إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  5. شرح كتاب الإبانة - التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب [1]

شرح كتاب الإبانة - التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب [1]للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حذر السلف الصالح من مصاحبة ومتابعة أهل البدع والأهواء؛ لأنهم أخطر على القلوب من ارتكاب الكبائر، فإن صاحب البدعة يظن أنه قد أحسن عملاً، فلا يوفق إلى التوبة وترك البدعة، بعكس صاحب الكبيرة فإنه لا يظن في نفسه أنه على خير، والندم والإقلاع عن المعصية أرجى له.

    1.   

    باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان

    الفرق بين العلماء الراسخين في العلم والإيمان وبين غيرهم من المبتدئين في الرد على أهل البدع ومناظرتهم

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    تناولنا في الدروس الماضية قضية مهمة جداً، وهي: أن المرء لا يتدخل فيما لا يعنيه، ودرس اليوم متمم لما مضى من أعمال، وهو يتعلق باختيار الصاحب والصديق، والهروب من أبناء السوء، وأصحاب البدع والأهواء.

    ولأهل العلم من السلف كلام في غاية الروعة والجمال في هذا الباب، وكثير من الناس يتصورون أنه لا يضرهم أن يصاحبوا مبتدعاً، أو أن يتلقوا عن مبتدع، أو يناظروا مبتدعاً.. أو غير ذلك، مع أن هذا من أكثر أبواب الضلال والفساد التي يمكن أن تواجه طالب العلم، ولعل من الشبهات أن أهل العلم الكبار بعد أن حذرونا أيما تحذير من مصادقة ومجالسة أهل الأهواء والبدع؛ نراهم قد جالسوهم وناظروهم، وبينوا لنا عقائدهم الفاسدة وغير ذلك.

    فالجواب على هذه الشبهة: أن لأهل العلم الكبار المتثبتين ما ليس لغيرهم من الطلاب الصغار المبتدئين، ففي الوقت الذي يحذرنا فيه أهل العلم من مجالسة أهل الأهواء، أو الإصغاء إليهم، أو إلقاء السمع.. أو غير ذلك؛ نجدهم يناظرون أهل الأهواء والبدع ويفضحون أمرهم، ويكشفون سترهم من باب النصيحة للأمة، ومن باب التفريق والتمييز بين الحق والباطل.

    فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله يحذر من دراسة الفلسفة والمنطق، مع أنه قد طالع كثيراً في كتب الفلسفة والمنطق.

    وله قول شهير مشهور: من تفلسف فقد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق، مع أنه سيد أهل المنطق في زمانه، وإنما تعلم ذلك لتثبته وقوة حجته وتسلحه بالعلم، فلم يكن يخشى عليه الاطلاع في كتب القوم، حتى ولو اطلع في كتب السحر ليرد على السحرة أمرهم؛ فإن هذا أمر جائز ومشروع له، وأما غيره من الطلاب المجتهدين فإن ذلك فيه خطورة عظيمة جداً عليه، وربما انقلب المرء رأساً على عقب من أول الطريق.

    فهذا الباب يبين مذاهب السلف في هذه المسألة، وهو باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب، ويفسدون الإيمان.

    آثار السلف في التحذير من مجالسة أهل الأهواء وسماع كلامهم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [قد أعملتك يا أخي عصمني الله وإياك من الفتن، ووقاني وإياك جميع المحن؛ أن الذي أورد القلوب حمامها، وأورثها الشك بعد اتقائها، هو البحث والتنقير، وكثرة السؤال عما لا تؤمن فتنته، وقد كفى العقلاء مؤنته، وأن الذي أمرضها بعد صحتها، وسلبها أثواب عافيتها، إنما هو من صحبة من تغر إلفته، وتورد النار في القيامة صحبته، أما البحث والسؤال فقد شرحت لك ما إن أصغيت إليه -مع توفيق الله- عصمك، ولك فيه مقنع وكفاية.

    وأما الصحبة فسيرجع عليك بالنفع طالما إن تمسكت به نفعك، وإن أردت الله الكريم به وفقك، قال الله عز وجل فيما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم وحذره منه: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

    ثم أذكره ما حذره، وأعاد له ذكر ما أنذره فقال تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء:140].

    عن مجاهد في قوله تعالى: يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [الأنعام:68]، قال: يستهزئون، نهى الله عز وجل محمداً أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا تذكر فليقم، وذلك قوله: فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:68].

    وعن قتادة بن دعامة البصري في قول الله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68] قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوضون في آيات الله يكذبون بها، وإن نسي وقعد فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.

    وعن ابن عون قال: كان محمد بن سيرين يرى أن أسرع الناس ردة هم أهل الأهواء، وكان يرى أن هذه الآية أنزلت فيهم: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [الأنعام:68].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)]، والخليل: هو الصديق والصاحب.

    قال: [وعن عطاء قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام: لا تجالس أهل الأهواء؛ فإنهم يحدثون في قلبك ما لم يكن فيه]. أي: أن لهم تأثيراً شديداً كالسحر في الخلق، فإذا دخل شيء من كلامهم وأهوائهم في قلب المرء أفسده، فنسأل الله عز وجل أن يحفظك منه.

    [وعن طلحة قال: سمعت خصيفاً الجزري يقول: أشهد أن في التوراة مكتوباً: يا موسى! لا تجادل أصحاب الأهواء؛ فيمرضوا عليك قلبك بما يرديك فيدخلك النار.

    وعن محمد بن النضر الحارثي قال: بلغنا أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام: أن كن يقظاناً -أي كن حذراً متيقظاً- مرتاداً بنفسك أخداناً، فكل خدن لا يواتيك على مسرتي فاحذره].

    أي: كل صاحب لك لا يصحبك على ما يحبه الله عز وجل، فلا تصاحبه؛ فإنه لك عدو، وهو يقسي قلبك.

    وعن عطاء قال: بلغني أن فيما أنزل الله على موسى: لا تجالس أهل الأهواء فيحدثوا في قلبك ما لم يكن فيه.

    وقال أبو قلابة -وهو عبد الله بن زيد الجرمي الإمام البصري الكبير-: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون].

    أي: أن مجرد المجالسة له ولو مرة واحدة أنت منهي عن ذلك؛ فضلاً عن مناظرته ومجادلته وخصومته.. وغير ذلك، فمن باب أولى ألا تفعل ذلك؛س لأن السلف لم يأمنوا علينا إذا فعلنا ذلك أن ننغمس في البدعة، وأن نتقرب من هواهم، أو يلبسوا علينا، أو يضعونا في دائرة الشك في الثوابت التي لدينا ومنها: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وشفاعة الشافعين جميعاً، فهذه عقيدة استقرت في قلوب العامة والخاصة، حتى إن عامة الناس إذا تحدثوا قال بعضهم لبعض: صلوا على النبي، فهذه عقيدة مستقرة لدى العامة أن النبي عليه الصلاة والسلام شفيع لأمته، ووجد في الأمة من ينكر الشفاعة؛ لأن ثقافتهم إنما هي بالصحف والمجلات، ولم يتلقوا علمهم ودينهم من أهل العلم.

    [وعن عمرو بن قيس الملائي قال: كان يقال: لا تجالس صاحب زيغ فيزيغ قلبك.

    وعن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء : من فقه المرء ممشاه ومدخله ومخرجه ومجلسه].

    أي: من العلامات الدالة على فقه الرجل، وعلى عقله واستقامته: النظر إلى ممشاه، أي: مع من يمشي، ومع من يدخل، ومع من يخرج، ومع من يمشي، ومن يصاحب.

    فإذا كان مصاحباً لأهل الأهواء -حتى وإن زعم أنه من أهل السنة- فاعلم أنه صاحب هوى، وأما إذا كان يمشي مع أصحاب الأهواء؛ فهذا بلا شك أنه من أهل الهوى.

    ثم قال أبو قلابة: [قاتل الله الشاعر حين قال:

    عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فإن المقارن بالمقارن يقتدي]

    يعني: إذا كان قرين المرء أو أصدقاؤه قوم سوء، أو أصحاب هوى أو بدعة أو زيغ أو ضلال؛ فلابد أن تعلم أن هذا المرء من أهل ضلال؛ لأن القلوب والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، فإذا عرض عليك صاحب بدعة كأن يكون مثلاً صوفياً، أو خارجياً، أو قدرياً، أو معتزلاً أمراً فلا تقبله، بل تنفر أشد النفرة منه.

    [وعن ابن عباس قال: لا تجالس أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب.

    وقال عبد الرحمن بن مهدي : لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإنهم يمرضون القلوب، وعن الحسن كذلك.

    وعن إبراهيم النخعي قال: لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإني أخاف أن ترتد قلوبكم.

    وقال: لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغض في قلوب المؤمنين.

    وقال ابن مسعود : اعتبروا الناس بأخلالهم -يعني: احكموا على الناس من واقع أصدقائهم وأصحابهم-، فإن المرء لا يخالل -أي: لا يصاحب- إلا من يعجبه.

    وعن قتادة في قول الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، قال: لا تبتدعوا، ولا تجادلوا مبتدعاً.

    وعن قتادة قال: المؤمن وإن رأى الرأي يعرفه وإن أخطأه.

    وقال مجاهد : لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن لهم عرة كعرة الجرب]، يعني: لهم داء معدي كالجرب تماماً، فإذا التصق بالعبد لا يذهب عنه أبداً.

    [وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات -أي: أصحاب الجدال- فإنهم الذين يخوضون في آيات الله عز وجل.

    وعن ابن حنفية قال: لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.

    وقال مصعب بن سعد : لا تجالس مفتوناً؛ فإنه لن يخطئك منه إحدى اثنتين -يعني: إذا جالست إنساناً مفتوناً مغروراً مبتدعاً زائغاً فلابد أن تصاب منه بواحدة من الاثنتين-: إما أن يفتنك فتتابعه على الفتنة، وإما أن يؤذيك قبل أن تفارقه].

    يعني: لابد من وقوع الأذى، لكن هذا قد يأتي ممن يتمثل في وقوعك في فتنته، وزيغه وضلاله، أو يؤذيك قبل أن يفارقك أو تفارقه.

    ثم قال: [لو أعلم أن أحدكم يقوم كما قعد لن أبالي]، أي: أن هذا الإمام يخشى علينا إذا جلسنا مع أصحاب البدع أننا نتحول وترتد قلوبنا، ولكنه على يقين أن الواحد منا إذا قام كما جلس -أي: إذا لم يتأثر بأصحاب البدع- فلن يبالي أن يلقاه أو يجلس معه أو غير ذلك.

    [وقال حماد بن زيد: قال لنا يونس -وهو ابن عبيد-: أوصيكم بثلاث فخذوها: لا تمكن سمعك من صاحب هوى].

    أي: لا تجعل واحداً من أصحاب الهوى يتمكن من إدخال هواه في أذنيك، ولو عجزت فضع أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع.

    وهذه مبالغة في منع الإصغاء والاستماع إلى أصحاب الأهواء.

    قال: [ولا تخل بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن] أي: ولا تخل بامرأة هي ليست لك بمحرم ولو زعمت أنك تعلمها القرآن؛ لأن الأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    التحذير من الدخول على الأمراء والسلاطين

    قال: [ولا تدخلن على أمير ولو أن تعظه] أي: ولا تدخلن على أمير ولو زعمت أنك داخل عليه لتغير ما هو عليه من منكر، أو أن تعظه في مسألة أو غير ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن اقترب من السلطان افتتن).

    ولذلك دخل رجل من أهل العلم في حلقة شيخ وكان السلطان قد أرسل صرة بها مال مع عامل له؛ فتلقاها الشيخ صاحب الحلقة وأنفقها في الطلاب ولم يأخذ منها شيئاً، فلما دخل عليهم ذلك الزاهد قال: يا فلان أقبلت هدية السلطان؟ قال: ألم تر كيف وزعتها؟ قال: أسألك بالله أقلبك عليه الآن كقلبك عليه قبل أن تأخذ الصرة؟ فقال الشيخ: لا والله، وهذه الشهادة مع أنه كان في غنى عنها، لكنه مع ذلك شهد على نفسه بأن قلبه قد تغير، فالاقتراب من السلطان فتنة عظيمة جداً.

    ونحن نعلم أن بعض الشيوخ كان من أشد الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل كان زعيماً لجماعة أسماها: جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأذكر أنه قال على المنبر في عام (1981م): إن لمصر إلهين: إله في السماء، وإله في الأرض، فإله الأرض هو مجلس الشعب والحكومة، ويرأسهم رئيس البلد..

    ثم ما لبث أن تحول 180درجة، وصار يتمثل ويتصنع للرئيس ويقول: أنتم لا تعلمون علاقتي بالرئيس؛ إنها علاقة قوية جداً، وقد عرفته عن قرب، حتى طرد فخسر أمواله، وخسر دعوته، وخسر كل شيء.

    وهذه سنة الله عز وجل فيمن طلب العلم لغير الله، وفيمن عمل لغير الله، فلابد أن يبتلى، وأعظم البلاء أن ينزل بدينه، فلو نزل بدنياه: بولده، ببدنه، بماله، بأهله فالأمر في كل هذا هين، وأما أن نزل البلاء بدينه، ولو أدنى شعيرة في دينه؛ فهذا الذي كان يستعيذ منه النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: (اللهم لا تجعل فتنتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا..) إلى آخر الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام.

    الفرق بين طلب المحق للعلم وطلب المبطل والمبتدع له

    [وقال إسماعيل بن عبيد الله : لا تجالس ذا بدعة -أي: صاحب بدعة- فيمرض قلبك، ولا تجالس مفتوناً فإنه ملقن حجته].

    ولذلك فإن الطلاب الذين يطلبون العلم الشرعي لا يطلبون مسألة أو مسألتين أو ثلاثاً، وإنما يطلبون علماً أوله كتاب الله، وآخره آخر حديث حسن لغيره قاله النبي عليه الصلاة والسلام، فدين الإسلام طويل عريض، تكلم به المولى عز وجل، وتكلم به النبي عليه الصلاة والسلام على مدار 23 سنة، فأنت مطلوب منك أن تدرس هذا، وليست المسألة متعلقة بقضية من القضايا، أو مذهب من المذاهب، فالرجل الذي يطلب العلم ينبغي عليه أن يطلبه بصورة عامة شاملة كلية؛ لأنه دين لا يتجزأ.

    وأما من ابتدع -تبعاً لهواه- قضية من قضايا الشرع كقضية الجهاد مثلاً، أو قضية التأهيل، أو قضية الإيمان، أو غير ذلك.. فإنه يدرسها دراسة جيدة محكمة، فيعرف الشبهات التي ترفع إليه، ويحسن الجواب للرد عليها، فالذي يذهب ليناقش أمثال هؤلاء لابد أن يعلم أولاً من أين مخرجهم ومدخلهم وممشاهم، وما هي السبل التي يهتدون عليها، وما هي الشبهات التي يدسونها، وما هي ردود الأفعال لهؤلاء، لابد أن يلاحظ هذا كله حتى يستطيع الرد عليهم، ويظهر عوار هذه الفرقة، فإذا كان طالباً للعلم فله أن يتصدر، وأن يجادل ويخاصم؛ إظهاراً لدين الله عز وجل بإخلاص.

    وأما الإنسان المفتون المغرور، الذي ليس عنده من العلم شيء، ولكنه يزعم أنه في كل واد من أهل العلم، ففي اليوم الفلاني يذهب ليجادل فلاناً، وفي اليوم الثاني يذهب ليخاصم فلاناً؛ فلا شك أنه يكون دائماً خاسراً خاطئاً غير ناصر لدين الله عز وجل ولا لشرعه، بل ربما كان هو أعظم سبب للفتنة في هذا المفتون، لأن عدم رده على هذا المفتون أو الزائغ يعطي انطباعاً أن هذا الزيغ حق، وأن هذا الضلال حق، فيتمثل به صاحب الضلال؛ زعماً أو ظناً منه أنه على الحق، وإذا كانوا على الباطل فما الذي يمنع هذا أن يرد عليهم، وأن يبين أنهم على الباطل.

    فلما لم يبين وقع المفتون، بل جعله يتمسك أشد التمسك بفتنته وضلاله، وربما يكون الإنسان في أول الأمر يعلم أن هذا ضلال، لكن مع استمراره على الضلال قد يصدق نفسه.

    وهذه تعتبر سنة كونية في الخلق، كالأحزاب التي تدور على الساحة، فإنها لا يخفى على المسئولين أنها فرقعات مفتعلة، وهم الذين فرقعوها وافتعلوها، لكن مع تقادم الأحداث والقيل والقال والأخذ والرد؛ تجد الرجل الآن يتفاعل ويتعامل مع الأحداث من واقع أنها أحداث حقيقية أحدثها وأوجدها أصحاب الافتراق أو غير ذلك، وإنما أحدثها الغير، فتعاملت مع الغير إما بأنه عدو أو خصم، فهكذا ربما يكون المبتدع أو الضال، فإنه يعلم في أول الأمر أن هذا هو الضلال، لأن هذا الباب شهرة، ويريد أن يشهر ولو بالشر، فمع بقائه في الشر مدة من الزمان يصدق أنه على الحق؛ لأنه قد ألف هذا الطريق هذا الضلال حتى كان يسيراً على قلبه؛ لأن الحق دائماً ثقيل على القلوب.

    قال: [لا تجالس مفتوناً فإنه ملقن بالحجة]، أي: أن أصحاب البدع يحبون المناظرات لأجل أن يبدءوا بالمناظرة، فإذا فرغ صاحب البدعة من إلقاء ما عنده، وبيان أنه على الحق، ويزور في كلامه حتى يستقر أو يدخل في قلوب المستمعين، ثم بعد ذلك لا يسمح للخصم بالكلام، بل يستعرض الملل، وفي الغالب أنه ينصرف قبل أن يتكلم صاحب الحق، فلا يجد صاحب الحق من يناظره أو يخاطبه أو يجادله، فينصرف هو كذلك، فيكون صاحب البدعة هو الذي يتكلم، وأما صاحب الحق فإنه يرجع بذيول الخيبة والخسارة، والخسارة إنما تكمن في تأثر هذا الجمع باستماع كلام ذلك المبتدع أو الضال.

    تابع لتحذير السلف من مجالسة أهل البدع ومجادلتهم وسماع كلامهم

    [وعن صالح بن مسمار قال: خرجت من البصرة على عهد عبيد الله بن زياد فسمعت المشيخة الأولى وهم يتعوذون بالله من الفاجر العليم اللسان] يعني: صاحب الحجة، وإن كانت حجته باطلة لكنه على أية حال يتخذ لها من الزخارف ما يجملها في أسماع السامعين.

    [وعن المفضل بن مهلهل قال: لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته؛ حذرته وفررت منه].

    أي: كنت على حذر منه؛ وفررت منه؛ لأنه منحرف عن السنة، فلا حاجة لك باستماع كلامه، فإنه يحدثك بأحاديث التمسك بالسنة في بدو مجلسه، ثم يدخل عليك بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج منه؟!

    فهو يقيدك بالكتاب والسنة أولاً، ثم يبين لك أن ما عليه هو من الضلال والانحراف ليس ضلالاً وإنما هو سنة، فإن لم تشرب أنت هذه البدعة فلا أقل من أن يتزعزع الحق الذي في قلبك، فأنت مهزوم لا محالة.

    [وعن هشام قال: كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين يقولان: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم.

    وقال الحسن : لا تمكن أذنيك من صاحب هوى فيمرض قلبك، ولا تجيبن أميراً وإن دعاك لتقرأ عنده سورة من القرآن؛ فإنك لا تخرج من عنده إلا بشر مما دخلت.

    وعن أيوب السختياني قال: قال لي أبو قلابة : يا أيوب ! احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر احذر أن تتكلم فيه، وإذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فأمسك -أي: إذا ذكرت الفتن التي دارت بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فالسنة أن تمسك فيها لسنانك ولا تتكلم- ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك فينفذوا فيه ما شاءوا، أي: فيصبوا فيه من الضلال والبدع ما شاءوا.

    [وقال سعيد بن عامر : سمعت جدتي أسماء تحدث قالت: دخل رجلان على محمد بن سيرين من أهل الأهواء فقالا: يا أبا بكر ! نحدثك بحديث، قال: لا].

    وربما يقول قائلكم: وما الذي يضر ابن سيرين أن يسمع عنه حديثاً من أحاديث حديث النبي عليه الصلاة والسلام؟

    والجواب: أنه لا يريد أن يسمع منهم شيئاً؛ لأنهم أصحاب هوى، والقلب يتقلب لأنه ملك لخالقه، فالإنسان دائماً يجعل حول قلبه حجاباً من الإيمان؛ حتى لا يقع في براثن الرذيلة، رذيلة الفكر والاعتقاد الفاسد.

    [قالا: سنقرأ عليك آية من كتاب الله، فقال: لا، لتقومان عني أو لأقومن عنكما].

    أي: إما أن تنصرفوا الآن، وإما أن أترك لكم المكان وأنصرف أنا.

    ومحمد بن سيرين هذا إمام السنة في زمانه، وسيد أهل البصرة، العالم الذي كانت إليه الرحلة في زمانه، وزمن التابعين، ومع هذا ما كان يجادل أصحاب الأهواء والبدع.

    [وقال هشام بن حسان : قال رجل لـابن سيرين : إن فلاناً يريد أن يأتيك ولا يتكلم -أي: أن رجلاً من أهل البدع يريد أن يجلس معك في المجلس، ولن يتكلم معك بكلمة- فقال ابن سيرين : قل لفلان: لا يأتيني، فإن قلب ابن آدم ضعيف، وإني أخاف أن أسمع منه كلمة فلا يرجع قلبي إلى ذاته].

    فإذا كان هذا حال ابن سيرين والحسن البصري وغيرهما؛ فنحن من باب أولى يجب علينا أن نتجنب أصحاب الأهواء والزيغ والانحراف.

    [وقال معمر : كان ابن طاوس -واسمه عبد الله- جالساً فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم، قال: فأدخل ابن طاوس أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بني! أدخل أصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئاً].

    أي: يأمر ولده أن يدخل أصبعيه في أذنيه؛ مخافة أن يسمع كلمة واحدة من رجل معتزلي.

    [وقال عبد الرزاق : قال لي إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى : أرى المعتزلة عندكم كثيراً، قلت: نعم، وهم يزعمون أنك منهم، قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت؟ قلت: لا، قال: لم؟ قلت: لأن القلب ضعيف، والدين ليس لمن غلب].

    أي: قلبي ضعيف، والدين ليس حجة لصاحب اللسان، فإذا كان صاحب فربما غلبني، لكن هل تعني غلبته لي أني على الباطل؟ فكم من إنسان على الحق يعلم أن الذي أمامه على الباطل، لكنه لا يستطيع ولا يملك الحجة.

    [قال سلام بن أبي مطيع : إن رجلاً من أصحاب الأهواء قال لـأيوب السختياني : يا أبا بكر! أسألك عن كلمة، قال أيوب وجعل يشير بأصبعه: ولا نصف كلمة.. ولا نصف كلمة].

    العلة في عدم سماع السلف من أهل الأهواء

    وقد يقول قائل: لماذا لم يسمع أيوب من هذا، فربما أنه كان يريد أن يسأله عن شيء يهتدي به؟ فالجواب: أن أيوب كان فقيهاً؛ وهو يعلم أنه سيقدم بمقدمة عظيمة، فلو أذن أيوب لنفسه أن يصغي سمعه إلى أهل البدع فربما أنه يتأثر به.

    فالسلف رضي الله عنهم لم يتعرضوا لأصحاب الأهواء، وإنما أرادوا أن يبينوا للأمة ولطلاب العلم والعامة أن يحذروا أهل البدع، ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم، ولا يؤمنوهم ولا يشاركوهم، ولا يسمعوا منهم ولا نصف كلمة، مع أن أحمد بن حنبل قد ناظر وجادل الجهمية والمعتزلة في زمانه، وفتنته معلومة مشهورة وهي: فتنة خلق القرآن، وغيرها من الفتن، وكذلك محمد بن نصر المروزي، وكذلك الإمام الشافعي مع بشر المريسي .. وغير واحد من السلف تصدوا لهؤلاء المبتدعين، وكشفوا سترهم، وفضحوهم أيما فضيحة على رءوس الأشهاد؛ لأن الله تعالى كلفهم بذلك، وفرض عليهم ذلك فرض عين؛ لأنهم بلغوا في العلم مبلغاً أهلهم لمثل هذا، فهل كل أحد في الأمة وطلاب العلم على هذا النحو؟ الجواب: لا.

    1.   

    باب وجوب التصدي لأصحاب الأهواء وبيان أهوائهم وضلالاتهم للأمة

    أهلية المتصدي لأهل الأهواء

    قال [باب: وجوب التصدي لأصحاب الأهواء وبيان أهوائهم وضلالاتهم للأمة].

    إن العلماء الكبار هم الذين يتصدون لذلك وليس طلاب العلم، فطالب العلم اليوم قد يفتن بأن يظن أنه على شيء، وهو في حقيقة الأمر ليس بشيء، وهذه السنين القليلة ليست كافية ولا كفيلة لتوثيق العقيدة فضلاً عن معرفة الشبهات، والرد عليها في دين الله عز وجل، ثم يذهب ويفتي نفسه ويجيز لنفسه أن يجادل، وأن يخالط أصحاب البدع، ثم ما يلبث أن ينقلب رأساً على عقب، ويقول: الذي كنت عليه هو الضلال، والذي أنا عليه الآن هو الحق، والدليل على ذلك أن معظم الناس أشاعرة، وأن معظم العلماء أشاعرة، ولو كان مذهب الأشاعرة باطلاً فكيف انتشر في أهل العلم هذا الانتشار؟

    والجواب عليه: أن الحق لا يعرف بكثرة الأتباع، وإنما يعرف الحق بمتابعة الكتاب والسنة، والواجب عليه التعرف على الحق أولاً، ولا يجيز لنفسه ذلك وإنما يجيزه العلماء، ولذلك من البلايا العظيمة جداً على الساحة الآن أن الذين كلفوا أن يقودوا الأمة إلى ربها هم الذين يقادون الآن، فالواحد منهم يحرص كل الحرص على أن يلقي على مسامع الناس ما يعجبهم وما يسرهم، وليس هذا طريق السلف ولا الخلف، وإنما طريق الخلف أن يرغم العلماء والمشايخ الناس إرغاماً على تعلم دينهم، وهم أدرى بدين الله عز وجل من هؤلاء العوام المستمعين، أو طلاب العلم الصغار المبتدئين، فكيف يزكي الطلاب الشيخ؟! فتزكية الصغير لا عبرة بها.

    فهم يقولون: الشيخ الفلاني صاحب علم، وصاحب هدى، وصاحب سنة، فالذي يقول هذا لزاماً يكون من مشايخه، فهم الذين يأمرونه أن يجلس للتدريس والإفتاء، وليس المستمعون هم الذين يفعلون هذا، فـمالك رحمه الله أو الشافعي أو غيرهما من أهل العلم لم يزكهم طلابهم، فالطلبة الآن هم الذين يزكون، فيرفعون هذا ويخفضون ذاك، ويقولون: هذا معتدل، وهذا مستقيم وهذا ضال! وهذا انتكاس عظيم جداً.

    ومن أعظم الانتكاس كذلك أن تتخير شيخاً بعينه، فتأخذ عنه كل شيء وتقلده، فهذا مذموم في دين الله عز وجل، بل ينبغي عليك أن تسمع واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وعشرة، وتختار أصحاب الهدى، وأصحاب الطريق المستقيم، وأصحاب السنة، ولا تسمع من صاحب فتنة، أو صاحب ضلال وانحراف وزيغ يعلم عنه ذلك قديماً وحديثاً، ولا تسمع ممن يغلب على ظنك أنه يبتغي شهرة، أو زعامة أو رئاسة، أو غير ذلك من هذه الأمراض القلبية التي نسأل الله تعالى أن يعافينا وإياكم منها.

    [قال ابن الحسين: إن طاوساً كان جالساً هو وطلق بن حبيب فجاءهما رجل من أهل الأهواء، فقال: أتأذن لي أن أجلس؟ فقال له طاوس : إن جلست قمنا، فقال: يغفر الله لك أبا عبد الرحمن ! فقال: هو ذاك، إن جلست والله قمنا! فانصرف الرجل.

    وعن عمرو بن ميمون قال: إياكم وهذه الزعانف الذين رغبوا عن السنة، وخالفوا الجماعة].

    والزعانف: هي أجنحة السمك، فهم شرذمة شردوا؛ لأن الأصل هو البقاء على السنة، والاستقامة عليها.

    [وعن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد قال: يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [الأنعام:68]، قال: يكذبون بآياتنا.

    وعن عبد الله الرومي قال: جاء رجل إلى أنس بن مالك وأنا عنده فقال: أبا حمزة ! لقيت قوماً يكذبون بالشفاعة، وبعذاب القبر، فقال: أولئك الكذابون، فلا تجادلوهم].

    وجود من يزعزع ثوابت الدين في هذا الزمان

    وقد صنف رجل كتاباً في (300) صفحة في إنكار عذاب القبر، وهذه الـ(300) صفحة كلها ضلال، وعذاب القبر ثابت، وهو من عقيدة الموحدين، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ومن أنكره أسأل الله تعالى أن يدخله في حفرة من حفر النار.

    وكذلك الشفاعة من أنكرها أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى؛ أن يحرمه منها يوم القيامة.

    ثم نسمع مثلاً خلاف العلماء، ورد الشيوخ بعضهم على بعض على المنابر وفي الدروس والمحاضرات.. على فرعية من الفرعيات، أذكر أن في سنة 1976م أو 1977م دارت حرب ضروس في الجمعية الشرعية على الذي كان تاركاً للصلاة ثم اهتدى؛ هل يقضي ما فاته أو لا يقضي؟ فقامت حرب ضروس استمرت ثلاثة أشهر، فهذا يرد على هذا وهذا يرد على هذا، ويأتون بأدلة من المحلى لـابن حزم، أو المغني، والمسألة هذه لو أثيرت لا أحد ينتبه إليها هذه الأيام؛ لأن الزعزعة أصبحت في الثوابت الكبيرة، كمسائل الإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج، حتى قال قائلهم: إن الحج ممكن أن يكون في أي يوم من أيام الأشهر الحرم.

    فأصبحت في الثوابت الكبيرة: في أصول الإيمان وأصول الإسلام، وليس الفرعيات الدقيقة التي اختلف فيها أهل العلم والخلاف فيها معتبر، فالقول بهذا ليس ضالاً، والقول بذاك ليس منحرفاً؛ لأنه مسبوق بكلام أهل العلم، فالزعزعة في هذا الوقت والشك والحيرة والتيه والضلال أصبح في الثوابت التي لم يكن أحد منذ عشرين سنة يجرؤ أن يتكلم فيها، وفي هذا الوقت تصنف فيها مجلدات كبيرة جداً.

    فتغطية الوجه إما أنها واجبة أو مستحبة، ولم يقل أحد بغير هذين الحكمين، فالذين قالوا بجواز الكشف هم الذين قالوا باستحباب التغطية، فالخلاف في الحكم وليس في العمل، إلى أن ظهر مسلم من المسلمين يفتي برأي فيقول: النقاب حرام وبدعة! ولا يوجد أحد قال بهذا من أهل العلم، ولا من أهل الجهل منذ أكثر من (1400) سنة، فهل الأمة أجمعت على الضلال؟ وهل القرون كلها ضالة؟ فهذا الكلام في منتهى النكارة والشذوذ.

    تابع تحذير السلف من أهل الأهواء

    [وعن ابن شوذب قال: قال لي عقيل بن طلحة -وكان لـطلحة صحبة- هل لقيت عمرو بن عبيد؟ وعمرو بن عبيد هو رأس الاعتزال، وقد كان معروفاً بالزهد، حتى إن الناس اغتروا به، والعوام دائماً لهم الظاهر، وأما أهل العلم فلهم نظرة أبعد من ذلك، فلما اشتهر عن عمرو بن عبيد الزهد وقع في حبائل فكره وانحرافه كثير من العامة.

    [فـعقيل بن طلحة سأل ابن شوذب: هل لقيت عمرو بن عبيد ؟ فقال: لا، قال: فلا تلقه؛ لست آمنه عليك، وكان عمرو بن عبيد يرى رأي الاعتزال].

    [وعن أبي إدريس الخولاني أنه رأى رجلاً يتكلم في القدر، فقام إليه فوطئ بطنه -يعني: وضع رجليه على بطنه- ثم قال: إن فلاناً لا يؤمن بالقدر فلا تجالسوه، فخرج الرجل من دمشق ماشياً إلى حمص]، يعني: هرب إلى بلد آخر ليبث فيها فتنة القدر.

    [وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا تجالس أصحاب القياس؛ فتحل حراماً أو تحرم حلالاً].

    والقياس المذموم الذي يذمه هنا الإمام الشعبي هو القياس على غير أصل، وأما القياس على الأصول العلمية التي قال بها أهل العلم فإن هذا هو القياس المعتبر والمحمود، وهو أصل من أصول الشريعة.

    [وقال الزبرقان : نهاني أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي أن أجالس أصحاب أرأيت أرأيت]، وهؤلاء يسمون: الآرئيين.

    [وعن ابن عون عن إبراهيم النخعي قال: لا تجالس بني فلان؛ فإنهم كذابون].

    أي: منحرفون، والغيبة هنا جائزة؛ لأنه من باب النصيحة في الدين.

    المرء على دين خليله وجليسه

    وعن الأعمش قال: كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه، ومدخله، وإلفه من الناس].

    يعني: إذا عرفوا عن الرجل مع من يمشي؟ ومع من يأكل؟ ومع من يخرج؟ ومن هم أصحابه وأصدقاؤه؟ إذا كان يمشي، ويصادق ويصاحب أصحاب الاستقامة، وأصحاب السنة؛ فإنه لا يسأل عنه؛ لأن المعلوم يقيناً أنه من أصحاب السنة.

    [وكان الأوزاعي يقول: من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته]، يعني: أن الذي يحاول من أصحاب البدع أنه يخفي بدعته فإنه أصحابه هم الذين يخبروننا عنه.

    [وقال يحي بن سعيد القطان : لما قدم سفيان الثوري البصرة جعل ينظر إلى أمر الربيع بن صبيحالربيع بن صبيح كان قد رمي بشيء من الإرجاء أو القدر، فجعل سفيان ينظر في الأمر الربيع وقدره عند الناس- فسأل: أي شيء مذهبه؟ قالوا: مذهبه إلى السنة، قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر، قال: هو قدري].

    أي: لما كانت صحبته وألفته مع أصحاب القدر فإنه قدري وإن زعم أنه سني.

    قال: [رحمة الله على سفيان الثوري؛ لقد نطق بالحكمة فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان، ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118].

    وقال الأصمعي : سمعت بعض الفقهاء يقول: إذا تلاحمت بالقلوب النسبة؛ تواصلت بالأبدان الصحبة].

    قال الشيخ: [وبهذا جاءت السنة] أي: كما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).

    وقوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة : (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).

    [وعن ثابت أن ابن مسعود قال: لو أن الناس جمعوا في صعيد واحد كلهم مؤمنون وفيهم كافران، تآلف أحدهما إلى صاحبه، ولو أن الناس كلهم اجتمعوا في صعيد واحد كلهم كفار وفيهم مؤمنان؛ تألف أحدهما إلى صاحبه].

    لأنها أرواح تطير وتهفوا فيقع بعضها على بعض، ولذلك فإن أصحاب المعاصي يحبون أن يمشوا لمع بعضهم، وأصحاب الطاعة يحبون أن يمشوا مع بعضهم، وكلنا نحب أن يكون أبناؤنا من أهل الطاعات، ويصادقون أصحاب الطاعات، فصاحب المعصية لو مشي مع خليله أعانه على المعصية، ولو يمشي مع مؤمن طائع ففي كل حين يسمع منه: هذا حرام، حلال، توجيه، تقريع، نصح، مراقبة.

    إذاً: فصديقك الحق هو من صدقك لا من صدّقك، فعندما تعمل عملاً غلطاً يذكرك، وعندما تنسى الله يذكرك، وإذا ذكّرته قبل منك، وهذه هي الصحبة التي ينبغي على كل منا أن يعض عليها بالنواجذ لنفسه ولإخوانه.

    [وعن ابن مسعود قال: الأرواح جنود مجندة، تلتقي تتشاءم كما تتشاءم الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف, ولو أن مؤمناً دخل مسجداً فيه مائة ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل مسجداً فيه مائة ليس فيهم إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه].

    قال الشيخ: [هكذا قالت شعراء الجاهلية، كما قال طرفة :

    تعارف أرواح الرجال إذا التقوا فمنهم عدو يتقى وخليل

    وقال الفضيل بن عياض : الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالي ويصادق صاحب بدعة إلا من النفاق]، أي: إلا على جهة النفاق.

    عدم التساوي بين مجالسة أهل الباطل وبين مجالسة أهل الحق

    قال: [وقيل للأوزاعي: إن رجلاً يقول: أنا أجالس أهل السنة وأجالس أهل البدع، فقال الأوزاعي : هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل.

    أقول: صدق الأوزاعي إن هذا رجل لا يعرف الحق من الباطل، ولا الكفر من الإيمان، وفي مثل هذا نزل القرآن، وورد في السنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:14] أي: نحن معكم، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:14]، فهم مع هؤلاء ومع هؤلاء، لكنهم في حقيقة الأمر كما وصفهم الله: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143].

    وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المنافق في أمتي كمثل الشاة العايرة)].

    والعايرة: هي الساقطة بين الغنمين تصير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع، فهذه غنمة شردت وضلت من صاحبها، فصارت بين غنمين، هذه غنم لشخص وهذه غنم لشخص آخر، فهي تسير بينهما، فمرة تمشي مع هذه، ومرة مع تلك، لكنها متحيرة لا تدري أين يستقر بها المطاف.

    قال: [كثر هذا الضرب من الناس في زماننا هذا لا كثرهم الله، وسلمنا وإياكم من شر المنافقين، وكيد الباغين، ولا جعلنا وإياكم من اللاعبين بالدين، ولا من الذين استهوتهم الشياطين، فارتدوا ماكثين، وصاروا حائرين].

    ضرر السماع من أهل البدع ومجالستهم

    قال: [وعن ابن سيرين : أن رجلاً أتاه فسأله عن القدر، فقال ابن سيرين : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    فأعاد عليه الكلام، فوضع محمد يديه في أذنيه، قال: ليخرجن عني، أو لأخرجن عنه.

    قال: فخرج الرجل، فقال محمد : إن قلبي ليس بيدي، وإني لا آمن من أن يبعث في قلبي شيئاً لا أقدر أن أخرجه منه، وكان أحب إلي ألا أسمع كلامه أصلاً].

    ولهذا يحذر أهل العلم من مجالسة أهل الأهواء والبدع.

    [وعن ابن النضر الحارثي قال: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إليها].

    فالذي عصمك من الكفر ابتداء وجعلك مسلماً هو الله، والذي عصمك في الإسلام لطريق السنة هو الله عز وجل، فلا تختر لنفسك أن تذهب بقدميك إلى أصحاب الأهواء والبدع يلعبون بعقلك وقلبك، فإن فعلت فاعلم أن الله تعالى يتخلى عنك، ويكلك إلى نفسك، فاحفظها أو ضيعها.

    [وقال يوسف بن أسباط: ما أبالي سألت صاحب بدعة عن ديني أو زنيت].

    يعني: أن سؤال أهل البدع عن شيء في الدين هو والزنا سواء، فسؤال أهل البدع معصية وكبيرة من الكبائر، كما أن الزنا كبيرة من الكبائر.

    وأنا أزيد كلاماً فوق هذا الكلام وأقول: إن مساءلة أهل البدع ومصاحبتهم أشد من الزنا؛ لأن الواقع في هذه البدعة أو في هذا الهوى يعتقد أنه على السنة، وأنه على الحق، ولذلك لا يرجع عنه إلا من وفقه الله، بخلاف أصحاب المعاصي فإن الواحد يزني ويعلم أنه زنا، وأنه يحتاج إلى توبة، كما أن السرقة كبيرة، ورتب الشرع عليها حداً، فالسارق يعلم أنه سارق، ويعلم أنه عاص، ويعلم أنه بارتكابه الكبيرة فاسق قد فقد جزءاً كبيراً من الإيمان، لكن صاحب البدعة يتقرب بزعمه إلى الله عز وجل بهذه البدعة.

    ولذلك يقولون: إن البدعة بريد الكفر، أي: البدعة تؤدي إلى الكفر، وصاحب البدعة أحب عند إبليس من ألف من أصحاب المعاصي؛ لأنه يعرف أن أحدهم من الممكن أن يتوب، وأما صاحب البدعة فأنى له التوبة!

    [وقال مسلم بن يسار : لا تمكن صاحب بدعة من سمعك فيصب فيها ما لا تقدر أن تخرجه من قلبك.

    وقال الفضيل : صاحب بدعة لا تأمنه على دينك، ولا تشاوره في أمرك، ولا تجلس إليه، ومن جلس إلى صاحب بدعة أورثه الله العمى] يعني: في قلبه.

    [وقال الفضيل : إن لله ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكن مجلسك، لا يكن مع صاحب بدعة، فإن الله لا ينظر إليه، وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة.

    وقال: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة.

    وقال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قبله.

    وقال: لا تجلس مع صاحب بدعة؛ فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة.

    وقال ابن سيرين : لو أني أعلم أن أحدكم يقوم من عندهم كما جلس لم أبالِ.

    وقال ابن عون : لا يمكن أحد منكم أذنيه من هوى أبداً.

    وقال الثوري : ما من ضلالة إلا ولها زينة؛ فلا تعرض دينك إلى من يبغضه إليك].

    فصاحب البدعة لا بد أنه يحسن لك وجهه القبيح، ولو قال: إنه قبيح؛ لم تقبل منه قبحاً، لا لأنه أثر على نفسه، وأثر على معتقده الزائف الضال، فهو يدخل عليك ببدعته مزينة ومزخرفة ومزركشة، وملونة بألوان جذابة، مرة بآيات من كتاب الله عز وجل على غير فهم سلف الأمة، ومرة بأحاديث لا يأخذونها بفهم السلف، فإذا كان للسلف فهم لآيات الله، ولأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلا يحل لأحد أتى بعدهم أن يخالفهم فيما فهموه؛ لأنهم أصحاب اللغة، والبيان والفصاحة، وهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن الكريم، وهم أفقه الناس وأعلم الناس بكلام الله، وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فإذا كانت المسألة مسألة عقول وأفهام؛ فلا شك أن أفهام السلف خير من أفهام وعقول من أتى بعدهم، فلابد أن تعلم أن فهم السلف لنصوص الوحيين عصمة لك حتى تلقى الله عز وجل، فلا تحد عنه قط، والسلف عند الإطلاق هم أصحاب القرون الخيرية، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام بعد ذلك يشهدون ولا يستشهدون) إلى آخر الحديث، يعني: يتكلمون بغير علم.

    [قال محمد بن الخضر الحارثي : إن أصحاب الأهواء قد أخذوا في تأسيس الضلالة، وطمس الهدى، فاحذروهم.

    وقال المغيرة عن ابن السائب : قوموا بنا إلى المرجئة نسمع كلامهم.

    قال المغيرة : فما رجعت حتى علق] أي: تعلق في قلبه شيء من كلام المرجئة، وكان ينبغي ألا يذهب وألا يسمع كلامهم.

    [وقال الفضيل بن عياض : من تواضع لله رفعه، ومن كان مجلسه مع المساكين نفعه، وإياك أن تجلس مع من يفسد لك قلبك، ولا تجلس مع صاحب هوى؛ فإني أخاف عليك مقت الله.

    وقال إسماعيل الطوسي : قال لي ابن المبارك : يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجلس مع صاحب بدعة].

    المساكين وليس الفقراء، وهم أصحاب الإخبات والذل والانكسار للعزيز الغفار تبارك وتعالى، وهم الذين انقادت قلوبهم لله عز وجل، وانطلقت جوارحهم بالعمل في طاعة الله عز وجل في ذل وتواضع وخشوع لله، الذين قال النبي عليه الصلاة والسلام فيهم: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) والحديث صحيح.

    قال الفريابي : كان سفيان الثوري ينهانا عن مجالسة فلان، يعني: رجلاً من أهل البدع.

    وقال الأوزاعي لما سئل عن القدرية: لا تجالسوهم.

    وقال مقاتل بن محمد : قال لي عبد الرحمن بن مهدي : يا أبا الحسن ! لا تجالس هؤلاء أصحاب البدع، إن هؤلاء يفتون فيما تعجز عنه الملائكة].

    يعني: دائماً تجد صاحب البدعة متنطعاً، فيسأل عن المعضلات التي لو سئل عنها جبريل عليه السلام لقال فيها الله أعلم، هكذا دائماً أصحاب البدع وأصحاب الضلال ينشغلون عن الواجب، وما فرض عليهم بما ليس واجباً ولا مفروضاً عليهم، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود : (ألا هلك المتنطعون، إلا هلك المتنطعون، إلا هلك المتنطعون) فقد أخبر بالهلاك لكل متنطع مغال متشدق متحذلق في دين الله عز وجل، فقد كلف نفسه فوق ما كلفه الله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

    [وقال خالد بن دينار : قلت لـمحمد بن سيرين : إني رأيت في المنام مصاباً يعدو في أثري -أي: يسرع الخطى ويجري خلفي- وأنا هارب منه، فأدركني فشق قميصي، قال: بئس الرؤيا وأخبثها، شق القميص هذا صاحب هوى يدعوك إلى بدعته يريدك على أن تتبعه، ثم قال: أما إنه جنون بل هو شر من الجنون.

    وقال يحيى بن أبي كثير : قال سليمان بن دود عليه السلام: لا تحكموا على أحد بشيء حتى تنظروا من يخادن]. أي: من يصاحب. ثم ذكر بعد ذلك شعراً طويلاً في مثل هذا.

    [وقال ربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: صحبة من لا يخشى العار عار يوم القيامة].

    أي: أن تصاحب من لا يخشى أن يعيره الناس بما عليه من باطل، أو معصية؛ عار عليك يوم القيامة، بل أنت محاسب على صحبته يوم القيامة: لم صحبت فلاناً وأنت تعلم أنه صاحب عار لا يستحي مما هو عليه؟

    [وقال عون بن عبد الله : لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم؛ فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض].

    والنبي عليه الصلاة والسلام لما خرج على أصحابه في ليلة القدر، وهم يتماحلون ويتخاصمون في كتاب الله عز وجل، هذا يذهب مذهباً معيناً، وذاك يذهب مذهباً آخر، ولكل واحد منهم أدلته وشواهده.

    فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتخاصمون أو أتجادلون في آيات الله عز وجل وأنا بين أظهركم؟ والله! لقد كنت خرجت إليكم لأخبركم بليلة القدر، فلما تلاحيتم ذهبت عني)، أي: فلما تخاصمتم وتجادلتم ذهبت عني هذه الليلة، فلم أستطع تحديدها ولا أستطيع أن أخبركم بها؛ لأنها قد ذهبت، وهذا يدل على أن الخصومة في الدين ممحقة لبركة العلم الشرعي.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.