إسلام ويب

شرح كتاب الإبانة - نبذة عن تاريخ الجهمية وأعلامهاللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فكان الدين كاملاً والسنة قائمة، إلى أن خلفت خلوف فابتدعت في دين الله ما ليس منه، وحرفوا وبدلوا، وكان من أوائلهم ظهوراً فرقة الجهمية المارقة، التي تكلمت في الدين، وعطلت ونفت أسماء الله وصفاته، ولقد بين السلف رحمهم الله ضلالهم وزيغهم، وحذروا من سلوك سبيلهم واعتقاد ما يعتقدون من الباطل والضلال.

    1.   

    ظهور البدع في الدين

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    في الدرس الماضي تكلمنا عن الجهم بن صفوان وعن شيخه الجعد بن درهم ، وفي الجملة تكلمنا عن سلسلة أهل النار التي هي سلسلة مشايخ الجهم بن صفوان الذي هو زعيم الجهمية، وأن أصل بدعة التجهم إنما نشأت في الإسلام عن طريق سوسن النصراني العراقي والذي كان شيخاً للجعد بن درهم ، وأصل هذه البدعة هو لبيد بن الأعصم ، ذاك اليهودي الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فوعدنا أن نتكلم عن مذهب الجهمية.

    إذا كنا في الدرس الماضي تكلمنا عن الجهم الذي هو مؤسس هذا المذهب، فالكلام في هذه الليلة وما يتلوها بإذن الله تعالى عن الجهمية.

    لقد بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فبلغ البلاغ المبين، وأوضح للناس المنهج القويم الذي يجب أن يسيروا عليه في هذه الحياة، حتى يلقوا ربهم تبارك وتعالى، فتركهم عليه الصلاة والسلام على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها أحد بعده إلا هالك، وبالتالي لم يكن هناك خلاف ولا اختلاف في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان من شيء ينشأ عند الصحابة إلا ويبادرون بسؤال النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيقيمهم على الجادة.

    فهؤلاء الذين سول ووسوس لهم الشيطان في ذات الله عز وجل -لأن أعظم البدع المتعلقة بذات الله أو بأسمائه وصفاته- أتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: (يا رسول الله! إن أحدنا لتحدثه نفسه بالشيء لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم فيه) ومع هذا لم ينقلوا أصل الوسوسة للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما فهم عليه الصلاة والسلام ما عنه يتحدثون، فقال: (ذاك صريح الإيمان) أي: خوفكم أن تتلفظوا به يدل على إيمانكم الكامل والتام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق الجبال؟ من خلق الأنهار؟ من خلق السموات؟ من خلق الأرض؟ فتقولون: الله، فيقول: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟!)، هذا هو عين الوسوسة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم وبين العلاج فقال: (فإذا بلغ الشيطان منكم ذلك المبلغ فاستعيذوا بالله وانتهوا -أي: جاهدوا أنفسكم ألا يستقر هذا الوسواس في قلوبكم- وقولوا: آمنا بالله ورسوله)، فهذه ثلاث علاجات حددها النبي عليه الصلاة والسلام.

    إن الشيطان قد جثم على صدور أهل البدع والأهواء من بعد النبي عليه الصلاة والسلام، مع أن أصول هذه البدع قد ظهرت بوادرها في زمنه عليه الصلاة والسلام كالخوارج مثلاً، فالخوارج جاء زعيمهم وهو التميمي المعروف، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يقسم الغنائم: اعدل يا محمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ ثم ولى الرجل فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يخرج من ضئضئ هذا - أي: من صلب هذا ومن ظهره- أناس تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

    فهذا كان أصل الخوارج، وهذا الرجل هو جدهم الأكبر وأبوهم الأعظم.

    انظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام في وصف أهل البدع أنهم من أشد الناس اجتهاداً في العبادات: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم) أنتم يا أهل السنة! ويا معشر الصحابة! إذا رأيتموهم في حال عبادتهم احتقرتم صلاتكم وصيامكم وزكاتكم وقراءتكم للقرآن، ولذلك ينطلي على كثير من العامة بدع المبتدعين إذا رأوهم قد تنسكوا وتمسحوا بمسوح أهل العبادة والزهاد، ويقولون: كيف ذلك؟ هذا الرجل يصلي ويصوم ويزكي، بل ويحج كل عام، ومتصدق جواد ينفق على الفقراء والأيتام، وإذا رأيته في قيام الليل فحدث ولا حرج، بل وفي الجهاد وغير ذلك!

    إن المنافقين كانوا يجاهدون مع النبي عليه الصلاة والسلام وهم من أهل النار، وكان يعرضون أنفسهم لبريق السيف مع نفاقهم، فليست العبادة دليلاً على صلاح العابد، بل ربما يكون من أعبد الناس، وقلبه أقسى من الحجارة، ويأتي بنواقض الإسلام كلها.

    وهذا رجل آخر -وهو من الخوارج كذلك- كان يجمع الناس فيجعلهم حلقاً في المسجد، فيجعل على كل حلقة أميراً وكبيراً يلقي لهم الحصى، فيقول: كبروا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة، فلما رأى ذلك أبو موسى الأشعري -وكان ذلك في الكوفة- قال: أتيت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فانتظرت على باب بيته حتى خرج قال: ما شأنك يا أبا موسى ؟! قلت: رأيت شراً، قال: هل أنكرت؟ قلت: لا، فجاء عبد الله بن مسعود فوقف على رءوس القوم فقال: ما هذا الذي تصنعون؟ فأخبروه بما يصنعون، فقال ابن مسعود : كم من مريد للخير لا يدركه، فإما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد، وإما أنكم مفتتحو باب ضلالة. قال الراوي: فكان هؤلاء أول من شهروا السيف في معركة النهروان، وما بعدها من المعارك إلى يومنا هذا من الفرس وغيرهم.

    فانظر يا أخي الكريم! إن العبادة أصل الدين، ولكن أقول: ليست العبادة دليلاً واضحاً على صلاح العبد، بل ربما يكون من أعبد الخلق، وهو في نفس الوقت من أكثرهم ابتداعاً في الدين.

    ولذلك يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء، أو يمشي على الماء فلا تغتر حتى تنظر عمله، فإن كان يعمل بالسنة فاعلم أن هذه من الله كرامة، وإن كان يعمل بالبدعة فاعلم أن هذا استدراج من الله، فليغتر بهم من يغتر، والعلم والهداية رزق من الله عز وجل، إذا أراد الله لك الهداية وفقك لرجل من أهل السنة يأخذ بيديك وناصيتك إلى الله عز وجل، وإذا أراد الله تعالى بك شراً وسوءاً وفقك لرجل من أهل البدعة فاغتررت بكلامه وأفعاله وأقواله؛ فكنت تابعاً له في الدنيا والآخرة. نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم الرسالة وفي مضمونها الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع

    لقد ترك النبي عليه الصلاة والسلام الأمة على المحجة البيضاء ناصعة البياض لا اختلاف فيها ولا تفرق ولا تشرذم، ولم يتركنا ونحن في حاجة إلى معرفة شيء من أمر ديننا إلا بمستجدات الحياة التي لها أصول في كتاب الله، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، إما بها تلحق أو عليها تقاس، والفقه متجدد في كل زمان ومكان، ولذلك أصوله في الكتاب والسنة، أما أن تجد لكل حادثة في حياة الناس نصاً يخصها في الكتاب والسنة فلا، فإنما الكتاب أصول وعمومات بينته وشرحته وفصلته وقيدته السنة المطهرة، وعلى هذين الأصلين انبثق الإجماع، ومن الإجماع كان قياس الفرع على الأصل لاتحاد العلة، وهذا حال الناس إلى أن تقوم الساعة.

    أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد ترك هذه الأمة لا ينقصها شيء، وقد تلقى الصحابة رضي الله عنهم ما جاء به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم بغير لم؟ ولا كيف؟ ما سمعنا واحداً يقول للنبي النبي عليه الصلاة والسلام: لم كذا يا رسول الله؟ وكيف كذا يا رسول الله؟ بل آمنوا بما ذكره الله تعالى من نصوص الأسماء والصفات للرب تبارك وتعالى خاصة، وأثبتوها كما جاءت، واتفقوا على إقرارها وإثباتها والإيمان بها وإمرارها مع فهم معانيها، فانظر إلى هذا القيد: (مع فهم معانيها)، حتى لا نقع فيما وقع فيه أهل البدع من تأويل أو تفويض للمعنى، وإنما نفهم المعاني كما نثبت الحقائق، ومع نفي العلم بكيفيتها نثبت حقيقة الصفة، وننفي العلم بكيفية هذه الصفة؛ لأنه لا يعلم كيفيتها إلا الله عز وجل، فقد وصف الله تعالى نفسه بصفات، وسمى نفسه بأسماء، وأخبر عن نفسه بأفعال، فأخبر أنه يحب ويكره، ويمقت ويغضب، ويسخط ويجيء ويأتي، وينزل إلى السماء الدنيا، واستوى على العرش، وأن له علماً وحياة وقدرة وإرادة وسمعاً وبصراً ووجهاً، كل ذلك من الصفات الخبرية وغير الخبرية أثبتها الله تعالى لنفسه.

    وأن له يدين، وأنه فوق عباده، وأن الملائكة تعرج إليه، وتنزل بالأمر من عنده، وأنه قريب من عباده، وأنه مع المحسنين ومع المتقين، ومع الصابرين، وأن السموات مطويات بيمينه، ووصفه رسوله عليه الصلاة والسلام بأنه يفرح ويضحك، وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن تبارك وتعالى.

    كل ذلك قد آمن به الصحابة ومن بعدهم التابعون بغير أن يسألوا: كيف يده يا رسول الله؟! وكيف وجهه يا رسول الله؟! وكيف نفسه يا رسول الله؟! وكيف سمعه؟ وكيف إرادته؟ وكيف مشيئته؟ وإنما آمنوا بذلك كله على الوجه اللائق بالله عز وجل.

    فوصفه الصحابة بهذه الصفات الكاملة من غير تشبيهه بأحد من خلقه، ولا تعطيل له عن صفاته، ولا تمثيل له بغيره، ولا تأويل وصرف عن ظاهر هذه النصوص، آمنوا بذلك، وفروا من الابتداع في الدين، وأعظم الابتداع ما كان في أصل الدين، وفي ذات الإله وفي أسمائه وصفاته، وأمروا بالاقتداء لا الابتداع. قال ابن مسعود رضي الله عنه: إنا نقتدي ولا نبتدي.

    هذا ابن مسعود وهو سادس ستة في الإسلام -أي: من كبار الصحابة، ومن المهاجرين الأوائل- قال: إنا نقتدي ولا نبتدي، أي: لا ننشئ أمراً جديداً، وإنما نقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولا نتبع أمراً من عند أنفسنا. قال: ونتبع ولا نبتدع، أي: نتبع النهج القويم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ولا نبتدع في دين الله. قال: (ولن نضل) لن: لنفي الحاضر والمستقبل، قال: (ولن نضل ما تمسكنا بالأثر) أي: ما دمنا قد تمسكنا بقال الله وقال الرسول، كما قال ابن القيم عليه رحمة الله:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    هكذا قال ابن القيم يحدد أصول العلم الشرعي.

    لما سألني أحد السائلين المتفلسفين عن حكم الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام قلت: أليس أصل العلم الكتاب؟ قال: بلى. ومن بعده السنة؟ قال: بلى. ومن بعده الإجماع؟ قال: بلى. قلت: هل جاء الاحتفال بمولده عليه الصلاة والسلام في القرآن؟ قال: لا. في السنة؟ قال: لا. هل احتفل النبي صلى الله عليه وسلم بميلاده؟ قال: لا. احتفل الصحابة بميلاده؟ قال: لا. التابعون؟ قال: لا. هل أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من ذلك؟ قال: لم يقع منهم شيء من ذلك حتى يقر أو يثبت. قلت: لو كان خيراً هل يصح أن يحجبه الله عن نبيه والصحابة الكرام ويظهره لنا؟ قال: مستحيل. قلت: إذاً: قد أجبت. قال: أنا ما أجبت. قلت: أنت قلت: هذا بدعة وحرام؛ لأن الحرام هو فعل ما لم يكن في القرآن ولا في السنة، ولا أجمع عليه العلماء خاصة الصحابة رضي الله عنهم، فقال: لكن هذا شيء لابد لنا منه، قلت: هذه مقولة المبتدعة في كل زمان يقولون هذا، ويقولون: ما الضرر من هذا إنما يذكرنا هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومنتهى البلاء أن تتذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً في كل عام مع أنك لا تنسى أباك، ولا تنسى أمك ولا صاحبك، بل ربما تستيقظ من النوم قبل ميعادك لتنظر في وجه صاحبك؛ لفرط محبتك له، فهل محبة الحبيب أو الصاحب أو الصديق أو الجار، أو الوالدين أهم من محبة النبي عليه الصلاة والسلام وأعظم؟ وهو القائل: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين).

    والمعلوم: أن الحبيب لا يغيب عن القلب أبداً، وأن الاحتفال بالنبي عليه الصلاة والسلام إنما هو بحسن الاقتداء به عليه الصلاة والسلام وغير ذلك، لكن ليس هذا هو أوان الكلام فيه.

    قال أبو الدرداء : اقتصاد في السنة خير من اجتهاد في البدعة.

    اقتصاد في السنة -يعني: رفق في السنة- خير من أن تجتهد في أمر مبتدع، وسار على نهج الصحابة رضي الله عنهم تلاميذهم من التابعين، ثم أتباعهم، اللهم إلا من شذ في تلك القرون الفاضلة التي شهد لها المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فكانت عقيدتهم صافية نقية من البدع والضلالات، لم يشبها شيء من المعطلة ولا المشبهة.

    1.   

    خطر كتب اليونان والفرس على عقيدة المسلمين

    ثم دخل الشر بعد ذلك لما ترجمت كتب اليونان في زمن العباسيين، وكتب الفرس؛ لأن الفرس كانوا أصحاب حضارة، واليونان كانوا أصحاب حضارة، فلما ترجمت كتب حضارة الفرس وحضارة اليونان إلى الإسلام، دخلت الفلسفة والثقافات الغربية على المسلمين، فأفسدت عليهم أمر دينهم، واشتغل بعضهم بدراستها لاعتقادهم أنها تزيدهم معرفة ويقيناً، في الوقت الذي أعرضوا فيه عن كتاب الله عز وجل.

    فلو أخرجنا مثلاً من الأمثلة لوجدنا أن طه حسين أعمى البصر والبصيرة، ذهب ليدرس الفلسفة الغربية في فرنسا، ورجع بالشك في كل ثوابت الإسلام وأصوله، حتى قال: لابد من الشك في كتاب الله حتى نصل إلى الحقيقة، وبكل وقاحة أثبت هذا في كتابه، بل في بعض كتبه قال: لابد من الشك، وكان اتخاذ الشك مصدراً أساسياً لتعطيل العلوم عنده، فكان مذهب التعطيل والشك دائماً في كل النصوص الشرعية وفي الإجماع، وأنكر كثيراً من الأصول الشرعية.

    ثم أعلن ولده من بعده تقريباً سنة (1988م) تنصره في الكنيسة العظمى في باريس، فكان تعليق المشايخ وأهل العلم: وماذا تنقمون على ابن طه حسين إذا كان هو شر خلف لشر سلف، فهو قد سار على نهج أبيه؟ ولكن هناك تلميع لمثل هذه الشخصيات حتى تكون القدوة في بلاد المسلمين، إذ كانوا يضيفون عليهم ألقاباً عظيمة جداً مخيفة ومهولة، بحيث لا يقدر الواحد أن يخترق هذا الجدار من هذا الأدب العربي، ومن يستطيع أن يتكلم كلمة واحدة مع عميد الأدب العربي؟ وهكذا الإمامة لفلان الفلاني، والكاتب الإسلامي الكبير، والمفكر الإسلامي الكبير، وهكذا كل من سار على نهج هؤلاء المستشرقين وأتوا إلى هذه البلاد وصاروا على نهجهم، ثم اتخذوا لهم أذناباً في هذه البلاد عندما فارقوا بلاد الإسلام، فبقي بيننا من يتكلم بألسنتنا ويدين ظاهراً بديننا، وهو أطعن لنصوص الشرع، وأبعد الناس عن دين الله عز وجل.

    قصص في كل زمان ومكان تتم بمشيئة الله عز وجل؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد وقدر سبحانه وتعالى، لما ترجمت هذه الدراسة اعتقدها الدارسون، واعتقدوا أنها تزيدهم علماً ومعرفة ويقيناً في الوقت الذي أعرضوا فيه عن كتاب الله وسنة رسوله، وزهدوا فيهما، فعند ذلك دخلت عليهم الشبه والضلالات، عندما يكون الإنسان حصيلته من الثقافة الغربية مذهلة، ورصيده من الإيمان صفراً أو فوق الصفر بشيء يسير؛ لاشك أن الشبه والضلالات تدخل عليه، واستغل ذلك أعداء الإسلام من اليهود والفرس واليونان وغيرهم، فأخذوا في ترويج باطلهم مستخدمين في ذلك من لم يتشبع بعلم الكتاب والسنة، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه ممن دخل الإسلام؛ ليطعنه في صميم عقيدته، وكانت بعض مقالات الضلالات قد ظهرت ذيولها في أواخر عصر الصحابة كما قلنا من قبل.

    ولكنها كانت محصورة في نطاق ضيق، وكانت في مسائل محدودة يسيرة، ثم استفحل الشر، وانتشر بعد ذلك بعد أن ترجمت كتب الضلال، وتطورت الخلافات وتعددت علوم الفلسفة والكلام.

    إن أقسام العقيدة في الجامعات الآن يسمونها: قسم الفلسفة، أو قسم علم الكلام، حتى تعلموا أن هذه التسمية نفسها تسمية غربية لا تسمية شرعية، فعلم الكلام أو المتكلمين، أو قسم الفلسفة، كل هذه مصطلحات غربية لا علاقة للإسلام بها.

    1.   

    المنهجية التي سلكها علماء السلف في الرد على طوائف الضلال والانحراف

    وانبرى علماء السلف لما انتشر الفساد؛ للرد على طوائف الضلال، وبيان الحق من الباطل، وكشف الشبه، والتحذير من الخروج عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

    وحثوا على الالتزام بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد قال أبو العالية الرياحي : تعلموا الإسلام؛ لأنك لو تعلمت الإسلام استرحت وعرفت الحق من الباطل، والخير من الشر، والضلال من الهدى، وما سلمت رقبتك لآحاد الناس، وإنما الأمر كما قال العلماء: اعرف الحق تعرف أهله، إن الدين لا يعرف بالرجال ولا بالمناصب ولا بالوجاهات ولا بالزعامات ولا بالإمارة، إنما الدين بمعرفته ومعرفة أبنائه وأهله المخلصين العاملين.

    إن الدين لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالدين، فالدين هو القاضي والحاكم في الناس، وليس الناس يحكمون في دين الله عز وجل.

    قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فتعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فتعلموا السنة.

    إذاً: الخطوة الأولى: دخولك في الإسلام.

    الثانية: أن تتعلم القرآن بعد الإيمان؛ ولذلك قال عبد الله بن عمر : كنا نتعلم الإيمان أولاً، فإذا نزل القرآن ازددنا به إيماناً.

    إذاً: توحيد الله تعالى هو أهم شيء؛ لأن الإسلام هو النطق بالشهادتين واعتقادهما، والعمل بمقتضاهما، ولكن الصحابة الأوائل لما نطقوا بكلمة التوحيد في أول بعثة النبي عليه الصلاة والسلام كان لهم من الإيمان والكمال والتمام فيه ما لهم بغير عمل؛ لأنه لم تنزل الأعمال حينئذ، فلم تشرع الصلاة ولا الصيام ولا الزكاة ولا الحج، ولا الأمر بالمعروف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً أن يدعو سراً، فلم يكن هناك شيء من العمل في أول الأمر، ومع هذا كانوا في كمال الإيمان وتمامه؛ لأن هذا هو المفروض عليهم في ذلك الوقت.

    فلما أتوا به كاملاً كانوا على درجة عالية من كمال الإيمان والإسلام، فقوله: (تعلموا الإسلام) أي: تعلموا توحيد الله، تعلموا الإيمان الحق بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، والإيمان بالأنبياء والكتب، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وغير ذلك من مسائل الإيمان، والتي منها: الغيب، وغيره.

    فإذا تعلمتم هذا واستقر الإيمان في قلوبكم، فتعلموا القرآن؛ لأن القرآن مع هذه الأرض الصالحة الطيبة ينفع، وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف:58] والتقدير: لا يخرج منه إلا نكداً.

    فإذا كانت الأرض صالحة والإيمان قد استقر في القلب، فحينئذ لا يسمع القلب آية من كتاب الله إلا وينتفع بها، يقف عندها فيقول: ما المراد من هذه الآية؟ وما المطلوب مني؟ وما الواجب؟ فلا يمر بآية إلا ويعمل بها؛ ولذلك جاء عن الصحابة أنهم كانوا يتعلمون القرآن عشر آيات عشر آيات، يحفظونها علماً وعملاً واعتقاداً، ولا يتعدونها إلا إذا عملوا بمقتضاها، فازدادوا بهذا العمل إيماناً؛ لأن الإيمان يزيد بالعمل -أي: بالطاعة- وينقص بالمعصية، فحينئذ قال: تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فتعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه فتعلموا السنة، فإن سنة نبيكم صراط مستقيم.

    وإياكم وهذه الأهواء المؤذية -أي: البدع والأهواء والضلالات والانحرافات عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. إياكم وإياهم- فإنها تلقي بين الناس العداوة، وعليكم بالأمر الأول العتيق، أي: سنة النبي الأمين صلى الله عليه وسلم.

    وقال الإمام مالك : إياكم والبدع. قيل: يا أبا عبد الله ! وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته. أي: على جهة النفي أو التأويل أو التحريف أو التمثيل، أما الذي يتكلم في أسماء الله وصفاته على سبيل الإثبات اللائق بالله عز وجل فهم أهل السنة والجماعة.

    قال: أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه -أي: ينفون عن الله تعالى أنه يتكلم- وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.

    قول الإمام الأوزاعي في لزوم السنة وترك البدعة

    وقال الإمام الأوزاعي عالم الشام: اصبر نفسك على السنة -يعني: ألزم نفسك على اتباع السنة- وإن كان يخفى عليك شيء منها ففوض أمرها إلى الله عز وجل، فليس بلازم أن تفهم كل شيء، ومن من الناس يفهم حتى في مجال عمله كل شيء، الذي يقتات منه في كل يوم، ويمارسه في كل يوم عدة ساعات، تخفى عليه مسائل في عمله، فمن باب أولى أن يسكت عما لم يفهمه فيما يتعلق بأمور الغيب، ويؤمن به كما جاء ويمره إمرار الكرام إيماناً وإقراراً وإثباتاً على ما يليق بالله تعالى بكماله وجلاله، فصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم.

    وإذا قلنا: (قف حيث وقف القوم) فإن القوم هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، والتابعون لهم بإحسان الذين ساروا على نفس الخط ونفس النهج، الذين لم يختلفوا في صفات ذاته تبارك وتعالى، صفات الذات من اليد والعين والساق والقدم وغير ذلك.

    أو الخبرية: كالمجيء والإتيان، والغضب والرضا والسخط، وغير ذلك من الصفات.. فهذه الصفات هل قرأها الصحابة في كتاب الله أم لا؟ الجواب: قرءوها، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأها التابعون، فإن قيل: هل نحن أحسن من هؤلاء؟ الجواب: لا.

    السؤال الثاني: هل النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه: كيف عينك؟ كيف قدمك؟ كيف تنزل إلى السماء الدنيا؟ كيف استويت على العرش؟ الجواب: لا. فإن قيل: هل يعرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ الجواب: لا. لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يعرفه إلا الله، أي: لا يعرف كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه وتعالى.

    ولذلك لم يثبت أن واحداً من الأنبياء أو المرسلين أو الحواريين أو الأصحاب أو آحاد الناس ومن سار على نهجهم ورضي بمنهجهم أنه سأل عن الكيف مطلقاً، وإنما آمن به، وأمره كما جاء، وما خاض فيه بشيء من ذلك.

    وهذا يدل على أن الذي خاض سلك سبيلاً غير سبيل المؤمنين، وغير سبيل المرسلين، فهو من أهل الضلال والبدع؛ لأن الأنبياء والمرسلين ما تركوا خيراً إلا وقد دلوا أممهم عليه، وخيرهم نبينا عليه الصلاة والسلام، فما ترك شيئاً فيه خير لنا وصلاح لنا ونفع لنا وتقريب إلى الله وإلى جنته إلا وقد أمرنا به وحثنا عليه، وما ترك شيئاً فيه شر لنا، وفساد لنا، وإبعاد لنا عن ربنا، وإدخال لنا في النار إلا وقد نهانا عنه عليه الصلاة والسلام.

    قال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، إذا تكلموا في شيء فتكلم فيه؛ لأنهم عن علم تكلموا، فلا بأس أن تتكلم بما تكلموا به، وكف عما كفوا -الذي أمسكوا عنه يجب عليك الإمساك عنه- واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم، ولو كان خيراً ما خصكم الله تعالى به دون أسلافكم.

    لو قلنا: ناهيكم عن نصوص الشرع، لو وزناها بالمنطق والعقل لقلنا: لا يمكن أن يخفي الله خيراً على نبيه ويظهره لنا! هذا مستحيل، والقول بذلك يلزم منه: أن الأنبياء ما عرفوا الحق وما عرفوا الخير، وإن كانوا قد عرفوه وما بلغوه إلى أممهم فقد خانوا الله وخانوا الرسالة، إذاً: الرسل والأنبياء بلغوا البلاغ المبين، وأقاموا الحجة على سائر الخلق أجمعين، فلو كان الخوض في الصفات خيراً لما أخفاه الله على نبيه وأصحاب نبيه، ثم يبلغ الله به من بعدهم، والقائل بهذا يلزمه أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده إلى يومنا هذا أجمعوا على الضلال، والأمة معصومة من ذلك.

    قال: ولو كان خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم، وإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم في فضل عندكم. أنتم لستم أفضل منهم، وهم أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام اختارهم الله وبعثه فيهم.

    قول أبي حنيفة فيما أحدثه الناس من الأعراض والأجسام

    وقال نوح بن أبي مريم . وهو أبو عصمة المروزي القرشي هذا كذاب ووضاع، وهو الذي وضع في فضل سور القرآن سورة سورة، وضع حديثاً في فضل كل سورة، والحديث الواحد عبارة عن كراسة أو (كشكول)، وهذا لا يمكن أن يقوله النبي عليه السلام، فإن أعظم خطب النبي عليه الصلاة والسلام هي خطبة حجة الوداع، وخطبة فتح مكة، ولا تبلغ ثلاث صفحات.

    لكن عندما يأتي شخص في هذا الوقت بدفتر كامل ويقول: هذا دعاء أربعة من الصحابة، فلا شك أن هذا الكلام ليس من دين الله عز وجل أبداً، فالدين قال الله قال رسوله قال الصحابة، وليس هذا منه أبداً، فقد كثرت هذه الأوراق في هذه الآونة الأخيرة، حيث يأتي في ذيلها أو في عقبها تحذير ووعيد شديد، ثم يتبع هذا الدعاء أو الحديث سبع وسبعون أمراً، منها: قد يحرق الله لك مرادك، ويحرق لك ابنك، وأنت ليس لك في ذلك فائدة؛ لأنه ليس فيه من علم ابن تيمية عليه رحمة الله شيء، فإن ابن تيمية إذا ذكرنا اسمه فذكره كفاية، كما قال سفيان الثوري : عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات.

    وكان ابن تيمية يناقش الصوفية الرفاعية، وهم من شر الخلق، وشر الناس ابتداعاً في الدين، وفاقوا حد التصوف بحدود كثيرة متناهية؛ حتى كان الواحد منهم يمسح بدنه بشحم الثعبان أو بنوع معين من الشحوم لا يتأثر هذا الشحم بالنار، كشحم الضفدع والثعبان، وكلاهما عجيبان، ثم يدخلون في النار ولا تضرهم، فقال ابن تيمية : ندخل النار نحن وأنت فمن أكلته النار فهو على الباطل، ومن نجا من النار فهو على الحق.

    ولما وقفوا على النار قال ابن تيمية : يغتسل كل منا قبل دخول النار؛ لأن الماء يزيل هذا الشحم. فرفضوا الاغتسال، فرفض ابن تيمية أن يدخل النار؛ لأنهم رفضوا أصل التحدي.

    وفي رواية: أنه دخل النار وخرج منها ولم يحترق، ولما دخلوا هم أحرقتهم النار؛ لأنه صاحب حق، وقد كان أعلم الناس في زمانه بالله عز وجل، فإن العلم الخشية، والعلم علمان: علم بالأحكام من الحلال والحرام، وعلم بالله وهو الخشية والرجاء.

    والرجاء بعد العمل لا قبل العمل، فإن الرجاء قبل العمل غرور واغترار بالله تعالى، أما بعد العمل فهو رجاء صحيح في الله عز وجل.

    قال نوح الجامع، وهو نوح بن أبي مريم الذي يعرف بـنوح الجامع، وقد لقب بـالجامع ؛ لأنه جمع كل شيء إلا الخير، جمع الشر كله. قال نوح : قلت لـأبي حنيفة : ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟

    الأعراض: كل ما هو معنوي من إثبات النفس لله عز وجل، والأجسام: هي الجوارح من إثبات اليد والعين والساق وغير ذلك من صفات ذاتية له سبحانه وتعالى.

    قال: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: هي مقالات الفلاسفة، أي: من منهج الفلاسفة، وليس من منهج النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام.

    ثم قال له: يا نوح ! عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة.

    أي: كلام الفلاسفة والمتكلمين كله بدعة حتى ما وافق منه الشرع، فإنه لا يجوز لأحد المسلمين أن يحتج به، وإنما يحتج بما جاء في الشرع؛ لأن هذا هو الطريق الحقيقي الذي يستجلب رضا الله عز وجل، فهذا أبو حنيفة رحمه الله ينصح نوحاً الجامع بسلوك سبيل السلف، والتزام الأثر، وسلوك ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من نهج وأصحابه الكرام.

    جواب الإمام مالك على من سأله عن الكلام والتوحيد

    وسأل رجل إسماعيل الرياحي المزني عن شيء من الكلام فقال: إني أكره هذا -أنا أكره الخوض في هذه المسائل- بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي ، فلقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام والتوحيد، فقال مالك : محال أن نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد.

    محال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: توضئوا كذا وصلوا كذا، وزكوا كذا وصوموا كذا، ولم يعلمهم الإيمان بالله وتوحيده في الأسماء والصفات وتوحيد الذات وتوحيد الأفعال، محال أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذلك وعلمهم كيف يتوضئون وكيف يصلون؛ لأن هذه العبادة كلها لا تصح إلا بعد صحة التوحيد وصحة الاعتقاد، فكيف ينطق النبي صلى الله عليه وسلم بالفرع ويترك الأصل؟ ومن خلال هذا الكلام نعلم أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم خاضوا في شيء من ذاته أو صفاته أو أسمائه، إذاً: يسعنا ما وسعهم، فلما لم يتكلموا في توحيد الله عز وجل وفي أسمائه وصفاته وآمنوا بها وأخذوها كما جاءت فإنه يلزمنا ما لزمهم، ويحرم علينا الخوض فيه كما كان يحرم عليهم الخوض فيه.

    قال: محال أن نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فهذا هو أصل الأصول، فالله سبحانه لا يقبل من أحد ديناً إلا بهاتين الشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] ولا يسمى العبد مسلماً إلا إذا أتى بهاتين الشهادتين ظاهراً وباطناً عند الله عز وجل، وأما عند الخلق فيأتي بهما ظاهراً، وإن كان هناك نفاق في قلبه فله حكم الإسلام في الدنيا، وأما في الآخرة فإنه عند الله كافر، ومن المخلدين في النار؛ لقول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145]، وما عصم الدم والمال والأعراض حقيقة إلا بهذه الكلمة.

    مناظرة الشافعي لبشر المريسي وإخباره بأنه لن يفلح لأنه مبتدع ضال

    دخل بشر المريسي -وهو سيد من سادات أهل البدع والضلال- على الإمام الشافعي ، فقال الشافعي لـبشر : أخبرني عما تدعو إليه. وهذه المناظرات يا إخواني! وإن كانت تنتهي بكلمتين أو ثلاث إلا أنها مقنعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    قال الشافعي لـبشر : أخبرني عما تدعو إليه. أكتاب ناطق -يعني هل تستند فيما تقول إلى كتاب الله عز وجل- أو سنة قائمة -حجتك فيما تقول قال الله قال الرسول- ووجدت عن السلف البحث فيه والسؤال؟ ومعلوم أن بشراً سيجيب كما يجيب أهل الضلال؛ لأنه مبتدع فهو يقولها بلسان الحال، فيجيب عن أسئلة هذا مفادها. قال: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه.

    فهو يعلم أن المرد والملجأ دائماً إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول وإلى الصحابة رضي الله عنهم، لكن إن قيل له: فلم تسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة؟ قال: لأنه أمر ضروري لابد لنا منه، ولا يسعنا السكوت عنه، فإن قيل له: أليس ما وسع السلف يسعك؟ لا شك أن الجواب عنده: لا، بدليل أنه تكلم وقال: هو أمر ضروري لنا؛ فقال الشافعي : أقررت بنفسك على الخطأ، يعني: أنت حكمت على نفسك أنك مخطئ؛ لأن ما أتيت به إنما هو قول اتبعته وأتيت به من عند نفسك لا من عند الله عز وجل.

    قال: فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار تواليك الناس عليه فتترك هذا؟ قال بشر : لي نبذ فيه، وهكذا شغل بشر نفسه بما حرم الله عز وجل عليه أن يشتغل به.

    قال: فلما خرج بشر من عند الشافعي قال الشافعي : لا يفلح. فهو من الخاسرين الهالكين لا يمكن أن ينال الفلاح أبداً.

    قول الإمام أحمد في الحارث المحاسبي

    وكتب الإمام أحمد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان قال له: لست بصاحب كلام. أي: إذا كنت أرسلت إلي بشيء من هذا تريد أن أناظرك فيه وأجادلك فاعلم أني لست بصاحب كلام، ولا أحسنه ولا أجيده. هذا الباب للإمام أحمد بن حنبل ، لما كان يسأل في شيء لم يكن عنده فيه نص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: أنا لا أفهم هذا ولا أعرفه، فاسأل أحداً غيري عن هذا، وليس معنى (لا علم لـأحمد به): أنه يعجز عن الرد، ولكن أحمد كان ينزه لسانه وسمعه أن يسمع شيئاً من تلك الفلسفات.

    أضرب لكم مثالاً: الحارث المحاسبي رجل له كلام متين جداً في الزهد وفي محاسبة النفس وغيرها، وله كتاب اسمه: التوهم، لو قرأه أحد لأيقن أنه هالك، حتى وإن كان أعبد الناس، وكان في مجلسه الآلاف؛ فقالوا لـأحمد بن حنبل : ما تقول في الحارث ؟ قال: لا أعرفه. أي: لا أعرف عنه شيئاً، وأصم أذني عن سماع كلامه، فقالوا: يا إمام! لابد لك من أن تسمع كلامه، قال: إذا دعوتموه فآذنتموني سمعت كلامه من خلف الستار أو الجدار، فدعوه في الليل في بيت أحدهم، فلما جاء أحمد وسمع الحارث، سمع أصحاب الحارث لـأحمد نشيجاً وبكاءً حتى أشفقوا عليه، فلما قدموا على أحمد وجدوا أنه قد بل الثرى بدموعه تأثراً من كلام الحارث ، فلما قالوا له: يا أحمد ! ما تقول في الحارث ؟ قال: لا تسمعوا منه حرفاً واحداً.

    إن أحمد رضي الله عنه فهم كلام الحارث ومن أين جاء به، وما مراده بهذا الكلام فتأثر منه، وله أن يتأثر، بل لـأحمد أن يطلع على كتب أهل الكتاب، وكتب الفلاسفة واليونانيين والفرس والترك والروم، لكن ليس لآحاد الأمة ذلك.

    إن ابن تيمية عليه رحمة الله درس كتب الفلاسفة ورد عليهم بمنطقهم، لكن لا يجوز لآحاد الأمة أن يدرس ما درسه ابن تيمية ، فإن كثيراً من الطلاب دخلوا ودرسوا علم الفلسفة والمنطق فكانوا نقمة وحرباً على دينهم؛ لأنهم تعلموا التجرؤ على كتاب الله وعلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام باعتبارهما كتباً من الكتب قابلة للنقل، وقابلة للتجريح وللأخذ والرد. هكذا تعلموا؛ لأن هذا أصل في الفلسفة.

    فاعتبار كتاب الله تعالى من آحاد الكتب وبأنه لا فرق بين كتاب الله وبين غيره من الكتب اعتقاد معروف عند الفلاسفة.

    قال الإمام أحمد : لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله، فإن كنت تريد أن تناقشني فائتني بقول الله، أو بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود أبداً.

    وللأسف الشديد من المفكرين الإسلاميين اليوم من يريد أن يناقش الغربيين بمنهج الغربيين؛ ويقول: لأنهم كفار، ولا يريدون أن يسمعوا القرآن والسنة، ويرفضون الاحتجاج به، سبحان الله! هم يرفضون الاحتجاج بالقرآن والسنة، وأنت تقبل الاحتجاج بهذا الكلام التافه السخيف.

    ذات مرة تأخر خطيب عن الخطبة، فاضطر أحد الحاضرين أن يصعد، وليس أهلاً لذلك، لكنه قال كلمة عجيبة جداً، قال: لابد أن تطبقوا شرع ربنا، وكل واحد يلتزم بشرع ربنا، لأنه لا يمكن أبداً أن يستوي شرع ربنا مع شرع أبيه وأمه. هكذا قال!

    سبحان الله! قال كلمة أجمل فيها، وتذكرت أن أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام جاء إليه وقال: (يا رسول الله! إني أقول: اللهم أدخلني الجنة وأعذني من النار) ولم يأت بدليل على قوله. قال: (أما دنددنتك ودندنة معاذ فإني لا أحسنها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حولها ندندن) يعني: نحن ندعو الله عز وجل، ونصل في نهاية الأمر إلى ما وصلت إليه، ونتمنى ما تتمناه أنت.

    فهذا الرجل أجمل ما قاله الدعاة منذ عشرات ومئات السنين في كلام مختصر جداً.

    قال: لست بصاحب الكلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود.

    إذا كان الله تعالى غنياً عن إيمان المؤمنين وإسلام المسلمين، فمن باب أولى أن الله تعالى غني عن العالمين، والله هو الغني الحميد، الغني عن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فإن طاعة الطائعين لا تنفعه، ولا معصية العاصين تضره سبحانه وتعالى؛ لأنه الغني بذاته عن عباده وعن خلقه، فهؤلاء من أئمة الأمة ينهون عن الخوض في علم الكلام والتعدي في الأسئلة، فأهل البدع يقولون: نحن ننزه الله تعالى عما تنزهونه، يقولون: نحن ننزه الله أن يكون له يد، وأن يكون له رجل وساق وعين ووجه ونفس وغير ذلك، وننزهه أن يضحك ويغضب ويسخط ويرضى ويأتي ويجيء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ليس بعقل ولا جسم، ولا لون، ولا له عين، ولا أذن ولا سمع يتكلم به، ولا لسان وليس له جارحة؛ وذلك لأنه يلزم من القول بأن الله تعالى يتكلم حيث شاء ومتى شاء أن يثبت له الجارحة التي يتكلم بها، أي: الفم واللسان، والله تعالى لم يثبت لنفسه ولم يثبت له رسوله أن له فماً ولساناً، ولا يتكلم المتكلم إلا باللسان والفم، فلو قلنا: إنا الله يتكلم للزمنا أن نثبت لله تعالى ما لم يثبته لنفسه.

    فنرد عليهم بقولنا: إن الله تعالى قال للسماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فهل للسماء لسان وفم؟ هل للسماء جارحة؟ هل للأرض جارحة تكلمت بها؟ فإذا كانت آحاد المخلوقات تتكلم بغير جارحة -ولله المثل الأعلى- فهو سبحانه يتكلم حيث شاء ومتى شاء وكيف شاء، وغير ذلك مما سنرد عليه بإذن الله تعالى في البحث.

    1.   

    شرح قاعدة النفي المجمل والإثبات المفصل لأسماء الله وصفاته

    إن من منهج أهل السنة والجماعة: أنك تثبت لله تعالى الكمال تفصيلاً، وتنفي عنه النقص إجمالاً، فمنهج أهل السنة النفي المجمل، والإثبات المفصل. هذه قاعدة تتعلق بالأسماء والصفات.

    وشرح هذه القاعدة: أن الله تعالى قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] هذا نفي مجمل، لأنه قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فأنا نفيت عن الله عز وجل مشابهته للأشياء كلها من جميع المخلوقات، فهو يختلف عن جميع المخلوقات، ولا شيء منها يماثله ولا يكافئه ولا يشبهه سبحانه وتعالى.

    فالنفي المجمل دليله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، والإثبات المفصل دليله: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3].

    فهو الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وغير ذلك من أسماء الله تعالى وصفاته، أما إثبات ما لله إجمالاً، ونفي ما ليس له تفصيلاً، فهو منهج المجرمين المبتدعين من الجهمية وغيرهم، يقولون: الله تعالى ليس بذات، ولا عرض ولا جسم، ولا له أنف ولا أذن ولا عين، ويظنون أنهم بذلك ينزهون الله.

    ولو دخلت على ملك من ملوك الدنيا فهل ستقول له: أيها الملك! أنا أؤمن أنك لست حماراً ولا كلباً ولا خنزيراً ولا قطاً سبعاً! فهذا الأسلوب في حق المخلوقين مرفوض، بخلاف قولك له: أنت ملك عادل، وليس في ملوك الدنيا أعدل منك، فهذا أسلوب مدح ولا شك، وتقول: وعدلك قد ظهر في كيت وكيت وكيت، وهذا إثبات على سبيل التفصيل، وتقول: وباعد الله بينك وبين أهل السوء، فهذا نفي مجمل وإثبات مفصل، فالمنهج يا إخواني! مع المخلوقين منهج محمود، النفي المجمل والإثبات المفصل، وهو منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الكمال لله عز وجل تفصيلاً، ونفي النقص عنه سبحانه وتعالى.

    إن لأهل السنة والجماعة خمساً وعشرين قاعدة، كانت سبباً لعصمة أهل السنة والجماعة من أن يقعوا في بدعة من البدع على طول التاريخ وعرضه.

    أما أئمة المسلمين فهم ينهون عن الخوض في علم الكلام من العرض والجوهر والجسم، والتعدي في البحث والسؤال عما لم يرد عن سلف الأمة، فلابد من التسليم والاتباع، وترك التكلف والتعمق فيما فيه خطر على القلوب من الزيغ والضلال.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد.