إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 97للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحداث الهامة والوقائع التاريخية التي تلت أحداث فتح مكة إسلام عباس بن مرداس في قصة عجيبة حدثت له مع صنم كان يعبده، ومن الأحداث أيضاً هدم خالد بن الوليد للعزى الذي كان من أهم الأصنام التي تعبد من دون الله في الجاهلية، كما أنه كان لغزوة هوازن صدى وأثر كبير وقوي؛ إذ القوة الإسلامية أصبحت كبيرة، والصوت الإسلامي أصبح يتردد في شرق الأرض وغربها، وحدثت أمور، وتلت وقائع كثيرة.

    1.   

    حدثان هامان عقيب الفتح

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    قد انتهى بنا الدرس إلى أحداث السنة الثامنة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وها نحن مع آخر أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة؛ إذ فتحها في العشر الأواخر من شهر رمضان وجلس بها إلى نهايته، والآن يريد أن يتحرك نحو الشرق لما بلغه من تجمع المشركين لقتاله هناك.

    يقول المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [حدثان هامان] والحدث ما يحدث، والهام ذو الأهمية [عقيب الفتح] أي: بعد فتح مكة، فقد كانت مغلقة في أيدي المشركين، ففتحها الله عز وجل على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، واقرءوا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] و إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1].

    أولاً: إسلام عباس بن مرداس

    قال: [الأول: إسلام عباس بن مرداس ] إسلام عباس بن مرداس حدث مهم من الأحداث التاريخية.

    [كان لوالد عباس بن مرداس وثن] صنم [يعبده يسمى ضمار] كقطام وحذام ممنوع من الصرف [فلما حضره مرداس قال لولده عباس ] والولد أصغر من الأب قطعاً [أي بني] أي: ولدي! ناداه بلطف [اعبد ضمار] دعاه إلى عبادة وثنه ضمار [فإنه ينفعك ويضرك] أي: إن أنت عبدته وأحببته، ويضرك إن أنت أعرضت عنه وتركته، وهذا كلام جاهل في ظلام الجاهلية [فبينما عباس يوماً] من الأيام [عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار منادياً يقول] وألفت النظر إلى أن الشياطين من الجن كانت تتمثل للمشركين فيشاهدون لها صوراً ويسمعون لها أصواتاً، وهي التي رغبتهم في عبادة تلك التماثيل، ومن ذلك ما سنقص الآن.

    قال: [قل للقبائل من سليم كلهـا أودى ضمار وعاش أهل المسجد] وأودى: هلك. أي: أن هذا الجني أسلم.

    إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتدي] الجني يتكلم.

    [أودى ضمار وكان يعبد مرة قبل الكتاب إلى النبي محمد] والجن وفدوا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقلوا رسالته إلى إخوانهم، وقد بين القرآن هذا.

    قال: [فحرق عباس ضمار] لما سمع ما سمع قام إلى هذا التمثال فحرقه بالنار [ولحق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه] فهنيئاً لك يا عباس بن مرداس ! والله يخرج الحي من الميت، فـمرداس المشرك أصبح ابنه العباس موحداً.

    ثانياً: هدم خالد بن الوليد للعزى

    قال: [والثاني] حدث آخر هام [هدم خالد بن الوليد للعزى] وقد ذكرها الله تعالى في القرآن، فقال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم:19]، وهي من أشرف أصنام المشركين وأعزها إضافة إلى هبل ومناة وغيرها ..

    قال: [وفي الخمس الأواخر من شهر رمضان] في مكة، وخالد من غزاة مكة وفاتحيها [والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة] بعد فتحها استراح فيها [بعث صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها، وهي عبارة عن بيت له سدنة] ولم يكن في ذاك الوقت قباب، ولكن كان بيت كالكعبة، مربع وله سدنة يحرسونه، ويأخذون ما يقدمه الزوار والمتقربون [تعظمه قريش وكنانة ومضر] وهم أكبر قبائل العرب، والعزى مأخوذة من لفظ العزيز، والسدنة جمع سادن، وهو الحارس أو البواب المسئول عن حراسة الصنم [وهو بنخلة: مكان بين مكة والطائف، ولما سمع سادن العزى بمقدم خالد إليها ليهدمها علق بها سيفه] والعرب كغيرهم كانوا يحملون السيوف [وقال يخاطبها:

    أيا عُزّ شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري

    يا عزّ إن لم تقتلي المرء خالداً تبوئي بإثم عاجل أو تنصري] يعني: تنصري فما أنتِ بأهل لأن نعبدكِ.

    [فلما انتهى إليها خالد ] أي: وصل إليها [جعل السادن يقول: أعزى بعض غضباتك] أي: عجلي بغضبك وانتقامك ممن يؤذيك [فخرجت امرأة سوداء حبشية عريانة مولولة] لا يسترها شيء، وهي التي كانت تكلمهم وتضحك عليهم من داخل البيت [فقتلها خالد وكسر الصنم وهدم البيت الذي كان فيه، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي صنع، فقال صلى الله عليه وسلم: ( تلك العزى لا تعبد أبداً )] وصدق رسول الله، فما عبدت بعد ذلك، إلا أن الشياطين ما سمحوا لنا أن نبقى على التوحيد، فقد بنيت قباب وأضرحة في بلاد العرب والعجم وعبدت كما عبدت العزى وأشد، كانوا يصرخون بها، ينادونها ويستغيثون بها، وينقلون إليها المرضى، ويذبحون لها الذبائح، ويحلفون بها معظمين لها أكثر من تعظيم العزى، وهذا في بلاد العرب أجمعين، حتى في هذه الديار قبل دولة عبد العزيز ، وعلة ذلك الجهل وعدم العلم والبصيرة، وتفرق الأمة، وبعدها عن مصدر هدايتها الكتاب والسنة -قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم- فلا تعجب ولا تتعجب!

    قال: [وهدم عمرو بن العاص ] البطل، رجل السياسة الحربية [سواعاً، وكان برهاط لهذيل] وسواع إله من خمسة آلهة نقلت من بلاد الشام إلى بلاد العرب ذكرها الله تعالى في القرآن، قال عز وجل: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] وهذه نصيحة لبعضهم البعض وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23].

    وهؤلاء الآلهة أخبرنا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بأنهم كانوا عباداً صالحين قبل نوح -ما بين شيث ونوح- فلما ماتوا رأى بعض البصراء أو الأذكياء أن توضع لهم صور حتى إذا رآهم الناس تذكروا الصلاح والصالحين والعبادة والعابدين، فوضعوا لهم التماثيل، ومضت مائة سنة أو مائتين وجاءت أجيال بعد ذلك فعبدتهم من دون الله!!

    قال: [فلما كسر عمرو الصنم أسلم سادنه] ذاك البواب أو الحارس أسلم [وهدم سعد بن زيد الأشهلي مناة بالمشلل] في جبيل في طريق قديد -قريبة من قديد- والآلهة الأخرى كانت شرق مكة.

    1.   

    غزوة هوازن

    قال: [وثالث عشر أحداثها] أحداث السنة الثامنة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    [غزوة هوازن] وهوازن قبيلة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وانسلخ شهر رمضان بانتهاء فتح مكة المكرمة، وما زال الرسول صلى الله عليه وسلم بها] أي: بمكة [حتى بلغه أن هوازن لما سمعت بفتح مكة، جمعها مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر، وكانوا خائفين من أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة] لما بلغهم أن الرسول فتح مكة وانتصر خافوا أن يغزوهم الرسول [وقالوا: لا مانع له من غزونا، فمن الرأي] السديد والصائب [أن نغزوه قبل أن يغزونا] رؤساء القبيلة قالوا هذا، ما دام فتح مكة فسيغزونا، فمن الرأي والحكمة أن نغزوه نحن قبل أن يغزونا. والله يسوق أقداراً لأقدار!

    قال: [واجتمع إليه ثقيف] أهل الطائف [يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف وذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك، ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن بكر ، وناس من بني هلال، ولم يحضرها كعب ولا كلاب وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كيس ذو رأي] كان من أفراد قبيلة جشم دريد بن الصمة وهو شيخ كبير ذو رأي.

    رأي صائب لم يقبل

    قال: [رأي صائب لم يقبل] هذا عنوان وضعناه، وهذا الرأي كان رأي دريد بن الصمة .

    [فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع مع الرجال المقاتلين النساء والأطفال والأموال] هذا مالك القائد لما اجتمع الرجال جمع معهم النساء والأطفال والأموال: الإبل والبقر .. [ولما نزلوا أوطاس قال دريد بن الصمة : بأي واد أنتم؟] لأنه لا يبصر، أعمى لكبر سنه [قالوا: بأوطاس ، قال: نعم مجال الخيل لا حزن ضرس، ولا سهل دهس] أي: أرض يمكنكم القتال عليها [ثم قال: ما لي أسمع رغاء البعير] أي: صوته [ونهاق الحمير ويعار الشاء] ما هذا؟ [وبكاء الصغير] تعجب كيف خرجوا ليقاتلوا عدواً فيأخذون معهم نساءهم وأطفالهم وإبلهم وأغنامهم [قالوا: ساق مالك مع الناس ذلك] يعني: مالك رئيسنا أو قائدنا ساق هذه مع الناس.

    [فقال] دريد [يا مالك ! إن هذا اليوم له ما بعده، ما حملك على ما صنعت؟] وهؤلاء الرجال الأفذاذ في العالم لا يخلو منهم زمان ولا مكان [قال: سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله] بمعنى يثبت في القتال لأن أطفاله وامرأته معه [فقال دريد : راعي ضأنٍ والله] يعني: لست برجل سياسة ولا حرب وإنما راعي غنم! ولكن تلطف في قوله [هل يردّ المنهزم شيء؟] أي: المنهزم إذا انهزم لا يرده شيء، لا ماله ولا نساؤه ولا أطفاله [إنها إن كانت لك] أي: المعركة [لم ينفعك إلا رجل سيفه ورمحه] هذا الذي ينفعك [وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك] هذا كان رأيه.

    [ثم قال] أي: دريد بن الصمة [ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها أحد منهم] أخذ يتفقد القبائل التي يعول عليها [قال: غاب الجد والحد] يعني: ما دام كلاب لم تحضر ولا كعب فقد غاب الجد والحد [لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب] أي: لو كان هذا اليوم يوم عز ورفعة لحضرت معكم كعب وكلاب، لكن عرفوا أنه يوم الهزيمة المرة [وودت لو أنكم فعلتم ما فعلا] أي: تأخرتم عن القتال كما تأخرت كعب وكلاب.

    [ثم قال: يا مالك ارفع من معك إلى عليا بلادهم، ثم الق الصُّبّاء على متون الخيل] والصُّبّاء جمع صابئ وهو: المائل إلى دين غير دين آبائه، يريد بذلك المسلمين [فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك] قسم له الجيش قسمين.

    [فقال مالك : والله لا أفعل ذلك] ما رضي بهذا الرأي [إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن! أو لأتكأن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري] هذا مالك يقول: يا بني فلان! لتطيعنني ولا تسمعوا لما يقول دريد بن الصمة أو لأتكأن على السيف حتى يخرج من ظهري، فأموت وأترككم منتحراً [ولم يقبل رأي دريد . ثم قال مالك : أيها الناس! إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم، وشدوا عليهم شدة رجل واحد] يحفز رجاله ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    عيون ترى الملائكة

    قال: [عيون ترى الملائكة] أي: عيون بشر ترى الملائكة.

    [وبعث مالك عيوناً له] جواسيس أو خبراء يقدرون جيش محمد ليعرفوا كيف يقاتلوه، وهذه الخبرة العسكرية [فرجعوا إليه، وقد تفرقت أوصالهم وذهبت عقولهم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى] أي: شاهدوا الملائكة على خيل بيض فأصيبوا بخلط في عقولهم وخبط [ولم ينهه ذلك عن وجهه] سمع هذا الذي قالوه وجاءوا شبه مجانين أو مرضى وما صرفه ذلك عن خطته، وركب رأسه، وما قبل رأي دريد بن الصمة ولا قبل رأي خبراه الذين بعثهم إلى جيش محمد صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ولم يثنه عن عزمه على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. والرجال الذين رأتهم العيون هم الملائكة، إذ قال تعالى: وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [التوبة:26]] في غزوة هوازن [أي: لم يرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يحضرون المعركة].

    1.   

    خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن

    قال: [خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن] خروجه من مكة.

    [ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمعت عليه هوازن من حربه والتصدي له؛ إذ كان قد أرسل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي إلى هوازن لينظر ما هم عليه] والرسول صلى الله عليه وسلم لم تكتحل عين الوجود بأحكم ولا أعلم ولا أتقن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يتلقى معارفه من الملكوت الأعلى، فبعث هذا الرجل، وقال: اذهب إلى هوازن وجس النبض وأعطنا صورة لهم قبل الدخول في المعركة.

    قال: [فذهب عبد الله ودخل بينهم وهم لا يعلمون به] لأنها أمة من جنس واحد ولباس واحد، كلهم عرب، فدخل بينهم ولم يشعروا [وتعرف إلى كل ما قاموا به وأجمعوا عليه، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم، فأجمع الرسول صلى الله عليه وسلم المسير إليهم] أي: أجمع على السير إليهم.

    قال: [وبلغه أن صفوان بن أمية عنده أدرع] جمع درع [وسلاح] بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الناس أن هذا الرجل صفوان بن أمية يملك أدرعاً وسلاحاً [وكان لم يسلم بعد، فاستعار منه مائة درع بما يصلحها من السلاح] استعار من كافر وهو صفوان بن أمية مائة درع، وكان صفوان رجل حرب أو تاجر سلاح وما أسلم بعد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يقتل الرجل لأنه لم يسلم، إلا إذا جاء يقاتل فإنه يقتل، ومن هنا استعار منه هذه الدروع والسلاح.

    [واستخلف على مكة عتاب بن أسيد ] تركه والياً عاماً في مكة بعده [وخرج في اثني عشر ألفاً: ألفان من مسلمة الفتح] الذين أسلموا من يومين أو ثلاثة فقط [وعشرة آلاف من الجيش الفاتح] ممن فتحوا مكة من الأنصار والمهاجرين [ولما ساروا قال قائل: لن نغلب اليوم من قلة، وفي هذا يقول تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25].

    وهذا هو التبجح الذي كنا نسمعه من جيوش العرب، قبل دخول المعركة مع اليهود، بل كنا نسمع كلاماً فوق هذا، وما هي إلا أربعة أيام أو خمسة حتى ينهزموا ويتوقف القتال!. وهذا المسكين ماذا قال؟ لن نغلب اليوم من قلة -على الأقل لو قال: إن شاء الله!- معتزاً بكثرة الناس، فأنزل الله تعالى قوله يذكرهم ليتوبوا ويستقيموا: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:25] اذكروا إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25] إذ كانت هزيمة مرة.

    طلب جاهلي مرفوض

    قال: [طلب جاهلي مرفوض:

    وأثناء مسير الجيش إلى حنين، مروا بشجرة من السدر] وهي: شجرة النبق [خضراء كبيرة] وهم سائرون والرسول قائدهم مروا بشجرة من السدر خضراء كبيرة [فنادى رجال من مسلمة الفتح] ممن أسلموا من أربعة أيام أو خمسة [يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط] يعني: اجعل لنا شجرة ننيط بها سلاحنا حتى ننتصر، وهذا فعله العرب والمسلمون اليوم تجدهم يتبركون بالأضرحة والقبور، وهؤلاء قالوا: المشركون لهم شجرة تسمى ذات أنواط يعلقون بها سلاحهم ثم يأخذونه فينتصرون، فاجعل لنا مثل هذه الشجرة يا رسول الله. فبم يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الطلب الجاهلي؟

    قال: [وهي شجرة كبيرة يزورونها كل سنة ويقيمون عندها يوماً وليلة ويعلقون بها أسلحتهم تبركاً ويذبحون عندها] والله كما في بلاد العرب اليوم [فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبهم قال: ( الله أكبر، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف:138] )] وكان موسى لما انتصر مع بني إسرائيل على فرعون وجيشه وخرجوا من الديار المصرية، في أثناء الطريق في صحراء سيناء مروا بقرية ولأهل القرية عجل يعبد، فقالوا لموسى: يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وبالأمس نصرهم الله من مائة ألف مقاتل وأغرقهم في البحر ونجاهم.

    وعلة هذا عند أهل العلم: أنهم ما ربوا في حجور الصالحين، فقد عاشوا فقراء أو عمالاً، نساء ورجالاً ما اجتمعوا أبداً ولا لقنوا التوحيد ولا عرفوا الله، فموسى وأخوه هارون يحاربان سلطة فرعون ورجاله، فلجهلهم ما إن شاهدوا أهل القرية عاكفين على أصنامهم حتى قالوا: يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ[الأعراف:138] فقال لهم موسى: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الأعراف:138-140]، فلا عجب أن أهل مكة عندما يشاهدو تلك الشجرة الخضراء ترق قلوبهم وتلين نفوسهم، ويقولون: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط نتبرك بها!

    ثم قال: [( إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم )] أي: إنها السنن المسلوكة، والطرق المعتادة، وفي حديث: ( شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )، وهذه هي طبيعة البشر، إذا فقدوا النور ودخلوا الظلام يفعلون ما لا يُعقل.

    قال: [ورفض طلبهم الجاهلي، ولم يعنفهم لأنهم حديثو عهد بالجاهلية] ما عنفهم وقال: يا مشركون! يا جهال! يا كفار! ما تستحون؟! كما نعمل نحن، ولكن رد عليهم بلطف وظرف [وساروا حتى استقبلوا وادي حنين فانحدروا فيه -وهو واد أجوف حطوط- انحداراً وهم في عماية الصبح] ما زال الظلام بعد فلم تطلع الشمس [وكان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي فكمنوا لهم في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فما راع المسلمين إلا الكتائب قد شدوا عليهم شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: (أيها الناس! هلموا إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله) قالها ثلاثاً، ثم احتملت الإبل بعضها على بعض في معترك عجيب، إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، ومنهم أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد ] هؤلاء بقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    [وكان في مقدمة هوازن رجل على جمل أحمر بيده راية سوداء، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رايته على رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فتصدى له علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله وأراح الناس منه].

    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ..