إسلام ويب

سلسلة منهاج المسلم - (158)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرض هو دفع مال لمن ينتفع به ثم يرد بدله، وهو مستحب للمقرض ويؤجر عليه، وشروطه معرفة قدر القرض بكيل أو وزن أو عدد، ومعرفة صفة القرض، وأن يكون المقرض ممن يصح تبرعه، ويملك القرض بالقبض، ويرد مثله أو قيمته.

    1.   

    القرض

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة، ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، ذلكم الكتاب الحاوي للشريعة الإسلامية بكاملها عقائد وآداباً وأخلاقاً وعباداتٍ وأحكاماً، وهو جامع لهذه الأمة ولا يفرق بينها، فلا طائفية ولا مذهبية ولا حزبية ولكن مسلم، أسلمت قلبي ووجهي لربي، مرني بما أمرني ربي أفعل، بين لي ما نهى عنه ربي أنتهي.

    وقد انتهى بنا الدرس إلى [الفصل الخامس في جملة أحكام شرعية. وفيه تسع مواد] لأنه مكتوب كالدستور، تسع مواد [المادة الأولى: في القرض].

    تعريف القرض

    [ أولاً: تعريفه: القرض لغة: هو القطع ] قرضه: قطعه.

    [ وشرعاً: دفع مالٍ لمن ينتفع به، ثم يرد بدله ] فالقرض هو القطع لغة، لكن شرعاً: دفع مالٍ قل أو كثر لمن ينتفع به ثم يرد بدله [ وذلك كأن يقول محتاج لمن يصح تبرعه ] أي: يقول محتاج لمؤمن يصح تبرعه؛ لأنه رشيد وكبير السن ليس غلاماً ولا مجنوناً: [ أقرضني أو أسلفني كذا من مال أو متاع أو حيوان مدة، ثم أرده عليك فيفعل ] هذا هو القرض في الشرع الإسلامي، فهو دفع مالٍ قل أو كثر، ندفعه لمن ينتفع به ثم يرده إلينا، وذلك كأن يقول محتاج مثلي لمن يصح تبرعه: يا فلان! أقرضني أو أسلفني كذا من مال أو متاع - سيارة أو غيرها- أو حيوان مدة ثم أرده عليك فيفعل. هذا هو القرض. وبهذا نعرف القرض في الإسلام.

    حكم القرض

    [ ثانياً: حكمه ] حكم القرض في الشريعة: [ القرض مستحب ] ليس واجباً ولا مكروهاً، بل مستحب، فاعله يؤجر عليه [ بالنسبة للمقرض ] فهو مستحب بالنسبة للمقرض، الذي يقرض غيره؛ وذلك [ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245] ] يُقْرِضُ اللَّهَ : يعطي مالاً للجهاد أو للفقراء والمساكين أو لبناء مسجد أو فتح طريق [ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11] ] ففتح الله باب القرض على وجه الاستحباب، وليس أمراً، فقال: مَنْ ذَا الَّذِي ؟ [ وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ) ] فإذا كان هناك محتاج ضاقت به الحال وطلب منك قرضاً سلفة فأعطيته فهذه حسنة عظيمة، يقول فيها الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ). ويوم القيامة ويوم الساعة فيه كرب لا تعد ولا تحصى. الآن عرفنا المقرض، وأنه يستحب له القرض لا يجب عليه، لكن يستحب ويثاب ويؤجر [ وأما بالنسبة للمقترض ] الذي طلب القرض [ فهو جائز مباح لا حرج فيه ] أبداً؛ إذا قد ( استقرض الرسول صلى الله عليه وسلم بكراً من الإبل ورد جملاً خياراً )] فيجوز أن ترد أكثر مما أخذت كما سيأتي [قال: ( إن من خير الناس أحسنهم قضاءً )] فمن خير الناس وأحسنهم من يرد القضاء، مثل أن يستقرض منك سيارة قديمة ويردها لك جديدة، أو يستقرض منك نعجة مريضة ويردها لك كبشاً سليماً، فيجوز، ولنحفظ هذا الحديث: ( إن من خير الناس أحسنهم قضاءً ). فإذا استقرضت منه ثوباً بمائة ريال ثم أغناك الله رددت عليه ثوباً بألف ريال فلا حرج، فأنت أحسن الناس قضاء.

    إذاً: عرفنا القرض، وأن حكمه الجواز، فهو مستحب بالنسبة للمقرض وجائز للمستقرض، فيجوز أن يطلب ولا حرج.

    1.   

    شروط القرض

    [ ثالثاً: شروطه ] أي: شروط القرض [وهي]:

    معرفة قدر القرض بكيل أو وزن أو عدد

    [أولاً: أن يعرف قدر القرض بكيل أو وزن أو عدد] أن يعرف مقدار القرض، فإذا كان مما يكال بكيل، أو مما يزان يوزن، أو بالعدد مما يعد، فلا بد وأن يعرف، فإذا أقرضت شخصاً شيئاً فلا بد أن تعرف عدده .. كميته .. نوعه، وهذا الشرط لا بد منه، فهو لا يريد أن تعطيه قرضاً لا يدري كم هو؛ إذ لا يدري المستقرض كيف يرده، ولا المقرض كيف يطالبه به.

    معرفة صفة القرض

    [ ثانياً: أن يعرف وصفه وسنه إن كان حيواناً ] إذا كان القرض بعيراً أو بقرة أو شاة فلا بد وأن يعرف وصفه أبيض .. أسود .. أحمر، وسنه جذع أو غيره، فلا بد من معرفة السن، هذا إن كان حيواناً.

    أن يكون القرض ممن يصح تبرعه

    [ ثالثاً: أن يكون القرض ممن يصح تبرعه ] القرض يكون ممن يصح أن يتصدق ويعطي [ فلا يصح ممن لا يملك ] فلا يصح القرض ممن لا يملك شيئاً، وإذا كان لا يملك شيئاً فلن يقدر أن يتبرع أو يقرض [ ولا من غير رشيد ] فالمجنون أو المريض أو السفيه لا نستقرض منه، ولا نأخذ منه؛ لأنه غير رشيد، فلا بد وأن يكون رشيداً بالغاً ذا عقل ومعرفة، فلا تستقرض من مجنون وتقول: أرده إليه، أو من طفل صغير.

    1.   

    أحكام القرض

    [ رابعاً: أحكامه: للقرض أحكام هي: ]

    ما يملك به القرض

    [ أولاً: أن يملك القرض بالقبض ] فإذا قبض ملك، فإذا قلت لك: أقرضني ألف ريال فإذا وضعتها في يدي تم القرض بالملك، وقد ملكتها [ فمتى قبضه المستقرض ] الذي طلب القرض [ ملكه ] وأصبح ملكه [ وأصبح في ذمته ] حتى يرده، فهو مسئول عنه، فالقرض يملك بالقبض، فإذا قبضت السيارة أو الدابة أو الشاة أو الألف ريال ملكته بالقبض، فإذا استقرضت سيارة وما أخذتها ما ملكتها، وإذا استقرضتني ألف ريال فقلت: نعطيك وما أخذتها فهذا ليس قرضاً، فلا بد فيه من الملك، فمتى قبضه المستقرض ملكه وأصبح في ذمته.

    حكم القرض إلى أجل

    [ ثانياً: يجوز القرض إلى أجل ] معين محدد، كأن يكون إلى شهر .. شهرين .. سنة، يجوز إلى أجل، فيجوز أن أستقرضك ألف ريال أسبوع، أو أن أقول لك: الخميس الآتي أردها إليك، فلا بأس [ وكونه بدون أجل أحسن ] فكونه بدون أجل أفضل، أما إذا كان مؤجلاً إلى يوم كذا أو يوم كذا فقد يقع في الإشكال، فالأفضل أن يكون بدون تحديد أجل، وأما إذا قلت: إلى نهاية رمضان أو أول الحج ثم ما فعلت فيا ويحك! فكون القرض بدون أجل أحسن؛ [ لما فيه من الإرفاق بالمستقرض ] فالمستقرض يتعب إذا حددت له الأجل، وما حصل على ذلك المال في ذاك الوقت، فأحسن أن يكون مطلقاً.

    القرض يرد عينه أو مثله أو قيمته

    [ ثالثاً: إن بقيت العين ] المستقرضة [ كما كانت يوم الاقتراض ردت ] كما هي، فالسيارة إن بقيت كما كانت رددناها، والشاة إن بقيت كما كانت رددناها، والثوب إذا بقي كما كان رددناه، فاذكروا هذا [ وإن تغيرت بنقص ] نقص منها شيء [ أو زيادة ] زاد منها شيء [ رد مثلها ] والزيادة والنقص على المستقرض لا على المقرض [ إن كان لها مثل وإلا فقيمتها ] فإن كان للشاة مثل يرد مثلها، وإن لم يكن لها مثل يرد قيمتها.

    معاشر المستمعين! هذا هو العلم الذي يجب أن يعلمه المؤمنون؛ لأن الإسلام ليس صلاة وصياماً فقط، بل هو مع ذلك جهاد وعمل، وأخوة وإسلام وإيمان، وصدق ووفاء، فانظروا كيف يتتبع الإسلام كل شيء، سبحان الله!

    مكان رد القرض

    [ رابعاً: إن كان القرض ] أي: المستقرض [ لا مؤونة ] ولا تعب أبدً ولا كلفة ولا عمل [ في حمله ] كالدراهم والدنانير ليس فيها تعب ولا مؤونة في حملها [جاز وفاؤه في أي مكان أراد المقرض ] فأعطه لصاحبه في أي مكان ولا حرج، فإذا كان القرض دنانير .. دراهم فليس شرطاً أن يكون في المدينة، فإذا أعطاك وأنت في جدة يجوز .. وإذا أعطاك وأنت في الطائف يجوز أن ترده نقداً؛ لأن ما فيه كلفة، لكن إذا كان القرض سيارة من جدة فيجب أن تحملها أنت إلى المدينة، ويجب أن توصلها إلى المدينة، أو كان شاة أو بعيراً فيجب أن تحمله [ وإلا فإنه لم يلزم المقترض وفاؤه في غير موضعه ] فلا يلزم إلا في موضعه، فإذا قلت: احضره إلى جدة أو إلى الشام لا يجوز، بل إذا أنا أعطيتك الشاة هنا في المدينة فتعطيني إياها في المدينة، ولا أقول: خذها إلى الطائف، بل لا بد من مكانه.

    وهذه القضية مهمة، وهي: إن كان القرض لا مؤونة ولا كلفة ولا شيء في حمله جاز وفاؤه ورده في أي مكان أراد المقرض، وإلا فإنه لم يلزم المقترض وفاءه في غير موضعه فقط، فإذا أقرضتك في المدينة فلا أقول لك: رده في الطائف وأكلفك حمل هذا المال إلى الطائف، فهذا لا يجوز.

    حكم القرض إذا جر نفعاً

    [ خامساً: يحرم أي نفع يجره القرض للمقرض، سواء كان بزيادة في القرض، أو بتجويده ] أو تحسينه [ أو بنفع آخر خرج من القرض إن كان ذلك بشرطٍ وتواطؤ بينهما ] فلا يجوز، فإذا أقرضتك سيارة يحرم أن يجر لي هذا القرض شيئاً آخر زائداً عن السيارة، فإذا أقرضتك سيارة قديمة لا أقول لك: ردها لي جديدة، أو قلت لك: أقرضني عشرة ألف ريال وإن شاء الله أرد لك أحد عشر ألفاً فهذا ربا واضح لا يجوز، وكذلك إذا استقرضت منك شاة على أن أرد لك شاة وخروفاً لا يجوز، سواء اشترطت أو تواطأت معه [ أما إذا كان مجرد إحسان من المقترض فلا بأس ] وإذا كان بدون شرط ولا اتفاق بينهما فلا حرج، وأما إذا كان عن اتفاق بينهما بأن يعطيه كذا فهذا ربا ولا يجوز [ إذ أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جملاً خياراً رباعياً في بكرٍ صغير ] كما قدمنا، وهو لم يشترط على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطيه هذا، لكن رد له أحسن مما أعطاه، ولا حرج [ وقال: ( إن من خير الناس أحسنهم قضاءً ) ] اللهم اجعلنا منهم. فإن كنت تشترط على من تقرضه أن يعطيك أكثر مما أخذت فهذا لا يجوز، فلا يجوز أن تقرضه دابة .. حماراً وتقول: أعطني بقرة أو بغلاً، فهذا لا يجوز أبداً، لكن إذا هو رد ما هو خير له ذلك كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد استقرض بكراً ورد بعيراً كاملاً.

    وبهذا عرفنا القرض الآن والاستقراض والمقرض والمقرَض، ولنقم بذلك إذا شاء الله، فقد علمنا والحمد لله.

    1.   

    الوديعة

    [المادة الثانية: في الوديعة] والوديعة ما تودعه لأحد.

    تعريف الوديعة

    [ أولاً: تعريفها: الوديعة: ما يودع - أي: يترك- من مالٍ وغيره لدى من يحفظه ليرده إلى مودعه متى طلبه ] كأن تقول له: من فضلك خذ هذه السيارة .. خذ هذه الشاة .. خذ هذا البعير .. خذ هذه الألف ريال دعها عندك محفوظة، ويوم أريدها ردها إلي، فهي وديعة في ذمتك. فلا تودع سيارتك لمن لا يحفظها، ولا تودع مالك لشخص يأخذ منه أو يفسده، فالوديعة ما يودع - أي: يترك- من مال وغيره عند من يحفظه، فلا يضيع؛ ليرده إلى مودعه يوم يطلبه منه، ويقول: أعطني الوديعة التي أودعتك إياها، والناس يتعاملون بهذه الوديعة، فهو يقول: خذ هذا المال دعه عندك حتى أعود إن شاء الله مثلاً.

    حكم الوديعة

    [ ثانياً: حكمها ] أحكام الوديعة، فبعد أن عرفنا الوديعة نعرف الآن أحكامها[ الوديعة مشروعة ] جائزة [ بقول الله تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283] ] أي: أعط للذي ائتمنك أمانته، وأد الأمانة، فلا تبخل بها ولا تبخسها ولا تأخذها، فما دام قد ائتمنك هذا ووضع في جيبك أو بيتك شاة أو مال فرده كما هو. فهي جائزة [ وقوله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58] ] هي الوديعة، والأمانة وديعة، فإذا أعطيتك شيئاً تحفظه حتى أعود من غيبتي أو أصح من مرضي تحفظه، فإذا جئت فأعطنيه كما هو، فقد قال عز جل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [النساء:58] أيها المؤمنون! أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]. فهذه أمانة عندك يجب أن تردها لصاحبها يوم يطلبها [ وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ) ] هذا أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: يا عبد الله! ( أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ). فإذا خانك فلان فلا تخنه أنت، بل الأمانة أدها لمن ائتمنك، وإذا خانك خائن لا تخنه، ( ولا تخن من خانك ). هذه تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ). فلا تقل: هذا خانني فسأخونه، فهذا لا يجوز. وهذا الحديث يساوي مليار دولار، ( أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ) [ إذا الوديعة من جنس الأمانات ] فالوديعة نوع من الأمانات، بل هي كالأمانات تودعها، فقولك أودعتك كذا أي: استأمنتك على كذا، فهما سواء، أودعت عندك أو ائتمنتك على كذا [ وحكم الوديعة يختلف باختلاف الأحوال ] والظروف [ فقد يكون قبولها واجباً على المسلم ] فقد يكون قبول الوديعة واجباً، فيكون واجباً على المسلم أن يقبل هذه الوديعة ولا يردها على أخيه؛ خشية أن يؤذي أخاه إذا كنا في فتنة وأخشى أن هذا المال يؤخذ مني أو أن أقتل من أجله فأقول: يا إبراهيم! ضع هذا عندك، فيجب أن تأخذه؛ لتحفظ أخاك المؤمن من البلاء، فيكون واجباً أحياناً [ وذلك فيما إذا اضطر إليه مسلم في حفظ ماله ] فإذا اضطر مسلم إليك في أن تحفظ ماله إذا خاف أن يؤخذ منه أو يقتل من أجله ولم يعرف كيف يفعل فقال: يا فلان! احفظ لي هذا فيجب أن تحفظه؛ إنقاذاً لأخيك المسلم [ بأن لم يجد من يحفظه له سواه ] فإذا لم يجد في القرية من يثق فيه ويعطيه ماله إلا أنت فقط وقال: ما وجدتك إلا أنت فلا تقل: لا، بل اقبض، ودع الأمانة عندك؛ مساعدة لأخيك ونصرة له [ وقد يكون مستحباً فيما إذا طلب منه حفظ شيء وهو يأنس من نفسه القدرة على حفظه ] فهذا جائز .. مستحب، ولا بأس به؛ [ إذ هذا من باب التعاون على البر المأمور به في قوله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2] ] وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    [ وقد يكون قبول الوديعة مكروهاً، وذلك فيما إذا كان الشخص عاجزاً عن حفظها ] فإذا لم أكن قادراً على أن أحفظ هذا المال فيكره إذاً أن آخذه.

    فتكون الوديعة واجبة في حال إذا لم يجد أخوك إلا أنت، وخاف أن يضيع منه هذا المال، فيجب أن تأخذه وتحفظه، ويكون جائزاً إذا لم يكن هناك خوف، ويكون مكروهاً فيما إذا كان الشخص عاجزاً عن حفظها، فلا تعط الوديعة لشخص عاجز ليحفظها لك؛ لأنه لا يستطيع، فلا بد أن يكون قادراً على الحفظ بعقله وماله وسلطانه وقدرته.

    والوديعة كالأمانة، والمؤمنون بينهم الأمانات والودائع، والله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ). والله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]. ويقول: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة:283].

    1.   

    أحكام الوديعة

    [ ثالثاً: أحكامها ]

    أولاً: اشتراط التكليف والرشد لكل من المودع والمودع عنده

    أولاً: أن يكون كلٌ من المودع والمودع عنده مكلفاً ] بالغاً، والمكلف من بلغ الخامسة عشرة فما فوق [ رشيداً ] ليس طفلاً صغيراً ولا أحمق ولا مريضاً ولا سفيهاً ولا طائشاً ولا مجنوناً، سواءً المودع أو المودع، فكلاهما لا بد أن يكون بالغاً راشداً أهلاً لذلك، ولا بد من هذا [ فلا يودع الصبي والمجنون، ولا يودع عندهما ] فلا تضع أمانتك عند الصبي، ولا عند المجنون أبداً، فلا تأتِ إلى صبي صغير تودعه وتقول له: خذ المال، فإنه لا يحفظه، بل يضيعه، فلا بد وأن يكون بالغاً راشداً، والمجنون لا يعطى المال؛ لأنه لا يحفظ الوديعة؛ لأنه لا يعقل، فلا بد وأن يكون المودع عنده عاقلاً رشيداً، والمودع كذلك، فإذا جاءك صبي وقال لك: أودع لي هذا المال فلا تأخذه منه، فهذا لأبيه وليس له، وكذلك المجنون.

    ثانياً: حكم الوديعة إذا تلفت عند المودع عنده

    [ ثانياً: لا ضمان على المودع عنده إذا تلفت الوديعة بدون تعدٍ منه أو تفريط ] فإذا ضاعت الأمانة إذا لم يفرط فيها ولم يهملها ولكن كانت فوق طاقته فلا ضمان على المودع عنده إذا تلفت الوديعة بدون تعدٍ منه أو تفريط؛ [ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا ضمان على مؤتمن ). وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أودع وديعة فلا ضمان عليه ) ] أي: إذا لم يفرط وكان أهلاً للأمانة. فإذا أودعتني خمسة آلاف ريال وأنا وضعتها في جيبي .. حفظتها في بيتي وكذا وبعد ذلك ضاعت مني إما نسياناً أو أخذت مني فلا شيء عليّ، لكن إذا كنت لا تحافظ عليها ولا ترعاها وتهملها فأنت مسئول ويجب أن تقضيها.

    ثالثاً: للمودع والمودع عنده رد الوديعة متى شاء أحدهما

    [ ثالثاً: لكل من المودِع والمودَع عنده رد الوديعة متى شاء ] وأراد، فالمودع متى شاء قال: أعطني يا فلان! الأمانة يعطيها له، والمودع عنده متى شاء رد الوديعة إلى صاحبها، فكلاهما جائز.

    رابعاً: حكم انتفاع المودع عنده بالوديعة

    [ رابعاً: لا يجوز للمودع عنده أن ينتفع بالوديعة بأي وجه من وجوه النفع إلا بإذن صاحبها ورضاه ] فمن أودعك وديعة كأن يضع في جيبك خمسة آلاف ريال فلا تنتفع بها بدون إذنه، فذلك لا يجوز، فلا تقل: نتاجر بها إلا إذا كان راضياً هو، وإذا أودعك شاة فقل له: تأذن لي أن أحلبها فإن أذن لك فاحلبها، وإذا أودعك سيارة فاستأذنه أن تذهب بها إلى السوق وإلى المسجد فإن أذن لك فلا بأس، وأما بدون إذنه فلا يجوز، بل لا بد من رضا المودع.

    خامساً: حكم اختلاف المودع والمودع عنده في رد الوديعة

    [ خامساً ] وأخيراً: [ إذا اختلف في رد الوديعة فالقول قول المودع عنده بيمينه ] فإذا أودعتك واختلفنا بأن قلت لك: أعطني فقلت: ما أعطيتني، ولم تودع عندي شيئاً، فالقول قول المودع على أن يحلف بالله الذي لا إله غيره لقد أعطيتك كذا وكذا في يوم كذا.

    وإذا اختلف في رد الوديعة بأن يقول المودع: أنا رددتها عليك ويقول ذاك: والله ما رددتها عليّ فالقول قول المودع عنده بيمينه، بهذا الشرط، أي: بأن يحلف [ إلا أن يأتي المودع ببينة تثبت عدم ردها إليه ] من البينات والحجج.

    هذا هو الإسلام يا عباد الله! دين وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لا تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وتبين فيه الطريق.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    والآن مع بعض الأسئلة والإجابة عنها.

    حكم من يقول: (إنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة)

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هناك من الناس من يدعي أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟

    الجواب: هذا والله إنك لكاذب، وحرام عليه، وملعون، ويا ويله، إلا أن يتوب الله عليه. لا يرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا في المنام، أما في اليقظة فمستحيل، فلم يره أبو بكر في النزاع بينه وبين أهل المدينة، ولم يره عمر ولا أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه فتنة شيطانية وتزيين إبليسي، نبرأ إلى الله منه، ولا نصدق أحداً ولا نسمع كلامه أنه يرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة.

    وقت رمي الجمار

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! متى يبدأ وقت رمي الجمار، وهل من رمى قبل الزوال يعتبر رميه صحيحاً، أفيدونا في هذه المسألة؟

    الجواب: أما جمرة العقبة يوم العيد عند النزول من مزدلفة من طلوع الفجر إلى الليل، وأما الجمرات الأخرى في الأيام الاثنين أو الثلاثة السنة أنها من بعد الزوال من بعد الظهر إلى نصف الليل، وأفتى بعض العلماء إذا كان الزحام شديداً والضغط كبيراً أنه لو رمى قبل الزوال فلا بأس؛ إذ ذكر الله موجود وتكبيره، لكن الأفضل بعد الزوال.

    حكم متاجرة المودع عنده بالوديعة

    السؤال: رجل ترك عندي وديعة مبلغ من المال، فهل يحق لي أن أتاجر بهذا المبلغ، وأقسم الربح مع صاحب الوديعة؟

    الجواب: لا يجوز، إلا بالتراضي بينهما، إذا قال لك من أول مرة: هذا المال عندك، وإذا أردت أن تتجر به اتجر والربح بيننا فلا بأس، أو تقول له: يا عم! مالك عندي محفوظ، أرأيت لو أني أدخل به في تجارة بيني وبينك فأذن له فيجوز ذلك، وأما بدون إذنه فلا يجوز؛ لأنه قد يضيع وتصبح ملزماً به، ولا تقول: ضاع مني بدون إرادة.

    حكم أخذ الزوجة من مال زوجها بدون علمه

    السؤال: هذه سائلة تقول: هل يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بدون علمه؟

    الجواب: إذا كان زوجها شحيحاً مثلي وكان يمنعها ما هي في حاجة إليه فيجوز لها أن تأخذ ما هي في حاجة إليه، ولكن لا تتموله، وإنما فقط بقدر الحاجة، كما أذن صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي سفيان.

    عورة المرأة

    السؤال: هل عورة المرأة من السرة إلى الركبة مثل الرجل، أم كلها عورة؟

    الجواب: هذا يحتاج إلى تفصيل: إذا كانت المرأة مع النساء فقط .. مع المؤمنات فقط، لا الكافرات ولا العواهر، وكشفت صدرها .. ساقيها فلا حرج، عورتها الكبيرة من سرتها إلى ركبتها، إذا كانت مع المؤمنات، وأما إذا كانت مع العواهر أو الكافرات فلا؛ لأنهن ينقلن عنها هذا، لكن إذا كانت مؤمنة مع مؤمنة فكشفت عن بطنها .. عن صدرها .. عن فخذيها لا بأس، ويمنع ما بين السرة والركبة فقط كالرجل، عورة الرجل من السرة إلى الركبة.

    فإن كانت المرأة في هذا مع الأجانب فهي محرمة النظر من قمة رأسها إلى قدميها، فلا يحل للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية أبداً، فكل جسمها محرم عليه، اللهم! إلا طبيب يعالجها أو منقذ ينقذها من غرق أو هلاك فقط، على شرط أن تكون غير عجوز، وأما من كبر سنها وتعجزت فيجوز أن تكشف عن وجهها ويديها ولا حرج.

    حكم تداوي المرأة عند طبيب رجل

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تتعالج عند طبيب رجل؟

    الجواب: إذا ما وجدت امرأة تداويها ولم تجد إلا رجلاً يداويها ومعها محرم من محارمها لا بأس أن يكشف عنها الطبيب ويعطيها الدواء، ولا محظور مع الضرر والخطر. على شرط أن تكون مع محرم لها، ولا يخلو الطبيب بها وحدها، فهذا حرام، بل تموت ولا ترضى بهذا، فلا بد أن يكون معها ابنها .. زوجها .. أخوها من محارمها .. عجوز من العجائز، وأما أن يخلو الطبيب بالمرأة فلا يجوز هذا أبداً؛ إذ لا يحل الخلوة بها.

    حكم من جامع قبل طواف الإفاضة

    السؤال: حاج وقف بعرفة وبات بالمزدلفة ورمى الجمرة وتحلل وجامع امرأته قبل أن يطوف طواف الإفاضة، ماذا عليه؟

    الجواب: عليه أن يحرم وأن يعتمر، وأن يذبح بقرة أو بعيراً، ولا تكفيه شاة، بل لا بد من بدنة.

    حكم قول من حج نيابة عن آخر عند ذبح الأضحية: (اللهم هذا عن عبدك فلان)

    السؤال: حججت السنة الماضية بدلاً عن شخص متمتعاً، وعندما أردت أن أذبح الهدي قلت: اللهم! هذا عن عبدك فلان، أي: الرجل الذي حججت عنه، فهل قولي هذا صحيح؟

    الجواب: يجوز.

    تأثر صلاح النفس بصلاح القلب وفسادها بفساده

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هل إصلاح النفس هو إصلاح القلب؟

    الجواب: سؤال عال ونحن منخفضون يقول: هل علاج القلب كعلاج النفس؟ أي: هل مرض القلب كمرض النفس؟ أو مرض النفس من مرض القلب؟ أو مرض القلب من مرض النفس؟ الذي يبدو أن مرض القلب ينتقل إلى النفس، فإذا مرض القلب ولم يصبح أهلاً للتلقي عن الله في عبادته تمرض النفس، فهو يحمله على الشهوات والباطل والمنكر، فإذا سلم القلب ونجا واطمأن وطهر فالنفس تتبعه، فلا تعصيه ولا تفسق ولا تفجر. نعم.

    من لا تأكل الأرض أجسادهم في القبر

    السؤال: يقول السائل: فضيلة الشيخ! هل صحيح أن أجساد المؤمنين لا تأكلها الأرض عند الموت؟

    الجواب: ما قال بهذا أحد، فقط أجساد الأنبياء لا تعدو التربة عليها، ليس هناك خلاف، ويبقى الشهداء، وقد ورد كذلك أن الشهيد بحق لا تعدو الأرض على تربته، وورد كذلك المؤذن الذي يؤذن في سبيل الله ولا يأخذ أجرة أبداً، وهو مؤمن موحد متقي الله رباني، أيضاً الأرض لا تعدو على جسمه، هذا الذي ورد في الشرع.

    أجر الحاج عن الميت

    السؤال: الذي يحج حج البدل عن شخص ميت هل له أجر مثل الميت؟

    الجواب: إذا كان يحج نيابة بدون قيمة ولا مال فهو مأجور كالمحجوج عليه، وإذا كان يأخذ مقابل ذلك ألفاً أو ألفين ريال فيثاب إن أحسن العبادة وأتقنها، ولكن ليس له حج كما للمحجوج عنه.

    حكم الدخان

    السؤال: هل الدخان يبطل الوضوء؟

    الجواب: نعم ينقضه؛ لأنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يدخن، فالتدخين حرام؛ لأنه ضار بخمس كليات، جاءت الشرائع الإلهية كلها للحفاظ عليها، وقد عارضناه آلاف المرات، وهو ضار بخمس كليات، فهو ضار بالعقل .. بالعرض .. بالمال .. بالدين .. بالبدن، فالدخان ضار بخمس كليات، وجميع الشرائع الإلهية تحفظ للآدمي خمس كليات، فهي تحفظ له دينه وعرضه وماله وبدنه وعقله.

    فالدخان ضار بالعقل أولاً، وكم من إنسان يدخن وهو موظف، وعندما تدخل عليه يقول لك: مع الأسف اليوم أنا ما دخنت أنا صائم، سامحني.

    وهو ضار بالعرض، هل يستطيع أحد على المنبر أن يخطب الناس يوم الجمعة ويدخن، لا يقوى على هذا أبداً، ولا يستطيعه.

    وهو ضار بالبدن، وقد اجتمع في فرنسا أكثر من خمسمائة طبيب وقرروا أن الموت في تلك البلاد 75% يموتون من المدخنين بسبب الدخان.

    وهو ضار بالمال، فتجد الشخص يكتسب خمسة ريالات في النهار ويشتري علبة دخان بريال، والله نبرأ من المدخنين.