ، فما كذبت كذبة، ولا فعلت جريمة قط، وحفظها الله عز وجل، واستجاب الله كذلك دعوة حنة في ذرية مريم وهو ولدها عيسى عليه السلام، فقد عاش ثلاثاً وثلاثين سنة لم تسجل عليه خطيئة قط، وهي استجابة الله لدعوة جدته.

    1.   

    أهوال المحشر والمقام المحمود الذي يؤتاه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    ويخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم في حديث طويل عن عرصات القيامة وساحات فصل القضاء، والبشرية قد طال وقوفها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وإذا بالبشرية تأتي آدم عليه السلام وتقول: يا آدم أنت خلقك الله بيديه ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته فاسأله أن يقضي بيننا، يعني: اطلب منه أن يحكم بيننا، فقد طال وقوفنا على هذه الأرض، فيعتذر آدم.. ويذكر خطيئته الواحدة التي لا ثاني لها فيقول: لا أستطيع أن أكلم ربي اليوم، وقد غضب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، كيف أكلمه وقد نهاني عن الأكل من الشجرة فأكلت منها؟ ثم يقول لهم: عليكم بنوح عليه السلام أبو الأنبياء، وهو كذلك أبو البشرية الثاني.

    ونوح لبث في قومه تسعمائة وخمسين عاماً يدعوهم إلى الله ليل نهار، وكان يتعرض لعذاب لم تعرفه البشرية من السب والشتم والضرب والركل والبصاق، فيأتون نوحاً ويقولون: أنت كذا، وأنت كذا.. فاسأل ربك أن يقضي بيننا ويفصل بيننا فقد طال وقوفنا، فيعتذر نوح عليه السلام بسبب دعوة دعاها على البشرية عامة وهي قوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26] فقد سئمهم وملهم بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً وقال: يا رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، وما كان من حقه أن يسأل هذا السؤال.

    وقد حدث مثل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاءه جبريل عليه السلام بمكة وقال له: إن ملك الجبال قد أمر أن يطيعك فماذا ترى؟ أرأيت لو يطبق عليهم الأخشبين؟ فقال: ( لا، أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد ربي ).

    فنوح عليه السلام ذكر هذه الدعوة وكأنها ذنب أو خطيئة، وقال: لا أستطيع أن أكلم ربي، ثم قال لهم: عليكم بإبراهيم عليه السلام، فلما جاءوا إبراهيم قال لهم: من؟ أنا؟ أنا كذبت ثلاث كذبات، فكيف أخاطب ربي؟

    وقد عاش إبراهيم عليه السلام مائة وعشرين سنة كذب فيها ثلاث كذبات، وأسألكم بالله! كم تكذبون أنتم في اليوم الواحد؟ وكذبات إبراهيم تلك خير من صدقنا نحن، فوالله ما كذب إلا لله!

    الكذبة الأولى: لما جاءوه وقالوا: فلتخرج معنا لعيدنا، فنظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم! يعني: مريض ما أستطيع أن أخرج معكم، وأراد فقط أن يتخلف في المدينة ليدمر الآلهة الباطلة ويهدمها، فتركوه وخلت البلاد ودخل إلى بهو الآلهة وهي ساحة كبيرة، وكانت الآلهة محلاة بالفضة والذهب، فانهال عليها يحطمها، فحطمها كلها، ثم أخذ الفأس الذي كان بيده وربطه في عنق الإله الأكبر، فلما رجعوا من النزهة يريدون أن يأخذوا الطعام الذي باركته الآلهة؛ إذ يضعون بين أيديها البقلاوة والحلويات والأطعمة تباركها ثم يأخذونها بعد ذلك، وجدوا الآلهة مهشمة محطمة، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:59-61] وجاءوا به وقالوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:62-63] يشير إلى أصبعه، تورية، ومع هذا اعتبر هذه كذبة، ووالله ما هي بكذبة، ولكن ورّى بأصبعه فبهتوا! كيف تنطق الأحجار؟ ثم قالوا: حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ [الأنبياء:68].

    والثالثة هي: أنه لما هاجر من ديار بابل ديار الشرك والكفر بعدما صدر الحكم عليه بالإعدام، وبالفعل رموه في أتون الجحيم، ولكن الله سلم ونجاه من النار، ثم ودع البلاد، وخرج مع زوجته سارة وابن أخيه لوط، واتجه غرباً حتى انتهى إلى مصر، لما وصل إلى مصر في ذلك الزمان كان معه زوجته سارة وابن أخيه لوط، فجاء القوادون -باللغة المغربية- والجرارون بلغة أهل الحجاز.. إلى حاكم تلك البلاد وسلطانها وقالوا: توجد امرأة من أجمل نساء العالم لا تنبغي إلا لك، فهل نأتيك بها؟ قال: إلي بها! فجاءوا وأخذوا سارة ، وإبراهيم هنا وهو نبي الله ورسوله، قال: يا فلانة إن سألوك عن نسبتي إليك: فقولي أخي، فإنه لا يوجد على الأرض إلا أنا وأنت من المؤمنين؛ لأنها لو قالت زوجي قالوا: اقتلوه! أما إذا قالت: أخي، فالأخ لا يقتل، وإنما تتزوج أخته ويكفي.. فاعتبر إبراهيم عليه السلام هذه كذبة.

    وقد كانت من أجل أن ينقذ الله امرأته، وهل بلغكم كيف أنقذها الله؟

    لما طيبوها وصنعوها وألبسوها وأجلسوها على السرير كان الملك إذا وضع يده عليها يصاب بالشلل الفوري، فيفزع ويتحدث معها ويطالبها وعندما يهم بأن يضع يده عليها يصاب بالشلل.. حدث هذا ثلاث مرات، ثم قال: أخرجوا عني هذه!

    فكذبات إبراهيم تلك كانت أفضل من صدقنا نحن، والكذبات الثلاث إنما حدثت في مائة وعشرين سنة من حياته عليه السلام، ونحن نستبيح الكذب ونتوصل به إلى أغراض مادية هابطة، والعياذ بالله!

    إذاً: فاعتذر وقال: عليكم بموسى، فاعتذر موسى وقال: أنا قتلت نفساً. ووالله ما أراد قتلها، ولكنه قتلها خطأ فقط، فقد جمع يده وضرب القبطي في صدره؛ لينقذ ذلك الإسرائيلي من عذابه، قال تعالى: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:15-16].

    فيوم القيامة يذكر هذه الخطيئة ويقول: لا أستطيع أن أكلم ربي وقد قتلت نفساً، عليكم بعيسى -وهذا هو محل الشاهد- فعيسى لم يذكر ذنباً قط، ولكن قال: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وسبب ذلك هو دعوة حنة : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:36].

    فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا لها.. أنا لها.. أنا لها؛ إذ عنده وعد من الله عز وجل، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وهذا هو المقام المحمود الذي حمده عليه أهل الأرض والسماء، عندما يشفع في الفصل بين الخلق، فيقول له عز وجل: ارفع رأسك واسأل تعط، واشفع تشفع.

    1.   

    بعض مكاره الله عز وجل

    والآن مع مكاره الله عز وجل.

    يا أولياء الله! إليكم هذه المكاره لله، اكرهوها فإن وليكم يكرهها، ومن قال: لا، قطع الصلة بينه وبين ربه، فما هو بولي لله، بل هو عدو له عز وجل.

    أولاً: الشرك بالله.

    ثانياً: قتل النفس ظلماً.

    ثالثاً: الزنا.

    هذه كلها يكرهها الله فلتكرهها يا ولي الله!

    ولنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عن أعظم الذنوب فيقول له السائل: يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: ( أن تجعل لله نداً وهو خلقك )، هذا هو الشرك.. أن تجعل لله نداً ضداً تدعوه كما تدعو الله، تخافه كما تخاف من الله، تحبه كما تحب الله، تطيعه كما تطيع الله، تستعيذ به كما تستعيذ بالله، هذا هو الند الضد، فالمشركون هم الذين يدعون مع الله غيره، يذبحون وينذرون لغير الله مع الله، ويستغيثون ويستعيذون، ويركعون ويسجدون، ويذبحون للمخلوقات.. هؤلاء والله هم المشركون وإن صاموا وصلوا، فأنت لله ليس لغيره؛ من أجل أن تذكره وتشكره.

    ثم يقول السائل: ثم أي الذنب أعظم؟ فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك )، وكانوا يقتلون أطفالهم صغاراً في سنين القحط والجدب حتى لا يزاحمونهم، وكانوا يقتلون -كذلك- البنات خشية العار، ونحن الآن عندنا قتل نظامي وهو الإجهاض، فالذي تحمل امرأته ويجهض الولد ويسقطه -والله- قتل نفساً، وهو ممن يقتلون أولادهم خشية أن يطعموا معهم، اللهم إلا إذا كان لم يبلغ الجنين أربعة أشهر، أي لم يكن قطعة من اللحم وإنما ما زال منياً أو علقة فقط، فإذا كانت المرأة مريضة وقال الأطباء: إنها تهلك إذا حملت، يجوز لها أن تسقط هذه النطفة، أما إذا أصبحت جنيناً فلا يحل إسقاطها أبداً.

    فالإجهاض نوع من قتل الأنفس كما كان في الجاهلية.

    ثم قال السائل: ثم أي؟ فيجيب الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: ( أن تزني بحليلة جارك )، ولا فرق بين الجار وبين البعيد، فالزنا كبيرة من كبائر الذنوب، والمحصن يقتل بالحجارة، وغير المحصن الذي لم يتزوج بعد يجلد مائة جلدة عند باب المسجد، ويغرب سنة كاملة عن بلاده، وإنما الزنا بحليلة الجار أفظع وأقبح وأسوأ، كيف يأمنك جارك على أهله ثم تخونه وتزني بامرأته أو ابنته؟ ثم قال السائل: ( ولو زدته لزادني ).

    فهذه ثلاث عظائم من عظائم الذنوب المبغوضات، المكروهات إلى الله تعالى، فاحذرها يا عبد الله الطالب لولاية الله عز وجل، وليكن حذرك كما يلي.

    أولاً: أن تكرهها وتبغضها، بكره الله تعالى وبغضه لها.

    ثانياً: أن لا تفعلها أبداً.

    ثالثاً: أن تكره وتبغض بكره الله تعالى وبغضه كل من يفعلها من الناس قريباً كان أو بعيداً، مؤمناً أو كافراً.

    والله تعالى أسأل أن يحقق لنا ولايته.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..