إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - حكم مرتكب الكبيرةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رغبت الشريعة الإسلامية في التوبة من الذنوب، والعودة إلى الله عز وجل، بل جعلت التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأخبرت أن من مات مصراً على معصيته فهو تحت مشيئة الله عز وجل، وخالف بعض أهل البدع في حكم الكبائر، فمنهم من حكم بكفر مرتكبها، ومنهم من فسقه، ومنهم من حكم له بالخلود في النار.

    1.   

    سياق ما روي فيمن تاب من الكبائر

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن المسلمين لا تضرهم الذنوب التي هي الكبائر إذا ماتوا عن توبة من غير إصرار، ولا يوجب التكفير، وإن ماتوا عن غير توبة فأمرهم إلى الله تعالى، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم].

    هذا الباب متعلق بحكم مرتكب الكبيرة، وأن من وقع في كبيرة إن تاب منها تاب الله عز وجل عليه قولاً واحداً، وإن أقيم عليه الحد فالحد كفارته، وإن مات من غير توبة فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذا مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة.

    وأما المعتزلة فقالوا: مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً ولا كافراً في الدنيا، وأما في الآخرة فهو مخلد في النار أبد الآبدين. والمعلوم قطعاً عند أهل السنة أنه لا يخلد في النار إلا الكفار، والمعتزلة لم يجعلوه مؤمناً ولا كافراً، ثم جعلوه من المخلدين في النار.

    وأما الخوارج فقالوا: مرتكب الكبيرة كافر خارج عن الملة مخلد في النار إلا من تاب.

    ونصوص القرآن والسنة شاهدة على بطلان قول الخوارج وقول المعتزلة في آن واحد، ولا يسلم لنا إلا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو أن مرتكب الكبيرة إن أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ولا يطالبه الله عز وجل يوم القيامة، ولا يسأله عن هذا الذنب أبداً؛ لأنه تطهر منه في الدنيا بقيام الحد عليه، وإن تاب فيما بينه وبين الله عز وجل تاب الله عز وجل عليه، وأما إن بلغ أمره إلى السلطان فيجب على السلطان أن يقيم عليه الحد حتى وإن تاب، وليس للسلطان العفو عن صاحب الكبيرة إذا قال: لقد تبت إلى الله عز وجل؛ لأن السلطان حر فيما يتعلق بما هو دون الكبيرة، وأما الكبائر فلا بد من إقامة الحد على المذنب إذا بلغ الأمر إلى السلطان، وإذا مات صاحب الكبيرة وهو مصر عليها غير مستحل لها فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

    موقف الصحابة والتابعين من أهل الكبائر من المسلمين

    قال: [قال أبو سفيان : قلت لـجابر : كنتم تقولون لأهل القبلة: إنكم كفار؟ قال: لا.

    وعن سليمان اليشكري : أكنتم تعدون الذنب شركاً -أي: مخرجاً عن الملة- قال: لا.

    وعن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود : أنهم كانوا يرجون لأهل الكبائر -أي: يرجون الله تعالى أن يغفر لأهل الكبائر-. وصلى علي رضي الله عنه على قتلى معاوية .

    وعن أبي أمامة قال: شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح -أي: لا يجهزون عليه إذا أدركوه جريحاً ولا يقتلونه، وإنما يعفون عنه- ولا يطلبون مولياً -أي: الذي يهرب منهم لا يطلبونه، ولا يعدون خلفه لقتله- ولا يسلبون قتيلاً]؛ لأنه لا يُسلب إلا كافر، والسلب هو: أخذ متاع الفارس أو المقاتل، مثل أخذ فرسه وماله وطعامه وشرابه، وكل هذا لا يحل إلا في قتال الكافرين، ولما لم يفعل علي رضي الله عنه شيئاً من ذلك دل ذلك على أن مقاتليه لم يكونوا عنده كفاراً، ولذلك حينما سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج: أهم كفار؟ قال: بل هم من الكفر فروا، قيل: إذاً فمن هم؟ قال: هم إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم، فما سماهم أكثر من بغاة، والباغي لا يزال الإسلام ثابتاً له.

    قال: [وعن أبي الجوزاء قال: ليس فيما طلبت من العلم ورحلت فيه إلى العلماء وسألت عنه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسمعت الله عز وجل يقول لذنب: لا أغفر].

    وكأنه يقول: ما سمعت أحداً قط ينقل عن الله ولا عن رسوله أن صاحب الذنب لا يغفر له، بل صاحب الذنب يغفر له إذا تاب من ذنبه.

    قال: [وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه سئل عن أصحاب الجمل؟ فقال: مؤمنون وليسوا بكفار.

    وعن ابن سيرين قال: لا نعلم أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم من التابعين تركوا الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثماً]. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يصلون خلف كل بر وفاجر، وعلى كل بر وفاجر، ما لم يكفر وما لم يشرك، وأما الكافر فإنه إن مات على كفره فإنه لا يصلى عليه؛ لأنه ليس أهلاً للصلاة عليه.

    وهنا ينقل ابن سيرين عن جميع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وعمن أدركه من التابعين أنه لم يترك أحد منهم الصلاة على فاجر تأثماً، أي: مخافة الوقوع في الإثم؛ لأنه لا يزال من أهل القبلة.

    قال: [وعن النخعي قال: لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة]، أي: لم يكونوا يمنعوا الصلاة على أحد من أهل القبلة.

    ومعلوم أنه عند إطلاق مصطلح أهل القبلة يدل على أنهم ليسوا على السنة ولا يعني أنهم كفار، فليس معنى أن الأشاعرة مثلاً أو الماتريدية أو المعتزلة أو المرجئة ليسوا من أهل السنة أنهم كفار، ولكن العلماء يفرقون بين قول: ليسوا من أهل السنة، وقول ليسوا من أهل القبلة، فإذا لم يكونوا من أهل القبلة فهذا يعني أنهم كفار، وأما كونهم ليسوا من أهل السنة فهذا يعني: أنهم من أهل القبلة.

    الصلاة على من مات من أهل الكبائر من المسلمين

    قال: [وعن عطاء قال: صل على من صلى إلى قبلتك.

    وعن الحسن قال: إذا قال: لا إله إلا الله صل عليه.

    وعن ربيعة الرأي قال: إذا عرف الله فالصلاة عليه حق]، أي: إذا كان موحداً فالصلاة عليه حق واجب له.

    قال: [وعن مالك قال: إن أفضل ذلك وأعدله عندي إذا قال: لا إله إلا الله ثم هلك -أي: ثم مات- أن يغسل وأن يصلى عليه.

    وعن أبي إسحاق الفزاري قال: سألت الأوزاعي والثوري : هل تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل أي عمل؟ قال: لا.

    وعن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد مثله].

    والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قُرب إليه أحد أصحابه ليصلي عليه قال: (أعليه دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: هل ترك ما يؤدي عنه؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم). وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ليست كصلاة غيره، والله تعالى قال: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103]، أي: ادع لهم، وصلاة الجنازة دعاء، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]. فصلاته مخصوصة بهذا، والرجاء معقود في أن تكون صلاة الشفعاء جميعاً رحمة وسكينة للميت، وهذا مقطوع به في حق النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من أئمة الإسلام.

    والنبي عليه الصلاة والسلام ما ترك الصلاة على هذا الرجل تكفيراً له، أو إخراجاً له عن الملة، أو لأنه ليس من أهل القبلة، والدليل على ذلك قوله لهم: (صلوا على صاحبكم). ولو كان كافراً بهذا الذنب لما أمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصلوا عليه.

    والذي دفع النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك هو أنه مشرع، وقوله دين يُتعبد به إلى قيام الساعة، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين خطورة الدين، وأن يزجر الأحياء أن يقعوا في مثل ما وقع فيه الميت، وليس من باب أنه كافر أو أنه ليس من أهل القبلة، ولكن لزجر الأحياء أن يفعلوا مثله، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في صاحب دين عليه ديناران، فإنه لما قال: (صلوا على صاحبكم، قام إليه أبو قتادة وقال: يا رسول الله! صل عليه وعلي دينه، ثم لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي قتادة : هل أديت عن صاحبك؟ قال: يا رسول الله! ما هو إلا اليوم -أي: أنك لم تأمرني إلا اليوم والرجل ما مات إلا اليوم- فقال: اذهب فأد عن صاحبك، فذهب فأدى عن صاحبه في الليل وأتى في الغداة -أي: في صلاة الفجر- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين أبو قتادة ؟ فقال: ها أنا يا رسول الله! قال: هل أديت عن صاحبك؟ قال: نعم، قال: متى؟ قال: الآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلده).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (الشهيد يُغفر له كل شيء إلا الدين).

    وقد قيل: إن هذه الأحاديث منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام: (من مات وله مال فلعياله، ومن مات وعليه دين فلي وعلي)، وفي رواية: (فإلي وعلي)، أي: يعطى من بيت مال المسلمين إذا لم يكن قادراً.

    فضل التوحيد وخطورة الشرك

    قال: [قال عبد الله بن مسعود : حينما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يخرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما هُبط من فوقها فيقبض منها، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم:16] قال: فراش من ذهب، فأُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات]، أي: الكبائر، التي يُقحم صاحبها في النار بسببها، فتسمى المقحمات، وتسمى الكبائر، وفظائع الأعمال والأمور.

    والشاهد هنا قوله: وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحمات، أي: الكبائر، وهذا محمول على أنه قد تاب منها، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي أسامة .

    قال: [وعن المعرور بن سويد قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، رغم أنف أبي ذر)]. وقد أجمع العلماء على أن هذا الحديث محمول على من تاب من زناه ومن سرقته.

    قال: [وعن الزهري قال: قال لي عبد الملك بن مروان هذا الحديث الذي جاء فيه: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)، فقلت: أين تذهب يا أمير المؤمنين؟! هذا قبل الأمر والنهي وقبل الفرائض.

    وعن المعرور بن سويد عن أبي ذر : قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يقول الله تعالى: من عمل حسنة فله عشر أمثالها، ومن عمل سيئة فجزاء مثلها وأغفر)]، والكبائر سيئة كما أن الصغائر سيئة. والشاهد من الحديث: (وأغفر)، فمن عمل سيئة فهو في مشيئة الله، إن شاء عاقبه بها وإن شاء غفرها له.

    قال: [(ومن عمل قراب الأرض خطيئة -أي: ما يوازي ويقارب ملء الأرض خطايا- ثم لقيني لا يُشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة). والحديث عند مسلم .

    وفي لفظ: (يقول ربكم عز وجل: ابن آدم! إنك إن تأتني بقراب الأرض خطيئة بعد ألا تشرك بي شيئاً جعلت قرابها مغفرة لك ولا أبالي)].

    وعن جابر قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: ما الموجبتان؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: من مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار).

    فالموجب لدخول الجنة هو التوحيد، والموجب لدخول النار هو الشرك، وما دون ذلك فهو في مشيئة الله عز وجل، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ودليل ذلك في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. ومن الأمور القطعية أن الشرك لا يُغفر قط، والكفر لا يُغفر قط، وكل شيء غيرهما داخل في مشيئة الله عز وجل، وبعض الناس يقول: إن الله قادر على أن يغفر للمشرك، وهو قادر على كل شيء سبحانه وتعالى، ومن قدرته وبقدرته قضى وأمر وأخبر أنه لا يغفر للمشرك، ولو أراد أن يغفر له لأخبرنا، ولكن الله أخبرنا خبراً يقينياً قطعياً أن المشرك أو الكافر لا يُغفر له قط، وأما ما دون الشرك من الكبائر والصغائر فإن الله تبارك وتعالى إذا شاء عذب بها وإذا شاء غفر؛ لأنه قال: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . فعلق مغفرة الذنوب التي هي دون الشرك بالله ابتداء على مشيئة الله، فإن شاء آخذ الناس بها وإن شاء عفا عنها.

    بيان أن من ستر في الدنيا من أصحاب الكبائر فهو في مشيئة الله تعالى يوم القيامة

    قال: [عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف)].

    فبايع الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام على هذا، فجمع بين الكبائر وبين الشرك في هذا، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فمن وفى منكم فأجره على الله)]، أي: فمن وفى منكم بأصل البيعة فأجره على الله عز وجل، أي: أنه يثيبه على ما أطاع فيه ولم يعصه.

    قال: [(ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له، قال: فبايعناه على ذلك)].

    والشاهد من هذا الحديث قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا). فلو أن رجلاً زنى أو سرق أو قتل فستره الله فإن تاب من هذا تاب الله عز وجل عليه، وإن مات ولم يتب فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له.

    وعن علي رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أصاب في الدنيا ذنباً فعوقب به فالله عز وجل أعدل من أن يثني عقوبته في الآخرة)، أي إذا أُقيم عليه الحد في الدنيا فإنه لا يطالب قط بهذا الذنب يوم القيامة، أي: لا يُعاقب على ذنب واحد مرتين، وإذا عوقب بإقامة الحد عليه فقد برئت ساحته من هذا الذنب، والله تعالى لا يذكره ولا يطلعه على هذا الذنب؛ لأنه محي تماماً.

    قال: (ومن أذنب ذنباً وعفا عنه فالله تعالى أعدل من أن يعود في شيء عفا عنه).

    أي: إذا تاب المذنب من ذنبه فالله عز وجل يتوب عليه؛ لأنه وعد بذلك في قوله: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] بشرط أن يكون صادقاً في توبته كما ذكرنا آنفاً.

    إشكال حول حديث جعل ذنوب ناس من هذه الأمة على اليهود والنصارى والجواب عليه

    قال: [عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى). قال أبو بردة : فحدثت به عمر بن عبد العزيز -وهذا يقوله لـغيلان بن جرير - فقال: آلله سمعته من أبيك يحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. فـعمر يستوثق من أبي بردة أنه سمعه من أبي موسى الأشعري ، أي: من أبيه؟ قال: نعم.

    وقوله: (ليجيئن ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال، يغفرها الله عز وجل)، أي: يغفرها بسبب توبتهم، أو لعل لهم من الأعمال الصالحة ما يكافئ مغفرة ذنوبهم، ولهم من الأعمال والرصيد في الطاعة الشيء الكثير الذي يؤدي إلى مغفرة هذه الذنوب، ويبدو أن هذه الذنوب كثيرة جداً؛ لأنها أمثال الجبال، ولكن الله تعالى يغفرها لهم ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى. وهذا الحديث عند مسلم في صحيحه في كتاب التوبة.

    وربما يقول قائل: قال الله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، فما بال هذا اليهودي والنصراني يتحمل ذنوب المسلم، والأصل أن يتحمل كل إنسان ذنبه الذي اقترفه؟

    وأقول: هذا حق، وليس هذا معنى الحديث، وإن كان هذا باد في ظاهره إلا أنه ليس مراداً على الحقيقة، والمراد هو أن الله عز وجل جعل لكل مخلوق مكانه في النار ومكانه في الجنة، فإذا مات الكافر اطلع على مكانه في الجنة ثم قيل له: هذا مكانك لو أنك آمنت، ثم يطلع على مكانه في النار ويخلد فيها أبد الآبدين، فيبدل الله عز وجل المسلم مكان الكافر في الجنة مع مكانه الأصلي، فهذا المسلم إنما دخل الجنة رغم ذنوبه لكن الله تعالى غفرها، وأدخل هذا اليهودي أو النصراني المكان الذي أُعد للمسلم في النار بسبب كفره ويهوديته ونصرانيته، لا بسبب ذنوب المسلم التي وضعت على هذا الكافر.

    فهو تبديل مكان في الجنة أو النار، فالمسلم يغفر الله تعالى له ويدخله الجنة، وأما الكافر فإن الله لا يغفر له ويدخله النار، وهذا معنى الحديث.

    فضل استمرار العبد في التوبة والاستغفار من الذنوب

    قال: [عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب! أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله تعالى: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي)]. أي: بمجرد أن رجع العبد بعد أن أذنب إلى الله تعالى وتاب، وطلب منه العفو والمغفرة، ففرح الله تعالى بتوبة عبده إليه وقال: (قد غفرت لعبدي).

    قال: [(ثم عاد هذا المذنب فعمل ذنباً آخر أو قال: أذنب ذنباً آخر فقال: رب! إني عملت ذنباً فاغفر لي، فقال: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)]، وهذا محمول على أنه إذا وقع في الذنب أحدث توبة، وإلا فالخطر كل الخطر أن يذنب العبد الذنب ولا يتوب منه ولا يستغفر الله تعالى عما بدر منه، فيكون في مشيئة الله تعالى.

    ولا بد من الاحتياط والحرص ألا يكون الشخص تحت المشيئة، فربما يئول الأمر به إلى العذاب وإلى دخول النار لأول وهلة، فالأمر ليس هيناً؛ لأن بعض الناس قد يقول: ما دمت في مشيئة الله فرحمته واسعة. وهذا صحيح، ولكن عذابه كذلك شديد أليم، والله تبارك وتعالى لم يعدك على الخصوص بالمغفرة، فأنت في مشيئة الله عز وجل إن شاء عذبك وإن شاء غفر لك.

    قال: [عن عبد الله بن مسعود قال: (لما نزلت: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] فزع الصحابة واشتد ذلك عليهم وقالوا: أينا لم يتلبس بظلم؟ وفهموا هذه الآية على عموم الظلم الكبير منه والصغير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؟)]، فبين لهم أن الظلم في هذه الآية الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82] بمعنى الشرك، أي: ولم يشركوا بعد إيمانهم، فأولئك يغفر الله تعالى لهم، والحديث أخرجه الشيخان.

    قال: [وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجلاً مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ فإما ذكر وإما ذكر فقال: كنت أبايع الناس -أي: أبيع وأبتاع- وكنت أنظر المعسر وأتجوز في السكة أو النقد فغُفر له. قال ابن مسعود : أنا سمعت من النبي عليه الصلاة والسلام).

    وعن حميد بن عبد الرحمن الحميري أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره قال: سمعت رسول الله يقول: (أسرف رجل على نفسه، حتى إذا حضرته الوفاة قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في الرياح، فوالله لئن قدر الله عز وجل علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، قال: ففعل ذلك به -أي: حينما مات أحرقوه ثم سحقوه ثم ذروا نصفه في البر ونصفه في البحر- ثم قال الله عز وجل لكل شيء أخذ منه شيئاً: رد ما أخذت منه -فأتى البحر بما عنده، وأتى البر بما عنده- فإذا هو قائم بين يدي الله عز وجل، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ -أي: ما الذي جعلك توصي بهذه الوصية الجائرة؟ -قال: خشيتك)]، أي: الذي حملني على هذا خشيتك، والمعلوم أن الكافر لا يخشى الله تعالى وإنما يخشاه المؤمن، ولكن هذا الرجل كان جاهلاً. والقدرة صفة من صفات الله تعالى، وأهل السنة مجمعون على أن من جهل صفة من صفات الله عز وجل فإنه لا يكفر بذلك، والإمام ابن الجوزي عليه رحمه الله تكلف تأويل هذا الحديث، فقال في قول هذا الرجل: (فوالله لئن قدر الله تعالى علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين):

    أي: لئن ضيق الله علي كما في قوله تعالى: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، أي: ضيق عليه رزقه، فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16]. وليس الأمر كذلك، وأقوى الأقوال في هذا هو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله وهو:

    الأمر الأول: أن هذا الرجل كان جاهلاً، فقد كان من أهل الإيمان ولكنه جهل صفة من الصفات، والدليل على أنه مؤمن قوله: (يا رب! خشيتك)، أي: هي التي حملتني على هذا.

    والأمر الثاني: إيمان هذا الرجل بأن الله تعالى يبعث الخلائق، وتصور جهلاً منه أنه لو أُحرق وذُري هنا وهناك فإنه لن يُجمع ولن يُبعث بعد ذلك، وهذا لا ينفي أنه يؤمن بحقيقة البعث، ولكنه تصور أنه لو ذر في التراب والبحر فلن يبعث ولن يجمع، وهذا جهل.

    معنى الاستقامة في قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)

    قال: [عن أبي بكر الصديق في قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] قال لهم أبو بكر : ما تقولون في هذه الآية؟ فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا، فقال أبو بكر : حملتم الأمر على أشده، ثم قال: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان].

    فلما قالوا: استقاموا فلم يذنبوا، قال: لقد شددتم على أنفسكم جداً، وأينا لا يذنب؟ وإنما تفسير هذه الآية وتأويلها: استقاموا فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان مرة أخرى، أي: لم يشركوا بالله.

    والذنب لا يخلو أحد منه إما كبيراً وإما صغيراً.

    فأما صغائر الذنوب فتغفرها الطاعات، وهذا أمر معلوم، فتغفرها الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الكفارات.

    وأما كبائر الذنوب فتحتاج إلى توبة أو إقامة حد أو عمل أعظم منها من الطاعات كالحج مثلاً، أو الجهاد في سبيل الله حتى يكفر كبائر الذنوب.

    وأما الأوثان وعبادتها فإنها أمر لا يُغفر قط إذا مات صاحبه على ذلك.

    آيات الرجاء في سورة النساء

    قال: [قال عبد الله بن مسعود : آيات في كتاب الله في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا وما فيها، وهي قول الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]] والآية محل نزاع في تأويلها عند أهل العلم. فقال بعض العلماء: شرط مغفرة الصغائر عدم الوقوع في الكبائر، فمثلاً قوله عليه الصلاة والسلام: (الوضوء إلى الوضوء، والجمعة إلى الجمعة، والصلاة إلى الصلاة)، وغير ذلك من المكفرات مثل (ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينها ما اجتنبت الكبائر)، أي: إذا اجتنبت الكبائر، فهذه الأعمال والطاعات وغيرها كفيلة بمغفرة الصغائر ومحوها إذا اجتنبت الكبائر، هذا تأويل. أي: هذه الأعمال لا تكفر الصغائر إلا إذا اجتنبت الكبائر.

    وبعضهم يقول وهو مذهب جماهير أهل العلم: هذه الأعمال -أي: الصغائر- تكفرها هذه الطاعات وقعت الكبائر أو لم تقع، أي: أنهم يقولون: هذه الطاعات تكفر الصغائر دون الكبائر.

    قال: [وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [النساء:64]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110].

    قال الحسين : وأنا أقول آية خامسة خير للمسلمين من الدنيا وما فيها هي في سورة النساء كذلك، وهي قوله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:147].

    وعن ابن عمر قال: ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإني ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة).

    وعن معبد الجهني قال: قلت لـعبد الله بن عمر : رجل لم يدع شيئاً من الخير إلا عمله، إلا أنه كان شاكاً؟ قال: هلك ألبتة].

    فلو أن رجلاً لم يعمل سوءاً قط، بل كانت كل أعماله خيراً وصلاحاً وبراً وتقوى؛ غير أنه كان يشك في الله عز وجل فقد هلك ألبتة، أي: لا ينفعه عمله قط.

    قال: [قلت: رجل لم يدع من الشر شيئاً إلا عمله، غير أنه يشهد أن لا إله إلا الله، قال: عش ولا تغتر].

    وهذا مثل سائر بين العرب: عش ولا تغتر.

    وهذا المثل قيل لبدوي كان يريد أن يسافر بإبله ليلاً في الصحراء ويقطع المسافات، فظن أن الصحراء لا تخلو من طعام وشراب ليطعم وتطعم دابته ويشرب وتشرب دابته، وظن أن هذا من باب التوكل على الله، فلما سأل الناس عن ذلك، قالوا: عش ولا تغتر، أي: لا تركن إلا إلى أمر يقيني موثوق منه، وأما ظنك أن الصحراء بها طعام وشراب فهذا مجرد ظن وليس يقيناً، ولكن اليقين أن طعام الدبة وشرابها بين يديك الآن، فعشها وأطعمها وأسقها، ولا تغتر، أي: لا تقع في أمر مظنون، فإن وجدت في الصحراء طعاماً وشراباً فيكون ما قد فعلته في حضرك زيادة في الخير، وإذا انقطع بك السبيل في الصحراء فتكون قد عشيت ولم تغتر.

    وهكذا قال عبد الله بن عمر وابن عباس وغير واحد لمن تكلم في هذه القضية، والمثل كان معلوم المعنى لدى السامع والمتكلم، أي: افعل الخير وتب من الذنب ولا تغتر برحمة الله تعالى، فإن رحمك كان بها، وكانت طاعتك زيادة في البر والتقوى، وإن حاسبك الله عز وجل كان عندك من الطاعة ما يؤهل لمغفرة الذنب.

    عدم تكفير الصحابة لأصحاب الكبائر

    قال: [وعن أبي سفيان قال: قلت لـجابر : كنتم تقولون لأهل القبلة أنتم كفار؟ قال: لا، قلت: فكنتم تقولون لأهل القبلة: أنتم مسلمون؟ قال: نعم].

    وهذا بيان أنه لا يلزم من كون الرجل من أهل القبلة أن يكون من أهل السنة، فأهل السنة أهل الاستقامة وأهل الحسنى، وأهل القبلة كذلك، ومن خالف طريق السنة فلا يلزم منه أن يكون كافراً بل يكون من أهل القبلة فحسب.

    وأتى رجل ابن مسعود فقال: إني ألممت بذنب، فأعرض عنه ابن مسعود ، فأقبل على القوم يحدثهم، فأقبل المذنب على ابن مسعود قد نزف الدمع من عينيه، فقال ابن مسعود : ما جئت تسأل عنه؟ إن للجنة ثمانية أبواب تفتح وتغلق، غير باب التوبة عليه ملك موكل، فاعمل ولا تيئس.

    والشاهد: لا تيئس، وأعظم منه قوله: اعمل؛ لأن بعض الناس يتكل تماماً على رحمة الله عز وجل، وكأن الله تعالى وعده أن يرحمه وأن يغفر له، فهو يترك العمل دائماً اتكالاً على رحمة الله، وأخشى أن يفاجأ يوم القيامة بأنه من أهل النار لأول وهلة، والمعلوم أنه إن دخل النار فإنه لا يخلد فيها، والله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يخاف عاقبة الأمور، ولذلك قال: وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:15]. فهو يعذب من يشاء بعدله ويغفر لمن يشاء بفضله سبحانه وتعالى.

    فإذا كنت في مشيئة الله عز وجل فلا بد أن تقدم بين يديك وبين يدي الله عز وجل عملاً صالحاً ترجو به ثواب الله تعالى ومغفرته، وأما اتكالك على مغفرته وأنت مستمر في المعاصي والذنوب فإن هذا ليس من عقيدة أهل السنة أبداً.

    الصلاة على أصحاب المعاصي

    قال: [قال أبو العالية : قلت: يا أبا أمامة ! الرجل يكون فينا رجل سوء فيشرب الشراب فيموت أنصلي عليه؟ قال: فإلى من تكلون جنائزكم؟ أي: إذا لم تصلوا على أصحاب الذنوب والمعاصي والكبائر فمن يصلي عليهم؟ وما يدريك لعله استلقى على فراشه فقال: لا إله إلا الله فغفر الله عز وجل له].

    ونحن في الحقيقة نعامل أصحاب الصغائر معاملة فيها فظاظة وجلافة، مع أن الأصل أن نتلطف ونرحم أصحاب الكبائر، ونأخذ بنواصيهم إلى الله عز وجل.

    قال: [وعن عقبة بن علقمة اليشكري قال: رأيت علياً وقد شهدت معه صفين، فأُتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية ، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه].

    واليوم لو كان هناك خمسة إخوة فقتل أحدهم وبينه وبينهم عداء فإن الجميع سيمتنع من الصلاة عليه وعن تغسيله والدعاء له، مع أنه مجرد خلاف لم يصل إلى حد ما حدث في صفين أو الجمل أو غيرها.

    قال: فأُتي بخمسة عشر أسيراً من أصحاب معاوية ، فكان من مات منهم غسله وكفنه وصلى عليه، أي: علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

    قال: [وعن محمد بن المنكدر قال: كان رجل بالمدينة يقال له: عمران بقرة ، وكان مسرفاً على نفسه، فحينما مات أُتي بجنازته فتفرق الناس عنه، أي: ما صلوا عليه، قال: وثبت مكاني -أي: صليت عليه- فكرهت أن يعلم الله عز وجل مني أني أيست له من رحمته]. وهذا موقف محمد بن المنكدر من أصحاب الكبائر.

    قال: [وقال محمد بن القاسم : سمعت أعرابياً خرج من خيمته فوقف على بابها، ثم رفع يديه فقال: إلهي إن استغفاري لك مع إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفار مع سعة رحمتك لعجز، إلهي كم تحببت إلي وأنت عني غني! وكم تبغضت إليك وأنا إليك فقير! فسبحان من إذا وعد وفى، وإذا توعد عفا.

    قال: وخرج أعرابي فقال: اللهم إني أخافك لعدلك، وأرجوك لعفوك، خلصني ممن يخاصمني إليك، فإنه لا يخاصمني إليك إلا كل مظلوم، وأنت حكم عدل لا تجور، عوضهم بكرمك، وخلصني بعفوك يا كريم!].

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحاب الكبائر

    والنبي عليه الصلاة والسلام كان رحيماً جداً بأصحاب الكبائر إذا تابوا منها، ولو نظرنا إلى المرأة الغامدية مثلاً فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى عليها وهي زانية، ولكنها تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وفي رواية: لو تابها صاحب مكس لتاب الله عز وجل عليه.

    وكذلك ماعز الأسلمي حينما أُقيم عليه الحد فمات سبه أحد ممن رجمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، فإني أراه الآن يسبح في أنهار الجنة). وغير ذلك.

    بل كان الأعرابي البدوي الجلف يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيأخذه من ثوبه ويجبذه إليه حتى يؤثر ذلك في رقبته ويقول: (يا محمد! أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك). والمعلوم أن إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام بالقول أو الفعل من عظائم الذنوب، ومع هذا ما كان يزيد على أن يبتسم ثم يأمر له بالعطاء.

    فصاحب الكبيرة إما أن تقول هو كافر فلا تصلي عليه، وإما أن تقول هو من أهل القبلة فتصلي عليه، وهو من أهل القبلة، إلا أن يشرك بالله.

    وأما أن نذكر كلاماً عاماً فهذا ينبغي أن نتوقف فيه، إلا أن تُبحث كل حالة معروضة على ذلك، فلا يصح أن تقول: ما حكم من فعل كذا وكذا؟ ثم تأخذ مني الجواب فتطبقه على فلان بعينه، ثم تقول: فلان أفتاني أو فلان قال كذا. هذا كلام لا يصح.

    1.   

    الأسئلة

    كفارة الكبيرة

    السؤال: هل يكون السجن كفارة لمقترف الكبيرة؟

    الجواب: السجن ليس كفارة؛ لأن السجن والحبس ليس من العقوبات الشرعية ابتداء، وإنما الحدود كفارات لأهلها كما جاء عن عمر وغيره من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهذا الحديث مرفوع، وليس له سند يصح، والأمة مجمعة على أن من أُقيم عليه الحد فالحد كفارته، ويستندون إلى أقوال مأثورة عن الصحابة رضي الله عنهم بأن الحدود كفارات لأهلها.

    الدعاء للشخص باسمه في السجود

    السؤال: هل يجوز الدعاء في السجود لأحد الإخوة بالاسم؟

    الجواب: نعم يجوز، بل وفي القنوت كذلك يجوز.

    حكم مرتكب الكبيرة

    السؤال: الذي يأتي كبيرة وهو عالم بها وبقبحها ما حكمه؟

    الجواب: حكمه حكم مرتكب الكبيرة.

    حكم اختلاف العلماء، وحكم المضمضة والاستنشاق في الوضوء

    السؤال: هناك اختلافات في بعض الأمور الفقهية بين الأئمة الأربعة، فهل يجوز أن نأخذ برأي إمام واحد دون الأئمة الآخرين، وهل هذا الاختلاف رحمة؟

    الجواب: اختلاف العلماء اختلف فيه الناس إلى قسمين:

    قسم يرى أن الاختلاف منه خطأ وصواب.

    وقسم يرى أن الاختلاف رحمة، وأنه يجوز للعامي الذي ليس له نظر في الأدلة أن يقلد أي المذهبين.

    والأدلة التي جاءت في كتاب الله وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام تشهد لهذين الرأيين، فمثلاً الاختلاف في العقائد وفي أصول الدين وكليات الشريعة عبارة عن خطأ وصواب، وقول بعض فرق الإباضية مثلاً بإنكار الصلوات الخمس، وأنها صلاتان، صلاة في أول النهار وصلاة في آخر النهار هذا الخلاف في الأصول، والخلاف فيه خطأ وصواب.

    والشيعة ينكرون المسح على الخفين، وجماهير المسلمين يقولون بسنية وجواز المسح على الخفين. فخلاف الشيعة لجماهير علماء المسلمين خلاف غير معتبر، وهو خطأ.

    فالخلاف منه ما هو خطأ وصواب، ومنه ما هو رحمة وسعة.

    ومثال اختلاف الرحمة: قوله قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)، فلما كادت الشمس أن تغرب قبل أن يصلوا العصر ولم يدخلوا بني قريظة انقسم الصحابة فريقين، فقال أحدهما: ما أراد النبي عليه الصلاة والسلام ظاهر لفظه، ولكنه أراد أن يبشرنا بأننا سندخل في بني قريظة قبل غروب الشمس، فحملوا كلامه على أنه خبر بشارة بدخول بني قريظة قبل غروب الشمس، ولكن الواقع أننا لم ندخل، فلن نترك الصلاة وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام مواقيت الصلاة، والله تعالى يقول: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]. وهذا وقت العصر، فكيف نتركه متعمدين حتى تغرب الشمس؟ والله لنصلين، فصلوا.

    وقال الفريق الثاني: إنما أراد النبي عليه الصلاة والسلام ظاهر نصه، وأننا لا نصلي العصر إلا في بني قريظة حتى وإن غربت الشمس. فهؤلاء قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام ما أراد منا ترك الصلاة، والفريق الثاني قالوا: نأخذ بظاهر كلامه عليه الصلاة والسلام وعليه المسئولية صلى الله عليه وسلم.

    والحجة ليست في فعل هذين الفريقين، وإنما الحجة في أنهم لما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قصوا عليه الخبر فلم ينكر على أحد الفريقين، فلم يقل للذين صلوا: لِم صليتم وقد أمرتكم ألا تصلوا إلا في بني قريظة؟ ولا للذين لم يصلوا: أنا ما أردت ذلك، ولم لم تصلوا لما كادت الشمس أن تغرب وقد علمتكم مواقيت الصلاة؟ لم يثبت عنه ذلك. بل الثابت أنه أقر هؤلاء وهؤلاء، مع اختلافهم في الاجتهاد؛ لأن الأصل واحد.

    فأصل هؤلاء أنهم حرصوا على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصل هؤلاء كذلك أنهم حرصوا على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا بخلاف من حرص على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا شيء آخر.

    وغسل الوجه في الوضوء لم يختلف أحد من أهل العلم أنه واجب؛ لأن الأصل واحد، ومرده إلى الكتاب والسنة.

    ولكن أهل العلم من أهل السنة اختلفوا في المضمضة والاستنشاق، فمنهم من قال بالوجوب، ومنهم من قال بالاستحباب، وترك الاستحباب لا يؤثر في صحة العمل، وخلافهم لم يقع عن هوى، والظن بعلمائنا أن مرد أمرهم كله إلى الله عز وجل ورسوله.

    فقال الفريق الأول: إذا كان الله تعالى أمر بغسل الوجه فالفم والأنف من الوجه، فهما داخلان في الأمر، وقد بين ذلك بسنته العملية صلى الله عليه وسلم، فقد كان يحافظ على المضمضة والاستنشاق، فتكون المضمضة والاستنشاق واجبتان لعموم الأمر بغسل الوجه والسنة العملية للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كلام وجيه.

    وقال الفريق الثاني: نحن متفقون مع الفريق الأول على وجوب غسل الوجه، وهذا أصل لا نختلف فيه، وإنما نختلف معهم أن الفم والأنف من الوجه، فظاهر الأنف وظاهر الفم من الوجه، وأما باطن الأنف الذي هو محل الاستنشاق وباطن الفم الذي هو محل المضمضة فليسا من الوجه.

    فلما سألهم الفريق الأول: لِم كان يتمضمض ويستنشق عليه الصلاة والسلام وعمل بهذا الخلفاء من بعده، وعملهم حجة؟

    قالوا: إن فعلهم ومواظبتهم محمولة على الاستحباب والندب لا على الوجوب، ونحن لا نختلف معكم في جواز ومشروعية المضمضة والاستنشاق، وإنما نختلف معكم في حكم المضمضة والاستنشاق، فأنتم تقولون: واجب، ونحن نقول: مستحب، والفرق بيننا وبينكم أن ترك الواجب يأثم به التارك، وأما ترك المستحب فلا يأثم به التارك. وهذا الخلاف مقبول ومعتبر.

    فإن كنت ممن لا نظر لهم ولا فقه في أدلة أهل العلم والترجيح بينها فإمامك هو مفتيك، وأما إذا كنت من أهل العلم أو من طلاب العلم الذين لهم نظر وبصر في الأدلة، وتستطيع أن ترجح بين أقوال العلماء من واقع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع فإن التقليد لا يسعك، ولا يسعك إلا أن ترجح في كل مسألة من مسائل دينك فتلتزمها. والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور

    السؤال: هل الصلاة في المساجد التي فيها قبور صحيحة أم غير صحيحة؟

    الجواب: الذي يترجح لدي أن الصلاة في المساجد التي فيها قبور غير صحيحة.

    حكم تعليق الصور

    السؤال: هل يجوز تعليق الصور في المنزل، وهل يوجد خلاف في هذه المسألة؟

    الجواب: لا أعلم بين أهل العلم خلافاً في حرمة تعليق التصاوير، وإنما الخلاف وقع في جواز التصوير، وأما التعليق فلم يختلف على حرمته أحد.

    حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في وقت واحد

    السؤال: ما حكم إقامة جماعتين في مسجد واحد في آن واحد؟

    الجواب: الجماعة الثانية باطلة؛ لأنها انعقدت في غير وقت الجواز، وبطلانها متوقف على بلوغها العلم بإقامة جماعة أولى، والجماعة الثانية جماعة باطلة، ويلزم أصحابها الإعادة إما جماعة أو فرادى؛ لأنهم علموا بقيام الجماعة الأولى، حتى وإن كانت هذه الجماعة الأولى جماعة أفسق الخلق، وكان إمامها لا يحسن البسملة، فتنتظر الجماعة الثانية حتى تفرغ الأولى من صلاتها، وإلا يجب عليهم أن يدخلوا معهم في الصلاة.

    فلا تقام جماعتان مطلقاً سواء في فرض أو في فرضين أو أكثر في مسجد واحد، وإذا كان هناك جماعتان في آن واحد فالذي يدخل المسجد مع من يصلي وبمن يلتحق في الصلاة؟ فهذا لا يجوز، وهذه المسألة من مسائل الإجماع.

    ويمكن أن يكون هناك سعة في الأمر إذا جهلنا، كأن يكون المسجد كبيراً جداً، فتكون الجماعة الأولى مثلاً في أول المسجد، وهم وإن صلوا بميكرفون أيضاً فالناس الذين في آخر المسجد لا يسمعونهم ولا يعلمون بقيام الجماعة الأولى، فلا بأس بتعدد الجماعات على هذا النحو، بشرط ألا تعلم الجماعة الثانية بقيام الجماعة الأولى، وإذا علموا في أثناء الصلاة وجب عليهم الانصراف، وإذا علموا في أثناء الصلاة ولم تعرف الأولى منها وجب على الجماعتين حينئذ الانصراف وإنشاء جماعة واحدة.

    وإذا صلت الجماعتان ولا يعلم أحدهما بقيام الجماعة الأخرى، فصلاتهما صحيحة.

    حال طارق السويدان وأشرطته

    السؤال: الأخ يسأل عن أشرطة طارق السويدان ؟

    الجواب: طارق السويدان فتنة في هذا الزمان، وهو له ميول شيعية، وليس شيعياً صريحاً، وقد أساء غاية الإساءة فيما يتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد علق على الفتنة التي دارت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما بكلام يخالف تماماً عقيدة أهل السنة والجماعة، وهذه مسألة ليست هينة، وإنما هي مسألة من أصول اعتقاد المسلمين، والدكتور طارق السويدان في الحقيقة جريء جداً في انتقاد أهل السنة، وجبان جداً في انتقاد الشيعة، وقد قلت له في الكويت في شهر (8) في العام الماضي: لقد أثنيت على الشيعة ولم نرك تثني على أهل السنة كما أثنيت على الشيعة، والشيعة في الكويت لهم نواب في مجلس الأمة وغير ذلك، فقال: وماذا أنقم على الشيعة، فلو جمعت أخطاء أهل السنة لفاقت أخطاء الشيعة؟

    وهذا الكلام لا يقوله أحد قط عنده بصيرة ولا علم ونور في قلبه.

    قلت: وما هي أخطاء أهل السنة الظاهرة أو الأخطاء الأصلية الكلية في الاعتقادات، والشيعة يخالفوننا فيما يتعلق بأصول الاعتقاد، وفي النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الإمامة، وفي اتخاذ التقية مذهباً لهم، وفي كلام الله عز وجل في القرآن الكريم، وفي أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يتقربون إلى الله بزعمهم بسبهم وتكفيرهم، ونحن نتقرب إليه بحبهم والترضي عنهم. وهذه كلها أصول وغيرها كثير.

    قال: دعنا من هذا، فإن أهل السنة عندهم أكثر مما عند الشيعة مما يُنقم عليهم.

    والكلام هذا مسجل، وكنت أود ألا ينتشر أمره، فلما انتشر وجب التحذير منه، وخاصة الأشرطة قد انتشرت بين العامة، والعامة لا يعرفون أصول الاعتقاد ولا فروع الاعتقاد من باب أولى.

    وأنا لا أرى غضاضة قط بسماع أشرطته دون أشرطة التاريخ الإسلامي، فله عشرة أشرطة في التاريخ الإسلامي جمع فيها البلاء، وتكلم عن الصحابة بكلام ليس من عقيدة أهل السنة والجماعة، فإن شئت أن تسمع له غير هذه الأشرطة فبها ونعمت، وإن تركته كله فهو أحسن. والله تعالى أعلم.

    صيغة إرجاع الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً

    السؤال: حدثت مشادة بيني وبين زوجتي وأخطأت فضربتها، ثم أخطأت مرة أخرى فقلت لها: أنتِ طالق، وهذه المرة الأولى، فما الحكم في ردها، مع العلم بأنها لم تكن في المنزل؟

    الجواب: إذا كانت الصيغة كما قلت تماماً: أنتِ طالق، فهذا لفظ صريح يقع به الطلاق، والطلاق يقع وإن كانت المرأة حائضاً مع الإثم، ويلزمك أن ترد هذه المرأة إذا أردت ردها بقولك أمام شاهدي عدل: أرجعت امرأتي فلانة إلى عصمتي. وتحسب هذه طلقة أولى، ويبقى لك طلقتان، وربما تتلفظ بهما هذه الليلة، فلا تقل مثلاً: إن لي عشر سنين لم أطلق إلا مرة، فربما تغضب غضبة شديدة فينتهي الزواج كله في هذه الليلة. وبإمكانك أن تعالج كل خطأ حتى إن أنت ضربتها، ومع أن هذا أمر بشع، إلا أنه يمكن علاجه بكلمة بسيطة جداً لها، أو هدية منك تقدمها لها، وبهذا ينتهي كل شيء. فالضرب له علاج، ولكن الطلاق ليس له علاج، (وهل يكب الناس على مناخيرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم؟) فكما يقولون: لسانك حصانك، إن صنته صانك وإن هنته هانك.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.