إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة - النهي عن التفكر في ذات الله تعالى

شرح أصول اعتقاد أهل السنة - النهي عن التفكر في ذات الله تعالىللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يسعى الشيطان حثيثاً إلى سوق الإنسان إلى نار جهنم سوقاً، وذلك بإقحامه في الكفر بالله، فإن لم يستطع لجأ إلى الوسوسة وتشكيك المؤمن في عقيدته وأحكام الشريعة، ولذلك فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلم علاجاً يخنس الشيطان عند استعماله، وهو الاستعاذة بالله منه والانتهاء عن التفكر في ذلك، فالشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

    1.   

    سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن التفكر في ذات الله عز وجل

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    كنا في أواخر الدروس التي تناولناها فيما يتعلق بأصول الاعتقاد للالكائي قد تكلمنا عن صفات الله عز وجل الخبرية، ولا أدعي أننا أحصيناها شرحاً وبياناً، وإنما ما تناولناه يقاس عليه غيره، فالكلام فيما لم نذكره هو نفس الكلام فيما ذكرناه، وذلك إن شاء الله تعالى معلوم لديكم.

    ولذلك ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: مسألة الوسوسة في الإيمان، وأظن أن هذا الباب مناسب جداً لما نسمعه في هذه الأيام الأخيرة: أن كثيراً من الإخوة -فضلاً عن عامة الناس- يأتي ويشكو أن الشيطان تسلط عليه في ذات الله تبارك وتعالى، وأنه أوقعه في دائرة الشك في الله عز وجل، وإذا استرسلت معه يقول: أنا أريد جواباً على سؤال محدد وهو: من خلق الله؟ كثير من الناس في هذا الزمان يسأل هذا السؤال.

    وهذا بلا شك وسوسة شيطان، وباب من أبواب إغوائه وإضلاله للبشر؛ ولذلك لما أطلع الله عز وجل رسوله على أن هذا الباب سيكون موجوداً في الأمة لم يترك الأمة، بل ولم يترك أهل العلم يجتهدون في دفع هذا الوسواس، وإنما حدد لهم الجواب.

    ولذلك عقد اللالكائي هذا الباب وهو: [ باب ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن التفكر في ذات الله عز وجل ].

    والقرآن الكريم والسنة النبوية كذلك مليئان بالآيات والأحاديث التي تأمر بالتفكر في آلاء الله عز وجل، وفي خلق الله عز وجل؛ في سماواته، وفي أرضه، بل وفي نفسك وأعضائك، وفي حركاتك وسكناتك، وفي الجبال.. وغير ذلك من مخلوقات الله عز وجل، التي تدل بوجودها على وجود من أوجدها وهو الله تبارك وتعالى.

    فنحن مأمورون بأن نتدبر وأن نتفكر في مخلوقات الله لا في ذات الله عز وجل؛ لأن الذي يتفكر في ذات الله عز وجل لابد أنه يئول أمره إلى ما آل إليه أمر الفرق الضالة؛ ولذلك ورد النهي عن التفكر في ذات الله؛ لأنه ربما تطرأ هذه الشبهة على الأذهان والقلوب؛ لغفلة ولجهل من صاحبها، ولتسلط الشيطان عليه في لحظة غفلته مثلاً.. أو غير ذلك، فقد جعل الشرع لذلك علاجاً.

    [ عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله عز وجل.

    وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟) ].

    فالشيطان يأتي إلى العبد المؤمن فيقول له: من خلق الجبال؟ فيقول: الله، ومن خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق كذا وكذا وكذا.. فيعدد له خلقاً من خلق الله عز وجل، ولما كان مستقراً عند هذا العبد أن الله تعالى خالق كل شيء فهو يقول في كل سؤال: الله، فيقول الشيطان -عليه لعنة الله-: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله؟ وكيف وجد الله عز وجل؟ وهذا سؤال بلا شك لا جواب عليه؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فإذا بلغ ذلك منك -أي: فإذا بلغ الشيطان منك ذلك المبلغ- فليستعذ بالله ولينته).

    فهذا الحديث ذكر فيه الداء، وذكر مع ذلك الدواء، فهو حديث اشتمل على العلة والدواء منها، فالعلة هي: وسوسة الشيطان في ذات الله تبارك وتعالى: من خلقه؟ ولما لم يكن هناك جواب عقلي على هذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن العلاج: أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتنتهي.

    لذلك قال الإمام النووي: وهذا في حالة أن تطرأ الشبهة ولا تستقر في القلب، ولا تكون هذه الخاطرة محل شبهة أو دليل عند من أغواه الشيطان.

    فـالنووي يريد أن يقول: إن إغواء الشيطان ووسوسة الشيطان في ذات الله تبارك وتعالى هي على ضربين ونوعين: إما خاطر يخطر على القلب ثم لا يلبث أن يزول، فهذا بلا شك قد حدث للصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وإما أن يطرأ هذا الخاطر، ولكنه يجد قلباً فارغاً فيستقر فيه، ويحاط هذا الخاطر بشبهات عظيمة، يقول النووي : فلابد من دفع هذه الشبهات، ولا يكفي فيها أنك تستعيذ، ولا يكفي فيها أنك تجاهد نفسك لطرد هذا الخاطر الشيطاني، بل لابد من الإجابة عن هذه الشبهات التي أحاطت بهذا الخاطر الذي استقر في القلب.

    وقد ذكرت في هذا الباب آثار وأحاديث لا ترتقي إلى درجة الحسن فضلاً عن الصحة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله عز وجل).

    نهي السلف عن الخوض في صفات الله بالتكييف والتأويل ونحو ذلك

    [ قال أبو عبيد القاسم بن سلام لما ذكرت عنده أحاديث: (ضحك ربنا عز وجل من قنوط عباده)، و(الكرسي موضع القدمين)، و(وأن جهنم لتمتلئ فيضع ربك قدمه فيها).. وأشباه هذه الأحاديث؛ فقال أبو عبيد: هذه الأحاديث عندنا حق، يرويها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحداً يفسر منها شيئاً، ونحن لا نفسر منها شيئاً، نصدق بها ونسكت ].

    وهذا مذهب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بصفات الله عز وجل التي هي فوق مستوى عقول البشر: أنهم يؤمنون بها كما جاءت، ويمرونها ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بتفسير.. وغير ذلك، وإنما يؤمنون بها.

    قوله: (ضحك ربنا) فهو سبحانه يضحك كيف يشاء، ضحكاً يليق بجلاله تبارك وتعالى.

    قوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا) ينزل كيف يشاء، فنؤمن بأنه ينزل، لكن لا يعلم الكيفية إلا الله عز وجل، ولذلك كانوا يؤمنون بهذه الأصول ويمرونها كما جاءت، ولا يتعرضون لها، ولا يخوضون فيها بتأويل ولا بشرح ولا بيان؛ لأن هذه الأصول وهذه الصفات فوق مستوى الشرح، وفوق مستوى البيان والتفسير والتأويل، بل هي فوق مستوى العقول.

    فإذا كنت أنت لا تدرك ذات الله تبارك وتعالى، ولا تستطيع أن تصف الذات لله عز وجل؛ لأنك لم ترها ولم تر لها مثيلاً؛ فلابد أن هذه الذات متصفة بصفات الكمال، ولا يجوز لأحد أن يشرحها، فضلاً عن أن العقول لا تستوعب ذلك؛ ولذلك أخفاها الله عز وجل حتى على أنبيائه ورسله، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام عنده شيء من ذلك تفصيلاً لأخبرنا به، ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام ما ترك خيراً إلا وقد دل أمته عليه، فلما امتنع وسكت عن هذا تبين أنه ليس عنده بيان في هذا.

    قال: [ وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن -وهو ربيعة الرأي شيخ أهل المدينة- عن قول الله تبارك وتعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فقال: الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والله عز وجل لا يحد ].

    وهذا حتى لا تتصور في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أن العرش يحويه أو يحيط به، فالله تبارك وتعالى أكبر من جميع المخلوقات، والعرش مخلوق، فلابد أن العرش لا يحيط بالله عز وجل، فيكون اسْتَوَى بمعنى: علا وارتفع، لا بمعنى: استولى، ولا بمعنى: قعد.

    ولذلك هذه الزيادة من ربيعة زيادة في غاية الأهمية، قال: وأن الله تعالى لا يحد، أي: لا تحده حدود من جميع الجوانب.

    قال: [ ولما سئل نعيم بن حماد -وهو شيخ البخاري، وهو وإن كان في الحديث ضعيفاً إلا أنه إمام كبير من أئمة السنة -لما سئل عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: (تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق) قال نعيم : ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء من الأشياء.

    وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية -أي: ذكر رؤية المؤمنين ربهم تبارك وتعالى- فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف ].

    مع أن هذه النصوص لها جانب آخر وهو جانب الرؤية، وذلك لأن الرؤية غير حاصلة في الدنيا، وليس لها مثيل كذلك، ورؤيتنا لله عز وجل في الآخرة لا نعلم نحن كيفيتها، فالذي نؤمن به تمام الإيمان أننا نرى ربنا تبارك وتعالى عياناً، فهل نكون في ذلك الوقت على حالتنا وعلى ضعفنا وقلة حيلتنا في الدنيا؟ وهل نكون بهذا التكوين الفسيولوجي حين نرى الله عز وجل في الجنة، أم أن الخلق سيكون لهم بنيان آخر يقوون به على رؤية المولى عز وجل؟ فهذا أمر لا نعلمه، وإنما نؤمن أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى، ويحجب عنه الكافرون فلا يرونه قط.

    النهي عن الوسوسة في الإيمان

    عقد الإمام مسلم عليه رحمة الله باباً عظيماً في صحيحه في كتاب الإيمان وهو: باب بيان الوسوسة في الإيمان، وما يقوله من وجدها.

    فأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) فيسألون النبي عليه الصلاة والسلام ويخبرونه بحالهم.

    قولهم: (إنا نجد في أنفسنا) أي: نشعر بخاطر يجول في نفوسنا، ويتعاظم أحدنا أن يتفوه بكلمة واحدة منه.

    يعني: حتى معك أنت يا رسول الله! لا نستطيع أن نذكر شيئاً من ذلك؛ لأن الأمر عظيم وخطير، فهي وسوسة عظيمة جداً، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وقد وجدتموه؟) كأنه علم أن الأمة لابد أن تقع في مثل هذا الداء.

    فقوله: (وقد وجدتموه؟) سؤال يستنكر به تسلط الشيطان عليهم، وقد فهم النبي عليه الصلاة والسلام عما هم عنه سائلون.

    قال: (قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: ذاك صريح الإيمان).

    بعض الناس فهم من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (ذاك صريح الإيمان) أن الوسوسة من الإيمان، وهذا بلا شك انحراف شديد جداً عن فهم أهل العلم من السلف لهذا الحديث.

    فقد أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين أن تسلط الشيطان على المؤمن إنما يكون بإغوائه وإضلاله، فإنه قد نجح في إضلاله وإغوائه للكافرين، فإذا فشل الشيطان في إضلال العبد المؤمن -مع أنه نجح في إضلال الكافر- فإنه يتسلط عليه من باب آخر وهو باب الوسوسة والشك في الله عز وجل، وهناك فرق بين عبد جحد الله عز وجل، وعبد شك في الله عز وجل، ففرق بين العبد الجاحد لله وآلائه واستحقاقه للعبودية والربوبية.. وغير ذلك مما يجب لله عز وجل، وبين عبد آمن وسلم بذلك كله، ولكنه شك في الله عز وجل.

    فلما فشل الشيطان مع العبد المؤمن أن يجعله هو والكافر سواء؛ اجتهد عليه في باب الشك والوسوسة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (وقد وجدتموه؟) يعني: هو فشل في خلعكم من إيمانكم، ولكنه رضي أن يحرش لكم في الإيمان، وأن يوسوس لكم فيه، والشك إنما هو الحلقة الوسطى بين الإيمان الكامل وبين الكفر، أي: أن الشك هو الطريق إلى الكفر فقال: (وقد وجدتموه؟) يعني: أو قد تسلط عليكم من هذا الباب؟ (قالوا: نعم. يا رسول الله!) قال: هذا علامة إيمانكم، ولولا أنكم آمنتم بالله عز وجل، وكتبه ورسله واليوم الآخر، واتبعتم النبي عليه الصلاة والسلام ما تسلط عليكم بالوسوسة؛ لأنه لا يوسوس للكافر، وإنما يغويه مباشرة ويضله مباشرة، فالكافر لا يحتاج إلى وسوسة، وإنما يوسوس الشيطان للعبد المؤمن إذا قوي إيمانه بإيقاعه في دائرة الشك في الله عز وجل.

    فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن تسلط الشيطان بالوسوسة في الإيمان إنما هو علامة إيمان العبد، فقال: (ذاك صريح الإيمان).

    وفي رواية: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الوسوسة؟ قال: تلك محض الإيمان) ومحض الإيمان: هو الإيمان الكامل.

    إذاً: العبد الذي كمل إيمانه لا يركن إلى كمال هذا الإيمان، بل يجتهد في العبادة، ويجتهد في الطاعة والإخلاص لله عز وجل؛ لأن العبد كلما ازداد إيمانه ازداد الشيطان تسلطاً عليه في باب الوسوسة، فقال لما سئل عن الوسوسة: (تلك محض الإيمان).

    وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله).

    علاج المؤمن من تسلط الشيطان ووسوسته

    أرجو أن تسجل هذه الأدوية؛ حتى تستخدمها إذا تسلط الشيطان -لا قدر الله- عليك، فأول علاج كما في حديث أبي هريرة : (فليستعذ بالله ولينته).

    والعلاج الثاني: مجاهدة العبد نفسه في دفع هذا الخاطر وهذه الوسوسة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولينته) يعني: ليكن منك بذل للجهد في دفع هذا الشيطان، ودفع هذا الوسواس، ودفع هذا الخاطر المضل.

    قال: (ثم قل: آمنت بالله)؛ فإقرارك الذي يسمعه منك الشيطان في حال الوسوسة أنك تؤمن بالله ورسله أمر يضعف كيده ووسوسته.

    وفي رواية أخرى: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، -ثم ذكر بمثله وزاد-: ورسله) يعني: قل: آمنت بالله ورسله.

    وفي رواية أيضاً: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق ربك، فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته).

    وفي حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم)، وباب التفكر باب من أبواب العلم.

    قال: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: الله خلقنا؛ فمن خلق الله؟ قال أبو هريرة وهو آخذ بيد رجل: صدق الله ورسوله) يعني: كأن أبا هريرة قد أتاه رجل فسأله عن هذا، فأخذ بيده وقال: صدق الله ورسوله.

    وفي رواية: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـأبي هريرة : لا يزال الناس يسألونك عن العلم يا أبا هريرة ! حتى يسألونك عن الله عز وجل، فأتى قوم إلى أبي هريرة يسألونه، حتى سألوه عن الجبال والشمس والقمر والأرض وهو يقول: الله خلق هذا، فقالوا: هذا الله خلق كل هذا، فمن خلق الله؟ فتناول كفاً من حصى وألقاه في وجوههم وقال: قوموا عني، صدق خليلي صلى الله عليه وسلم).

    وفي رواية أبي هريرة : (ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟).

    وعند أبي داود : (فإذا قالوا ذلك -أي: فإذا قالوا لكم: فمن خلق الله؟- فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد).

    كما أتى المشركون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: انسب لنا ربك؟ فنزل قول الله عز وجل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] أي: رد عليهم يا محمد! بنسب الله عز وجل أنه واحد أحد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. فهذا نسبه، وهذه أعظم سورة في كتاب الله عز وجل على الإطلاق، فكل أجزائها توحيد لله عز وجل، وليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة هي أعظم من سورة الإخلاص، كما أنه ليس في القرآن من أوله إلى آخره سورة كلها توحيد لله عز وجل إلا هذه السورة، وجميع القرآن إنما تكلم عن التوحيد وغير التوحيد إلا هذه السورة؛ فإنها لم تشمل إلا التوحيد فقط.

    قال: (ثم ليتفل عن يساره ثلاثاً -أي: دحراً للشيطان- وليستعذ بالله).

    إذاً: العلاج (فليستعذ بالله ولينته)، وليقل: (آمنت بالله ورسله)، (وليتفل عن يساره ثلاثاً)، (وليقرأ سورة الإخلاص) فهذه أربعة علاجات للوسوسة، وبهذا يندفع الشيطان ويذهب معه هذا الخاطر، فعلينا أيها الإخوة! أن نؤمن بهذه الأصول، وقد يأتي شخص بعلاج آخر غير هذا العلاج فنقول له: لا علاج غير هذا العلاج إلا أن تذهب إلى الساحر! فإذا كانت النصوص لا تعجبك ولم تأت بنتيجة فالعيب فيك أنت.

    وقد ثبت في السنة: (صدق الله وكذب بطن أخيك)، وهو (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثانية فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثالثة فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: صدق الله وكذب بطن أخيك. اسقه عسلاً، فسقاه فبرأ) وأنت تريد من أول جرعة أن تأخذ الدواء وتشفى وتبرأ تماماً؟!

    إن النصوص تحتاج إلى قلب واع مؤمن، قد تمكن الإيمان منه حتى استطاع أن يتعامل معه، فعند أن تتبع النصوص بغير اعتقاد فإنها لا تنفعك، بل حتى الأطباء يقولون: العامل النفسي في العلاج مهم جداً لإتمام البرء، فأنت عند أن تأخذ علاجاً صرفه لك الطبيب وأنت لا تثق بهذا الطبيب ولا بهذا الدواء، ولا تعتقد أن هذا الدواء سيكون سبباً في الشفاء ففي الغالب لا يعطي نتيجة.

    فإذا أردت التعامل مع النصوص فلابد من تنظيف وتطهير القلب أولاً.

    إذاً: فهذه خمسة علاجات لدفع هذا الوسواس وهذا الخاطر.

    1.   

    كلام الإمام النووي في معاني أحاديث النهي عن الوسوسة في الإيمان

    يقول الإمام النووي عليه رحمة الله: أما معاني هذه الأحاديث وفقهها: فقوله عليه الصلاة والسلام: (ذلك صريح الإيمان ومحض الإيمان) معناه: استعظامكم أن تتفوهوا بكلمة من هذا الوسواس لهو دليل صادق على إيمانكم.

    أي: أن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك.

    واعلم أن الرواية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد -يعني: هو الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام- وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم الرواية الأولى، وقيل: معناه: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، أي: لمن أيس من نقله من الإيمان إلى الكفر، فأعظم ما يصبو إليه الشيطان إكفار الناس وخروجهم عن ملة الإيمان، فقد يفعل ذلك مع شخص فينجح، ويأتي ليفعل ذلك مع الآخر فلم ينجح، فمن غباء الشيطان أنه يصر على وسيلة هو فيها فاشل، فلابد أن يستخدم سلاحاً آخر، ووسيلة ثانية، وحيلة أخرى.

    فقال: إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه -أي: لعجزه عن كفره- وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد.

    قال: وعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيمان، أو الوسوسة علامة محض الإيمان، وهذا القول هو الذي اختاره القاضي عياض.

    وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله) وفي الرواية الأخرى: (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله عز وجل في إذهابه.

    قال الإمام المازري رحمه الله: ظاهر الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها.

    يعني: لا يصح أن تقول: لا، إنك أيها الشيطان! مضل مجرم، ولذلك أنا لا أسمع لإغوائك؛ بدليل أن الله تعالى قال: كيت وكيت، فأنت لا تحتاج إلى استدلال وبعد نظر في دفع هذا الوسواس؛ لأنك من الأصل مؤمن كامل الإيمان، فلا تحتاج مع هذا إلا أن تدفع عنك هذا الخاطر سريعاً دون أن تتكلف بإتيان الحجج والأدلة والبراهين على أن هذه من وسوسة الشيطان، بل عليك أن تطرده عن بابك قولاً واحداً دون أن تتكلف بالإتيان بالأدلة.

    قال: والذي يقال في هذا المعنى: أن الخواطر على قسمين: فأما التي ليست بمستقرة، ولا اجتلبتها شبهة طرأت؛ فهي التي تدفع بالإعراض عنها، يعني: مجرد خاطر مر على القلب ولم يستقر فإنه يدفع بالإعراض عنه؛ لأنه غير متمكن، وعلى هذا يحمل الحديث.

    وعلى مثلها ينطبق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمراً طارئاً بغير أصل دفع بغير نظر ولا دليل؛ إذ لا أصل لهذا العارض حتى نحتاج معه إلى استدلال وبرهان، وهذا يختلف عن الخواطر التي استقرت في القلوب.

    وهذا كشخص مرض مرضاً يسيراً، فعند أن ترك العلاج ذهب هذا المرض، بخلاف رجل تمكن المرض منه تمكناً عظيماً، فلما كان هناك فرق بين الداءين في البدن فلابد أن يكون هناك فرق بين الوسوستين والخاطرين في القلب، فإما خاطر خطر ومر على القلب ولم يستقر، وإما خاطر قد مر بالقلب فوجده فارغاً فتمكن منه.

    وكأنه يقول: إن هذا القلب إما عامر بالإيمان، وإما فارغ وخاو وخال من الإيمان، فإن كان عامراً بالإيمان فلا تتمكن منه هذه الخواطر والهواجس والوساوس؛ ولذلك يكفي صاحبها أن يستعيذ بالله، وأن يجاهد نفسه مجاهدة يسيرة لدفع هذا الوسواس، وأن يقرأ سورة الإخلاص، وليتفل عن يساره ثلاثاً.

    وأما الذي تمكنت منه فمن حقه أن يطالب أن تزال عنه الشبه بالحجج والبراهين.

    إذاً: فالوسواس لا يمكن أن يتمكن إلا من القلب الذي فرغ من الإيمان، وحتى تدفع هذا الخاطر لابد من جهد عظيم جداً وخارق في دفع هذا الوسواس بالأدلة والبراهين، فنحن نحتاج إلى أدلة وبراهين لمن كان قلبه خاوياً من الإيمان حتى ندفع عنه ذلك الوسواس، ويعمر قلبه بالإيمان، ويحصن نفسه ضد هذه الوساوس والهواجس.

    قال: وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة -يعني: تمكنت من صاحبها بسبب الشبهة التي طرأت عليه- فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر.

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم:(فليستعذ بالله ولينته) فمعناه: إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله عز وجل في دفع شره عنه، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها.

    فيشتغل بالذكر، وبالقرآن، وبالاستغفار، وبمصاحبة الإخوة والخلان وغير ذلك من الطاعات.

    وهذا الكلام كلام متين جداً في علاج الوسوسة، ودفع الشيطان على هذا النحو.

    1.   

    كلام ابن القيم في علاج الوسوسة في الإيمان

    وشيخ الإسلام ابن القيم عليه رحمة الله له كتاب ممتع جداً اسمه: إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان، وقد عقد فيه فصولاً متعددة على طول الكتاب وعرضه يتكلم فيها عن كيفية محاربة العبد للشيطان، واعتبر أن الأعداء الذين يعادون ابن آدم إنما هما النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، ومعظم الضلال إنما يأتي منهما، فعقد فصولاً متعددة في أبواب شتى وهو يتكلم وينصح العباد كيف يتعاملون مع الشيطان إذا وسوس لهم في أي باب من الأبواب، فقد يمكن أن يوسوس في باب الوضوء، أو في باب الصلاة، أو في باب الصيام، أو في باب الزكاة، أو في باب الحج، وأعظم أبواب الإغواء والوسوسة إنما هي في الإيمان؛ لأن الوسوسة في هذه الحالة إنما هي في ذات الله تبارك وتعالى.

    ولا شك أن الوسوسة كلها مذمومة وغير محمودة، وممقوتة لدى أهل العلم وفي الشرع، لكن بعضها أعظم من بعض، فلا يتصور التساوي بين عبد دخل الشيطان له في باب الوضوء ووسوس له، فبدلاً من أن يغسل العضو ثلاث مرات يغسله ثلاثين مرة، وبدلاً من أن يتوضأ بالمد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ به، ويغتسل بالصاع فإنه يتوضأ ببرميل أو برميلين، وبعد هذا كله لا يرى أنه أحسن الوضوء، وهو حقيقة لم يحسن، بل قد أساء الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً وثلاثاً، وتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثاً وثلاثاً وقال: (من زاد عن هذا فقد أساء وتعدى وظلم).

    فقوله: (من زاد عن هذا) أي: من زاد عن الغسلات الثلاث لكل عضو (فقد أساء وتعدى وظلم).

    وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ بالمد -أي: بملء الكفين- ويغتسل بالصاع -وهو أربعة أمداد-، فقال رجل ممن سمعه: إنك لتراني عظيم البدن مشعراً، فلا يكفيني المد، بل لا يكفيني الصاع في الاستنجاء، فغضب جابر رضي الله عنه وقال: قد كان يكفي من هو أعظم منك وأشعر)، يريد أن يقول له: إن الذي أنت عليه وسوسة، ولو أن الإيمان تام كامل عندك لما قلت هذا، وإن كانت هذه بلية فاحتفظ بها كما احتفظ بها الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: (يتعاظم أحدنا أن يتكلم به).

    فعند أن تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد وأنت تصب برميلاً؛ فاعلم أن هذه بلية، وحاول أن تعالجها، لكن إياك أن تجعل هذا الأمر حجة، فيلقيها الشيطان على قلبك.

    وقد نقل شيخ الإسلام ابن القيم عن ابن قدامة المقدسي كيفية العلاج من الوسوسة. فقال: فمن أراد التخلص من هذه البلية -التي هي الوسوسة- فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه عليه الصلاة والسلام على الصراط المستقيم، وأن ما خالف هديه في قوله وفعله إنما هو من تسويل إبليس ووسوسته.

    ويوقن العبد أنه -أي: الشيطان- عدو له، وأن النجاة من هذا العداء في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الشيطان لا يدعوه إلى خير قط: إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6].

    وليترك التعريج على كل ما خالف طريقة رسول الله عليه الصلاة والسلام كائناً ما كان، فإنه لا يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم، ومن علمه فإلى أين العدول عن سنته، وأي شيء يبتغي العبد غير طريقته، ويقول لنفسه: ألستِ تعلمين أن طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الصراط المستقيم؟ فإذا قالت له: بلى، قال لها: فهل كان يفعل هذا؟ فستقول: لا، فيقول لها: فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ وهل بعد طريق الجنة إلا طريق النار؟ وهل بعد سبيل الله وسبيل رسوله إلا سبيل الشيطان؟ فإن اتبعتِ سبيله كنت قرينه -أي: كنتِ قرينة له- وستقولين: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين.

    1.   

    النظر إلى أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    ولينظر أحوال السلف في متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقتد بهم، وليختر طريقهم.

    قال بعضهم: لقد تقدمني قوم لو لم يجاوزوا بالوضوء الظفر ما تجاوزته. يعني: لو كان الوضوء هو غسل الظفر فقط ما غسلت غيره؛ دفعاً للوسواس.

    قال زين العابدين يوماً لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب؛ لأن الحمام فيه ذباب والذباب يقع على الوساخة والقاذورات، ثم إذا دخلت الحمام وقع هذا الذباب علي.

    قال: ثم انتبه زين العابدين فقال: ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه إلا ثوباً واحداً، فتركه.

    وكان علي بن أبي طالب يدخل المسجد فيطأ الوحل والطين من بيته إلى المسجد، ثم يصلي ولا يغسل قدمه، فلما حُدِّث في ذلك قال: أليس في الصيف يجف هذا الطيب ويصير تراباً، فتسفيه الرياح على وجهك وفي شعرك وثوبك فتصلي به، أم أنك تتوضأ؟ قال: أصلي به، قال: وأنا أصلي به الآن.

    وأتى رجل إلى ابن قدامة وقال له: يا إمام! إني أشكو من عجزي أن أكبر في الصلاة، قال: تشكو من ماذا؟ قال: لا أستطيع أن أقول: الله أكبر، فكيف أقولها؟ قال: قلها كما قلتها الآن.

    قال: وكان عمر رضي الله تعالى عنه يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له: لم يفعله عليه الصلاة والسلام انتهى، حتى إنه قال: لقد هممت أن أنهى عن لبس هذه الثياب؛ فإنه قد بلغني أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له أبي بن كعب : مالك أن تنهى؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبسها ولُبست في زمانه، ولو علم الله أن لبسها حرام لبينه لرسوله، فقال عمر : صدقت.

    ثم ليعلم هذا الموسوس أن الصحابة ما كان فيهم موسوس، ولو كانت الوسوسة خيراً من الله عز وجل لأعطاها أولاً لأنبيائه ورسله، ثم لأصحاب أنبيائه ورسله، ثم للأمثل فالأمثل، فلما حجبها عن هؤلاء جميعاً دل على أنها شر.

    ولو كانت الوسوسة فضيلة لما ادخرها الله عن رسوله وصحابته وهم خير الخلق وأفضلهم، ولو أدرك رسول الله عليه الصلاة والسلام الموسوسين لمقتهم وذمهم، ولو أدركهم عمر رضي الله تعالى عنه لضربهم وأدبهم، ولو أدركهم الصحابة لبدعوهم.. وغير ذلك من كلام السلف رضي الله تبارك وتعالى عنهم.

    وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخه أبي الوفاء بن عقيل : أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مراراً كثيراً وأشك هل صح لي الغسل أم لا، فما ترى يا إمام؟ فقال له: قد سقطت عنك الصلاة. قال له: كيف؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة ومنها: المجنون حتى يفيق) وأنت إنسان مجنون، فالذي ينغمس في الماء مراراً ولا يرى أنه قد طهر لابد أن عقله قد ذهب، وربما شغله بوسواسه حتى تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت وأشغله بوسوسته في النية حتى تفوت التكبيرة الأولى، وربما فوت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذا ثم يكذب.

    فالأمثل في الموسوسين الذي يخطف تكبيرة الإحرام ويركع مع الإمام، إذ يفوت على نفسه تكبيرة الإحرام وهو كان مدركاً لها، ويفوت على نفسه قراءة الفاتحة وكان في حقه مستطاعاً؛ وكل ذلك وهو يرفع يديه يقول: الله أك، الله أك، الله أك، أك.. أك.. أك إلى أن يركع الإمام.

    يقول ابن قدامة : ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان -أي: أن هذا الموسوس مطيع للشيطان وليس مطيعاً لله عز وجل- حتى اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام -يعني: زهدوا في اتباع النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته- حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، أو صلى كصلاته فوضوءه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في مواكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين أنه قد صار نجساً يجب عليه تسبيع يده، يعني: يجب عليه أن يغسل يده سبع مرات.

    وأهل العلم يقولون: الفقه كل الفقه في الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسنة، ولذلك يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.

    وقال أبي بن كعب : عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله عز وجل فاقشعر جلده من خشية الله تعالى إلا تحاتت عنه خطاياه -أي: تساقطت- كما يتحات عن الشجر اليابسة ورقها، وإن اقتصاداً في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصاداً أن تكونوا على منهاج الأنبياء وسنتهم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الأكل في الطريق

    السؤال: هل يجوز الأكل في الطريق؟

    الجواب: من حيث الجواز يجوز، والأفضل تركه؛ لأن بعض أهل العلم عدوه من خوارم المروءة، وخوارم المروءة هذه مرتبطة بالعرف؛ لأن الشرع لم ينص على أفعال معينة أنها من خوارم المروءة، وإنما هي خاضعة لعرف كل زمان ومكان، فما عده أهل كل زمان في بقعة من البقاع أنه من خوارم المروءة أصبح الأمر كذلك، فلو كان الأكل منها فلا ينبغي لأحد أن يأكل في الشوارع ولا أن يأكل في الأسواق وغيرها، وإلا انخرمت مروءته، ولم تصح شهادته، لكنني أبشرك أنه ليس هناك شيء في هذا الزمان من خوارم المروءة.

    حكم القول عن الرجل الصالح: إنه من الأبدال

    السؤال: كثيراً ما أقرأ في كتب التراجم عن صاحب الترجمة: أنه من الأبدال؟

    الجواب: هي كلمة يقولونها للمبالغة في صلاح وتقوى المترجم له، لكنها لفظة أخذت بعداً عظيماً جداً عند المتصوفة، ولذلك ينبغي الاستغناء عنها بغيرها، فيوصف العبد بالصلاح والتقوى والعبادة وغيرها خير من أن يوصف بأنه بدل من الأبدال، فالصوفية عندهم أن الأبدال إنما هم أقطاب يملكون التصرف في الكون من جميع نواحيه.

    منهج الألباني في تصحيح الحديث

    السؤال: هل صحيح أن الشيخ الألباني متساهل في التصحيح؟

    الجواب: هذا ليس صحيحاً، وإنما الشيخ له منهج في التصحيح والتضعيف، ومنهجه ليس فيه تساهل.

    الوضوء بالمد

    السؤال: هل يمكن أن يكون المد -ملء الكفين- كافياً للوضوء ثلاثاً ثلاثاً؟

    الجواب: يكفي حسب فقه العبد، فإذا علمت أن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يتوضأ ولا يبل الأرض بفضل وضوئه؛ علمت أن هذا المد يكفي للوضوء، ونحن قد قمنا بالوضوء بالمد، فكنا نأخذ العلبة من علب المربى في الجيش فنستنجي بها بعد الاستجمار، ونتوضأ منها، فالضرورة علمتنا.

    الإخلاص أفضل سورة في القرآن على الإطلاق

    السؤال: أيهما أفضل سورة في القرآن: الإخلاص أو الفاتحة؟

    الجواب: الإخلاص هي أفضل سورة على الإطلاق، كما أن أفضل آية على الإطلاق هي آية الكرسي.

    حكم زواج المرأة بدون إذن وليها

    السؤال: رجل تزوج من امرأة بدون إذن وليها، واستمرت حياتهما لمدة عامين أو أكثر، وبعد ذلك رضي ولي الزوجة، فهل على الزوج والزوجة من حكم شرعي؟

    الجواب: هذا الزواج غير صحيح في مذهب الجمهور، وعند الأحناف صحيح، ولكن يفرق بين المرأة البالغة الرشيدة وبين المرأة غير البالغة، فالإمام أبو حنيفة لا يشترط الولي للمرأة البالغة أو الثيب، ويشترطها في غير البالغة، بل يقول: لا يشترط الولي في البالغة ولا في الثيب إذا اختارت كفؤاً لها، فهو أيضاً اشترط الكفاءة، والكفاءة محل خلاف عند أهل العلم: هل هي في الدين فقط أم في الدين والدنيا؟ فالكفاءة في الدين محل اتفاق، والكفاءة في الدنيا محل اختلاف عند أهل العلم، ومعظم الحوادث التي تتم بين الزوجين منشؤها عدم الكفاءة، مثل رجل جاهل يتزوج بمثقفة، ورجل لا يعرف شيئاً عن دينه يتزوج بمتفقهة إلى أقصى حد في دينها، فكيف تستقيم الحياة؟! وكيف سيفكرون؟! فمعظم المفاسد بالفعل تأتي لعدم الكفاءة.

    فزواج المرأة بغير ولي نكاحها باطل، لكن الذي تزوج وأنجب وجاء بسرب عيال، وسمع أن الزواج بغير ولي باطل؛ فلا شك أن هذا الزواج قائم، ولا يستطيع أحد أن يقول: إنه باطل، ولا أن ما دار بينهما زنا؛ وذلك لشبهة المذهب الحنفي، وأنت لو أردت أن تبطل هذا النكاح الذي تم لأبطلت نكاح ربع الأمة، فقارة آسيا كلها أحناف ويعتمدون هذا المذهب، وهو عدم اشتراط الولي، فماذا ستقول لهم؟ أتبطل نكاح ربع الأمة؟!

    فلا شك أن الذي قد مضى عليه ذلك فليتق الله عز وجل وليستأذن الولي في ذلك؛ ولذلك كثير من أهل العلم يقولون: إن صحة النكاح مشروط بإذن الولي ولو كان بعد الدخول، فمادام الولي قد رضي فإن شاء الله تعالى لا حرج عليك، وإنما الحرج على من أقدم، وهو يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل).

    رؤية الله في المنام

    السؤال: هل يرى الإنسان الله عز جل في منامه، أم أن ذلك من وساوس الشيطان؟

    الجواب: بل من وساوس الشيطان، ولم ير أحد ربه تبارك وتعالى في منامه قط إلا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث اختصام الملأ الأعلى الذي أخرجه أحمد بسند صحيح.

    معنى حديث: (أنا رسول الله، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم)

    السؤال: ما معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا رسول الله، ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم

    الجواب: ثبت في السنة أن امرأة مات ولدها، فقالت: هو في الجنة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بل هو في النار (أتتألين على الله عز وجل؟ فبكت المرأة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا رسول الله ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم).

    أي: أنا رسول الله ولا أتألى على الله بهذا، وإنما هو محض فضله تبارك وتعالى.

    ولذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يقطع لأحد بجنة ولا نار إلا ما ورد القطع به في الكتاب والسنة، وقد ورد القطع بأن عليه الصلاة والسلام في الجنة حيث قال: (النبي في الجنة، والصديق في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة)، والحديث بتمامه كما أخرجه الطبراني : (ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟ كل امرأة ودود ولود عئود، إذا غضب عليها زوجها قالت: لا أذوق غمضاً حتى ترضى) يعني: لا أستطيع أن أنام إلا وأنت عني راض.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام مقطوع له بالجنة، بل هو أول من يقرع باب الجنة، ولكنه أراد أن يؤدب الأمة ألا تتألى على الله عز وجل، فقد قال رجل من أهل الطاعة لرجل كان على معصية: (والله لا يدخلك الله الجنة أبداً) وهذا الحديث كثير من الإخوة يحفظه، ومن الناس من إذا كان صاحب لحية قطع لنفسه بالجنة، ويحكم على غيره بالنار، والله ليس هذا الفيصل؛ إذ ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، واللحية من التقوى، لكنك لا تضمن لنفسك أنك في الجنة.

    فقال: (والله لا يدخلك الله الجنة أبداً، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي؟ فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عمله)؛ لأن الجنة والنار لا يملكهما إلا خالقهما، فليس لك الحكم بأن هذا في الجنة وهذا في النار؛ لأن الأعمال بالخواتيم: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) والعكس بالعكس.

    فلا تغتر بطاعتك، فربما يختم لك بغير هذا، وإن العاصي ربما تاب الله عز وجل عليه فختم له بخاتمة السعادة، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

    تشكيك الشيطان المرء في قدرة الله عز وجل

    السؤال: هل من الوسوسة أن المرء يزعم أن الجن لها قدرة فوق قدرة الله تعالى؟

    الجواب: من الممكن أن الشيطان يتسلط على المرء بأن يوسوس له أن الله تعالى غير قادر عليه، فمن الممكن أن يتسلط عليه ويشككه في قدرة الله عز وجل.

    حكم تخليل اللحية بالماء في الوضوء

    السؤال: بالنسبة لتخليل اللحية؛ هل يكفي لتخليلها الإصبع المبلولة بالماء، أم لابد من إدخال الماء خلال شعر اللحية؟

    الجواب: على أية حال حديث تخليل اللحية بالماء في الوضوء حديث ضعيف، فإن فعلته بنية النظافة أو إتمام الطهارة فلا بأس، وإن لم تفعله فلا شيء عليك.

    حكم العمل في المحرمات

    السؤال: أنا أعمل في تجارة في الأدوات المنزلية، وأبيع كئوساً لفنادق، وأعرف أن هذا الكأس سيشرب فيه الخمر، فهل علي في ذلك وزر؟

    الجواب: نعم؛ عليك وزر، عليك أن تتحرى الحلال في تجارتك.

    حكم حضور أفراح فيها مغنون ودفوف، وحكم الأناشيد الإسلامية

    السؤال: هل يجوز الذهاب للأفراح وبها مغنون ودفوف، وإن كان يترتب من عدم الذهاب قطيعة الرحم؟

    الجواب: الإمام أحمد بن حنبل ما كان يذهب إلى مكان فيه بدعة قط، وإذا رأى شيئاً يخالف دين الله كان يترك المكان وينصرف، والأناشيد الإسلامية فيها شيء إذا كانت عند الرجال، وتاريخ الأمة كله يشهد بأن الذي كان ينشد هن النساء، ويضربن بالدف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فرق ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف).

    وأما الأفراح الإسلامية والأناشيد الإسلامية عند الرجال فلا شك أن هذا كله مخالف لسنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    من نذر طاعة الله لزمه الأداء

    السؤال: امرأة نذرت أن تصلي لله ألف ركعة بعد أن تضع حملها إن رزقت بولد، فهل لها أن تصلي من الألف ركعة قبل الوضع؟

    الجواب: لا، سبحان الله! لقد كانت في سعة من أمرها، فضيقت الخناق على نفسها، فأدركت أنه لابد أن تتخفف من هذا النذر؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنما يستخرج به -أي: بالنذر- من البخيل)، فلو كنت امرأة ذكية لما نذرت، وإنما أكثرت من النوافل قبل الوضع أو بعد الوضع، فنذر المرأة بألف ركعة قد يكون سبباً في بغضها للعبادة، وإثقال العبادة على قلبها.

    على أية حال هذه التي نذرت يلزمها الوفاء بعد الوضع حسب الشرط الذي اشترطته، وهي قد أثقلت على نفسها، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) وهذا نذر طاعة فيلزم الوفاء به.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.