إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد المنجد
  3. الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم [1،2]

الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاَّم [1،2]للشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حفظ التاريخ في سجله الإمام أبا عبيد القاسم بن سلام ضمن العلماء المجتهدين، فقد حفظ القرآن وهو في الصغر، ثم رحل في طلب العلم وتنقل بين البصرة وبغداد والكوفة وغيرها من البقاع، وتولى القضاء في طرسوس، ولقد اشتهر بالتصنيف حتى أقبل على كتبه عامة الناس، وتتلمذ على يديه تلاميذ من شتى البقاع، وقد كان رحمه الله ذا أخلاق عالية في طلب العلم، والحرص على الفوائد، وتعظيم العلم وأهل العلم. وقد توفي رحمه الله في مكة بعد أن قدم إليها حاجاً ثم بقي فيها إلى أن توفي سنة (224هـ) ودفن في مقبرة المعلاة. فرحمه الله رحمة واسعة.

    1.   

    أبو عبيد .. وبداية طلبه العلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فإن أخبار الأخيار دواءٌ للقلوب، وجلاءٌ للألباب من الدنس والعيوب، وإن النفس تستروح إلى مطالعة أخبار من تقدم، والمطلع على أخبار من درج، ووقائع من غاب في غابر الموت وما خرج، ومآثر من رقى إلى سماء السيادة وعرج، يعود وكأنه عاصر أولئك وجلس معهم على نمارق الأسرة، واتكأ بينهم على وسائد الأرائك، وأفاد ذلك حزماً وعزماً وموعظةً وعلماً، وهمةً تذهب هماً وبياناً يزيل وهناً ووهماً، وعوناً للاقتداء بهم في جميل الخصال ونبيل المآثر والفعال.

    جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم     بعد المماتِ جمال الكتب والسيرِ

    هذا شيءٌ من فوائد دراسة أخبار المتقدمين، وشخصيات السلف والعلماء رحمهم الله أجمعين، وهي الإفادة من تلك السير في أمورٍ نقتدي بهم فيها.

    ويعلم الإنسان المسلم عظمة التاريخ الإسلامي، وعظمة هذه الأمة التي أنجبت هؤلاء الشخصيات، ويحس وهو يقرأ في أخبارهم أنه يعيش معهم، وربما كان في ذلك جلاءٌ لهمومه، وذهابٌ لأحزانه، وحملاً له على التخلق بأخلاق الكرام، وهذا هو المهم -فعلاً- عند الاطلاع على أخبار العلماء والأئمة المتقدمين.

    وسنعرض -إن شاء الله تعالى- لحياة الإمام أبي عبيد القاسم بن سلَّام رحمه الله تعالى.. عن أخلاقه، وحياته، وعلمه، وفضله، وكلام أهل العلم حوله، وشيءٍ من كتبه وآثاره وأخباره.

    عاش الإمام أبو عبيد -رحمه الله تعالى- في العصر العباسي الأول، حيث ولد سنة: (151هـ)، وتوفي سنة: (224هـ)، ويكون بهذا قد عاصر سبعةً من خلفاء بني العباس، من المنصور المتوفى سنة: (158هـ) إلى المعتصم المتوفى سنة: (227هـ)، وبذلك يكون قد عاصر المهدي محمد بن عبد الله ، والهادي موسى بن محمد ، والرشيد هارون بن محمد، الذي حكم ثلاثاً وعشرين سنة، والأمين وَلَد هارون، واسمه محمد بن هارون ، وتولى خمس سنين، ويكون أبو عبيد -رحمه الله- قد عاصر -أيضاً- أخا الأمين ، المأمون عبد الله بن هارون الذي حكم عشر سنين، وآخر من عاصره من خلفاء بني العباس هو: المعتصم محمد بن هارون ، الذي حكم تسع سنين أيضاً.

    وهذه الفترة التي سبق أن وصفناها بأنها كانت أيام عز الدولة العباسية وازدهارها، وكانت فيها الحالة الاقتصادية من أحسن ما يكون، حتى أن هارون الرشيد -رحمه الله تعالى- طلب من أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وقاضي الناس في ذلك الوقت أن يؤلف كتاباً في السياسة الاقتصادية للدولة، فألف له كتاب الخراج ، لتنظيم بيت مال المسلمين واقتصاد الدولة الإسلامية في ذلك الوقت.

    وفي هذه الحقبة -أيضاً- حصلت فتنة خلق القرآن، ومر بالمسلمين محنة شديدة -جداً- طالت علماء أفذاذاً، فمنهم مَن قُتل، ومنهم مَن أُخذ فحُبس، ومنهم مَن جُلد وضُرب، ومنهم مَن قُطعت عنه النفقة..

    ونحو ذلك من أنواع الأذى، ومنهم مَن مُنع مِن التدريس، ثم تنسموا الرحمة بعدما لبثوا في العذاب المهين خمسة عشر عاماً، وذلك عندما جاء الخليفة المتوكل سنة: [232هـ] الذي أعاد السنة ورفع المحنة.

    أبو عبيد القاسم بن سلاَّم اسمه: القاسم ، وأبوه سلاَّم بن عبد الله ، ويُكنى الإمام القاسم بن سلاَّم بـأبي عبيد ، وهو بغدادي، خراساني الأصل، من مدينة هرات ، وهي مدينة عظيمة مشهورة من مدن خراسان ، وهي المعروفة اليوم في بلاد أفغانستان ، وهو تركي مولى الأزد، ومولى الأنصار الخزاعي، والمولى كما سبق أن ذكرنا هو: المعتَق إذا انتسب بنسبك .. إذا أعتقتَ شخصاً فانتسب إليك، فيقال عنه: فلان الفلاني بنسبتك أنت مولاهم، وأبوه سلاَّم كان عبداً رومياً لرجلٍ من هرات .

    ويُحكى أن سلاَّماً خرج يوماً وأبو عبيد في الكُتَّاب، وكان أول ما يبدأ به الصبيان في ذلك الوقت هو حفظ كلام الله تعالى عند الكتاب، فلما سلاَّممر بالكتَّاب قال للمعلم: "علمي القاسم فإنها كيِّسة" وهذا يدل على أن الرجل صاحب لُكْنة أعجمية لا يحسن العربية؛ فهو يؤنث المذكر، وهذا موجود إلى اليوم، تجد الأعاجم إذا بدءوا في الكلام بالعربية يؤنثون المذكر، ويذكرون المؤنث، فهذا من طبيعة من أراد أن يبدأ يتكلم من الأعاجم العربية أن يقع منه هذا الخلط، ولكن هذا الرجل العامي أكرمه الله تعالى بولدٍ صار من كبار علماء العربية، ومرجعاً في هذا الشأن.

    أبو عبيد القاسم بن سلاَّم بمدينة هرات من مملكة خراسان ، وكان مولده على الأرجح في سنة: (157هـ)، وقيل: غير ذلك، وكانت سنة وفاته في: (224هـ) على الأصح، وهذا الذي نقله أخص تلاميذه وهو علي بن عبد العزيز البغوي ، وبناءً على ذلك يكون قد عُمِّرَ (73) سنة.

    وضعه أبوه عند الكتَّاب مع ابن مولاه، ثم لما انتهى من تلقي القرآن عند الكُتَّاب رحل في طلب العلم إلى بغداد ، والكوفة، والبصرة ، وتنقل في البلدان، وطلب العلم، وسمع الحديث، ودرس الأدب، ونظر في الفقه.

    دخل بغداد في سنة: (176هـ) تقريباً، وسمع فيها من سعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، وكذلك سمع من فرج بن فضالة .

    ودخل الكوفة في سنة: (177هـ)، وسمع فيها من شريك بن عبد الله النخعي.

    ودخل أبو عبيد البصرة في سنة: (179هـ) أيضاً وأراد أن يسمع فيها من حماد بن زيد ، ولكن لم يدركه، فإنه لما دخل البصرة علم أنه قد توفي رحمه الله تعالى.

    حماد بن زيد ، شيخ أهل البصرة ، مات في نفس السنة، (179هـ)، فـأبو عبيد ارتحل إلى البصرة ليسمع من حماد، ففاته ولم يدركه، وتأسف على ذلك أسفاً بالغاً كما سيأتي.

    ودخل أيضاً الرقة، وسمع من محدثيها، فيقول أبو عبيد -رحمه الله- عن نفسه: جلست إلى معمر بن سليمان بـالرقة وكان من خير من رأيت، والرقة : مدينة على الفرات وهي معروفة -الآن- من بلاد سورية ، سمع فيها من مُعمَّر بن سليمان، بتشديد الميم، وهذا غير معمر الأزدي- معمر بن راشد اليمني رحمه الله، أو معمر بن راشد الأزدي - الذي سكن في اليمن فترة من حياته.

    1.   

    تولي الإمام أبي عبيد للقضاء

    بعد هذا التجوال رجع أبو عبيد -رحمه الله- إلى خراسان موطنه الأصلي، وعمل هنالك مؤدباً لآل هرثمة ، والمؤدب: الذي يربي الأولاد ويعتني بهم، ويخلقهم بالأخلاق الحسنة، ويحملهم على الأدب الجم .. ويعلمهم الصلاة والطهارة، والأمور الأساسية التي ينبغي أن يتعلمها كل ولدٍ من الأولاد، كان هذا الشيء منتشراً في أولاد الكبار في ذلك الوقت أنهم يحرصون على الاتيان بمؤدبٍ لأولادهم.

    فـهرثمة بن أعين من كبار قواد هارون الرشيد ، وأبو عبيد في أول حياته تولى تأديب أولاد آل هرثمة ، ثم اتصل بـثابت بن نصر بن مالك الخزاعي يؤدب ولده، وكان ثابت قد تولى طرسوس ، وهي: مدينة بثغور الشام ، بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم ، وتُعرف أيضاً بـطرطوس ، ولما تولى ثابت على طرسوس وحكمها ثماني عشرة سنة، ولَّى أبا عبيد القاسم بن سلاَّم قضاء طرسوس ، فتولاها له ثماني عشرة سنة، وأصبح قاضياً لـطرسوس ، وعلى ذلك يكون أبو عبيد رحمه الله قد تولى القضاء فيها سنة: (192هـ)، إلى سنة: (210هـ).

    1.   

    أبو عبيد .. وبداية التعليم والتأليف

    بعد هذه المدة الطويلة في القضاء عاد أبو عبيد من طرسوس إلى بغداد ، وهناك اتصل بـعبد الله بن طاهر والي خراسان وكان ابن طاهر يُجري عليه في الشهر ألفي درهم.

    قال أبو العباس أحمد بن يحيى : قدِم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان وهو حدثٌ في حياة أبيه يريد الحج، فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم ، فوجَّه إسحاق إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، فقال طاهر : اجمع العلماء وأتِ بهم إلي لأراهم، وليَعْلَم ما عندهم من العلم، فحضر أصحاب الحديث والفقه، وأُحْضِر ابن الأعرابي ، وأبو نصر صاحب الأصمعي ، ووجِّه إلى أبي عبيد القاسم بن سلاَّم في الحضور، فأبى أن يحضر، وقال: العلم يُقْصَد -العلم يؤتى ولا يأتي، إذا أراد أن يتعلم أو يسمع فيأتي هو، أما أن نأتي إليه فلا- ورفض الاتيان، وكان عبد الله بن طاهر يُجري له في الشهر ألفي درهم، وكان من عادة العلماء في ذلك الوقت أنهم يُفرَّغون للعلم ويُجرى عليهم من بيت المال مرتب يكفيهم في حياتهم لمعيشتهم , ويتفرغون للعلم، فكان يُجرَى لـأبي عبيد -رحمه الله- في الشهر ألفي درهم، وهو مبلغ كبير.

    فلما قال: (العلم يُقْصَد) ورفض أن يأتي، قطع إسحاق عنه الرزق -أي: المرتب- وكتب إلى عبد الله بن طاهر بالخبر أن أبا عبيد امتنع، لكن هذا الامتناع أثر في نفس عبد الله بن طاهر ، فكتب رسالة يقول فيها: صَدَقَ أبو عبيد في قوله، وقد ضاعفتُ له الرزق من أجل فعله هذا، فأعطه فائته، أي: كلما خصمت عليه ومنعته فأعطه وأدر عليه بعد ذلك ما يستحقه، وكان لهذه المعاملة أثر في العلاقة الطيبة بين أبي عبيد -رحمه الله- وبين الأمير عبد الله بن طاهر ، فكان أبو عبيد إذا ألف كتاباً أهداه إلى عبد الله بن طاهر، وكان الآخر يقدر ذلك ويكافئه عليه.

    ويروى أن أبا عبيد -رحمه الله- لما ألف كتاب غريب الحديث وعرضه على عبد الله بن طاهر، وكان الأمراء في ذلك الوقت -بطبيعة الحال- لهم اهتمام بالعلم والأدب، فيعرفون أهمية الكتب، فلما نظر فيه قال: "إن عقلاً بعث صاحبَه على عمل مثلِ هذا الكتاب لحقيقٌ ألا يُحْوَجَ إلى طلب المعاش" فأجرى له عشرة آلاف درهم كل شهر، فعاش أبو عبيد مكرماً، وهيأ الله له من يكفيه هموم المعاش، ويتفرغ لطلب العلم، ولم يكن صاحب تزلف ولا وقوف على الأبواب، ولذلك عمل -كما قلنا في بداية أمره- في تأديب أولاد الكبار، وعمل قاضياً مدة طويلة، ثم بعد ذلك صار متفرغاً للتعليم وللتأليف، وكان يُجرى عليه رزقه.

    1.   

    رحلة أبي عبيد إلى مكة ووفاته فيها

    بعد عودة أبي عبيد إلى بغداد واتصاله بـعبد الله بن طاهر لم تطُل إقامته هناك، فرحل من بغداد إلى مصر والشام بصحبة الإمام العلم المشهور يحيى بن معين -رحمه الله تعالى- وقدم دمشق طالب علم، مع أنه كان قاضياً (18) سنة، وكان علماً وعالماً؛ لكن رحل إلى دمشق وسمع من هشام بن عمار ، وسليمان بن عبد الرحمن ، وحدَّث عنهما، وكانت رحلته في سنة: (214هـ) تقريباً، وفي سنة: (219هـ) خرج إلى مكة حاجاً، وأكرمه الله بأداء المناسك ودخل المدينة النبوية ، ويدل على ذلك أنه لما شرح حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم ما بين عير وثور ) وهذا الحديث فيه كلمة (عير وثور ) وهي من الكلمات الغريبة التي يُتَوَقَّع أن توجد، وهذا الحديث يوجد في كتاب غريب الحديث لـأبي عبيد ، لأن هذا الكتاب يشرح فيه أبو عبيد -رحمه الله- الألفاظ الصعبة والغريبة في الأحاديث، وهذا أشهر كتاب لـأبي عبيد ، وعُرف واشتُهر به.

    فطبيعة الحال لما مر بكلمتي (عَير وثور) شرحهما، وأنهما اسم جبلين، فقال: عير بـالمدينة معروف وقد رأيته، وهذا يدل على أنه دخل المدينة.

    ثم إنه -رحمه الله- ذهب إلى مكة ، وتوفي فيها في المحرم من سنة: (224هـ)، ودُفن في المعلاة ، مقبرة أهل مكة .

    وقيل: إنه رأى رؤيا قبل أن يموت في مكة ، وكان قد عزم على الخروج من مكة إلى العراق في صباح اليوم التالي، فرأى رؤيا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً وعلى رأسه قومٌ يحجبونه، والناس يدخلون عليه ويسلمون عليه ويصافحونه، قال: فلما دنوتُ أدخل مع الناس مُنِعْتُ، فقلت لهم: لِمَ لا تخلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فقالوا لي: لا والله لا تدخل ولا تسلم عليه، وأنت غداً ذاهب إلى العراق. كيف تخرج العراق غداً ثم تريد أن تسلم عليه؟!

    فقال: فقلت لهم -وهذا كله في المنام-: إني لا أخرج إذاً، فأخذوا علي العهد ألا أخرج، ثم خلوا بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت وسلمت عليه وصافحته، فلما أصبح أبو عبيد -رحمه الله- بعد هذه الرؤيا، فاسخ كَرِيَّه -أي: الشخص الذي اتفق معه على الكِراء إجارة القافلة أو الدابة من مكة إلى العراق ، فسخ معه عقد الإجارة- وجلس في مكة إلى أن توفي بها، ودُفن فيها رحمه الله تعالى.

    1.   

    شيوخ الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام

    لا شك أن مثل هذا الإمام العلم -كما تعودنا سابقاً في الأعلام الذين سمعنا سيرتهم- لا يمكن أن يكونوا قد خرجوا من فراغ، فإنه لا بد أن يكون هذا نتاج اعتناء وتربية علماء تخرج على أيديهم، لا بد أن يكون هناك وسط علمي وعلماء كبار تخرج أبو عبيد على أيديهم، فمن هم شيوخه؟

    - عبد الملك بن قريب الأصمعي المشهور، الأصمعي البصري اللغوي أبو سعيد.

    - علي بن حمزة الكسائي الكوفي أحد القراء السبعة.

    - أبو عبيدة معمر بن المثنى.

    - يحيى بن زياد الفراء.

    - هشام بن عمار مقرئ أهل الشام .

    - إسماعيل بن عياش عالم الشام ومحدثها.

    - سفيان بن عيينة العالم الجليل المشهور الثقة الكوفي ثم المكي محدث الحرم ، الذي يعد من أشهر شيوخ أبي عبيد .

    - عبد الرحمن بن مهدي العالم الكبير الذي تقدمت سيرته رحمه الله.

    - عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين في الحديث.

    - هشيم بن بشير الواسطي .

    - يحيى بن سعيد القطان .

    - كذلك من الذين تخرج عليهم أبو عبيد في الفقه وهو الذي فتَّق له المسائل واعتنى به ووجهه إلى الفقه هو: محمد بن الحسن الشيباني ، تلميذ أبي حنيفة ، والذي تعلم منه أبو عبيد أشياء كثيرة، ومن ذلك ما رواه فقال:

    كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد الخليفة، فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن الحسن فإنه لم يقُم، ومعلوم ما حكم القيام للداخل، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) وأن الصحابة لم يكونوا يقومون للنبي صلى الله عليه وسلم لِمَا يعلمون من كراهيته لذلك، وأن القيام للشخص الداخل دون سببٍ منهيٌّ عنه، وأن القيام إليه لإدخاله أو إجلاسه أو معانقته بعد سفر أمرٌ لا بأس به، وأن القيام عليه أمرٌ محرم أيضاً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عاتب الصحابة على وقوفهم وهو جالسٌ في الصلاة، وقال: (كدتم تفعلون فعل فارس والروم آنفاً) يعني: أنهم يقفون على رءوس ملوكهم وهم جلوس، إلا ما يكون من أمر تعظيم الخليفة أمام الأعداء مثلما وقف المغيرة وغيره على رأس النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية أمام الكفار ليروا الكفار منزلة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان لـمحمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله- أثرٌ بالغ في فقه أبي عبيد .

    ولَمَّا رتب الذهبي -رحمه الله- في ترجمة حماد بن أبي سليمان فقيه العراق المتوفى سنة: (120هـ) رتب أجيال الفقهاء، قال: فأفقه أهل الكوفة : علي وابن مسعود ، أول ما تأسست هذه البلدة الإسلامية أفقه من نزل بها: علي بن أبي طالب ؛ لأنه قُتل في الكوفة ، وابن مسعود الصحابي الجليل أفقه من نزل الكوفة ، وأفقه أصحابهما -من تلقى عنهما العلم-: علقمة ، وأفقه أصحاب علقمة : إبراهيم النخعي ، وأفقه أصحاب إبراهيم : حماد بن أبي سليمان ، وأفقه أصحاب حماد : أبو حنيفة ، وأفقه أصحابه: أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبو يوسف في الآفاق، وأفقههم: محمد بن الحسن المذكور، وأفقه أصحابه: الشافعي رحمه الله.

    ومعنى ذلك أن أبا عبيد قد عاصر الشافعي ؛ لأنه إذا كان شيخه محمد بن الحسن الشيباني ، ومحمد بن الحسن الشيباني أفقه من درس على يديه الشافعي ، فمعنى ذلك أن أبا عبيد قرين للشافعي ، وقد جلس معه عند محمد بن الحسن ، وتفقه كلٌ منهما على محمد بن الحسن ، وله مناظرات مع الشافعي رحمه الله.

    وأبو عبيد كان لا يأنف أن يستفيد من أقرانه، فأخذ كتب الشافعي فنسخها، أي: كتبها ليطلع عليها ويستفيد منها، ولذلك تجد أبا عبيد في كتبه، ينقل عن أقوال الصحابة والتابعين وشيوخه إلى المعاصرين، فينقل من أقوالهم، كما فعل ذلك في كتاب الأموال ، وهو كتاب مشهور، فنقل من أقوال الصحابة والتابعين ومن شيوخه ومعاصريه.

    وروى الحديث عن القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم ، وتفقه على يديه أيضاً، وقال: جالستُ أبا يوسف ومحمد بن الحسن ، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي ، فما هِبْتُ أحداً في مسألة ما هبتُ أحمد بن حنبل .

    1.   

    تلاميذ أبي عبيد القاسم بن سلام

    أما تلاميذ أبي عبيد رحمه الله، فإنه لما طار صيته في الآفاق، وسارت بتصانيفه الركبان، قصده الطلاب والحفاظ للأخذ منه والدراسة على يديه، وممن درس عليه بعضُ شيوخه وأقرانه، فسمعوا منه، وقال: كنت في تصنيف هذا الكتاب -غريب الحديث- أربعين سنة، وهذا مما يدل على عظمة هذا الكتاب، وهو كتاب مطبوع.

    وكان لـأبي عبيد -رحمه الله تعالى- منزلة عظيمة عند الكبار من أئمة عصره، قال حمدان بن سهل : سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؟ فتبسم، وقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد ؟! أبو عبيد يُسأل عن الناس.

    ومِن شيوخه وأقرانه الذين حدثوا عنه: أحمد بن حنبل رحمه الله، شيخ الإسلام، الإمام المشهور.

    سعيد بن الحكم المصري ، الثقة الثبت الفقيه.

    علي بن عبد الله المديني ، أعلم أهل عصره بالحديث والعلل، المتوفى سنة: (234هـ) بـسامراء .

    أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، فإنه ممن درس أيضاً على أبي عبيد .

    وكيع بن الجراح، الإمام الحافظ.

    يحيى بن معين ، سيد الحفاظ، وإمام أهل الجرح والتعديل.

    ومن أشهر تلاميذ أبي عبيد القاسم بن سلاَّم : إبراهيم بن إسحاق الحربي .

    أحمد بن يحيى البلاذري ، الكاتب صاحب فتوح البلدان .

    عباس بن محمد الدوري .

    عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، الإمام، شيخ الإسلام، صاحب سنن الدارمي .

    عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، الحافظ الإمام صاحب التصانيف الكثيرة جداً والمشهورة.

    علي بن عبد العزيز البغوي ، وهو أشهر تلاميذه من جهة الملازمة، وأشدهم له ملازمة، وأثبتهم فيه، وهو راوي كتب أبي عبيد ، حتى عُرِف بوراق أبي عبيد، لزم أبا عبيد حتى مات.

    1.   

    مكارم الأخلاق عند الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام

    أبو عبيد القاسم بن سلاَّم رحمه الله صاحب شمائل وخصال عالية وفريدة.

    أخلاق أبي عبيد في طلب العلم

    فمن جهة الأخلاق العلمية فإنه كان حريصاً على العلم، وهذا من أهم سمات طالب العلم أن يكون حريصاً على العلم، له نهمة وحرص على العلم يدون الفائدة ويركض وراءها حتى يحصلها، ولا يكون هذا إلا إذا كان نهماً صاحب نَهْم، كما قال البخاري رحمه الله في سبب حفظه: (النهم والمطالعة) كثرة المطالعة وأن يكون الإنسان نهماً، أي: عنده همة في الحرص على الفوائد والعلوم.

    قال أبو عبيد : دخلت البصرة ؛ لأسمع من حماد بن زيد ، فقدمت فإذا هو قد مات، فشكوت ذلك إلى عبد الرحمن بن مهدي ، فقال: مهما سُبِقْتَ به فلا تُسْبَقَنَّ بتقوى الله عز وجل، يعني: مهما فاتك فلا يفوتنك تقوى الله عز وجل.

    وقال أيضاً: سمعني عبد الله بن إدريس أتلهف على بعض الشيوخ: وا أسفاه على فلان الذي ما أدركته، مات قبل أن آخذ عنه، فقال لي: يا أبا عبيد ! مهما فاتك من العلم فلا يفوتنك العمل؛ لأن العمل هو القصد، أول العلم التقوى والعمل، فلو قال أحد الآن: لماذا نتعلم؟! ولماذا يتعلم طالب العلم؟!

    نقول: من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله جهنم، فلا بد من القصد أن يكون حسناً.

    فما هي نية طالب العلم في تعلمه؟

    لا بد من تحديد الأهداف:

    أولاً: لينال خشية الله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    ثانياً: ليعمل به، فإذا صار هدفُ طالب العلم الخشية والعمل، صح توجهه، وطابت نفسه، وزكى.

    وكثيرٌ من الناس ربما يطلبون العلم لجمع العلم .. يطلبون العلم شهوةً في العلم .. يطلبون العلم للشهادة .. للمال .. ليكون صاحب قضاء .. ونحو ذلك، ومثل هذا لا يبارك له في علمه، ولا يستفيد ولا يُستفاد منه، لكن إذا طلبه لخشية الله، وليعمل به ويؤجر على العمل ويرفعه الله درجات، فهذا الذي يستفيد ويُستفاد منه.

    وكان أبو عبيد -رحمه الله- متأدباً غاية الأدب مع العلماء، يقول عن نفسه: "ما أتيت عالماً قط فاستأذنت عليه، ولكن صبرت حتى يخرج إليَّ، وتأولت قول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [الحجرات:5]".

    وقال أيضاً: "ما دققت على مُحدِّثٍ بابه قط وإنما أنتظر حتى يخرج ثم أفاتحه برغبتي" وهذا يدل على أدبه رحمه الله مع الشيوخ، ما كان يزعج أحداً، ولا يطرق الباب وإنما ينتظر، وهذا ما فعله ابن عباس -رضي الله عنه- كما قال: [كنت آتي بيت الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأريد أن أسمع منه الحديث، فأجلس على بابه في القيلولة حتى أنام، أتوسد العتبة، فتُسْفِي الريح على وجهي التراب؛ لكن أتحمل حتى يخرج إلي، ويعاتبني لماذا لم أطرق عليه].

    أخلاق أبي عبيد في الحرص على الفوائد

    كان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- يفرح فرحاً شديداً لتحصيل العلم والفائدة، حتى ربما حرمه الفرح من النوم، فقال عن نفسه: :كنت في تصنيف هذا الكتاب غريب الحديث أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأضعها في موضعها من الكتاب -أفواه الرجال أي: العلماء- فأبيت ساهراً فَرِحَاً فَرَحَاً مني بتلك الفائدة- مِن الفَرَح بالفائدة التي حصَّلها ودوَّنها في كتابه غريب الحديث ربما ما جاءه النوم.

    ومِن حرصه على الفائدة: القصة المشهورة التي حدثت له في زيارته للإمام أحمد -رحمه الله- وهي قصة جميلة، قال: زرت أحمد بن حنبل ، فلما دخلت عليه في بيته قام فاعتنقني وأجلسني في صدر المجلس -وهذا يدل على محبة أحمد لـأبي عبيد القاسم بن سلاَّم - فقلت: يا أبا عبد الله ! أليس يقال: -أي: في الأثر- (صاحب البيت أو المجلس أحق بصدر دابته أو مجلسه) أي: صاحب البيت أحق بصدر البيت من الضيف أو من أي شخص آخر، وكذلك الدابة أولى بصدر الدابة من الشخص الآخر، لأنه صاحب الحق، فلا يجوز للضيف أن يعتدي ويجلس في صدر المجلس بدون إذن صاحب البيت.

    قال الإمام أحمد : نعم، يَقْعُدُ ويُقْعِدُ مَن يريد، أي: ما دام أنه صاحب الحق فلو أقعد مَن يريد فلا حرج على هذا الضيف من أن يجلس في صدر المجلس، فقلت في نفسي: خذ إليك أبا عبيد فائدة.

    ثم قلت: "يا أبا عبد الله ! لو كنتُ آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم" أي: لو كانت زيارتي لك بقدر حقك علينا وعلى قدر ما يليق بك من منزلة لرابطنا كل يوم عندك وأتيناك، فقال: لا تقل ذاك! فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنةٍ إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم.

    قال: قلت: هذه فائدة أخرى يا أبا عبيد .

    فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله أي: اجلس مكانك وارتاح ولا داعي أن تقوم معي، فقال الإمام أحمد: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن يُمشى معه إلى باب الدار ويؤخذ بركابه.

    قال: قلت: يا أبا عبد الله مَن عَن الشعبي ؟ أي: من حدثكم عن الشعبي هذه العبارة- قال: ابن أبي زائدة ، عن مجالد عن الشعبي.

    قال: قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة، ثلاث فوائد.

    فكان يفرح بالفوائد ويجمعها ويراجعها، ويعدد الفوائد واحدة واثنتين وثلاث حتى لا ينساها.

    وقد أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنهما، وكان يطلب عليه العلم، فقال زيدٌ متواضعاً: [أتُمْسِـكُ بـي -يعني: بركاب دابتي- وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -أنتم آل البيت لكم حق- فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: إنا هكذا نصنع بالعلماء].

    أخلاق أبي عبيد في تعظيم العلم واحترام أهله

    وأما في تعظيمه للعلم وإكرامه لطلبة العلم فما كان يهين العلم كما يفعل بعض الناس الذين يهينون العلم ويضعونه في غير موضعه، ويأتون به الأبواب، لا بد أن يكرم العلم مثلما فعل أبو عبيد رحمه الله.

    وهذه قصة أخرى له: كان طاهر بن عبد الله بـبغداد ، هذا الأمير كان يود أن يأتي إليه أبو عبيد ؛ ليسمع منه كتاب غريب الحديث في منزله، ويُقال: إن فلاناً أتى عنده أبو عبيد (المؤلف) إلى البيت، وحدَّثه بالكتاب، فرفض أبو عبيد القاسم بن سلاَّم ، إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تريد أن تسمع؟

    ولما قدِم علي بن المديني ، وعباس العنبري ، إلى أبي عبيد طلباً لسماع كتابه غريب الحديث كان يحمل كل يومٍ كتابه ويأتيهما في منزلهما فيحدثهما به، مع أنهما جاءا إليه يطلبانه، فكان يذهب إليهما، هؤلاء أهل العلم وطلبة العلم يُؤتَون ويكرَمون، ووضع العلم عندهم وضع في مكان ومحل مناسب، هذه حكمة، إجلالاً لعلم علي بن المديني وعباس العنبري ، كان أبو عبيد يأتي إليهما ليحدثهما في بيتهما، ويصون العلم ويُكرمه من أن يُؤتى به إلى الأبواب.

    أخلاق أبي عبيد في نسبة الفضل لأهل الفضل

    كان أبو عبيد -رحمه الله- حريصاً على الأمانة العلمية وعزو العلم لأهله، ونسبة الفضل إلى أهل الفضل، فكان يقول: مِن شُكْر العلم أن تستفيد الشيء -إذا حصلت على فائدة- فإذا ذُكِر لك قلتَ خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علمٌ حتى أفادني به فلان كذا وكذا، فهذا شُكْر العلم.

    فمثلاً: إذا حصلتَ على فائدة مِن شُكْر هذه الفائدة أن تذكر مَن الذي علمك إياها، وتعزوها لصاحبها الذي استفدتها منه، فكأنك تقول: إنها ليست من كدي ولا من عقلي ولا من استنتاجي واستنباطي وإنما علمني إياها فلان، فذِكْر اسم الشيخ الذي علمك الفائدة في المجلس، أو أن تقول: كنت أجهل الأمر الفلاني حتى شرحه لي فلان، وكان يخفى عليَّ معنى الكلمة الفلانية حتى سمعتُه من فلان، هذا من التواضع ومن الأدب ومن معرفة الفضل لأهل الفضل.

    وقال أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري : علقت حكاية أبي عبيد مستفيداً لها ومستحسناً، وجعلتها حيث أراها في كل وقت -كأنه كتبها وعلقها على الجدار- لأقتدي بـأبي عبيد ، وأتأدب بآدابه، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282]، وهذا مِن الشُّكْر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    وكان أبو عبيد يقول عن نفسه: "ما كان عليَّ من حفظ خمسين حديثاً مئونة" أي: ما يشق عليه حفظ خمسين حديثاً سنداً ومتناً في مجلس واحد، وهذا مما يسر الله له الحفظ .. خمسون حديثاً في مجلس واحد ليس فيه مشقة عليه سنداً ومتناً.

    أخلاق أبي عبيد في صدقه مع الآخرين

    روى الخطيب -رحمه الله- حكاية عن أبي عبيد القاسم بن سلاَّم أنه جاءه الحسن بن حربوية ، فقال: أريد أن أسألك عن سؤالين قال: ما هما؟ قلت: دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ [ص:17] ما معنى الأيد؟

    قال أبو عبيد : القوة.

    قلت: فما معنى: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص:45]؟ قال: القوة، والأبصار: العقول. قلت: ما بال إحداهما لم تثبت فيها الياء دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ [ص:17] إنما بالكسرة بدون ياء؟ وهذه أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [ص:45] ثبتت فيها الياء مع أن كلاهما بمعنى: القوة؟!

    قال: عمل الكاتب الذي كتب.

    قال: فاندفعتُ أسأل عن مسألة أخرى ثالثة، فقال أبو عبيد مذكراً للسائل: أنت قلتَ: مسألتين يرحمك الله؟ قال: قلت: ما أحسب حضر المجلس أحدٌ أبعد مني منزلاً، فقال أبو عبيد معلماً إياهُ: الصدق وإن كان يرحمك الله، فأنت إن قلت مسألتين فعليك أن تلتزم بمسألتين، فإن أردت أكثر فاستأذن، لكن أن تقول: أريد أن أسألك سؤالين، ثم تسأل سبعة أو خمسة أو ثلاثة. لا، أين الصدق؟ انظر: كيف كان يتعامل بالصدق حتى في هذه الأشياء الدقيقة.

    1.   

    طرائف حصلت لأبي عبيد القاسم بن سلام

    ومن طرائف ما حصل لـأبي عبيد مع بعض السائلين:

    نقول: قد يُبتلى العالم بسؤال من جهلة العوام، كأن يأتيه سائل يسأله فيظن العالم أن هذا يريد منه الفائدة العظيمة والحقيقية، فإذا به يكتشف أن هذا السائل من أتفه ما يمكن.

    حصلت له قصة طريفة: وذلك أنه جاءه رجل قد يكون السائل ذا لحية كبيرة، مثلما جاء لـأبي حنيفة رجل مهيب، عليه سمت، فجلس في المجلس فاحشتم أبو حنيفة وقبض رجليه، وكان قد مد رجليه وتكلموا ودار النقاش في المجلس، فإذا هذا السائل يقول: متى يفطر الصائم؟

    قال: إذا غربت الشمس. قال: وإذا لم تغرب؟!

    فمد أبو حنيفة رجليه، وقال: قد آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه، يقول: احتشمت منك طيلة هذا الوقت، وظننتك شيئاً، فإذا بك تسأل هذا السؤال الدال على سخف العقل.

    فحصلت قصة مشابهة لـأبي عبيد رحمه الله، جاءه شخصٌ فسأله عن الرباب .. أبو عبيد من كبار علماء اللغة والغريب، كان يعرف الألفاظ الغريبة .. مدخلها ومخرجها، هذا تخصص أبي عبيد ، فجاءه رجل فسأله عن الرباب؟

    فقال أبو عبيد مجيباً بدقته وعلمه العميق: هو الذي يتدلى دُوَين السحاب -أي: قريب السحاب- وأنشده بيتاً لـعبد الرحمن بن حسان ، وأتى بالشاهد الذي يدل على هذا المعنى:

    كأن الرباب دُوَين السحـاب     نعامٌ تُعلق بالأرجلِ

    فقال: لم أُرِد هذا، قال أبو عبيد : إذا كنت تريد إطلاقاً آخر؛ فالرباب يطلق على اسم امرأة، وأنشد أبو عبيد بيتاً فيه الدلالة على أن الرباب اسم امرأة قائلاً:

    إن الذي قسم الملاحة بيننا      وكسا وجوه الغانيات جمالا

    وهب الملاحة للرباب وزادها      في الوجه من بعد الملاحة خالا

    فقال: لم أُرِدْ هذا -أيضاً- فقال أبو عبيد : عساك أردتَ قول الشاعر:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ          وديكٌ حسن الصوتِ

    قال: هذا أردت، هذه ربما هي نشيدة كانت عند الأطفال ينشدونها في ذلك الوقت:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ          وديكٌ حسن الصوتِ

    نشيد أطفال، فقال: هذا أردت، فقال: مِن أين أنت؟

    قال: مِن البصرة.

    قال: على أي شيءٍ جئت؟ على الظهر -أي: الدابة- أم على الماء -أي: في سفينة أو قارب؟

    قال: في الماء.

    قال: كم أعطيت الملاح؟

    قال: أربعة دراهم.

    قال: اذهب استرجع منه ما أعطيته، وقل: لم تحمل شيئاً، فعلام تأخذ مني الأجرة؟

    وهذا يشبه -أحياناً- من يعتني ببعض القصائد والأناشيد يُتْرك العلم والشيء المهم، كما وقع لبعض الشباب حفظوا قصيدة (صوت صفير البلبلِ) بالنص، وأما البيقونية أو تحفة الأطفال في التجويد أو الرحبية في المواريث لا تحفظ الطرائف ويترك العلم الأساسي من عدم الجدية، ومن تدني المستوى العلمي؛ أن ينشغل الشاب بالأناشيد وتترك القصائد أو أشعار أهل العلم التي نظموها في المصطلح .. في الأصول .. في المواريث .. في الحديث .. في غيره، تترك وتحفظ بدلها الأشعار التي إن جاءت أو راحت فهي أشياء يمكن أن تكون من المباحات، قد يكون لبعضها فوائد؛ لكن لا ترقى إلى فوائد العلم، فهذا الذي جاء إلى أبي عبيد ويسأله عن الرباب إذا به يريد:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ     وديكٌ حسن الصوتِ

    و أبو عبيد -رحمه الله تعالى- كانت له أخلاق كثيرة أخرى، وعبادة، وأدبٌ جم، وعلومٌ، وآثار، فسنتحدث عن ذلك -إن شاء الله- تكملة في الدرس القادم، وهو آخر درس في هذه المدة من الإجازة.

    1.   

    مناقب الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام

    ومن طرائف ما حصل لـأبي عبيد مع بعض السائلين:

    نقول: قد يُبتلى العالم بسؤال من جهلة العوام، كأن يأتيه سائل يسأله فيظن العالم أن هذا يريد منه الفائدة العظيمة والحقيقية، فإذا به يكتشف أن هذا السائل من أتفه ما يمكن.

    حصلت له قصة طريفة: وذلك أنه جاءه رجل قد يكون السائل ذا لحية كبيرة، مثلما جاء لـأبي حنيفة رجل مهيب، عليه سمت، فجلس في المجلس فاحشتم أبو حنيفة وقبض رجليه، وكان قد مد رجليه وتكلموا ودار النقاش في المجلس، فإذا هذا السائل يقول: متى يفطر الصائم؟

    قال: إذا غربت الشمس. قال: وإذا لم تغرب؟!

    فمد أبو حنيفة رجليه، وقال: قد آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه، يقول: احتشمت منك طيلة هذا الوقت، وظننتك شيئاً، فإذا بك تسأل هذا السؤال الدال على سخف العقل.

    فحصلت قصة مشابهة لـأبي عبيد رحمه الله، جاءه شخصٌ فسأله عن الرباب .. أبو عبيد من كبار علماء اللغة والغريب، كان يعرف الألفاظ الغريبة .. مدخلها ومخرجها، هذا تخصص أبي عبيد ، فجاءه رجل فسأله عن الرباب؟

    فقال أبو عبيد مجيباً بدقته وعلمه العميق: هو الذي يتدلى دُوَين السحاب -أي: قريب السحاب- وأنشده بيتاً لـعبد الرحمن بن حسان ، وأتى بالشاهد الذي يدل على هذا المعنى:

    كأن الرباب دُوَين السحـاب     نعامٌ تُعلق بالأرجلِ

    فقال: لم أُرِد هذا، قال أبو عبيد : إذا كنت تريد إطلاقاً آخر؛ فالرباب يطلق على اسم امرأة، وأنشد أبو عبيد بيتاً فيه الدلالة على أن الرباب اسم امرأة قائلاً:

    إن الذي قسم الملاحة بيننا      وكسا وجوه الغانيات جمالا

    وهب الملاحة للرباب وزادها      في الوجه من بعد الملاحة خالا

    فقال: لم أُرِدْ هذا -أيضاً- فقال أبو عبيد : عساك أردتَ قول الشاعر:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ          وديكٌ حسن الصوتِ

    قال: هذا أردت، هذه ربما هي نشيدة كانت عند الأطفال ينشدونها في ذلك الوقت:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ          وديكٌ حسن الصوتِ

    نشيد أطفال، فقال: هذا أردت، فقال: مِن أين أنت؟

    قال: مِن البصرة.

    قال: على أي شيءٍ جئت؟ على الظهر -أي: الدابة- أم على الماء -أي: في سفينة أو قارب؟

    قال: في الماء.

    قال: كم أعطيت الملاح؟

    قال: أربعة دراهم.

    قال: اذهب استرجع منه ما أعطيته، وقل: لم تحمل شيئاً، فعلام تأخذ مني الأجرة؟

    وهذا يشبه -أحياناً- من يعتني ببعض القصائد والأناشيد يُتْرك العلم والشيء المهم، كما وقع لبعض الشباب حفظوا قصيدة (صوت صفير البلبلِ) بالنص، وأما البيقونية أو تحفة الأطفال في التجويد أو الرحبية في المواريث لا تحفظ الطرائف ويترك العلم الأساسي من عدم الجدية، ومن تدني المستوى العلمي؛ أن ينشغل الشاب بالأناشيد وتترك القصائد أو أشعار أهل العلم التي نظموها في المصطلح .. في الأصول .. في المواريث .. في الحديث .. في غيره، تترك وتحفظ بدلها الأشعار التي إن جاءت أو راحت فهي أشياء يمكن أن تكون من المباحات، قد يكون لبعضها فوائد؛ لكن لا ترقى إلى فوائد العلم، فهذا الذي جاء إلى أبي عبيد ويسأله عن الرباب إذا به يريد:

    ربابٌ ربةُ البيتِ     تصب الخل في الزيتِ

    لها سبعُ دجاجاتٍ     وديكٌ حسن الصوتِ

    و أبو عبيد -رحمه الله تعالى- كانت له أخلاق كثيرة أخرى، وعبادة، وأدبٌ جم، وعلومٌ، وآثار، فسنتحدث عن ذلك -إن شاء الله- تكملة في الدرس القادم، وهو آخر درس في هذه المدة من الإجازة.

    عبادة وزهد الإمام أبي عبيد

    كانت لهذا الإمام عبادة جيدة، وهكذا كان دأب العلماء رحمهم الله تعالى، وخصوصاً في قيام الليل، والإمام أحمد -رحمه الله- لما استضاف رجلاً من أهل الحديث جاءه في بيته، فوضع له الإمام أحمد -رحمه الله- ماءً بالليل، وفي الصباح نظر في الماء فوجده ما نقص ولا تغير، فعاتبه الإمام أحمد رحمه الله، وقال: صاحب حديثٍ لا يقوم الليل! كيف يكون هذا؟

    فلم تكن القضية عندهم حفظ المعلومات -كما ذكرنا- وإنما هي أيضاً عبادة.

    وكان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- يُقَسِّم الليل أثلاثاً:-

    فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويصنف الكتب في ثلثه.

    فثلث لقيام الليل، وفيه تأنس القلوب بربها، وترتاح بمناجاة مليكها عز وجل، وثلثٌ ينام فيه، وثلثٌ يصنِّف فيه الكتب، وكان مقتدياً في ذلك بالإمام العلم محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله، وكان شيخه.

    وأما بالنسبة للزهد والجود:-

    فإن الرجل كان زاهداً، مترفعاً عن النقائص، ومع كثرة الأعطيات التي تأتيه إلا أنه لم يكن طماعاً أبداً، فإن أبا دُلَف العِجلي أحد قواد المأمون أرسل إلى عبد الله بن طاهر يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، يقول: أهدني أبا عبيد شهرين، وذلك لما سمع بـأبي عبيد ووَصَلَه صيته العلمي، فطلب عبد الله بن طاهر الأمير من أبي عبيد أن يسير إلى أبي دُلَف لشهرين، فأقام عنده شهرين مشتغلاً بالتعليم، فلما أراد الانصراف وصله أبو دُلَف بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجلٍ لا يحوجني إلى صلة غيره، ولا آخذ ما فيه عليَّ نقصٌ، فلما عاد إلى عبد الله بن طاهر وَصَلَه بثلاثين ألف دينار، لِمَا رأى من تعففه عن قبول ثلاثين ألف درهم من أبي دُلَف ، فهل يا ترى أخذ هذا المال، وصار مكافأة عن تعففه الأول؟

    كلا، بل إنه قال له: أيها الأمير! قد قبلتها، ولكن قد أغنيتني بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيتُ أن أشتري بها سلاحاً وخيلاً، وأوجه به إلى الثغر، فيكون الثواب متوفراً على الأمير، ففعل، ووضعها ثمن سلاحٍ في سبيل الله، وأقنع الأمير بحجة أن هذا سيكون فيه ثواب وافر محفوظ لهذا الأمير.

    ورع أبي عبيد

    كان أبو عبيد -رحمه الله تعالى- متصفاً بالورع أيضاً :-

    ومِن ورعه: أنه كان وهو رأسٌ في اللغة يستشهد بأبيات الشعر القديمة، كما يفعل أهل اللغة في بيان معاني الألفاظ، ويبينون أن الشاعر أراد بهذا اللفظ المعنى الفلاني، وأن العرب استخدموه في أشعارهم على هذا المعنى، فكانت الشواهد الشعرية تبين المعاني لهذه الألفاظ، ولكن هذه الشواهد الشعرية -وبعضها جاهلي- لم تكن تخلو من هجاءٍ، أو بعض المنكرات، وكان يذكر في بعض الشعر اسم الذي هُجِيَ به.

    فمن ورع أبي عبيد -رحمه الله تعالى- أنه كان يحذف اسم الشخص الذي هُجِيَ ويستبدله بميزانه الصرفي، فمثلاً اكتشف بعض العلماء أن أبا عبيد في بعض الأشعار التي فيها هجاء لرجلٍ اسمه عتبة ؛ قد حذف عتبة وجعل بدله فُعْلَة (وزن الاسم) حتى لا ينكسر البيت من جهة، وحتى يصون ذلك الشخص، ولا يَقَعَ في الأعراض بالتعيين، وكان يتحفظ من المشاركة في ذم أحدٍ أو هجائه، أو نشر ذلك، أو إشاعته.

    من حلم أبي عبيد وأدبه

    كان أبو عبيد -رحمه الله- أيضاً متصفاً بالحلم، وله في ذلك قصص:

    فمن ذلك: أن أبا عمرو الطوسي قال: قال لي أبي: غدوتُ إلى أبي عبيد ذات يوم فاستقبلني يعقوب بن السكيت ، فقال: إلى أين؟ فقلتُ: إلى أبي عبيد ، فقال: أنتَ أعلم منه -كأنه يزهده في لقاء أبي عبيد - قال: فمضيت إلى أبي عبيد فحدثته أن فلاناً قال لي: إني أعلم منك، فقال لي أبو عبيد : الرجل غضبان، قال: قلت: مِن أي شيء؟

    قال: جاءني منذ أيام فقال لي: اقرأ علي غريب الحديث ، فقلت: لا. ولكن تجيء مع عامة الناس في الدرس، أما أن أخصص لك درساً فلا أطيق ذلك، فغضب ودخل ذلك في نفسه، وقال لك من جراء ذلك هذا الكلام.

    فلم يرد عليه ويقول: هذا جاهل، أو هذا سفيه ونحو ذلك؛ وإنما قال: الرجل غضبان، والغضبان يخرج منه كلام ليس بموزون.

    وكان صاحب أدبٍ أيضاً :-

    قال إسحاق بن راهويه -رحمه الله- وهو من كبار العلماء، ومن قرناء الإمام أحمد رحمه الله، حتى قال بعضهم: ما عَبَر الجسر أحدٌ أحفظ من رجلين -أي: جسر بغداد المنصوب على النهر الذي عبره الكثير من العلماء الأجلاء- مثل أبي زرعة الرازي وإسحاق بن راهويه ، أي: على رأي من قال هذه العبارة.

    قال إسحاق بن راهويه : أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً.

    غيرة أبي عبيد للحق وصفته وسمته

    وكان أبو عبيد متحرقاً لنصرة الحق :-

    ولما حدثت محنة الإمام أحمد رحمه الله؛ يقول عبد الغني المقدسي عن أبي شعيب الحراني : لما أُخذ أحمد بن حنبل فضُرب، جعل أبو عبيد القاسم بن سلَّام يذهب ويجيء، ويقول: أيُضرب سيدُنا؟! لا أصبر، أيُضرب سيدُنا؟! فهو من التحرق لما حصل للإمام أحمد -رحمه الله- ما استطاع أن يجلس في مكان واحد، بل يذهب ويجيء، ويقوم ويقعد، لا يستطيع أن يمسك نفسه، ويقول: أيُضرب سيدُنا، أيُضرب سيدُنا؟ لا أصبر.

    وأما بالنسبة لحِلْيته وسمته:-

    فقد جاء في وصفه كما ذكر الذهبي -رحمه الله- في سير أعلام النبلاء : أنه كان يخضب بالحناء، وكان أحمر الرأس واللحية، ذا وقارٍ وهيبة.

    وقال ثعلب وهو يصف أبا عبيد : كان عاقلاً، لو حضره الناس يتعلمون من سمته وهديه لانتفعوا، وكان عددٌ من أهل العلم يُرحل إليهم لا لأجل العلم؛ لكن ليتعلم من أدبهم وسمتهم وهديهم.

    وكان أصحاب عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- يرحلون إليه فينظرون إلى سمته وهديه ودَلِّه فيتشبهون به.

    والنظر إلى بعض العلماء يجلو صدأ القلب، كما قال مالك رحمه الله: "كنت كلما أجد في قلبي قسوةً آتي محمد بن المنكدر ، فأنظر إليه نظرة، فأتعظ في نفسي أياماً" نظرة واحدة إلى محمد بن المنكدر موعظة تكفي الشخص مدة أيام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله عز وجل).

    فهناك أناس من كثرة العبادة والتقوى يظهر على وجوههم ما يجعل النظر إليهم يجلب الخشوع، ويزيد الإيمان، من صلاحهم وتقواهم وعبادتهم.

    1.   

    مكانة أبي عبيد بين العلماء

    العلوم التي برع فيها أبو عبيد

    وأما بالنسبة للعلوم التي برع فيها أبو عبيد رحمه الله تعالى، فإنه كان موسوعة، لم يشغله علمٌ عن علمٍ، فلم يشتغل بالحديث عن الفقه، ولا باللغة عن التاريخ، فبعض الناس يمكن أن يقال عنه: محدث غير فقيه، وبعض الناس يمكن أن يقال عنه: فقيه غير محدث، لا يميز الصحيح من الضعيف في الأحاديث، لكن أبا عبيد -رحمه الله- وُصف بأنه الإمام، الحافظ، المحدث، المفسر، المقرئ، الفقيه القاضي المجتهد، اللغوي النحوي، الأخباري النسَّابة، أي: يعلم الأنساب، والأخباري من يعلم التاريخ، هكذا أقر له كبار الأئمة من معاصريه ومَن بعده، وبهذا وصفوه.

    وهذا قد عبر به عن نفسه، فقال مرة: ما ناظرني رجلٌ قط وكان مفَنَّناً في العلوم إلا غلبته، ولا ناظرني ذو فنٍ واحد إلا غلبني في فنه ذلك، يعني: إذا كان الرجل متخصصاً في فنٍ واحد فيمكنه أن يغلبني، أما إذا كان في كثير من العلوم فإذا ناظرته غلبته، هذا دليل على سعة اطلاعه رحمه الله وشمولية معرفته.

    ومما ميز الرجل أنه صنَّف في وقتٍ كانت المصنفات فيه قليلة، ولما انتشرت المصنفات صار بعضهم ينقل من بعض، فكانت مصنفاته أكثرها مبتكَرة، أي: أن بعض مصنفاته ربما لم يُسبق إليها، وبعض التراتيب التي فيها لم يُسبق إليها.

    فالرجل مبارك في التصنيف والتأليف، ومصنفاته تنبئ عن أنه لم يكن متخصصاً في فنٍ واحد، فمثلاً: له في القرآن وعلومه مؤلفات، وفي اختيار القراءة الصحيحة الموافقة للعربية والأثر؛ لأن من شروط القراءة الصحيحة أن تكون موافقة للأثر، وموافِقةً لرسم مصحف عثمان ، وموافقة لوجهٍ من أوجه اللغة المعتمدة، فـأبو عبيد -رحمه الله- صنَّف في القراءة المختارة الموافقة للغة والأثر.

    وكذلك صنف في الناسخ والمنسوخ.

    وصنف في إعراب القرآن، وهذه كلها من علوم القرآن.

    وصنف في الحديث وعلله، وكُتُبُه تشهد بذلك، وله كتاب مشهور اسمه: غريب الحديث .

    وأما في الفقه؛ فإنه كان إماماً مجتهداً، يُذْكَر في طبقة الشافعي وأحمد ، وله أقوال في الفقه، نثرها في كتابه غريب الحديث وغيره، وسنذكر بعضها إن شاء الله.

    وله في الأخلاق والآداب مؤلفات؛ وفي اللغة العربية من نحو، وشعر، وأدب أيضاً مؤلفات، وفي التاريخ والأنساب مؤلفات.

    فالرجل بالجملة واسع العلم.

    وهذا ما ذكرناه من أن التخصصات الجامعية قد قضت على الموسوعية في العلم، ولم يكن من العلماء من يفهم في الأصول، أو يتخصص في اللغة، أو في المصطلح فقط، وإنما كان علم الواحد منهم شاملاً لأبواب العلم وأنواعه.

    وقال أحمد بن كامل القاضي : كان أبو عبيد القاسم بن سلَّام فاضلاً في دينه وفي علمه، ربانياً، متفنناً في أصناف علوم الإسلام؛ من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية، صحيح النقل، لا أعلم أحداً من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه.

    وهذه تزكية ممن يعرفه؛ بأنه لم يوجد عليه مطعن في شيء من أمره ودينه.

    وقال عبد بن جعفر بن درستويه أو درَسْتَوَيه كلها بالفتح أو كلها بالضم، دُرُسْتُوَيْه أو دَرَسْتَوَيْه، وهو يصف أبا عبيد : كان من علماء بغداد المحدثين، النحويين على مذهب الكوفيين، ورواة اللغة والغريب عن البصريين والكوفيين، ومن العلماء بالقراءات، جمع صنوفاً من العلم، وصنف في كل فنٍ من العلوم والآداب فأكثر واشتهر.

    وكذلك فإنه قد جاء في ترجمته: أن كتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد، والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكرٍ ونبلٍ.

    ومعنى ذلك أن العلماء قد عرفوا قيمتها، ونصحوا بها، وطلبة العلم أقبلوا عليها فصارت مطلوبة مرغوبة، وهذا يبين دقة الرجل -رحمه الله- وعمقه.

    وصنف كتباً وقد خرجت للناس واستُفيد منها علمٌ كثير، ولا شك أن التأليف في ساعات الأسحار حيث تصفو الأذهان، وتنشط القرائح والأفهام، فيه بركة، ويمكن أن يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت مصنفات هذا الرجل مباركة.

    ثناء العلماء على أبي عبيد

    أما ثناء العلماء عليه فكثير، ويكفينا شهادة الإمام أحمد رحمه الله، فإن محمد بن أبي بشر قال: أتيتُ أحمد بن حنبل في مسألة، فقال: ائتِ أبا عبيد فإن له بياناً لا تسمعه من غيره، فأتيت أبا عبيد فسألته فشفاني جوابُه، وأخبرته بقول أحمد فقال: يا بن أخي! ذاك -يعني الإمام أحمد - رجلٌ من عمال الله، نشر الله رداء عمله في الدنيا، وذخر له عنده الزلفى.

    وتقدم أن حمدان بن سهل قال لـيحيى بن معين وسأله عن الكتابة عن أبي عبيد : نكتب عن أبي عبيد أم لا؟ ونسمع منه؟ فتبسم، وقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس، لقد كنت عند الأصمعي يوماً إذ أقبل أبو عبيد فشق إليه بصرُه -بصرُ الأصمعي شقَّ إلى أبي عبيد - حتى اقترب منه، فقال: أترون هذا المقبل؟

    قالوا: نعم، قال: لن يضيع الناس ما حيي هذا المقبل.

    وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي : أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، وأجمعنا علماً، إنا نحتاج إلى أبي عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.

    وقال أيضاً: الأئمة في زماننا: الشافعي ، والحُمَيْدي ، وأبو عبيد.

    وقال إبراهيم بن أبي طالب : سألتُ أبا قدامة عبد الله بن سعيد اليشكري -أحد أئمة الحديث، مجمعٌ على ثقته- عن الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، فقال: أما أفهمهم فـالشافعي ، إلا أنه قليل الحديث، وأما أورعهم فـأحمد بن حنبل ، وأما أحفظهم فـإسحاق ، وأما أعلمهم بلغات العرب فـأبو عبيد .

    ولما جاء نعي أبي عبيد لـعبد الله بن طاهر، وكان قد قال: كان للناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وقاسم بن معن في زمانه، وأبو عبيد القاسم بن سلَّام في زمانه، لما جاءه نعي أبي عبيد قال :

    يا طالب العلم قد مات ابن سلَّام     وكان فارس علمٍ غير محجامِ

    مات الذي كان فيكم رُبع أربعةٍ     لَمْ يلقَ مثله أستاذ أحكامِ

    خير البرية عبد الله أولهم     وعامرٌ ولنعم الثنا يا عامِ

    هما اللذان أنافا فوق غيرهما     والقاسمان: ابن مَعْنٍ وابن سلَّام

    فازا بقِدحٍ متينٍ لا كفاء له     وخلفاكم صفوفاً فوق أقدامِ

    وقال الهلال بن علاء الرِّقِّي : مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم:

    بـالشافعي : تفقه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبـأحمد بن حنبل : ثبت في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس.

    وبـيحيى بن معين : نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وبـأبي عبيد القاسم بن سلَّام : فسر الغريب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ، ولم يفهموا الأحاديث على وجهها، ولا فهموا معناها.

    وقال إبراهيم الحربي -رحمه الله- وهو من تلاميذ أبي عبيد : أدركتُ ثلاثةً لن يُرى مثلهم أبداً، تعجز النساء أن يلدن مثلهم: رأيت أبا عبيد القاسم بن سلَّام ما مثَّلْتُه إلا بجبلٍ نُفِخ فيه روح.

    وقال أحمد بن يحيى الملقب بـثعلب : لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً، مع أن القوم أصحاب عجائب كثيرة، ولعلها لتعويض نقص إيمان القوم لأجل أن تحملهم على الإيمان، لأنهم كان عندهم ضعف، قال: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً.

    وقال الأزهري : كان أبو عبيد ديِّناً فاضلاً، عالماً أديباً فقيهاً صاحب سنة.

    وعَدَّ ابن تيمية -رحمه الله- أبا عبيد من الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدقٍ، كما ذكره فيمن يعرف كل أحدٍ زكاءهم وذكاءهم.

    ما هو الفرق بين الذكاء والزكاء إذا قيل: كان ذكياً زكياً؟

    الزكاء: في النفس، فالزكي المزكَّى أي: العدل، الثقة، الطاهر، والأمين، التقي.

    والذكي يعني: في ذهنه، وعقله؛ لكنه قد يكون شريراً، ولذلك يقال عن بعض الناس: أوتي ذكاءً ولم يؤت زكاءً، وهذا ذكاؤه يكون وبالاً عليه، لأنه يستخدمه في الشر، فإذا أوتي المرء ذكاءً ولم يؤتَ زكاءً فهذه مصيبة، وعدد من الملاحدة وأصحاب المذاهب الضالة أوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً.

    وقال ابن القيم -رحمه الله- عن أبي عبيد : وكان من أعيان المفتين -يعني: بـبغداد، وكان جبلاً نُفِخ فيه الروح علماً وجلالة ونُبلاً وأدباً.

    1.   

    منهج أبي عبيد في العقيدة

    منهج أبي عبيد في مسائل الصفات والإيمان والقرآن

    أما مصنفاته رحمه الله فقد قلنا: إنها كانت منوعة في أبواب العلم المختلفة.

    فمثلاً: في التوحيد: له كتاب في الإيمان ومعالمه، وبيان أنه يزيد وينقص.

    وفي صفات الله تعالى أيضاً كان يرى إثبات الصفات، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : قال أبو عبيد: هذه الأحـاديث صحـاح -يعني: أحاديث الصفات- حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حقٌ لا شك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أن أحداً يفسره.

    ما معنى العبارة؟

    معناها: أننا نؤمن أن الرب يضع قدمه في النار، ونؤمن أن الرب يضحك؛ لكن لا نستطيع أن نخبر بالكيفية، فنحن نثبت المعنى على حسب كلام العرب ولغتهم؛ لكننا لا يمكن أن نشبه أو نكيف أو نقول: كيفية قدمه كذا، وكيفية يده كذا، وأصابعه كذا، هذه أشياء لا يمكن أن نخوض فيها، وعقولنا لا تحتمل ذلك أبداً، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه:110].

    أما إثبات الصفة، وإثبات معناها، وإثبات حقيقة الصفة: أن له يداً حقيقية، وله قدماً حقيقية، وله قبضةً حقيقية، وأنه يحثو بيده، فلا شك، وأما الأشاعرة فيقولون: لا قبض ولا يد ولا حثو.

    فإثبات الصفات من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومعنى نفي التفسير: نفي الإخبار بالكيفية، أما المعنى على حسب كلام العرب فيثبته أبو عبيد وغيره من أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة.

    أما القرآن: فلا شك أنه يقول: القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق.

    وقال عبد الملك السمسار : اتفقت أنا وعلي بن المديني وأبو عبيد القاسم بن سلَّام، فقال علي أو غيره: يا أبا عبيد ! ما تقول فيمن قال: القرآن مخلوق؟

    فقال أبو عبيد : هذا رجلٌ يُعَلَّمْ، ويقال له: إن هذا كفرٌ فإن رجع وإلا ضربت عنقه.

    مذهب أبي عبيد في الصحابة

    وأما مذهبه في تفضيل الصحابة: فيرى أبو عبيد -رحمه الله- أن أفضل الصحابة أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، وهذا الذي عليه جمهور الأئمة، وأن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة؛ لكن القلة من أهل السنة يقدمون علياً على عثمان في الفضل؛ لأشياء عندهم في مناقب علي ، رجَّحوا بها أن علياً أفضل من عثمان ؛ لكن جمهور أهل السنة على أن عثمان في الفضل بعد الصديق وعمر.

    وقال أبو عبيد : فعلت في البصرة فعلتين أرجو بهما الجنة: أتيت يحيى القطان وهو يقول: أبو بكر وعمر وعلي -أي: في الترتيب- فقلت: معي شاهدان من أهل بدرٍ يشهدان أن عثمان أفضل من علي ، قال: من؟ فقلت: أنت حدثتنا، عن شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النَّزَّال بن سبرة قال: [خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: أمَّرْنا خير من بقي ولَمْ نأْلُ] فالصحابة كونهم اجتمعوا وعلي موجود وعثمان موجود وانتخبوا، واستشار عبد الرحمن بن عوف الناس، حتى استشار العجائز في البيوت، فاتفقت كلمتهم على عثمان ، ولذلك ما أجْمَعَت الأمة على خليفة من الراشدين مثلما أجمعت على عثمان ، فبيعة أبي بكر حصل فيها شيء كما في حادثة السقيفة، وعمر كانت بِوَصِية من الصديق ، وعلي -رضي الله عنه- حصل ما حصل في توليته، لكن الأمة ما اجتمعت على خليفة في توليته وتعيينه مثلما اجتمعت على عثمان ، فاستشار عبد الرحمن بن عوف الناس ثلاث ليالٍ لم يكتحل فيها بنوم، فاجتمعت كلمتهم على عثمان ، وما اختلفوا في شأن تقديم عثمان ، فقال ابن مسعود : [أَمَّرْنا خير من بقي -أي: أنه أفضل من علي رضي الله عنه- ولَمْ نأْلُ].

    فقال يحيى بن سعيد القطان : ومَن الآخر؟ -الشاهد الثاني- قال: قلت: الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسور بن مخرمة، قال: [سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: شاورت المهاجرين الأولين، وأمراء الأجناد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أرَ أحداً يعدل بـعثمان] قال: فترك قوله -أي يحيى بن سعيد القطان - من نتيجة المناقشة مع أبي عبيد ، ترك قوله في تقديم علي على عثمان - وقال: أبو بكر ، وعمر ، وعثمان، إلى آخره.

    موقف أبي عبيد من أهل البدع

    وأما بالنسبة لموقفه من أهل البدع، فإن أبا عبيد -رحمه الله- كان شديداً على أهل البدع كعادة السلف في ذلك الوقت، وكان صاحب خبرة ومراس، واحتكاك بأصحاب الفرق الضالة، ونقل أخبارهم، وسبر غَوْرَهم، فقال: عاشرت الناس، وكلمت أهل الكلام، فما رأيت أوسخ وسخاً ولا قذراً، ولا أضعف حجةً، ولا أحمق من الرافضة ، ولقد وُلِّيت قضاء الثغور -تولى القضاء ثمانية عشر عاماً- فنفيت منهم ثلاثة رجال؛ رافِضِيَّيْن وجهمياً، وقلت: مثلكم لا يساكن أهل الثغور وأخرجتهم، أي: أنهم وبال على المسلمين، فإن الثغور تحتاج إلى جهاد، والثغور هي: رباط في الجهاد، والجهاد يحتاج إلى أناس من أهل التقى والصلاح والسنة، ينتصر بهم المسلمون، أما مثلكم أنتم فأنتم سبب هزيمة فأخرجهم ونفاهم.

    1.   

    مصنفات أبي عبيد في غير العقيدة

    مؤلفات أبي عبيد في علوم القرآن

    وأما بالنسبة لعلوم القرآن، فإن أبا عبيد -رحمه الله- قد صنف كتابه شواهد القرآن ، وعندما روى حديث: (الله أكبر! خربت خيبر ؛ إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين) قال السيوطي : هذا الحديث أصلٌ في جواز التمثل والاستشهاد بالقرآن والاقتباس، أي: أن يقتبس المرء من القرآن كلمات أو جزءاً من آية فيجعلها في كلامه وتعبيره إذا كان حقاً، وإذا لم يكن على وجه التنقص أو الاستهزاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام عبر عن نزوله ليهود خيبر، فقال: (الله أكبر! خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين)، وقوله: (فساء صباح المنذرين) جزء من آية، يقول السيوطي : وألف قديماً في جواز الاقتباس من القرآن والاستشهاد ببعض الفقرات الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام كتاباً ذكر فيه جميع ما وقع للصحابة والتابعين من ذلك، أورده بالأسانيد المتصلة إليهم، أي: استشهادات الصحابة في خلال كلامهم بأشياء من القرآن، وأن ذلك ليس بحرام ولا ببدعة ما دام أنه كلام حق ليس فيه تنقص ولا استهزاء أو مزاح في شيء من الدين، فإنه لا بأس أن يستشهد.

    وبعض الاستشهادات يكون فيها تكلف، كما ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في صيد الخاطر ، قال: إن أبا علي ابن عقيل -رحمه الله- من الفقهاء والعلماء الكبار، لما مات ولده وكان يحبه كثيراً، وكان شاباً قد علمه وتعب عليه، فحزن الأب جداً، وخرج الناس معه وعليهم الحزن، فمشوا معه في الجنازة إلى المقبرة، ولما اجتمعوا حول القبر وأرادوا إنزاله فيه؛ صاح أحد الناس: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ [يوسف:78] قال: فضج الناس بالبكاء، فعلق عليها قائلاً: إن القرآن لم ينزل لإثارة الأحزان، وتجديد الآلام، وإنما نزل لتسكينها، فنَعَى على ذلك الرجل أن يقتبس هذا الاقتباس الذي كان غير مناسب ألبتة، وصحيحٌ أن العزيز من أسماء الله؛ لكن ليس من المناسب أن يقول في هذا الموضع: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ [يوسف:78].

    وكذلك ما روى الخطيب في كتابه التطفل ، أي: المتطفلون على الولائم الذين يأتون بغير دعوة، روى قصة رجل رأى أحد أصحاب البيوت يدخل بيته بطعام، وأعرض عنه ولم يلتفت إليه ولا دعاه، قال: فتسَّور عليه السطح، وأشرف عليه في حوش بيته في الدار، والرجل حوله بناته قد وضع الطعام، فانتبه له صاحب البيت فصاح به وعنَّفه وقال: اتقِ الله! كيف تطَّلع على حرماتي وبناتي؟! فقال الطفيلي: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79].

    فبعض الاستشهادات في غير موضعها، فمثل هذا الاقتباس والاستشهاد ليس صحيحاً، وإذا كان فيه شيء من الاستهزاء بالدين فهذه أطم وأسوأ وأخبث، لكن إذا كان في كلامِ جِدٍّ كأن يصف رجل حال الأمة، وما وقع فيه من الأهواء، وحال الناظر والمفكر في هذا الحال، فقال: فأينما توجهت تجد هذا الفساد، وهذا الركام: مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] يعني: ما لنا مخرج ولا مهرب من هذا الذي وضعنا فيه الأعداء.

    فقد يستشهد البعض بأشياء من القرآن لا بأس بالاستشهاد بها في مقامِ جِد مناسب، الشاهد الذي وضعه في السياق مناسب، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين).

    أما أن يُستشهد بالقرآن في أي مناسبة فهذا غير صحيح، ويجب أن يجلَّ كلام الله عن هذه المناسبات التافهة، أو الاستخدامات التي يستخدم بها بعض الناس آيات من القرآن، أو أجزاء من القرآن في أشياء من التوافه، أو مقام لعب ولهو، أو كلام باطل مثلاً، وهذا واقع في كلام الناس كثيراً مع الأسف!

    ألف أبو عبيد -رحمه الله- أيضاً كتاباً في عدد آي القرآن، وعدد آيات المكي والمدني.

    وألف رحمه الله كتاباً في غريب القرآن.

    وألف كتاباً في فضائل القرآن ومعالمه وآدابه.

    وألف كتاباً في القراءات كما تقدم.

    مؤلفات أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ وفي الحديث

    ألف أبي عبيد في الناسخ والمنسوخ في القرآن، وهذا الكتاب في ترتيبه لم يسبق إليه، فإنه رتب الكتاب على الأبواب الفقهية، فذكر تحت كل بابٍ الآيات التي تتعلق بموضوعه التي جاء فيها ناسخ ومنسوخ.

    فأولاً: بدأ الكتاب بباب فضل العلم، ناسخ القرآن ومنسوخه، باب ذكر الصلاة وما فيها من الناسخ والمنسوخ، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الشهادات، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، ناسخ الطعام ومنسوخه، الشراب، إلى آخره، فسلك في ترتيب الآيات سبيل الأبواب الفقهية، حتى أصبح كتاباً في أحكام القرآن مرتباً على الأبواب الفقهية، وهذا ابتكار جميل، وسار على نهجه الإمام الطحاوي رحمه الله في كتابه أحكام القرآن .

    وكان منهج أبي عبيد في هذا الكتاب أن يعرض الآيات ويبين غريبها، وما قيل في ناسخها ومنسوخها، ثم الأحكام المستنبطة مع ذكر أقوال الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم مع أدلتهم، مع المناقشة وذكر الرأي الراجح وبيان وجه رجحانه، هذه طريقته في كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه .

    أما في الحديث: فله جزءٌ في حديثه الذي رواه هو حديث القاسم بن سلَّام ، وله كتابه المشهور جداً، وأبرز كتاب وأشهر كتاب لـأبي عبيد هو: غريب الحديث ، وهذا الكتاب جعله لبيان الألفاظ الغريبة، الصعبة الغامضة، البعيدة عن الفهم التي تحتاج إلى دقة، أو أنها قليلة الاستعمال، والتي جاءت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار الصحابة والتابعين ومعانيها.

    تتبع أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وآثار الصحابة والتابعين على تفرقها وتعددها، حتى جمع الأشياء الصعبة التي تحتاج إلى شرح وبيان، فساقها بأسانيده، وكان قد جمع معاني هذه الألفاظ من علومه، وما سمعه من أهل العلم؛ مستعيناً بشعر وأمثال العرب، ومأثور كلامهم، فيذكر ذلك في كتابه، ويذكر أيضاً فوائد فقهية مأخوذة من هذا الحديث الذي فيه كلمة غريبة، وما يُستنبط منه من الفقه بشكلٍ مختصر.

    رَتب الكتاب على أربعة أقسام:

    أول قسم: يتضمن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوعة بسنده المتصل، والتي بلغت (540) حديثاً.

    القسم الثاني: أحاديث الصحابة رضوان الله عليهم:-

    يذكر أحاديث كل صحابي على حده، ويبين الكلمات الصعبة الغريبة في كلام كل صحابي أو رواية كل صحابي.

    القسم الثالث: أحاديث التابعين:-

    يذكر أحاديث كل تابعي على حدة مما يوجد فيه كلام غريب أو كلمة صعبة مع شرحها.

    والرابع: أحاديث لا يعرف أصحابها :-

    فهي آثار بدون عزو لقائل معين، وشرح ما فيها من الألفاظ الغريبة.

    هذا الكتاب يقول أبو عبيد فيه: بقيت في تصنيف هذا الكتاب (40) سنة، لأنه لا يأتي بأي حديث، بل يأتي بالحديث الذي فيه كلمة غريبة تحتاج إلى شرح، ويكون بسنده لا بسند غيره، ويكون فيه أيضاً فوائد فقهية، وتشرحه شواهد شعرية ومن أمثال العرب ونحو ذلك، وهذا الكتاب قد صار له مكانة مرموقة جداً، ونسخه الإمام أحمد رحمه الله واستحسنه.

    وكان ابن الباجي أحمد بن عبد الله الإشبيلي يحفظه غيباً.

    وكذلك عبد الملك بن إبراهيم الهمداني المقدسي ، وغيرهم من العلماء يحفظونه غيباً، تأثراً بطريقة هذا الكتاب.

    وأبو إسحاق الحربي ألف على نمطه، وغيره من أهل العلم ألَّفوا على نمط أبي عبيد في الغريب، وقامت لهذا الكتاب شروح ومختصرات، وتعليقات، وتعقيبات، فكان محط اهتمام وانتباه من العلماء، ونقل عنه عددٌ من المصنفين في مؤلفاتهم.

    1.   

    منهج أبي عبيد في الفقه

    أما بالنسبة للفقه :-

    فإن أبا عبيد -رحمه الله- كان إماماً مجتهداً، غير مقلدٍ ولا متبعٍ لمذهب معين؛ لأنه قد توافرت فيه صفات الاجتهاد؛ فمثلاً الخبرة بحديث النبي عليه الصلاة والسلام موجودة، وعلم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.. الخبرة باللغة.. معرفة اختلاف العلماء.. فقه النفس، كله كان متوفراً عنده رحمه الله.

    وهو صاحب مناظرات فقهية مع كبار العلماء، وحصلت له مناظرة مع الشافعي ، هذه المناظرة تُكتب وتروى في موضوع أدب الخلاف والمناظرة، والإخلاص وطلب الحق.

    والقصة: تناظر الشافعي وأبو عبيد في القرء الذي تعتد به المطلقة، فكان الشافعي يقول: إنه الحيض، فثلاثة قروء تعني: ثلاث حيضات، أي أنه إذا طلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه فإنها تحيض ثم تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم تحيض، فإذا انتهت الحيضة الثالثة خرجت من العدة، وملكت نفسها، وتزوجت مَن أرادت بالمعروف.

    وكان أبو عبيد يقول: إن معنى القرء: الطهر، وكان لكل واحد منهما حجج، وأنت إذا فتحت أضواء البيان للشنقيطي في هذه المسألة ترى عجباً، واستدلالات لطيفة من اللغة؛ لأن مما استدل به على أنه الطهر أن الله قال: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] الثلاثة إلى العشرة إذا كان المعدود مذكراً فيكون العدد مؤنثاً، وإذا كان المعدود مؤنثاً يكون العدد مذكراً، فإذا كان حيضة ستكون ثلاثُ حيضات، وإذا كان الطهر فإننا نقول: ثلاثة أطهار، فهي ثلاثة، لكن للقائلين بأن المقصود هو الحيض أن يقولوا: إن العدد هذا جاء على المعدود وهو أن القرء مذكر، والعدد مؤنث بطبيعة الحال على القاعدة.

    المهم: كان الشافعي يقول: إنه الحيض، وأبو عبيد يقول: إنه الطهر، فلم يزل كلٌ منهما يقرر قوله، ويحتج لقوله بالأدلة والشواهد حتى تفرقا وقد انتحل كل واحدٍ مذهب صاحبه وانتقل إلى رأيه. وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد، وهذه القصة نموذج على اتباع السلف -رحمهم الله- للحق وطلبه في النقاشات العلمية، ولم يكن هَمُّ الواحد منهم أن يظهر ويعلو، ويغلب وينتصر لنفسه، ولكن يبحث عن الحق، فإذا كان الحق مع الطرف الآخر تبعه، وإذا تبين للطرف الآخر أن كلامه ليس براجح فالحمد لله.

    يقول السبكي الشافعي عن القصة: إن صحت هذه الحكاية ففيها دلالة على عظمة أبي عبيد ، فلم يبلغنا عن أحدٍ أنه ناظر الشافعي ثم رجع الشافعي إلى مذهبه، وأن الشافعي لأول مرة يرجع إلى مذهب شخصٍِ آخر.

    وأما بالنسبة لـابن تيمية -رحمه الله- فإنه لما تكلم عن أهل العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم بدون تعصب لشخص، ولا ميل لطائفة ولا مذهب، بل يرجحون قول هذا الصحابي تارة، وقول هذا الصحابي تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع ذكر من هذا الصنف أبا عبيد.

    كذلك الذهبي -رحمه الله- لما تكلم عن الاجتهاد، ومن يصلح له، ومن يصلح أن يقلَّد من الأئمة، فذكر ممن يصلح للتقليد أبا عبيد.

    قال ابن حجر رحمه الله: إن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن؛ كـأبي عبيد، والنضر بن شميل، والفراء وغيره، أما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي ، وأبي عبيد ، وأمثالهما. فـالبخاري استفاد من أبي عبيد في غريب الحديث والفقه.

    مؤلفات أبي عبيد في الفقه واللغة والأنساب وغيرها

    وأما بالنسبة للفقه :-

    فإنه قد ألف فيه مصنفات، وألف أدب القاضي .

    ومن أهم مؤلفات أبي عبيد في الفقه: الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها ، وهذا الكتاب كتابٌ عظيم ذكر فيه أن مصارف الأموال ثلاثة:

    - الفيء.

    - والخُمُس.

    - والصدقة.

    وتحت كل واحد من هذه الثلاثة أنواعٌ وأقسام، عرض فيه هذه المصارف الثلاثة، وآراء الصحابة والتابعين وفقهاء زمانه، ودلل لكل رأي وناقشه حتى يتوصل إلى الرأي المختار.

    وكذلك فإنه قد جعل في هذا الكتاب فوائد وفرائد مثل: دفع شُبَه وتوهمات، وقد أثنى العلماء على الكتاب، وقال أحمد بن مهدي: "أردت أن أكتب كتاب الأموال لـأبي عبيد فخرجت لأشتري ماء الذهب -يعني: من نفاسة الكتاب يريد أن يكتبه بماء الذهب- فلقيت أبا عبيد فقلت: يا أبا عبيد ! رحمك الله، أريد أن أكتب كتاب الأموال بماء الذهب، قال: اكتبه بالحبر فإنه أبقى، أي: ماء الذهب مع الوقت ينمحي".

    وقال ابن حجر: "وعن بعضٍ: كتابه في الأموال من أحسن ما صنف في الفقه وأجوده".

    وهذا الكتاب أيضاً تُنُوْوِل بالشرح والاختصار، ومَن جاء بعده، مثل: ابن زنجويه في كتاب الأموال قد أكثر النقل عن أبي عبيد رحمه الله تعالى.

    أيضاً له مصنفات أخرى في الفقه: ففقه أبي عبيد -رحمه الله- مما نُثِر في الكتب ونَقَله العلماء، فإذا نقلوا أقوال الشافعي وأحمد وغيرهما، فإنهم ينقلون: وقال أبو عبيد ، فهو من أصحاب الأقوال المنقولة.

    والآداب:-

    فـأبو عبيد -رحمه الله- قد ألف كتاب آداب الإسلام ، وألَّف في الخطب والمواعظ أيضاً، وهذا مما يدل على سعة تصنيفه.

    في علوم اللغة:-

    لا شك أن له فيه مؤلفات.

    وألف أيضاً في أمثال العرب، فقد ألف كتاب الأمثال السائرة.

    وكذلك ألف رحمه الله في النحو.

    وفي التاريخ والأنساب، حتى ألف في أنساب الخيل.

    وكذلك فإن هناك أقوالاً في فقهه يمكن أن نذكر منها بعض الأمثلة، ما دام الرجل -رحمه الله- لم يتبع مذهباً معيناً كما قلنا، كان مستقلاً باجتهاده، وكان يراجع نفسه في المسائل، ويغير رأيه بناءً على ما يتبين له، وهذا يدل على التجرد، فلا يقول: أنا قلت كلمة ولا أغيرها.

    يقول عباس بن محمد الدوري : سمعت أبا عبيد يقول: وسئل عن الفُقَّاع -وهو نوع من الشراب يُتَخَّذ من الشعير- هل هو مسكر محرم أم لا؟

    فقال: كان لي فيه قولٌ، أي: كنت أرى -مثلاً- بالمنع، فإذا هو يفسد بعد ساعة أو ساعتين، فعلمتُ أنه ليس به بأس؛ لأن الخمر لا يفسد؛ الخمر يبقى خمراً؛ لكن إذا كان يفسد، فمعناه: أنه ليس بمسكر وليس خمراً، فرأيه في هذا الشراب تحول وانتقل.

    ومن اللطائف التي حصلت له في تغيير رأي فقهي قصة:

    قال: كنت أفتي أن من نام جالساً لا وضوء عليه، حتى خرج إلى جنبي يوم الجمعة رجلٌ فنام فخرجت منه ريح، فقلت: قم فتوضأ، فقال: لَمْ أنَمْ، فقلت: بلى، وقد خرجت منك ريحٌ تنقض الوضوء، فجعل يحلف أنه ما كان ذلك منه، وقال لي: بل منك خروج ذلك فتركتُ ما كنتُ أعتقد في نوم الجالس، وراعيت غلبة النوم ومخالطته للقلب. أي: أن النوم جالساً يمكن أن ينقض الوضوء، وأن الإنسان إذا غاب عنه الوعي تماماً؛ فإن وضوءه ينتقض حتى لو نام جالساً.

    من آراء أبي عبيد الفقهية

    من آرائه الفقهية: طهارة بول ما يؤكل لحمه من الحيوانات وجواز شربه :-

    وبهذا قال المالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية، وذهب الحنفية والشافعية إلى نجاستها، وقد استدل أولئك بحديث شرب بول الإبل الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام من نزلوا بـالمدينة وأصابتهم الحمى أن يشربوه.

    أيضاً من آرائه: أنه يكفي النضح في تطهير بول الصبي الذي لم يطعم:-

    وهذا قول الشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب غسله.

    ومن أراء أبي عبيد رحمه الله: جواز الاغتسال ورفع الحدث بماء زمزم :-

    وهذا قول الأئمة الأربعة.

    ومن أقواله رحمه الله تعالى أيضاً: كراهة قراءة القرآن بالألحان :-

    وأن التغني بالقرآن هو تحزين القراءة بالتخويف والتشويق المؤدي إلى خشية الله تعالى، وليس التطريب.

    كذلك من آرائه الفقهية: كراهة قراءة القرآن منكوساً، أي بتغيير ترتيب السور، وأنه ينبغي أن يقرأ على حسب ترتيب المصحف- وأنه رُخِّص للصبي والعجمي للقراءة، من آخر القرآن من المعوذتين وحتى يرتفع إلى البقرة لصعوبة السور الطوال عليهما.

    وذهب كذلك -رحمه الله- إلى أنَّ مَن كان له دَينٌ لا يرجوه أنه ليس فيه زكاة، فإذا قبضه زكَّاه مرة واحدة لما مضى من السنين، وهذا قول الشافعية والحنابلة.

    وكذلك من أقواله الفقهية: أن حكم اللقطة في مكة ليس كحكمها في سائر البلاد:-

    فلا يجوز أخذ اللقطة في مكة للتملك، وإنما تؤخذ للحفظ والتعريف والإنشاد، ولا يحل الانتفاع بها ولا تملكها ولو عرَّفها سنة، بخلاف لقطة بقية البلدان والأماكن؛ فإنه إذا عرَّفها سنة فلم يجد صاحبها يأخذها وينتفع بها ويتملكها، وهذا قول الشافعية، وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا فرق بين الحل والحرم في اللقطة.

    وأقواله كما قلنا منتشرة في كتب الفقه، والذي يطَّلع -مثلاً- على كتب الفقه المقارَن كـالمغني والمجموع وغيرهما يجد كلاماً لـأبي عبيد منقولاً في المسائل الفقهية المختلفة.

    ورحل أبو عبيد رحمه الله تعالى إلى ربه -كما قلنا- في سنة: (224هـ)، وقد بلغ من العمر ثلاثاً وسبعين عاماً.

    رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه في أعلى عليين مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.