إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب العتقللشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإسلام يتشوف إلى الحرية والعتق، ولذلك جعل أسباباً عديدة للعتق، منها: المكاتبة، والتدبير، وغيرها، ولا يجوز للسيد بيع الأمة إذا أنجبت له ولداً ولا هبتها، لكن له أن يطأها وأن يستنفع بها كالأمة.

    1.   

    ما جاء في العتق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ باب: العتق.

    وهو تحرير العبد، ويحصل بالقول والفعل ].

    العتق معناه في اللغة: الخلوص.

    وشرعاً: هو تحرير العبد من الرق.

    أنواع العتق

    وهو نوعان:

    صريح وكناية، فالصريح كأن يقول: أنت حر، أو أنت عتيق، أو أنت معتق، أو أنت محرر، والكناية كأن يقول: خليت سبيله، أو لا سبيل لي عليك، اذهب لما تريد.. وما أشبه ذلك.

    فإذا أتى باللفظ الصريح عتق بدون إشكال، أما الكناية فلا يعتق إلا بالنية، إذا قال: تصرف في نفسك، أو قال: لك أن تذهب إلى ما تريد أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يقع به العتق إلا إذا نوى العتق، فإذا نوى العتق صار حراً وإلا فلا.

    قال: [ فأما القول فصريحه لفظ العتق والتحرير وما تصرف منهما ].

    يعني: أنت حر أو أنت عتيق، وما تصرف منهما كأن يقول: أنت معتق أو أنت محرر.

    قال: [ فمتى أتى بذلك حصل العتق وإن لم ينوه، وما عدا هذا من الألفاظ المحتملة للعتق كناية لا يعتق بها إلا إذا كان نوى ].

    يعني: القول الصريح لا يحتاج إلى نية، والعتق مثل الطلاق، فإذا طلق الرجل زوجته وقال: أنت طالق أو مطلقة طلقت ولو لم ينو، أما إذا قال: خليت سبيلك، أنت ليس لي عليك أمر، أو ما أشبه ذلك فهذا كناية لابد فيه من النية.

    قال: [ وأما الفعل فمن ملك ذا رحم محرم عتق عليه ].

    يعني: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه بالفعل، مثلاً: وجد أخته تباع فاشتراها عتقت ولو لم يقل: أنت عتيقة، هذا هو العتق بالفعل.

    عتق كل ذي رحم محرم

    هناك خلاف هل تعتق كل ذي رحم محرم؟ قال بعضهم: إن هذا خاص بعمودي النسب الأب والأم، والصواب أنه عام في جميع المحارم، فلو ملك بنت أخيه أعتقت؛ لأنه لا يجوز له أن يتزوجها، فضابط الرحم أنه لو قدر أحدهما أنثى والآخر ذكر لا يحل له الزواج بها، فهذه تعتق عليه، لكن لو ملك ابن عمه من أب لا يعتق عليه؛ لأنه يجوز له أن يتزوج بنت عمه.

    إذاً: يكون العتق بالقول وبالفعل، والقول نوعان: صريح وكناية، والفعل هو أن يملك ذا رحم محرم.

    قال: [ ومن أعتق جزءاً من عبد مشاعاً، أو معيناً عتق كله ].

    يعني: إذا أعتق جزءاً من عبد فإنه يعتق عليه البقية؛ لأن الشارع يتشوف إلى الحرية، فلو كان عبد بينك وبين زيد كان لك نصفه وله نصفه، قلت: أنا أعتقت نصيبي من هذا العبد فإنه يلزمك نصيب زيد فتعتقه إذا كنت قادراً، وإذا كان الإنسان عاجزاً فيعتق نصيبه منه ويبقى مبعضاً، لما ورد في الحديث: (من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه قيمة عدل فعتق وإلا فقد عتق منه ما عتق).

    قال: [ ومن أعتق جزءاً من عبد مشاعاً أو معيناً عتق كله ].

    كأن يقول إذا كان العبد له: أعتقت نصف عبدي، أو أعتقت يد عبدي، هنا يلزمه أن يعتق الجميع، هذا إذا كان العبد له، أما إذا كان العبد مشتركاً بينه وبين شخص، فهذا إذا قال: أعتقت نصيبي من هذا العبد، إن كان عنده سعة مال يصل العتق إلى نصيب شريكه، ويسلم ثمنه له، وإن كان فقيراً بقي العبد مبعضاً يعتق نصيبه فقط.

    قال: [ وإن أعتق ذلك من عبد مشترك وهو موسر بقيمة نصيب شريكه عتق عليه كله، وقوم عليه نصيب شريكه، وله ولاؤه ].

    يعني: يصير له ولاؤه ويصير هو المعتق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق)، والولاء عصوبة بسبب العتق يرث بها هو وعصبته.

    قال: [ وإن كان معسراً لم يعتق إلا حصته؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أعتق شركاً له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) وإن ملك جزءاً من ذوي رحمه عتق عليه باقيه، إن كان موسراً، إلا أن يملكه بالميراث فلا يعتق عليه إلا ما ملك ].

    يعني: لو رأى أخته رقيقة عند شخص فاشترى نصفها، هنا يلزمه أن يشتري النصف الآخر فتعتق كلها عليه، إلا إذا ملكت بالميراث، فلا يملك إلا نصيبه؛ لأن الميراث قهري.

    حكم تعليق العتق على وقت أو شرط أو صفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصلٌ.

    وإذا قال لعبده: أنت حر في وقت سماه، أو علق عتقه على شرط يعتق إذا جاء ذلك الوقت، أو وجد الشرط ولم يعتق قبله ].

    يعني: إذا علقه على شرط بأن قال: إذا جاء رمضان فأنت حر لوجه الله، إذا جاء رمضان عتق.

    أو قال: أنت حر إذا تعلمت الكتابة، فإذا تعلم الكتابة صار حراً، هذا التعليق على الشرط أو على الصفة.

    قال: [ ولا يملك إبطاله بالقول ].

    يعني: لو أنا قلت: إذا جاء رمضان فأنت عتيق، فيقول: لا، عدلت لا يملك، إذا جاء رمضان يعتق.

    قال: [ وله بيعه وهبته والتصرف فيه، ومتى عاد إليه عاد الشرط ].

    يعني: لو قال: إذا جاء رمضان فأنت حر، فله أن يتصرف فيه بالبيع والشراء والهبة، فلو باعه ثم اشتراه مرة أخرى بقي الشرط على حاله، فإذا جاء رمضان يعتق.

    قال: [ وإن كانت الأمة حاملاً حين التعليق أو وجد الشرط عتق حملها ].

    يعني: لو قال: أنتِ حرة إذا جاء رمضان وكانت حاملاً فولدها تبع لها، فيعتق ولدها إذا كانت حاملاً من زوج آخر، أما إذا كان منه فسيأتي هذا أنها تعتق وتصير من أمهات الأولاد.

    ومعلوم أن الولد تبع لأمه، فيكون أولادها أرقاء، فإذا أعتقها أعتق الولد تبعاً.

    قال: [ وإن حملت ووضعت فيما بينهما لم يعتق ولدها ].

    يعني: لو قال: أنت حرة بعد سنتين ولم تكن حاملاً، ثم حملت قبل السنتين وولدت يبقى الولد رقيقاً، وإذا مرت السنتان عتقت هي، أما ما ولدت في هذه المدة فيبقى على الرق.

    1.   

    ما جاء في التدبير

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب التدبير.

    وإذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي، أو قد دبرتك أو أنت مدبر صار مدبراً، يعتق بموت سيده إن حمله الثلث ].

    تعريف التدبير

    التدبير: هو أن يعلق عتقه بعد وفاته، وسمي تدبيراً؛ لأن العتق يقع دبر الحياة، تقول: أنت حر بعد موتي هذا يسمى تدبيراً؛ وفي هذه الحالة يعتبر من ثلث المال، فإذا قال لعبده: أنت حر والعبد يساوي مثلاً: عشرة آلاف فلما مات الميت صار ما عنده إلا عشرين ألفاً، لا يعتق منه إلا مقدار الثلث، والباقي يبقى للورثة، إلا إذا أجاز الورثة وأنفذوا عتقه نفذ.

    وقوله: (إن حمله الثلث).

    يعني: إن خرج من ثلث التركة عتق كله، وإن زاد عن الثلث فلا يعتق إلا بمقدار الثلث، إلا بإذن الورثة.

    قال: [ ولا يعتق ما زاد إلا بإجازة الورثة، ولسيده بيعه وهبته ووطء الجارية ].

    يعني: لو قال: أنت حر بعد موتي، ثم أراد أن يبيعه فله أن يبيعه أو يهبه، له أن يتصرف فيه، وإذا كانت جارية وقال: أنت حرة بعد موتي فله أن يطأها، وإذا ولدت أو حملت تكون أم ولده.

    إذاً: المدبر يتصرف فيه السيد إلى حين الوفاة.

    قال: [ ومتى ملكه بعد عاد تدبيره ].

    يعني: إذا باع العبد الذي دبره ثم رجع إليه فاشتراه مرة ثانية، يبقى على التدبير إذا مات يعتق.

    قال: [ وما ولدت المدبرة والمكاتبة وأم الولد من غير سيدها فله حكمها ].

    يعني: أن الولد يتبع أمه في الحرية والرق، إذا ولدت المدبرة أو المكاتبة من غير سيدها يكون الولد رقيقاً تبعاً لأمه، أما إذا أولدها سيدها فليس له أن يبيع ولده؛ لأن ولده صار حراً، وهي صارت أم ولده، وليس له أن يبيعها أيضاً.

    قال: [ ويجوز تدبر المكاتب وكتابة المدبر ].

    يعني: المكاتب هو الذي اشترى نفسه من سيده على اللزوم، كأن يدفع له كل سنة قسطاً، فيجوز أن أقول للمكاتب: أنت حر بعد موتي، فإن أدى ما عليه عتق قبل الموت، وإن بقي عليه شيء من الديون وتوفي سيده قبل أن ينهي الديون التي عليه عتق، فهذا دبر المكاتب، وكذلك إذا كاتب المدبر بأن قال: أنت حر بعد موتي، ثم كاتبه على خمس سنين أو عشر سنين، ثم أنهى اللزوم التي عليه عتق قبل الموت، وإن بقي عليه شيء حتى مات السيد عتق بالموت.

    إذاً: يجوز أن يدبر المكاتب ويكاتب المدبر.

    قال: [ فإن أدى عتق، وإن مات سيده قبل أدائه عتق إن حمل الثلث ما بقي عليه من كتابته ].

    يعني: لابد أن يلاحظ أن حكمه حكم الوصية، إن كان بقي عليه من اللزوم أكثر من الثلث لا يعتق إلا مقدار الثلث، وإن كانت الباقية عليه من اللزوم الثلث فأقل عتق.

    قال: [ وإلا عتق منه بقدر الثلث، وسقط من الكتابة بقدر ما عتق، وكان على الكتابة بما بقي ].

    يعني: لو بقي عليه عشرون ألفاً من ديون الكتابة، ولما مات وجد ثلث تركت الميت عشرة آلاف نقول: سقطت عنك عشرة آلاف وبقيت عليك عشرة آلاف، تسعى فيها حتى تكمل عتقك.

    قال: [ وإن استولد مدبرته بطل تدبيرها ].

    يعني: له أمة وقال: أنت حرة بعد موتي، ثم وطأها وحملت وجاءت بالولد بطل التدبير وعتقت عليه بالولد، ومن الآن لا يجوز له أن يتصرف فيها ببيع أو هبة وغير ذلك.

    قال: [ وإن أسلم مدبر الكافر أو أم ولده حيل بينه وبينهما، وينفق عليهما من كسبهما ].

    يعني: الكافر له عبد، وقال له: أنت حر بعد موتي، ثم أسلم، فهنا لا يمكن الكافر من هذا المدبر، وكذلك لو أسلمت أم ولد الكافر كذلك لا يمكن منها، وينفق عليهما من كسبهما.

    قال: [ وإن لم يكن لهما كسب أجبر على نفقتهما، فإن أسلم ردا إليه ].

    يعني: إن أسلم الكافر ردا إليه: أم ولده، والمكاتب.

    قال: [ وإن مات عتقا ].

    يعني: إن مات هو عتقا عليه.

    قال: [ وإن دبر شركاً له في عبد وهو موسر لم يعتق عليه سوى ما أعتقه ].

    يعني: إذا كان له نصف عبد وقال: نصيبي من هذا العبد يعتق بعد موتي، يبقى مدبراً مبعضاً.

    قال: [ وإن أعتقه في مرض موته وثلثه يحتمل باقيه عتق جميعه ].

    يعني: إن أعتقه في مرض موته وثلثه يحتمل الجميع فهذا يعتق، وإن كان في مرض الموت وإن كان متهماً؛ لأن الشرع يتشوف إلى الحرية.

    1.   

    ما جاء في المكاتبة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب المكاتب.

    والمكاتبة: شراء العبد نفسه من سيده بمال في ذمته، وإذا ابتغاها العبد المكتسب الصدوق من سيده استحب له إجابته إليها؛ لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا .. [النور:33] الآية ].

    الكتابة: هي شراء العبد نفسه من سيده بمال يدفعه منجماً نجوماً.

    فهي عقد بين العبد وبين السيد، فإذا قال العبد لسيده: أنا أريد أن أشتري نفسي بعشرة آلاف، كل ستة أشهر أدفع ألفاً، أو كل سنة أدفع ألفاً، فإذا كان صالحاً صادقاً استحب لسيده أن يجيبه؛ لقول لله تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور:33]، وقد اشترت بريرة نفسها من أهلها على تسع أواق تدفع كل سنة أوقية، يعني: في تسع سنين، وجاءت إلى عائشة تستعينها في قضاء دينها، فقالت عائشة رضي الله عنها: (إن أراد أهلك أن أصبها لهم صباً ويكون ولاؤك لي فعلت، فاستأذنت أهلها فقالوا: لا، إن كانت تريد أن تحتسب فتشتريها ويكون الولاء لنا، وإلا لا نريد أن يكون الولاء لها، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: اشتريها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)، فاشترتها عائشة رضي الله عنها وكان الولاء لها.

    إذاً: المكاتب إذا كان صدوقاً ويستطيع الكسب فيستحب لسيده أن يخلي بينه وبين العمل، فيشتغل ويعمل ويؤدي النجوم التي عليه، فإذا انتهت فإنه يكون حراً، وإن عجز فإنه يبقى عبداً، ويستحب لسيده أن يسقط عنه ربع الكتابة.

    قال: [ ويجعل المال عليه منجماً، فمتى أداها عتق ].

    يعني: يقسط عليه مال الكتابة كل سنة يدفع قسطاً، أو كل ستة أشهر يدفع قسطاً، أو كل شهر يدفع قسطاً، والأقساط يقال لها: نجوم، وكانت بريرة اشترت نفسها بتسع أواق، كل سنة أوقية.

    قال: [ ويعطى مما كوتب عليه الربع، لقول الله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33] يعني: يسقط عنه الربع، أو يعطيه إياه فإذا كان مثلاً اشترى نفسه بثمانية آلاف يسقط عنه ألفين، وهي الربع.

    قال: [ قال علي رضي الله عنه: هو الربع. والمكاتب: عبد ما بقي عليه درهم، إلا أنه يملك البيع والشراء والسفر وكل ما فيه مصلحة ماله ].

    يعني: هو لا يزال عبداً مادام أنه لم يؤد الكتابة، لكن سيده بموجب عقد الكتابة يخلي بينه وبين العمل والشغل والبيع والشراء حتى يحصل النجوم، وليس له منعه.

    قال: [ وليس له التبرع ولا التزوج ولا التسري إلا بإذن سيده ].

    يعني: ليس له التبرع بالمال؛ لأن التبرع يؤثر على الأقساط التي يدفعها، إلا إذا أذن له سيده؛ لأنه من حقه، وكونه يتبرع وعليه نجوم مثلاً كل ستة أشهر فمعنى ذلك: أنه لن يستطيع أن يسدد القسط الذي عليه، وكذلك التزوج، لا يتزوج إلا بإذن سيده، وكذلك التسري، لا يشتري أمة يتسرى بها إلا بإذن سيده، فإذا أذن له فلا بأس.

    قال: [ وليس لسيده استخدامه، ولا أخذ شيء من ماله، ومتى أخذ منه شيئاً أو جنى عليه أو على ماله فعليه غرامته ].

    لأن عقد الكتابة يوجب عليه أن يخلي بينه وبين العمل.

    قال: [ ويجري الربا بينهما كالأجانب، إلا أنه لا بأس أن يعجل لسيده ويضع عنه بعض كتابته ].

    يعني: يجري الربا بينه وبين سيده، فلا يجوز أن يبيع على سيده بزيادة دراهم بدراهم هذا ربا، حتى بين العبد وسيده لا يتعامل بالربا، فكما أنه حرام بين الناس فهو حرام بين العبد وسيده، إلا أنه يجوز له أن يعجل بعض الأقساط ويسقط عنه، فإذا قال: أنا علي أن أدفع كل سنة ألفين وبقي علي الآن أربعة أقساط، فالآن أريد أن أعجل الألفين وتسقط عني ألفين فلا بأس على الصحيح.

    قال: [ وليس له وطء مكاتبته، ولا بنتها، ولا جاريتها، فإن فعل فعليه مهر مثلها ].

    يعني: ليس له أن يطأ المكاتبة؛ لأنها بدأت في تحرير نفسها، ولا بنتها ولا جاريتها، فإن فعل فعليه مهر مثلها، لكن إذا اشترط لا بأس؛ لحديث (المؤمنون عند شروطهم).

    قال: [ وإن ولدت منه صارت أم ولد ].

    إذا ولدت صارت أم ولده، وما دامت في حياته فحكمها حكم الإماء، وإنما تعتق بعد موت سيدها.

    قال: [ فإن أدت عتقت، وإن مات سيدها قبل أدائها عتقت ].

    يعني: تعتق بأحد أمرين: إذا مات سيدها أو أدت دين الكتابة، فإن سبق موت سيدها تعتق، أو أداء الكتابة تعتق، وقبل ذلك تكون حكمها حكم الإماء، إلا أنه لا يجوز له بيعها مادام أنها صارت أم ولد، ولا يجوز هبتها أيضاً، لكن يستخدمها.

    قال: [ وما في يدها لها إلا أن تكون قد عجزت فيكون ما في يدها للورثة ].

    يعني: إذا عجزت عن تأدية نجوم الكتابة، فيكون المال لسيدها أو للورثة.

    قال: [ ويجوز بيع المكاتب؛ لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وهي مكاتبة بأمر رسول صلى الله عليه وآله وسلم ].

    يعني: يجوز بيع المكاتب، والمشتري يحل محل البائع، بحيث يستمر في دفع الأقساط، فإذا دفع الأقساط تحرر، ويكون الولاء للمشتري، فـبريرة اشترت نفسها من سيدها، واشترتها عائشة ، فصار الولاء لـعائشة ، فإذا كان المكاتب عليه عشرة آلاف مقسطة على عشر سنين وأدى خمسة أقساط ثم باعه يبقى عليه خمسة أقساط عند المشتري الجديد، فإذا أدى الخمسة الأقساط للمشتري الجديد عتق، وصار الولاء للمشتري الجديد، يحل المشتري محل البائع.

    قال: [ ويكون في يد مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته ].

    يعني: يستمر في الكتابة حتى بعد البيع.

    قال: [ فإن أدى عتق وولاؤه لمشتريه ].

    وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الولاء لمن أعتق).

    قال: [ وإن عجز فهو عبد ].

    يعني: إن عجز يبقى عبداً.

    قال: [ وإن اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الثاني ].

    يعني: زيد عنده عبد، وعمرو عنده عبد، فزيد كاتب عبده، وعمرو كاتب عبده، فاشترى كل واحد منهما الآخر، فعبد زيد اشترى عبد عمرو، وعبد عمرو اشترى عبد زيد، فالبيع الأول هو الذي يصح، والثاني صار مشترى، فالحكم للسابق، فإذا كان عبد زيد هو الذي اشترى عبد عمرو أولاً: فيكون عبد زيد هو السيد وعبد عمرو يكون رقيقاً مشترى.

    قال: [ فإن جهل الأول منهما بطل البيعان ].

    يعني: إذا جهل بحيث لا يدرى أيهما الأول بطل البيع ولا يعمل به.

    قال: [ وإن مات المكاتب بطلت الكتابة ].

    يعني: إذا مات المكاتب بطلت الكتابة، ويبقى ماله لسيده.

    قال: [ وإن مات السيد قبله فهو على كتابته، يؤدي إلى الورثة، وولاؤه لمكاتبه ].

    يعني: إذا مات السيد انتقل إلى الورثة، بحيث يؤدي الأقساط للورثة، فإن أدى عتق، وإن لم يؤد بقي عبداً.

    قال: [ والكتابة عقد لازم ليس لأحدهما فسخها ].

    يعني: عقد الكتابة عقد لازم لا يفسخه السيد ولا يفسخه العبد إلا إذا عجز.

    قال: [ وإن حل نجم فلم يؤده فلسيده تعجيزه ].

    هذا قول، وقيل: إنه لابد من حلول نجمين، إذا حل نجم ولم يؤده فينتظر سيده حتى يأتي النجم الثاني فإن عجز صار عبداً.

    قال: [ وإذا جنى المكاتب بدئ بجنايته ].

    يعني: يبدأ بجنايته وقبل أن يدفع دين الكتابة، لابد أن يدفع جنايته؛ لأن دين الجناية دين مستقر، ودين الكتابة غير مستقر، إذا كان شخص كاتب عبده على عشرة آلاف ثم جنى العبد فقدرت الجناية بألفين، نقول: سدد الجناية قبل الكتابة.

    قال: [ وإن اختلف هو وسيده في الكتابة أو عوضها أو التدبير أو الاستيلاد، فالقول قول السيد مع يمينه ].

    يعني: هذه الأمور التي كثر فيها الاختلاف بين السيد وبين العبد، يقدم قول السيد مع اليمين، حتى تؤكد، فإن اختلفا في الكتابة أو في بعوضها هل هي عشرة آلاف أو خمسة آلاف؟ فيقدم قول السيد مع يمينه، إذا قال العبد: أنا كاتبتك على عشرة آلاف، فقال السيد: لا كاتبتك على اثني عشر ألفاً، فيقدم قول السيد مع يمينه.

    كذلك إذا اختلفا، هل دبره أم لا؟ لو قال العبد: دبرتني، وقال السيد: لم أدبرك، فالقول قول السيد ويمينه.

    كذلك الاستيلاد هل أولد الأمة المكاتبة أو لم يولدها، فالقول قول السيد مع يمينه.

    1.   

    أحكام أمهات الأولاد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب أحكام أمهات الأولاد.

    إذا حملت الأمة من سيدها فوضعت ما يتبين فيه شيء من خلق الإنسان صارت له بذلك أم ولد، تعتق بموته، وإن لم يملك غيرها، ومادام حياً فهي أمته [ أحكامها أحكام الإماء في حل وطئها، وملك منافعها وكسبها، وسائر الأحكام، إلا أنه لا يملك بيعها ولا رهنها ولا سائر ما ينقل الملك فيها أو يراد له ].

    يعني: إذا وطئ السيد أمته ثم حملت ووضعت ما يتبين فيه خلق الإنسان، هل يد أو أصبع أو رجل؟ فإنها بذلك تكون أم ولد، تعتق بموته، ولا يجوز له بيعها، ولا رهنها، ولا نقل الملك فيها، أما في حال الحياة فإنه يستخدمها، وينتفع بها للخدمة والوطء، أما نقل الملك فليس له نقل الملك، بل تبقى عنده كالإماء تخدمه، إلا أنه لا يجوز له بيعها، ثم تعتق بموته، ولا يشترط أن تكون من الثلث، حتى لو لم يكن له مال غير هذا الأمة فإنها تعتق بموته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أحكامها أحكام الإماء في حل وطئها، وملك منافعها، وكسبها ]

    يعني: له أن يطأها، ويملك منافعها، وتكتسب له، إلا أنه لا يبيعها ولا يهبها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وسائر الأحكام، إلا أنه لا يملك بيعها ولا رهنها، ولا سائر ما ينقل الملك فيها أو يراد له، وتجوز الوصية لها وإليها؛ لأن العبد تصح الوصية له وإليه ].

    يعني: يجوز أن يوصي لها بعد موته؛ لأنها ليست وارثة وليست زوجة كأن يقول: لها الربع من مالي، أو يوصي بأن تقوم على أولاده.

    حكم أم الولد إذا قتلت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن قتلت سيدها عمداً فعليها القصاص ].

    إذا قتلت يقتص منها كغيرها، وتقتل به إذا كان عمداً، وإن كان خطأ تدفع قيمة نفسها وتبقى حرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن قتلته خطأً فعليها قيمة نفسها وتعتق في الحالين ]

    يعني: وإن قتلته خطأً دفعت ثمن نفسها للورثة وتعتق وتكون حرة.

    حكم الأمة إذا تزوجها الحر، وحالُ أولادها منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن وطئ أمة غيره بنكاح ثم ملكها حاملاً عتق الجنين وله بيعها ].

    يعني: وهذا يتصور في إنسان لا يستطيع الزواج؛ لأنه لا يجوز له أن يتزوج بالأمة إلا بشرطين وهما: العجز عن مهر الحرة، وخوف العنت على نفسه، كما ذكرهما الله في كتابه فلو فرضنا أن إنساناً لا يستطيع الزواج وخاف على نفسه العنت، فتزوج أمة، وحملت، ثم صارت عنده أموال كثيرة واشتراها عتق الولد وصار حراً الآن، وهي تبقى على حالها؛ لأنها ليست أم ولد، وإنما هي في الأول زوجة، ثم بعد ذلك ملكها، وكذلك ليست أمة وإنما يصير لها حكم الإماء.

    وهناك قول آخر بأنها تصير أم ولد، وهذا قول قوي وهو الأقرب؛ لأن الولد منه، وليس له بيعها.

    1.   

    الأسئلة

    صفة المسح على الخفين

    السؤال: ما هي صفة المسح على الخفين وكم مرة يمسح عليهما؟

    الجواب: صفة مسح الخفين يبل يديه بالماء ثم يمرهما على ظهر القدم من أصابعه إلى عقبه، مرة واحدة.

    حكم التوسل إلى الله بحب النبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: هل يجوز التوسل إلى الله بحب النبي عليه الصلاة والسلام؟

    الجواب: نعم، وهذا من أفضل الطاعات، وأجل القربات، وهذا من الإيمان به، والمؤمنون يتوسلون إلى الله بمحبتهم لأنبيائه ورسله، وبمحبتهم للصالحين، وإنما الممنوع التوسل بالذوات، بذات النبي، أو بذات غيره، أو بحق فلان، أو بحرمة فلان أو بجاه فلان.. هذا هو الممنوع.

    حال أثر: (كان الله ولا مكان)

    السؤال: ما مدى صحة الأثر المروي عن علي بن أبي طالب : (كان الله ولا مكان)؟

    الجواب: لا أعرفه ولا أعلم صحته والحديث المعروف: (كان الله ولم يكن شيء معه).

    مضاعفة الصلاة للنساء في المسجد الحرام

    السؤال: هل للنساء ثواب الصلاة المضاعف في المسجد الحرام مثل الرجال، وذلك مع شدة الزحام؟

    الجواب: في هذه الحالة الأفضل للنساء أن يصلين في البيوت، وأجرهن أفضل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وبيوتهن خير لهن) فإذا صلت في بيتها كان أفضل من صلاتها في المسجد الحرام؛ لكن يجوز لها أن تصلي في المسجد الحرام وذلك إذا فعلت ما أوجب الله عليها، من البعد عن الرجال، وعدم المزاحمة وعدم الاختلاط، والاحتكاك بالرجال، فإذا وجدت هذه الأمور فلا ينبغي لها أن تأتي إلى المسجد الحرام، بل تصلي في بيتها، وتأتي للطواف، أو للتعليم، وصلاتها في بيتها أفضل بل إنها تأثم إذا كانت تزاحم الرجال وتخالطهم.

    حكم المبيت خارج مزدلفة

    السؤال: الآن توجد خيام مزدلفة، وهي ممتدة إلى خيام منى، ويقال: إنها تأخذ حكم خيام منى، وهي من وضع الجهة المشرفة على الحج، والسؤال عند النفير من عرفات هل يقصد الحاج خيمته مباشرة، ويبيت فيها بحكم أنها في مزدلفة؟

    الجواب: لا بد أن يبيت في مزدلفة هو وغيره، وهذا ليس فيه إشكال، إلا إذا لم يجد مكاناً في مزدلفة، فإذا كان لا يستطيع فا تقوا الله ما استطعتم.

    معنى قول المحدثين في السند: (ح)

    السؤال: عندما يقولون في السند (ح) فما معنى ذلك؟

    الجواب: يعني: تحويل في السند، من سند إلى سند؛ ح كذا يعني وحدثنا كذا.

    مكان الإحرام لمن يأتي للزيارة ثم يأتي مكة

    السؤال: إذا قدمت مكة للحج فهل الأفضل الإحرام من جدة، أم أؤخر الإحرام وأذهب إلى المدينة للزيارة، وأحرم من هناك حتى أكون أحرمت من الميقات الذي أحرم منه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟

    الجواب: يجوز هذا ويجوز هذا، لكن الإحرام لا يكون من جدة، وإنما عليك أن تحرم من الميقات إذا كنت قاصداً مكة فإذا كنت من جهة الجحفة فتحرم من الحجفة، وإن كنت على الطائرة فتحرم من الميقات الذي تمر به، وأما إذا زرت قبل الحج فانظر ما هو الأرفق بك، إن كان الأرفق أن تكون الزيارة قبل الحج فتحرم من أبيار علي، وإن كان الأرفق بك أن تؤجل الزيارة بعد الحج فتحرم من الميقات الذي تمر به قبل الوصول إلى جدة، ثم تزور بعد ذلك.

    ومثله أيضاً مما يكثر السؤال عنه أن بعض الحجاج يأتون للزيارة متأخرين ثم يغلق الطريق ويوجهون إلى مكة إجبارياً فيحرم من جدة، وفي هذه الحالة لا بأس أن يحرم من جدة؛ لأن النية أن تحرم من ميقات أهل المدينة، ثم بعد ذلك أنشأت النية من جدة فأصبحت في حكم أهل جدة، وأما من كان قاصداً مكة فليس له أن يؤخر الإحرام إلى جدة.