إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. علماء ودعاة
  3. محاضرات مفرغة
  4. حسن أبو الأشبال الزهيري
  5. شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
  6. شرح كتاب الإبانة - ذكر ما نطق به الكتاب بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة

شرح كتاب الإبانة - ذكر ما نطق به الكتاب بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث القرآن الكريم على لزوم الجماعة ونهى عن الفرقة والاختلاف، وحذرنا من سلوك سبيل الأمم السابقة في اختلافها وتفرقها، وأعلمنا الله سبحانه أنه ما اختلف الذين من قبلنا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم وحسداً.

    1.   

    باب ذكر ما نطق الكتاب نصاً بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر ما نطق به الكتاب نصاً في محكم التنزيل بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة].

    هذا باب جديد ذكر فيه الآيات التي أمرت بالتزام الجماعة، والآيات التي نهت عن التفرق وترك الجماعة.

    كما أنه أمر بذلك فيما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأمر بلزوم الجماعة وترك الفرقة، والأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين.

    قال: [أما بعد: فاعلموا يا إخواني وفقنا الله وإياكم للسداد والصواب، وعصمنا وإياكم من الشتات والانقلاب! أن الله عز وجل قد أعلمنا باختلاف الأمم الماضين، وأنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله عز وجل، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه والتعدي لحدوده.

    وأعلمنا تعالى أن الشيء الذي يكون سبباً في الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته، وكل ذلك وجميعه قد قصه الله عز وجل علينا، وأوعز فيه إلينا، وحذرنا منه أن نقع فيه، وخوفنا من ملابسته، ولقد رأينا ذلك في كثير من أهل عصرنا، وطوائف ممن يدعي أنه من أهل ملتنا. وسأتلو عليكم من نبأ ما قد أعلمناه مولانا الكريم، وما قد علمه إخواننا من أهل القرآن وأهل العلم وكتبة الحديث والسنن.

    وما يكون فيه إن شاء الله تعالى بصيرة لمن علمه ونسيه، ولمن غفله أو جهله، ويمتحن الله به من خالفه وجحده، بألا يجحده إلا الملحدون، ولا ينكره إلى الزائغون، قال الله عز وجل ...].

    يبدأ الآن في سرد الآيات التي تأمر بالائتلاف وتنهى عن الاختلاف والتفرق والتشرذم، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذه الجماعة المقصود بها: هي جماعة الإخوان، أو هي جماعة التكفير، أو الجماعات الإسلامية، أو جماعة الجهاد. كل هذا خبط عشواء، فإن إنزال هذه الأدلة على هذه الجماعات الكائنة القائمة على الساحة الآن أمر غير رشيد، ولم يفهمه أحد من السلف، ولا من المعاصرين من أهل العلم، ولم يقل بذلك إلا بعض أصحاب هذه الجماعات.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالجماعة)، فتظن أن هذه الجماعة هي جماعتك التي تتجه إليها، أو تسمعه صلى الله عليه وسلم يقول: (من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية).

    فتقول: لابد لي من جماعة أنضم إليها وأوافقها، وأسمع وأطيع لها، وإلا فميتتي ميتة جاهلية.

    والصواب أن هذه الآيات وهذه الأحاديث التي أمرت بلزوم جماعة المسلمين، تعني بالجماعة جماعة الإمام الأعظم، جماعة الخليفة الذي عينه المسلمون وعينه أهل الحل والعقد، هذا الخليفة وهذا الإمام الأعظم هو الذي يعين الولاة والأمراء والسلاطين، فهذا الخليفة هو الرجل الذي أمرنا بأن من أتى بعده ينازعه قاتلناه حتى قتلناه.

    وما يفعله كل جماعة من الجماعات القائمة تجاه هذه الآيات والأحاديث، أمر يدعو إلى الحيرة والشتات والفرقة، مع أن الأصل الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والدعوة إلى الائتلاف وترك الاختلاف، ولكنك لو أنزلت هذه الآيات والأحاديث على كل جماعة أو على جماعة بعينها من هذه الجماعات؛ فإن كل الجماعات الإسلامية بعيدة عن هذه الآيات والأحاديث؛ فأين الحق وأين الباطل إذاً؟

    ولذلك منتهى الكلام سيأتي معنا عند التعرض لذكر الأوامر والنواهي في سنة النبي عليه الصلاة والسلام بلزوم الجماعة وترك الاختلاف.

    قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة ...)

    [قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213]].

    هذه الآية من آيات سورة البقرة، وقد تكلم عنها الحافظ ابن كثير كلاماً رائعاً ممتعاً، وخير من يتكلم عن الاجتماع وترك الفرقة هو الحافظ ابن كثير ، كما يتكلم عنه كذلك ابن تيمية عليه رحمة الله.

    فيقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية نقلاً عن ابن عباس : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

    وأنتم تعلمون أن آدم هو أول نبي بعث، أما نوح فهو أول رسول بعث.

    يقول ابن عباس: كل أصحاب تلك القرون كانوا على الحق وعلى توحيد الله عز وجل الذي جاء به آدم حتى اختلفوا، فلما اختلفوا أرسل الله عز وجل الرسل مبشرين ومنذرين، فكان أول من أرسل نوحاً.

    ولـابن عباس قول ثان، وهو: أن الناس بين آدم ونوح كانوا على الضلال المبين وترك التوحيد، حتى أرسل الله عز وجل إليهم نوحاً ليدلهم على التوحيد.

    والرأي الأول أرجح.

    وقال قتادة في قول الله عز وجل: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة:213] قال: كانوا على الهدى جميعاً، أي: كانوا أمة واحدة على التوحيد والإيمان الصادق.

    ولهذا قال تعالى: وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة:213] -أي: مع المرسلين- لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213]، أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، أي أن الحسد هو السبب الذي جعل بعضهم يبغي على بعض، وما أتاهم الحسد إلا بعد أن قامت عليهم الحجج بإرسال المرسلين وإنزال الكتب عليهم؛ ولذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما: الحسد بين أهل العلم -وفي رواية قال: الغيرة بين العلماء- أشد منها بين السيوف في أغمادها.

    فإذا دب الحسد بين قوم لابد أن يبغي بعضهم على بعض؛ ولذلك ثبت في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد، لا أقول: إنها حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين).

    والراجح في هذا الحديث أنه حديث حسن.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة:213] قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون الأولون). أي: نحن آخر الأمم، ونحن أول الأمم بعثاً يوم القيامة ودخولاً الجنة.

    وإذا كنا في تعداد الرسل والأمم فنحن آخر أمة، أما من جهة البعث والحساب والجزاء ودخول الجنة فنحن أول الأمم. قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا -يعني: غير أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا- وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفتم فيه هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى) وهذا اليوم يوم الجمعة.

    ثم اختلفوا في يوم يتخذونه لأنفسهم؛ فاختلفوا اختلافاً عظيماً جداً، فاستقر رأيهم -أي: رأي اليهود- على اتخاذ السبت، واستقر رأي النصارى على اتخاذ الأحد، ولكن الله هو الذي تولى هداية هذه الأمة ليوم عظيم وهو يوم الجمعة؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (يوم الجمعة هو خير يوم طلعت عليه الشمس، فالناس لنا فيه تبع، غداً لليهود وبعد غد للنصارى).

    ثم يبين النبي عليه الصلاة والسلام فضائل هذا اليوم:

    أولاً: فيه صلاة الجمعة، وهي مجمع ومحشر لجميع المسلمين المكلفين.

    الأمر الثاني: فيه خلق آدم.

    الثالث: فيه مات آدم.

    الرابع: فيه تقوم القيامة، وغير ذلك من فضائل هذا اليوم التي عددها شيخ الإسلام ابن القيم، وكذلك الإمام السيوطي من بعده في رسالة مستقلة.

    وقال ابن وهب : عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه في قوله تعالى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة:213] قال: اختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة.

    واختلفت كذلك في القبلة، فاستقبلت النصارى واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. أي: للبيت الحرام.

    واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك؛ لقوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] أي: خاشعين واقفين.

    واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك.

    واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق في إبراهيم عليه السلام.

    واختلفوا كذلك في عيسى عليه السلام، فكذبت به اليهود؛ لأن بعض الناس يتصور أن اليهود يؤمنون بعيسى، وهذا تصور خاطئ، فإن بين اليهود والنصارى من العداء ما لا يعلمه إلا الله؛ بسبب أن اليهود كفرت بعيسى، بل هي التي حاربت عيسى بمجرد أن بعثه الله، والنصارى لا ينسون قط إيذاء اليهود لعيسى نبيهم، ولكنهم يتحدون على الأقل في الظاهر؛ لأنهم أيقنوا أن الخطر الأوحد الذي يواجههم هو الإسلام وأهله، فأرادوا أولاً أن يتخلصوا من هذا العدو المطبق بهم من كل جانب، فإذا تخلصوا منه زعموا أنهم سيواجهون بعضهم بعضاً.

    كل أمة سياسية تنضح بهذه الحقائق، ولكن هيهات هيهات أن يتخلصوا من هذا العدو الأوحد ومن الإسلام والمسلمين، فإن الله عز وجل أخبرنا عن لسان رسوله أن الحرب دائمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، اليهود والنصارى في جانب، والمسلمون في الجانب آخر، والحرب دائرة بين الفريقين، لا تنطفئ نارها حتى يقول الحجر والشجر: يا مسلم! خلفي يهودي تعال فاقتله.. خلفي كافر تعال فاقتله، وحتى ينزل عيسى عليه السلام من السماء فيحارب في صف أمة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أحد أفرادها، ويضع يده في يد المهدي المنتظر، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وهما شعار النصارى.

    والعجيب أن النصارى يعبدون الصليب، ولم يتخذوا لهم عيسى صنماً، أو نصباً أو تذكاراً، بل قصة الصليب عندهم أن اليهود صلبت عليه عيسى عليه السلام، فكيف تتخذ أمة ما أوذي عليه نبيها إلهاً يعبدونه من دون الله؟ الأولى بهم أن يطمسوا هذا العار إن صح وهو غير صحيح، وقد أعلمنا القرآن أنه رفع إلى الله عز وجل: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

    فهم يعتقدون أن عيسى صلب على هذا الصليب، فكيف يعبدون الصليب من بعده؟ فيقال لهم: الأولى أن تتبرءوا من كل شيء على هيئة الصليب، لأنه يذكركم بما نزل بنبيكم.

    أما الكلام في عيسى، فقد تكلمت فيه اليهود وقالوا في أمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً، وجعله الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك.

    قال الربيع بن أنس في قوله: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة:213] قال: أي: عند الاختلاف، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف.

    أي: أن هذه الأمة كانت على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، فأقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم؛ ولذلك أخرج البخاري (أن نوحاً يدعى يوم القيامة فيقال له: يا نوح! هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب! فتدعى أمته: هل بلغكم نوح؟ فيقولون: ما أتانا من بشير ولا نذير، فيقول الله تعالى لنوح: من يشهد معك؟ فيقول نوح: محمد وأمته، فتأتي هذه الأمة وتشهد لنوح بأنه قد بلغ وأدى ونصح) وهكذا مع كل نبي.

    فهذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس؛ لأنهم يشهدون لجميع الأنبياء، كما أنهم يشهدون على جميع الأمم السابقة بأن الله تعالى أرسل إليهم الرسل وأنزل معهم الكتب.

    قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض...)

    وقال الإمام ابن بطة: [وقال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]]. فالذي كلم الله هو موسى عليه السلام، ونبينا عليه الصلاة والسلام في ليلة المعراج أيضاً كلم ربه.

    قال: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]، وهذا يعرف بحديث المعراج، وأن الله تبارك وتعالى جعل في كل سماء من السموات السبع أنبياء معينين، وهذا يدل على مراتب الأنبياء، وأنهم كذلك درجات.

    قال: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:87]، أي: بجبريل عليه السلام، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ)، أي: الذين جاءوا من بعدهم (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: الحكمة والكتب السماوية، (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا)، يعني: بعد أن جاءتهم البينات اختلفوا، فقامت عليهم الحجج وانتشر فيهم العلم، فاختلفوا من بعد ذلك، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة:253]، أي: لو أراد ربك ألا يقتتلوا لفعل،وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253].

    قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام...)

    [وقال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران:19]]، ولابد أن تعلم أن كل نبي ورسول أرسله الله إنما أرسل بالإسلام؛ ولذلك الدين المشترك بين جميع الأنبياء والمرسلين هو الأمر بعبادة الله وحده وترك الشرك.

    فما من نبي أرسله الله ولا رسول إلا أمر أمته بأن يعبدوا الله مخلصين له الدين، وهذا هو أصل الإسلام الذي أرسل الله عز وجل به الأنبياء والمرسلين.

    قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم...)

    [وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159]].

    قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا أي: أحزاباً وجماعات وطوائف، فلست منهم يا محمد! في شيء، إن الله لن يحاسبك على تفرق اليهود، ولا على تفرق النصارى كما قال عليه الصلاة والسلام: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة).

    فهذه الأمة صارت فرقاً وشيعاً وأحزاباً، هل النبي عليه الصلاة والسلام سبب في ذلك؟ لا؛ لأنه قد حذر من الفرقة والاختلاف، وأمر بالاعتصام والائتلاف، ولكن هذه الأمة ركبت ما ركبه اليهود والنصارى والأمم السابقة من التفرق والتشرذم والاختلاف، فلما كان بهم شبه منهم وكان الأولون في النار؛ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من اتخذ الفرقة والتشيع والتشرذم في شريعته عليه الصلاة والسلام؛ أنهم سيجازون بدخول النار؛ ولذلك قال: (كلها في النار إلا واحدة).

    وفي صحيح البخاري : عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات وديننا واحد)، يعني: وإن اختلفت أمهاتنا فلا يختلف ديننا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19].

    فما من رسول إلا وقد أرسل بالإسلام، وإن اختلفت أمهاتهم، هذا أسود وذاك أبيض، هذا أحمر وهذا أصفر، هذا أعجمي وهذا عربي.. كلهم على اختلاف ألوانهم وأشكالهم، ومنازلهم ومراتبهم؛ إلا أنهم متفقون على وحدة الدين، وهي الأمر بعبادة الله تعالى وحده.

    فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام:159] أي: يا محمد! لا تخف ولا ترتجف، فهؤلاء لا يمتون إليك ولا تمت أنت إليهم إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ [الأنعام:159] أي: حسابهم على الله، فإنهم سيموتون ثم يبعثهم الله عز وجل، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159] من التفرق والشيع.

    قوله تعالى: (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق...)

    [وقال تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:93]].

    الله عز وجل أنزل بني إسرائيل أحسن منزل، وأرسل إليهم أنبياء كثيرين؛ قال: وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [يونس:93] أحل لهم الحلال وحرم عليهم الخبائث، (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ) أي لما أرسل الله تعالى إليهم الرسل، وأنزل معهم الكتب، وقامت عليهم الحجج العلمية والشرعية اختلفوا، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس:93].

    من هذه الآيات وغيرها تعلم أن من اختلف في دين الله عز وجل اختلاف شهوة فحسابه على الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    قوله تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعدما جاءهم العلم...)

    [وقال تعالى: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى:14].

    الله عز وجل يتوعد ويهدد أنه لولا كلمة سبقت منه أن يؤجل حسابهم ليوم القيامة لحاسبهم على ظهر هذه الدار، ولكن سبقت كلمة من ربك أن يتركهم، وألا يقضي بينهم ولا يحاسبهم إلا في يوم الحساب الأعظم، وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى:14].

    ولذلك إذا فسد الأب فحري وجدير بالابن أن يسير على منواله، وإذا صلح الأب فحري وجدير بالابن أن يسير على منواله؛ لكن لا يمنع أن يكون عكس ذلك، فأين كان ولد نوح ووالد إبراهيم عليهما السلام؟ وأين كانت امرأة فرعون وامرأة لوط؟

    فلا يلزم من هذا الأصل أن ينطبق، فالأصل أن يكون أبناء الصالحين صالحين: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، لكن لا يمنع أن تجد قصصاً في الواقع مخالفة لهذا؛ ولذلك قال تعالى: وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ [الشورى:14] أي: الذين أوتوا الكتاب من بعدهم ومن أصلابهم، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى:14]، يعني: ليسوا على يقين كامل بأن هذه الكتب من عند الله، فلما يعملوا بها؛ لما عندهم من شك وريب.

    [وقال تعالى: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:4-5]].

    [قال الشيخ: إخواني!

    فهذا نبأ قوم فضلهم الله وعلمهم وبصرهم ورفعهم، ومنع ذلك آخرين إصرارهم على البغي عليهم والحسد لهم إلى مخالفتهم وعداوتهم ومحاربتهم، فاستنكفوا أن يكونوا بأهل الحق تابعين، وبأهل العلم مقتدين، فصاروا أئمة مضلين، ورؤساء في الإلحاد متبوعين، رجوعاً عن الحق، وطلب الرئاسة، وحباً للاتباع والاعتقاد.

    والناس في زماننا هذا أسراب كالطير يتبع بعضهم بعضاً، لو ظهر لهم من يدعي النبوة مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء لاتبعوه، أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعاً وشيعاً].

    1.   

    ذكر الآيات التي تحذر من الفرقة والاختلاف وتأمر بلزوم الجماعة والائتلاف

    قال: [فقد ذكرت ما حضرني من الآيات التي عاب الله فيها المختلفين وذم بها الباغين، وأنا الآن أذكر لك الآيات من القرآن الكريم التي حذرنا فيها ربنا تبارك وتعالى من الفرقة والاختلاف، وأمرنا بلزوم الجماعة والائتلاف.

    نصيحة لإخواننا وشفقة على أهل مذهبنا].

    قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ...)

    [قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103]].

    اعتصموا: فعل أمر، وحبل الله هو دين الله المتمثل في الكتاب والسنة، وهذا الأمر موجه لكل المكلفين، وليس لطائفة دون أخرى، ولا جماعة دون الثانية، وإنما لكل من أسلم وصار مكلفاً عاقلاً يدرك الخطاب، فلابد أن يعتصم بحبل الله المتين.

    وقوله: وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] نهي يفيد التحريم.

    قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103] أي: كنتم أعداءً من قبل محمد عليه الصلاة والسلام فألف بين قلوبكم، وأنتم تعلمون أن الأوس والخزرج كانت بينهما حروب قبل بعثته عليه الصلاة والسلام، وهما قبيلتان عظيمتان لم يكن بالمدينة أعظم منهما، فقامت بينهما معارك بسبب ناقة من إحدى القبيلتين نزلت في أرض القبيلة الأخرى فأكلت منها، فتعاركوا واقتتلوا أربعين عاماً؛ ولذلك كان مجيئه عليه الصلاة والسلام رحمة لجميع الخلق: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] أي: عالم الإنس والجن.

    ولذلك حدث في إحدى الغزوات أن كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! يعني: هلموا واجتمعوا.

    وقال المهاجري: يا للمهاجرين! حتى اصطف الفريقان للقتال، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ومشى بين الصفين، وهو ينظر تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، ولم يتكلم إلا بكلمة واحدة قال: (دعوها فإنها منتنة).

    (دعوها) أي: هذه العصبية الجاهلية، فالتعصب للمهاجرين والتعصب للأنصار دعوة جاهلية، ورائحتها نتنة؛ ولذلك استحيا الفريقان وانصرف كل إلى مكانه.

    بسبب أكلة بعير تقوم الحرب أربعين عاماً، والله أعلم كم قتل فيها وكم سبي فيها، فما بالكم بكسعة رجل، فربما استأصلت شأفة المهاجرين والأنصار بسبب ذلك، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام تكلم بكلمة واحدة كانت هي البلسم الشافي لكلا الفريقين: (دعوها فإنها منتنة).

    ولذلك فإن التعصب لقومية معينة أو أرض معينة أو طائفة معينة.. كل هذا من نعرات الجاهلية، وخطره أنه يضعف الولاء لله عز وجل، ويضعف التعصب للكتاب والسنة.

    فأنت لو تعصبت لجماعة معينة من الجماعات القائمة على الساحة، فإن ولاءك لله عز وجل يحتاج إلى مراجعة، بل التعصب ينبغي أن يكون للحق دائماً، والحق لم نعرفه إلا بقال الله وقال الرسول وأجمع العلماء فقط.

    أما أن تتعصب لزعيم الطائفة أو شيخ المجموعة، أو أمير الجماعة.. أو غير ذلك، فاعلم أنك بمنأى عن كتاب الله وعن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فبعض الناس لو سب أميره فكأنه سب إلهه، يعني: يغضب لسب الأمير أعظم من غضبه لسب الله عز وجل، ولو كنت أنت في الشارع وكنت متعصباً لأمير ما، ووجدت الناس يسبون الدين فستقول: إن المجتمع كله فاسد، ولكن لو سمعت أنه يسب أميرك ويسب زعيمك لقاتلته قتالاً مستميتاً، ولا تكتفي بقولك: المجتمع كله فاسد، كما أنه لو سب أباك فإنك ستغضب له غضباً ربما لا تغضبه لو سمعت سب الإله بأذنيك، وهذا تعصب لأبيك أعظم من تعصبك لله عز وجل ومن غضبك وحميتك لله عز وجل، وهذا بلاء عظيم جداً.

    ولو استعرضنا بعض مواقف الصحابة رضي الله عنهم لعلمنا يقيناً أنهم أحبوا الله تعالى ورسوله أعظم من كل شيء، أعظم من الولد والوالد والمال والناس أجمعين، فقد كان الواحد من أصحابه عليه الصلاة والسلام يسمح لنفسه أن يقتل أباه المشرك، وكان الوالد يقتل ولده، والمرأة تقتل زوجها، والزوج يقتل امرأته.. كل هذا في سبيل الله عز وجل، والرجل يترك ماله كله، ويرحل من مكة دار الكفر في ذلك الوقت إلى المدينة، حتى يقر النبي عليه الصلاة والسلام له بالربح الوفير العظيم يقول: (ربح البيع.. ربح البيع.. ربح البيع) لماذا؟ لأن هذا الرجل اشترى نفسه من المشركين بماله، فهان عليه المال ولم يهن عليه شيء من دينه.

    فهؤلاء حقاً هم الذين تأهلوا أيما تأهل لأن يفتح الله تبارك وتعالى عليهم البلاد، وأن يفتح لهم قلوب العباد.

    ولذلك نجد أن الإسلام انتشر في عهدهم انتشاراً رائعاً في شرق الأرض وغربها رغم قلتهم، ونحن رغم كثرتنا إلا أننا غثاء كغثاء السيل، بسبب حبنا للدنيا وكراهيتنا للموت كما أخبر عليه الصلاة والسلام.

    قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103]. وهو الإسلام الذي دعا إلى الجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف، قال: إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103].

    قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ...)

    [ثم حذرنا من مواقعة ما أتاه من قبلنا من أهل الكتاب، مخافة أن يصيبنا ما أصابهم، فقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105]. فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا، ومن بعد البيان اختلفوا].

    فالواحد منا لابد أن يدرك أمراً بعقله، وهو أن الصحابة أحسن الناس بعد الأنبياء، وأحسن الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، لكن على أية حال فإن الصحابة هم أفضل خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين من جهة الفهم، ومن جهة العلم والإيمان والعمل.

    فهم أول من خوطبوا بخطاب الشرع، وكان بلغتهم، ففهموا خطاب الشارع، وما فاتهم من فهم سألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أمرهم على الجادة حتى ظهرت الفرق، فظهرت القدرية، وظهرت الشيعة، وظهرت الخوارج.. وهذه الطوائف الثلاث هي أولى الطوائف في الإسلام، واتخذت كل طائفة من هذه الطوائف أصولاً وقواعد، هذه الأصول والقواعد خالفت كتاب الله من ناحية، وخالفت سنة النبي عليه الصلاة والسلام من ناحية أخرى، والذي يفهمها سلف الأمة.

    فالأمر فيهم كما قال ابن مسعود : إما أنكم على ملة هي أهدى من ملة محمد عليه الصلاة والسلام، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.

    فهل يعقل أن ربنا تبارك وتعالى أخفى الاعتزال وهو حق على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأظهره لـواصل بن عطاء ؟

    إن واصل بن عطاء كان من تلاميذ الحسن البصري وانشق عنه في أوائل المائة الثانية، فهل يعقل أنه فهم فهماً أفضل من فهم الصحابة؟!

    لو بحثت شرقاً وغرباً لن تجد هذا القول الذي سمعناه.

    وفي هذا الزمان أناس يقولون: النقاب حرام، فأخذت أبحث في كتب أهل العلم الموثوق، وبحثت في كتب أهل البدع، حتى في كتب الشيعة والقدرية والخوارج والضلال والفساق والفلاسفة، فلم أجد أحداً منهم يقول: النقاب حرام، فمن أين أخذت هذا؟ كل ما فيها أن هذه المسألة هي محل خلاف على قولين اثنين لا ثالث لهما: إما أنه فرض واجب، وإما أنه سنة مستحبة.

    فعندما يأتي رجل بعد (1420) سنة مرت على هذه الأمة ويقول: النقاب حرام؛ فهذا قول ثالث لم يأت به أحد من أهل العلم، وإنه لجدير أن نذكر كلام ابن حزم : إذا اختلف السلف والأئمة على قولين فلا يحل لمن أتى بعدهما أن يأتي بقول ثالث؛ لأنه لو قلت: إنه من الممكن وجود القول الثالث، فإنك ستقول: إن السلف اختلفوا في مسألة على وجهين، ولم يكن الحق من وجهين، ودل على أنهما ضلا عن معرفة الحق.

    ولذلك قال: إذا اختلف السلف في مسألة على قولين فلا يحل لمن أتى بعدهم أن يأتي بقول ثالث، وإلا لكان ظالماً.

    حذرنا الله تعالى من اقتراف ما اقترفه أهل الكتاب من قبلنا فقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

    فلا تتشبهوا بهم حتى لا يصيبكم من العذاب العظيم ما أصابهم، فأخبرنا أنهم عن الحق رجعوا، ومن بعد البيان اختلفوا.

    قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ...)

    [وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]]؛ ولذلك (خط النبي عليه السلام خطاً في الأرض، ثم جعل عن يمينه خطوطاً، وعن يساره خطوطاً، ثم تلا قول الله عز وجل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام:153] -أي: هذا الخط المستقيم يشبه الصراط الذي أتيتكم به- أما هذه السبل التي عن جنبي الصراط فإنها سبل الشيطان، وعلى رأس كل واحدة منها شيطان يدعو إليها).

    قال: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] أي: التي على جنبي الطريق، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ [الأنعام:153] أي: فتبتعد بكم عن سبيل الله عز وجل، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]، أي:

    هذه وصية الله تبارك وتعالى لكم.

    قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ...)

    1.   

    إخبار الله أمة محمد بأنه خلق خلقاً للابتلاء والفرقة وتحذيره سبحانه من متابعتهم

    [وقد أعلمنا الله تعالى أنه قد خلق خلقاً للاختلاف والفرقة، وحذرنا أن نكون كهم لهم -أي: أن نتمثل بصفاتهم- واستثنى أهل رحمته لنواظب على المسألة أن يجعلنا منهم، فقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118-119].

    ثم حذر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتبع أهل الأهواء المختلفين وآراء المتقدمين، فقال عز وجل: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49] -أي: يا محمد! إذا أتاك الخصمان فاحكم بينهما بما أنزل الله- وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49].

    وقال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48].

    وقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:16-19].

    وقال عز وجل فيما ذم به المخالفين: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53].

    وعن ابن عباس في قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام:68].

    وفي قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7].

    وفي قوله: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153].

    وفي قوله: أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13].

    وفي قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا [الأنعام:159].

    وفي قوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا [آل عمران:105].

    وفي قوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:53].

    ونحو هذا في القرآن كثير، قال ابن عباس : أمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله عز وجل.

    وقال ابن المهاجر: سئل عيسى بن مريم عن الفرقة والاختلاف ما يوقعهما بين الناس؟ قال: البغي، والحسد، وما يلائمهما من المعصية، وما يريده الله تعالى بالعامة من النقمة].

    ثلاثة أشياء: بغي، حسد، معاص يكون من نتيجتها أن تنزل اللعنة والغضب من الله عز وجل فتأخذ العامة؛ لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر اليوم، ورضوا به غداً كما فعل بنو إسرائيل.

    هذه بعض الآيات الواردة في الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة والاختلاف، والأمر باعتقاد الحق المبين، والبينات التي جاء بها المرسلون، خاصة نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يأتي من يزعم أنه على حق وأنه متمسك بالإنجيل مثلاً، فكل الكتب السماوية السابقة محرفة ومبدلة ومغيرة إن وجدت، وهذا ما تم إلا بفضل الله عز وجل، حتى لا يبقى كتاب صحيح ولا شرع ولا وحي نزل من السماء محفوظ بحفظ الله إلا القرآن الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو السراج الذي يضيء للناس حياتهم الشرعية والدنيوية، فبه إنارة الكون، وبه إنارة القلوب بنور الوحي ونور الإيمان المؤدي إلى جنة الله عز وجل.

    1.   

    الأسئلة

    بيان معنى الفرقة ومدى إطلاقها على كل جماعة في الساحة

    السؤال: ما معنى الفرقة؟ وهل يطلق على كل جماعة على الساحة اسم الفرقة، وما هي ضوابط ذلك؟

    الجواب: هذه الجماعات التي على الساحة ليست بفرق، وإنما هي تكتلات وجماعات وطوائف لا علاقة لها بهذه الفرق التي توعدها النبي عليه الصلاة والسلام بالنار، وإنما تختلف عنها اختلافاً كلياً وجزئياً؛ لأن كل فرقة من الفرق التي بين النبي عليه الصلاة والسلام أنها في النار لها قواعد وأصول تخالف قواعد وأصول أهل السنة والجماعة، بل تضادها.

    فليست هذه الجماعات الدعوية التي على الساحة الآن من الفرق، إلا بالنظر إلى كل شخص على حدة في داخل هذه الجماعات.

    إن هذه الجماعات ما هي إلا جماعات دعوية، وليست فرقاً لها معتقدات وأصول، وهذه الجماعات لم تكن موجودة إلا بسبب الظروف السياسية التي تمر بها بلدان الإسلام شرقاً وغرباً، فتقوم في كل بلد جماعة تنظر من منظور معين فترى أن الإصلاح لابد أن يكون من القمة.

    إذاً: فهي نظرة إصلاحية لا نظرة اعتقادية، ومنها من ترى إصلاح القاعدة وبإصلاحها تنطلق الهمم، ومنهم من يرى أخذ الظالم أخذاً شديداً وكف الظالم عن ظلمه، ومنهم من يرى أن سبيل النجاة هو بطلب العلم، وهذا أرجح المناهج، بل أصح المناهج اتباعاً لأهل السنة، إذا لم يكن في مقدورنا في وقت من الأوقات تغيير المنكر باليد فلا بد من تغييره بالعلم والدعوة إلى الله عز وجل، وأنتم تعلمون مكانة العلم ومنزلة العلم، وأن أمة بغير علماء، ودعوة بغير علماء، ليست في حقيقتها دعوة سديدة صحيحة، ولذلك فالدعوة السلفية الآن بإمكانك أن تعد لها عشرات بل مئات العلماء، وأنهم يأخذون بنواصي الشباب إلى الله عز وجل عن طريق طلب العلم، ما أمكنهم إلى ذلك سبيلاً.

    أما من يرى رؤيا غير ذلك فلا بد أن يراجع هذا الكلام، خاصة والواقع يثبت فشل جميع المناهج إلا طلب العلم.

    تصور لو أن هؤلاء الناس في كل الأرض شرقاً وغرباً قالوا: يا ناس! يا علماء! تفضلوا من باب: (الجمل بما حمل) اعملوا، فإنك تحتاج إلى آلاف العلماء في حين أنه ليس عندك عالم واحد، وفي كل أمر من الأمور تحتاج إلى رجل من أهل العلم، وفي كل مسجد تحتاج إلى رجل من أهل العلم.

    إن وزارة الأوقاف في مصر ضمت (65000) مسجد، فتجد معظم المؤذنين لا يحسنون الأذان والإقامة، وأنا أذكر مرات ومرات أن واحداً لو أقام الصلاة أو أذن على غير ما تقتضيه اللغة والشرع أمر الشيخ محمد بن شقرة -وهو شيخي وأستاذي- بإعادة الأذان وإعادة الإقامة؛ لأنه يعتبر أن هذا الأذان كأن لم يكن وقع فهو باطل، وهذه الإقامة وقعت باطلة، ثم لما كلمناه في ذلك في موطن عمله وهي وزارة الأوقاف قال: هؤلاء أكثر من ثلاثة وثلاثين شخصاً من بلاد العرب تقدموا للأذان في المساجد لم يفلح واحد منهم، وكان الشيخ يطلب من كل واحد أن يؤذن؛ فما ارتضى منهم إلا واحداً فقط وقال: هذا الأذان صحيح، والباقون جميعاً يلحنون لحناً جلياً في الأذان.

    فتصور أننا نحتاج للأذان في كل مسجد لواحد تقبل يديه حتى يؤذن أذاناً صحيحاً، هذا في المؤذن ناهيك عن الصلاة، فمن الأئمة من يصلي بالناس وليس له طعم ولا رائحة، ولا يعرف أن يتكلم حتى كلاماً عادياً، أول ما يدخل الصلاة يقول: الله وأكبر بصوت عال! فكيف أصلي خلفه؟ فلحنه جلي وتبطل به الصلاة، والقرآن كذلك يلحن فيه، فهو ينتقل من لحن إلى آخر.

    إمام في قرية من القرى تقدم ليصلي بالناس المغرب، فصمت ثم ركع، فالناس قالوا له: لماذا لم تقرأ؟ فالتفت وقال: نسيت، ثم قال: الله أكبر، ثم انتقل ليقرأ الفاتحة وما أدراك ما الفاتحة! قال: بسم الله الرحمن الرحيم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) حتى أتم الحديث ثم ركع.

    فبعد أن سلم من الصلاة، قلت: الله أكبر الله أكبر وأقمت الصلاة مرة أخرى، فقالوا: ما هذا يا شيخ؟! قلت: أصلاً أنا أتيت من مصر وأحب أن أصلي الفرض مرتين. وبعد أن انتهيت من الصلاة بهم مرة أخرى قلت لهم: أنتم تعلمون أن قراءته ليست هي فاتحة الكتاب وليس من أصل القرآن، وإنما قرأ حديثاً.

    وتصور أن مسجداً مثل هذا ليس فيه إمام ولا مؤذن ولا فراش، فبعض الناس يستهين بالعلم.

    فالشاهد يا أخي الكريم! من السؤال: أن هذه الجماعات الدعوية التي على الساحة ما هي إلا جماعات نظرت نظرة إصلاحية للمجتمع والنهوض بالمسلمين إلى الإسلام الحق، وكل واقف على ثغرة اجتهد من وجهة نظره.

    وقد بلغني أن أحد الدعاة قال: إن الجمعية الشرعية وجماعة التبليغ فرقتان فقلت: عجباً أن يتفوه رجل من عامة الناس بهذا الكلام، فضلاً أن يصدر هذا الكلام من رجل ينسب نفسه إلى العلم، أن تكون الجمعية الشرعية التي قامت منذ أكثر من خمسين عاماً تدعو إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلى إقامة السنن ونبذ البدع ومحاربة الشرك فرقة، وكذلك جماعة التبليغ، فكيف تكون هذه فرقاً؟ أمر عجيب جداً!

    نعم. عندهم أخطاء وعندهم سلبيات، لكن هل هذه السلبيات تجعلها فرقة من الفرق التي توعدها النبي صلى الله عليه وسلم بالنار؟ لا يمكن، وإني أبرأ إلى الله عز وجل من هذا القول، وهذا قول فاجر ينبغي أن يتوب منه صاحبه إلى الله عز وجل، وإلا فهو معروض ومحاسب.

    حكم الانتساب إلى الجماعات الإسلامية المعاصرة

    السؤال: هل الجماعات الموجودة على الساحة الآن تنزل تحت الحديث: (كلها في النار إلا واحدة)؟ وهل يأثم الذي ينضم إلى هذه الجماعات؟

    الجواب: أما نزولها تحت الفرق فلا، ولكني أنصح دائماً بالتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.

    وأما إن كنت منخرطاً في إحدى هذه الجماعات، فإن الإيمان لابد أنه في قلبك ضعيف، فإن كان إيمانك قوياً فاحرص على اتباع الحق، سواء أتى هذا الحق من جماعتك أو من غيرها.

    إننا كلنا نعيش حياة الواقع الإسلامي بين المسلمين، والعداوة الواقعة بين الجماعات الإسلامية يا إخواني أمر مذموم، ومن العدل والإنصاف أنه لو كان الحق في رأيهم، وقد صح عن الله وعن رسوله، فلو قال به حتى اليهود لأخذت به؛ لأنه حق، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.

    يا إخواني؛ لما كنا في السبعينات منخرطين في إحدى الجماعات لم نكن نقبل من أحد شيئاً وإن كان صحيحاً.

    يعني: بلغ بنا الأمر في بغض الأزهر أننا كنا نرد عليه أي قول يقوله، وإن كان عليه دليل!

    وهذا في الحقيقة غلو، فالحق لو أتاني من طريق يهودي أشكره عليه، ولذلك أنتم تعرفون عبد الله بن سلام قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هي ثلاثة أشياء أسألك فيها، فإن أجبت فأنت نبي، وإن لم تجب فأنت كذاب.

    قال: ما أول طعام أهل الجنة؟ وما هي أول أشراط الساعة؟ وكيف ينزع الولد؟

    وهذه الأسئلة الثلاثة حق، ولذلك فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل له: أنت يهودي فلا يمكن أن أجيبك! بل أجابه وقال: (أول علامات الساعة نار تحشر الناس في المشرق أو إلى المشرق، وأول طعام أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إليه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إليها).

    فعرف أن هذه الإجابات لا يجيب عليها إلا نبي؛ لأنه عرف ذلك من واقع كتب أهل الكتاب السابقة، ولذلك آمن فوراً، وانتفع بالنبي عليه الصلاة والسلام وبدينه.

    وأنا دائماً أريد أن أقول: إن التعصب للجماعات يضعف الولاء.

    والحمد لله أن السلفية ليست جماعة، وفي الأصل لا يمكن أن تكون السلفية جماعة، لأن جذورها وأصولها تمتد إلى زمن الصحابة، بل الصحابة هم أصل السلفية، وأصل الالتزام بالكتاب والسنة، وهم أصل الفهم للغة.

    فلا يصح أن أقول: إن السلفية جماعة، ولذلك من زعم أن السلفية جماعة فزعمه هذا باطل يجب أن نرد عليه.

    وكل جماعة يلزم لها أمير، والأمير يلزمه الأمر، والأمر يلزمه سمع وطاعة، فإن تنكرت للسمع والطاعة استلزم ذلك التأثيم، وكل هذه المؤهلات لا تصلح إلا مع الخليفة، أو مع من يعينه الخليفة، وأين هذا الخليفة؟ هل أحد منا يستطيع أن يظل في بيته آمناً إلى صلاة الفجر؟ وهل هناك أحد منا ينام في سريره أو في مخدعه يأمن على نفسه حتى طلوع الشمس؟

    حكم ختان الإناث في الإسلام

    السؤال: ما هو حكم الختان في الإسلام؟

    الجواب: حكم هذا قد أتى به النبي عليه الصلاة والسلام ودعا إليه، والحديث في الصحيحين وغيرهما، والذي يقوم بهذا العمل امرأة حاذقة طبيبة ماهرة، تأخذ القدر الزائد حتى لا تصاب البنت بشهوة زائدة، ولا تنهك العضو كاملاً حتى لا تصاب المختونة ببرود جنسي، كما في قوله عليه الصلاة والسلام لـأم عطية : (أشمي ولا تنهكي) يعني: خذي الجزء الزائد ولا تأخذي العضو كله.

    ففي هذا الوقت احذر أن تسلم بدنك لواحد لا يفهم شيئاً أبداً.

    وكذلك في مسألة الحجامة، فإن بدنك كله شرايين وعروق ودماء وغير ذلك، فقد يكون هناك شخص غشيم جاهل لا يعرف الحجامة يعبث في بدن الإنسان فيقتله.

    فتجد أتباع الملاحدة الخارجيين في مصر هنا يتكلمون في المجلات والجرائد والصحف. يقولون: هذا هو التشدد، وهذا ليس صحياً: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة:5] نحن الذين جعلنا أنفسنا فتنة لهم، فهم ينتظرون أي ثغر يدخلون من خلاله للطعن في الإسلام.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002079710

    عدد مرات الحفظ

    718468052