إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب التوبة - حديث القاتل مائة نفسللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يغفر الله سبحانه الذنوب جميعاً إذا تاب العبد منها توبة نصوحاً، فالذي قتل مائة نفس غفر الله له، وأدخله الجنة؛ لصدق توبته، وتوجهه إلى ربه ومولاه، فمهما عظمت جريرة العبد ومهما جلت معصيته، فإنه لا يحول بينه وبين التوبة شيء، وما ذاك إلا لسعة رحمة الله عز وجل بعباده، وقبوله للمنيبين التائبين منهم.

    1.   

    باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله

    الحمد الله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، أما بعد:

    الباب الثامن من كتاب التوبة هو: باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله:

    شرح حديث القاتل مائة نفس

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لـابن المثنى قالا: حدثنا معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي قال: حدثني أبي -وهو: أبو عبد الله الدستوائي- عن قتادة -وهو ابن دعامة السدوسي البصري- عن أبي الصديق بكر بن عمرو الناجي ، مشهور بكنيته أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان-: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعاً وتسعين نفسا)].

    يعني: أن هذا الأمر متعلق بالأمم السابقة، ولم يكن واقعاً في أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    أهمية العلم وسؤال العلم

    قال: [(فسأل عن أعلم أهل الأرض؟ فدل على راهب)].

    أي: دلوه على راهب، وشأن الراهب أنه يبقى في صومعته يعبد فيها ربه، فيصلي، ويصوم، ويتقلل من الطعام والشراب واللباس، وأما العلم فلا صلة له به، والأصل أن يدل على أعلم أهل الأرض، لكنهم تركوا ذلك وأخذوا كما يأخذ عامة الناس بظاهر الحال من الصلاح، والعبادة، والتقوى، وغير ذلك، فهذا الراهب إنما تنفعه رهبنته لوحده، وهذه الرهبنة لا تنفع بقية الأمة، فعبادته مقصورة عليه، فهو وحده ينتفع بها، وأما بقية أفراد الأمة فإنما ينتفعون بعلم العالم لا بعبادة الراهب، ولا بعبادة العابد، ولا بصلاحه.

    والعابد أو الصالح، التقي، الراهب، قل أن يكون له علاقة أو صلة بالعلم، فكثير من الناس إما أن يكون قصاصاً، أو واعظاً، أو خطيباً، أو مصلحاً، أو غير ذلك من الأعمال الخيرية الشريفة التي يتقرب بها قائلها إلى الله عز وجل، لكن لا يصلح أن يتصدى لإفتاء الناس في أمور دينهم ودنياهم.

    وعلى أية حال ليس هذا مطعناً فيمن تصدى لوعظ الناس، أو التأثير فيهم بالقصص والروايات والأخبار وغير ذلك، وربما لا يتأهل العالم للقيام بهذا الدور في الأمة؛ لأنه أتقن نمطاً معيناً من دين الله عز وجل، وهو طلب العلم بأدلته الشرعية، وإسقاط ذلك على واقع السائل، ثم الإفتاء بالحل أو الحرمة، وبالبطلان أو الصحة، أو غير ذلك، فهو يجيد هذا الفعل، وغيره لا يجيد إلا باب القصص والوعظ، والتأثير في الناس، والخطابة، وربما لا يجيدها العالم، فهذه أرزاق وقدرات وزعت على الخلق كل على حسب مراد الله عز وجل.

    فليس مطعناً على العالم أنه غير قادر على الوعظ، وليس مطعناً على الواعظ أنه غير قادر على تعليم الناس؛ لأنه لا رصيد له بالعلم، وإنما رصيده حب القصص، والأخبار، والحكايات، والروايات التي يكون لها تأثير مباشر في قلوب المستمعين، وتحريك الوازع الديني في قلوبهم، وربطهم بالله عز وجل، ويا حبذا لو أن ذلك وفق معرفة الحلال والحرام، ومعرفة الأحكام والحدود وغير ذلك من مسائل العلم في دين الله عز وجل!

    ولذلك يغتر كثير من الناس فيسألون أي خطيب صعد المنبر، وهذا بلا شك فعل غير سديد، ومنهج غير موفق، وربما يحمل الحياء الشيخ ألا يعتذر عن كل سؤال وجه له، فيفتي الناس بالعاطفة لا بالعلم، وكذا يتوجه المستمعون إلى الواعظ، والقصاص، والإخباري وغير ذلك بأسئلة لو طرحت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، والذي يحمل الخطيب أن يتصدى للإفتاء هو مخافة السبة، أو التهمة، أو أن يقال: ليس عنده علم أو غير ذلك، وليس هذا بابه ولا مدخله، كما يحمل الناس العالم أو طالب العلم المتخصص أن يخطب فيهم وليس خطيباً، فإذا صعد المنبر نفر الناس من طريقته وأسلوبه؛ لأن طريقة العلم وطرح المسائل بأدلتها لا يقبلها إلا فئة قليلة من الناس؛ وهم طلاب العلم، فكون العالم أو المهتم بتدقيق وتحقيق المسائل العلمية يفعل ذلك على المنبر لا شك أن هذا فيه تنفير لعامة المستمعين، وإذا اتفقنا أن هذه قدرات؛ فينبغي أن نعرف إلى من نوجه سؤالنا.

    ولذلك فإن الله تعالى أمرنا أن نسأل أهل العلم فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، وقال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، فالمسألة كلها متعلقة بالعالم.

    هذا إذا أردت أن تتعلم دينك، وأما إذا أردت أن ترقق قلبك، وشعرت ببعض القسوة أو الغلظة أو البعد عن الله عز وجل؛ فهذا بلا شك عن طريق الواعظ، والقصاص، والمؤثر في قلوب الناس، فلا يبغي هذا على ذاك.

    ولذلك انظر إلى الخطأ الذي نجم عن عدول الناس في دلالة هذا القاتل على العالم، فهو لما سألهم عن أعلم أهل الأرض دلوه على راهب.

    قال: [(فأتاه القاتل فقال له: إنه قتل تسعاً وتسعين نفسا -أي: يتكلم عن نفسه بضمير الغائب- فهل له من توبة؟ فقال الراهب: لا توبة له، فقتله القاتل، فأتم به المائة)].

    لأنه أغلق باب الأمل أمامه، وإذا كان الباب قد سد وأغلق وأوصد أمامه تماماً، ويستوي أن يقتل واحداً أو مائة؛ فما المانع أن يقتل من أيسه وقنطه من رحمة الله عز وجل.

    قال: [(ثم سأل عن أعلم أهل الأرض)].

    أي: أنه لم يقنط، فسأل للمرة الثانية عن أعلم أهل الأرض.

    قال: [(فدل على رجل عالم)].

    والتفريق بين العالم والراهب: أن الراهب هو الرجل الصالح ذو العبادة المستمرة، لكنه ليس عالماً، ولذلك جرّ على نفسه القتل بجهله، ولو قال: لا أعلم لنجا، لكنه تصدى لشيء بعاطفته، واستعظم ذلك، وأخذ الثقة من نفسه، فطرده من رحمة الله عز وجل بقوله، فلما قنط القاتل قتله، فأتم به المائة، بخلاف العالم.

    قال: [(فدل على رجل عالم فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال العالم: نعم)].

    أي: نعم له توبة وإن قتل الناس أجمعين.

    قال: [(ومن يحول بينه وبين التوبة)].

    يعني: من ذا الذي يحجب عنه باب قبول التوبة.

    قال: [(انطلق إلى أرض كذا وكذا)].

    أي: لم يتوقف أمر العالم عند حد الفتوى، بل نصحه ودله على الطريق المثبت له على توبته؛ لأن العبرة ليست بالتوبة فحسب، بل بالثبات على التوبة، وعدم النكوص عنها.

    من مثبتات التوبة معاشرة الصالحين والابتعاد عن الأشرار

    قال: [(انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم)].

    وهنا يظهر أن المرء على دين خليله، قال تعالى: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، فهؤلاء قوم يعبدون الله، وهم أتقياء، ومن عبد الله تعالى معهم أعانوه على ذلك، وألزموه كلمة التقوى.

    قال: [(ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء)].

    أي: أن هؤلاء القوم الذين تربيت معهم قوم أشرار.

    التوبة تجب ما قبلها

    قال: [(فانطلق الرجل حتى إذا نصف الطريق -يعني: انتصف به السير في وسط الطريق- أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب -ومعنى اختصمت: اختلفت- فملائكة الرحمة يقولون: أتانا تائباً، وملائكة العذاب يقولون: لم يعمل خيراً قط، فقد قتل مائة نفس، فأمر الله عز وجل ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أن يحتكموا لأقرب قادم، فأنزل الله عز وجل ملكاً من السماء في صورة إنسان، فجعلوه بينهم حكماً، فقال هذا الملك: قيسوا ما بين الأرضين: الأرض التي خرج منها، والأرض التي هو ذاهب إليها، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي هو ذاهب إليها -أي: الأرض التي فيها قوم يعبدون الله عز وجل- فقبضته ملائكة الرحمة).

    قال قتادة : فقال الحسن -وهو ابن أبي الحسن يسار البصري-: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره].

    وهذه صيغة تمريض تشير إلى ضعف ذلك، كما أنه لم يذكر في الحديث النبوي. ونأى بمعنى: نهض وتحرك، يعني: لما أتاه الموت تقلب مرة، فكانت هذه المرة بالقرب من الأرض التي هو قد أرادها.

    وهذا الكلام الذي قاله الحسن (ذكر لنا) رواه مسلم مسنداً بسند صحيح في الإسناد الذي بعده مباشرة؛ حتى يبين لنا طريق قتادة عن الحسن وأن ذلك قد ثبت من طريق أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد في نفس الحديث.

    قال مسلم: [حدثني عبيد الله بن معاذ العنبري ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن قتادة أنه سمع أبا الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن رجلاً قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجعل يسأل: هل له من توبة؟ فأتى راهباً فسأله، فقال: ليست لك توبة، فقتل الراهب، ثم سأل عالماً فقال له: نعم، ثم أمره أن يخرج من قريته إلى قرية فيها قوم صالحون، ولما كان في بعض الطريق أدركه الموت، فنأى بصدره ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان أقرب إلى أرض القوم الصالحين بشبر واحد، فأخذته ملائكة الرحمة).

    وحدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي ، حدثنا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد نحو حديث معاذ بن معاذ، وزاد فيه: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي -أوحى: بمعنى أمر- وإلى هذه أن تقربي)].

    أي: أن الله عز وجل أمر الأرض التي خرج منها أن تتباعد، وأمر الأرض التي هو ذاهب إليها أن تقترب، فكان ما بين بعد هذه واقتراب ذاك هو شبر، والأعمال بالخواتيم كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي أخرجه مسلم قال: (لم يكن أحد قط أبغض إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهذا كان في حال كفره- فلما شرح الله تعالى صدري للإسلام أتيته وقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، قال: فبسط النبي عليه الصلاة والسلام يده، فقبضت يدي -أي: لم يبايع- فقلت يا رسول الله: أشترط، فقال: تشترط ماذا؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما قد سبق).

    أي: لأنه لم يكن أحد أبغض إليه من رسول الله، ولا أحد أكره إليه من النظر إلى وجه من رسول الله، ولا دين في الأرض أبغض إليه من دين رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    (قال: يا عمرو بن العاص أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها) ومعنى (تهدم) أي: تحط وتغفر، والحج يهدم ما كان قبله إذا كان حجاً مبروراً لا إثم فيه، بحيث يرجع منه المرء كيوم ولدته أمه كما قال عليه الصلاة والسلام، وكذلك لو أحسن المرء في الإسلام فإنه يغفر له ما قد سبق، بل تقلب سيئاته حسنات، ولذلك قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] أي: قل للذين كفروا إن يقبلوا على الله عز وجل، وينتهوا عن كفرهم؛ يغفر لهم ما قد سلف، أي: في حال كفرهم، وهذا دليل على أن الإسلام يهدم ويجب ويغفر ما كان قبله من معاص، وإذا كان الإسلام يغفر الكفر والشرك فكيف لا يغفر بقية الذنوب؟!

    والراجح أن الحج يغفر الكبائر والصغائر، وكذلك إذا تاب الإنسان من الكبيرة قبلت توبته من الكبائر مهما تعددت أو كثرت، والدليل على ذلك حديث قتل التسعة والتسعين.

    العمل بشرع من قبلنا والأمثلة على ذلك

    وشرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما يبطل ذلك، فالسجود للبشر كان جائزاً في شريعة يوسف، وأما في شريعتنا فليس بجائز، فلا يحل لمسلم في شريعة محمد عليه الصلاة والسلام أن يسجد لأحد قط؛ احتجاجاً بسجود والدي يوسف وإخوته له؛ لأن هذا شرع من قبلنا ولم يوافق شرعنا، بل شرعنا خالفه مخالفة صريحة، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام الجالس أن يقوم للقائم، ولما قام إليه الصحابة قال: (كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، لا تفعلوا) أي: لا تقوموا.

    ثم قال: (ومن أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، والخطر كله يكمن في حب الداخل امتثال الناس بين يديه قياماً، فالقضية كلها متعلقة بنية الداخل على القوم الجالسين.

    ولذلك (لما أتى معاذ بن جبل من اليمن انحنى بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، فأنكر عليه فوراً، فقال: يا رسول الله! إنهم في اليمن يفعلون هذا ببطارقتهم، وأنت أولى بذلك منهم، قال: لا تفعل).

    وفي هذا بيان مباشر وفوري أن هذا العمل غير مشكور، وغير مشروع في شرعنا، وأما في شرعهم فقد كان مباحاً وقربة إلى الله عز وجل.

    فالقاتل الذي كان في شرع من كان قبلنا غفر له لما تاب إلى الله عز وجل، مع أنه قتل مائة نفس، وفي شريعتنا أن من قتل نفساً ثم تاب تاب الله عز وجل عليه، فهذا الذي هو مقرر في شريعة محمد كان هو نفس الذي قرر في شريعة ذلك الرجل الذي قتل مائة نفس، فشرع من كان قبلنا هو نفس شرعنا ما لم يرد في شرعنا ما ينقضه ويرده، فمسألة شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟ محل نزع بين العلماء:

    فمنهم من قال: ليس شرعاً لنا.

    ومنهم من قال: بل هو شرع لنا.

    والرأي الراجح -وهو الثالث-: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نص في شرعنا يبين أن هذا يتفق مع شريعتنا.

    ومعلوم أنه ليس هناك إثم قط على الداخل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قام إلى جعفر بن أبي طالب ، وسفيان الثوري كان يقوم للداخل الغريب أو الغائب، وليس كل من دخل أقوم له، إنما القيام على حسب المقام، والنبي صلى الله عليه وسلم قصد الحفاظ على قلب الداخل أن يكون من أهل النار، وأما لو دخل عليك شخص وأنت واضع رجل على رجل، وهو يريد أن يعانقك وأنت ملقى على ظهرك فإن قلبه سوف يتغير عليك جداً؛ لأنه أتى باشتياق وإقبال عليك لأجل أن يعانق، ويسلم بحرارة وغير ذلك، فمن الأدب أن تحسن استقباله، (والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وجد الحسن والحسين على باب المسجد نزل من على منبر الجمعة، ويخترق الناس حتى يصل إلى باب المسجد فيعانقهما، ثم يحملهما، ثم يصعد المنبر بهما، ويقول: إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فهذا هو الحب الفطري الجبلي الذي ربي في القلب.

    فالمهم أن يكون في حساب الداخل على قوم جالسين أن يستوي عنده قيامهم له وعدم قيامهم، لكن يسن ويفضل للجالس أن يقوم للقادم؛ خاصة إذا كان من أهل العلم، أو من كبار السن، أو من ذوي القرابة نسباً أو مصاهرة؛ لأن هذا فيه تأليف للقلوب، وصلة الود بين القادم والجالس، (والنبي عليه الصلاة والسلام لما رجع من خيبر وجد جعفر بن أبي طالب، فقام إليه، وقبله بين عينيه، وقال: لا أدري بأيهما أسر: بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر!).

    فعلى المسلم أن ينزل الناس منازلهم، وتقدير الناس على قدر منازلهم في الشرع باب من الأدب عظيم جداً ينبغي لطلاب العلم خاصة، والمسلمين عامة أن يعتنوا به عناية فائقة.

    حكم توبة القاتل وأنواع الديات

    ومذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا عبد الله بن عباس، وأما القاتل خطأ فإن كفارته كما قال تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [النساء:92]، فمن صدم شخصاً بالسيارة فإن هذا قتل خطأ، وكذلك من وكز شخصاً فمات، قال تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15] يعني: هو أصلاً لم يكن متعمداً، ولو لم يوكزه فإنه سيموت، لكن الوكزه كانت السبب، وكان قتلاً خطأ، فلم يتعمد موسى قتله صلى الله عليه وسلم، لكن مسكه في صدره أو رقبته فوقع على الأرض فمات، فهذا جزاؤه عتق رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، وأما القتل العمد فإن اليهود عندهم أن القصاص واجب، ولا بد منه.

    والنصارى عندهم التسامح واجب لا بد منه، وأما نحن فمخيرون بين القصاص، أو الدية، أو العفو، وهذا من رحمة الله بنا؛ لأننا أحسن منهم، ولهذا فإن الله رفع الأغلال عن هذه الأمة المباركة، ودية القتل العمد تكون بعد تحرير رقبة إذا لم يكن ثم قصاص، ومقدار الدية: مائة ناقة، والناقة قيمتها ثلاثة آلاف جنيه، فتكون الدية بثلاثمائة ألف جنيه.

    وهناك فرق بين دية المرأة المؤمنة، ودية الرجل، وفرق بين دية الرقيق والأحرار من الرجال والنساء، وفرق بين دية أهل الكتاب والمؤمنين، وإذا كان أهل الكتاب مسالمين أو محاربين أو ناقضي العهد، وهذا موضوع طويل جداً سوف نتكلم فيه.

    ودية القتل الخطأ على التخفيف من دية القتل العمد، والأصل أن دية القتل الخطأ على العاقلة، وهم أهل القاتل وليس على القاتل نفسه، وهذا فارق بين القتل العمد والقتل الخطأ: أن القتل العمد يتحمله القاتل، وأما القتل الخطأ فيتحمله أهل القاتل، وسموا العاقلة؛ لأنهم يأتون بهذه النوق ويربطونها -أي: يعقلونها- في مكان، ويسلمونها لأهل المقتول.

    وابن عباس هو الوحيد الذي قال: إن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له، والأمة بأسرها والصحابة كذلك يقولون: بأن قاتل المؤمن عمداً له توبة، وقيل: إن ابن عباس قد رجع عن هذا الرأي.

    وأما ما ذكر عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] إلى أن قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70].

    وهذا الاستثناء يقطع هذه المعاصي السابقة، فلو كان أشرك ثم تاب قبلت توبته، ولو قتل ثم تاب قبلت توبته، وغير ذلك من سائر المعاصي، وأما قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] أي: فجزاؤه إن شاء الله تعالى أن يجازيه، أن يخلده في النار، لكن له أن يجازيه، وله ألا يجازيه ويعفو عنه.

    ثم إن قوله: خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] الخلود في لغة العرب يعني: المكث الطويل، بخلاف الأبدية السرمدية في النار للكفار والمنافقين، فلو أن هذا العبد قتل فأراد الله عز وجل أن يجازيه أدخله جهنم، وأبقاه فيها مدة من الزمان الطويل، فيكون من آخر من يخرج من النار بشفاعة الشافعين، فيكون معنى: جزاؤه جهنم خالداً فيها: أي: ماكثاً فيها مكثاً طويلاً، لا المكث الأبدي السرمدي.

    والصواب في معنى هذه الآية: أن جزاءهم جهنم، وقد يجازى به وقد يجازى بغيره، وقد لا يجازى بل يعفى عنه، فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع.

    ومن ارتكب كبيرة مستحلاً لها، متعمداً الوقوع والتلبث بها، مع قيام الحجة عليه أن هذا حرام، ولكنه أنكر وجحد وأصر على أنه ليس حراماً، وهو ليس متأولاً، ولا مخطأً، بل متعمداً، ومستحلاً، فهو كافر؛ لأن من حرم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله عامداً غير متأول لا شك أنه يكفر.

    حكم القاتل المستحل وغير المستحل

    قال: (فإن قتل عمداً مستحلاً له بغير حق ولا تأويل؛ فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل).

    أي: من قتل عمداً لكنه ليس مستحلاً للقتل، ومعتقداً تحريم ذلك، فهو فاسق عاص مرتكب للكبيرة، جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن بفضل الله تعالى أنه لا يخلد فيها من مات موحداً، وقد يعفى عنه فلا يدخل النار أصلاً، وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، فهذا هو الصواب في معنى هذه الآية، ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن ذلك حتم في حقه، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، إنما فيها أن جهنم جزاؤه إن أراد الله تعالى أن يجازيه، ولذلك لم تقل الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فيخلد في جهنم، أو يدخل جهنم، وإنما قالت: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [النساء:93] يعني: ليس بلازم إذا وقع العبد في الذنب أن يجازى به، فيمكن أن يجازى بجزاء آخر، فالله عز وجل يخفف عن عبده من عقوبة إلى عقوبة أخف برحمته وفضله سبحانه وتعالى حتى يصل إلى درجة العفو، والعفو والعذاب بيده سبحانه وتعالى، ونحن في قبضته ومشيئته يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، فأنا عبده، فإن عذبني فبعدله، وإن غفر فبفضله، فأنا أدور بين درجتين: درجة العدل، ودرجة الفضل والإنعام والتكرم.

    قال: (وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أن هذا الجزاء، أي: يستحق أن يجازى بذلك إن قتل، وقيل: إن المراد: من قتل مستحلاً).

    ثم ذكر بعد ذلك أقوالاً أخرى للدلالة على ما ذكرناه أنفاً، وزاد أقوالاً فيها ضعف، وأقوى الأقوال في قتل المؤمن عمداً ما قدمناه، والذي يسرنا أن نقول: أن ابن عباس قد رجع عن قوله: بأن قاتل المؤمن عمداً لا توبة له.

    ومن لم يجد رقبة مؤمنة بعتقها فإنه يصوم شهرين متتابعين مع وجوب الدية.

    مفارقة أهل المعاصي والمواضع التي وقعت فيها المعاصي

    أما قوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء).

    قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب؛ لحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام (لما نزل في واد هو وأصحابه قال: من يرقب لنا الفجر؟ قال بلال: أنا يا رسول الله! فنام بلال، فكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد طلعت الشمس، فقال: أين بلال ؟ قال: أنا يا رسول الله! فقال: ما الذي أخذك؟ قال: الذي أخذكم يا رسول الله! -يعني: النوم- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: انطلقوا من هذا الوادي فإن به شيطاناً، فلما صعد إلى الأرض المستوية أمر بلالاً فأذن، وتوضئوا فصلوا السنة، ثم صلوا الصبح جماعة)، وهذا بعد طلوع الشمس، وقد حدث هذا ثلاث مرات للنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.

    فقال: (وفي هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك)، الأخدان: هم الأقران أو الرفقة الذين هم معه، فمن تاب فعليه أن يترك الرفقة القديمة رفقة السوء، ويدخل المسجد، ويكثر من قراءة القرآن، والذكر، والتسبيح، وطلب العلم.

    قال: (في هذا استحباب مفارقة المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم -أي: على معاصيهم- وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين الأتقياء، ومن يقتدى بهم، وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته).

    ومن يعمل بكلام أهل العلم فسوف ينجو من شرور وفتن كثيرة جداً.

    ورب واحد يتوب ويأتي المسجد فيرى المجتمع غريباً عليه، وينظر لأخيه في البيت أول ما يلقاه حليق، فيعبس في وجه، ويمكن أن يكون هو أفضل منه، فقد تكون عنده مؤهلات أخرى إيمانيه وصلة بالله أحسن منه.

    وآخر يبحث عن جزمته في فناء المسجد فإذا لم يجدها قال: هذه آخر مرة أدخل المسجد، وذلك بسبب أخ بسوء خلقه، وقصور فكره صده عن سبيل الله عز وجل، وهناك مكاسب سبقنا إليها غيرنا من الجماعات العاملة على الساحة من صدق الخلق وغيرها، فلماذا لا يكون في ذهنك: أن كل من تقابله فإنك تدعوه إلى الله؟ أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب من أبواب الجنة؟ فلماذا تركته؟

    فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه ما كان يفرط في باب قط، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من منكم تصدق اليوم؟ فقال أبو بكر : أنا يا رسول الله! قال: من منكم عاد اليوم مريضاً؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: من منكم فعل وفعل، وكل سؤال يجيب عنه أبو بكر بقوله: أنا يا رسول الله! قال: لا عليك أن تدخل من أبواب الجنة كلها).

    يعني: لا يمنعك أن تدخل من جميع أبواب الجنة؛ لأنك قد أتيت من الأعمال الصالحة ما يؤهلك للدخول من جميع الأبواب.

    وقد سمعت مرة واعظاً وقد سأله سائل فقال له: كيف يدخل أبو بكر رضي الله عنه من أبواب الجنة كلها؟

    فقال: يدخل من باب ويخرج منه، ثم يدخل الباب الثاني والثالث.. وهكذا، فقال له السائل: إن الذي يدخل من باب الجنة لا يخرج منها أبداً، فقال الواعظ: أي والله! حتى أنا فاهم هذا الكلام غلط، وهذا يبين لنا الفرق بين الواعظ والعالم.

    والجواب على هذه المسألة هو: أن أبا بكر سوف يدخل من الثمانية الأبواب، والله تعالى أعلم بكيفية الدخول، فهذا معتقد أهل السنة والجماعة، كما نعتقد أن مصراعي باب الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين المشرق والمغرب، وإذا كان تراب الجنة المسك والزعفران فكيف بابها؟!

    وأما قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم الملك بذلك؛ فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمرهم عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا أول من يمر بهم، فمر الملك في صورة رجل فحكم بينهم بذلك، فكان مآل هذا التائب إلى الجنة.

    فداء المسلم يوم القيامة بالكافر

    قال: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامه حماد بن أسامه عن طلحة بن يحيى -وهو ابن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة- عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار)].

    أي: هذا فداؤك وخلاصك من النار في يوم القيامة، وهذا الكلام لا يعجب الملاحدة، وهو أن ربنا يجعل فكاك المسلم يوم القيامة من النار بيهودي أو نصراني، وليس معنى ذلك أن الكافر يدخل النار بسبب ذنوب المسلم، فربنا يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، ولا يعذب المرء بجريرة غيره، ولا بذنب الآخرين، وإنما يعذب بذنبه وبكفره ولا يعذب بذنوب الآخرين.

    قال: [وفي رواية عون بن عتبة، وسعيد بن أبي بردة: أنهما رأيا أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهودياً أو نصرانياً، فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: هل أبوك حدثك عن رسول الله بهذا؟ فحلف له، قال: فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه، ولم ينكر على عون قوله).

    وفي رواية أبي موسى الأشعري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى)].

    والقول الثاني في الحديث الأول: يأخذ الذنوب التي على المسلمين ويضعها على اليهود والنصارى.

    قال: [وفي رواية صفوان بن محرز قال: (قال رجل لـابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول في النجوى -أي: المناجاة التي بين العبد وبين الله يوم القيامة، وهو الكلام السر الذي لا يسمعه إلا العبد- قال: سمعته يقول: يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل) -يعني: يقترب المؤمن من ربه عز وجل- حتى يضع المولى عز وجل عليه كنفه، فيقرره بذنوبه يقول له: أنت عملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب! وعملت كذا يوم كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب)].

    فهو لا يستطيع أن ينكر، ولو أنكر ختم على فيه، وتكلمت جوارحه، فهذا موقف لا يصح فيه الإنكار، والمسلم يوم القيامة إذا حوسب وجوزي لا ينكر، وإنما الذي ينكر هم الكفار، فيختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم.

    قال: [(فيقول: هل تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: أي رب أعرف، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله)].

    الجمع بين حديث فداء المسلم بالكافر يوم القيامة، وقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)

    أورد الإمام مسلم هذه الأحاديث المتعلقة بمغفرة ذنوب المسلمين الموحدين، وأنهم يأتون بأمثال الجبال من الذنوب، والله تعالى يغفرها لهم، ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى.

    وظاهر هذه النصوص فيه إشكال، وليس كل نصوص الشرع يفهمها كل مكلف، ولو كانت نصوص الشرع يفهمها كل مكلف لما أمرنا الله بسؤال أهل العلم، فكل واحد يقرأ في الكتاب والسنة فيفهم لوحده، لذا فإن الله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] أي: بالبينات الواضحات أو بالمشتبهات.

    ولو اعتبرنا أن هذا النص من المشتبهات فإن فيه إشكالاً، وهو أن ربنا يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وفي نفس الوقت يجعل ذنوب المسلمين يوم القيامة على اليهود والنصارى، ويجعل فكاك كل مسلم من النار برجل كافر، والأصل أن الكافر لا يعذب إلا بذنبه، ومعنى هذا الحديث مرتبط بما صح عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار) ولفظ (أحد) عام يشمل المسلم والكافر.

    والله لما خلق الخلق جعل لكل مخلوق مكان في النار، ومكان في الجنة، فإذا أسلم العبد وجاء بالعمل الصالح فإنه بفضل الله تعالى يغفر الله له ذنبه، ويعطيه مكان ذلك الكافر الذي كان قد أعده له في الجنة، فالمسلم له مكانان، والكافر له مكانان، فالمسلم أخذ مكانه الذي أعد له سلفاً في الجنة، وأما مكانه الذي أعد له في النار فإنه لا يدخله؛ لأنه قد آمن، ووحد الله عز وجل، وعمل الصالحات، ولو عمل السيئات فإنه سوف يدخل مكانه الذي أعد له في النار أولاً، ويعذب فيه، ثم يخرج إلى المكانين في الجنة.

    وأما الكافر فقد أعد له مكان في الجنة، والكافر لا يدخل الجنة أبداً، ومكانه الذي أعد له في الجنة يكون للمسلم، فهذا هو معنى الفكاك والخلاص، فإن لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فمن اختار الإيمان والصلاح فإنه يحصل على المكانين في الجنة، ومن اختار الكفر والجحود والنكران فإنه يحصل على المكانين في النار.

    وأما تسمية النبي عليه الصلاة والسلام الوضع بمعنى الفكاك والخلاص؛ فهو من باب المجاز.

    1.   

    بيان متى يحمل الحديث الخاص على العام ومتى لا يحمل

    وإذا كان هناك حديث عام وحديث خاص فإنا نحمل الخاص على العام، وإذا اختلف المخرج -أي: مخرج الروايتين الخاصة والعامة- فهذا يدل على شمول الحكم العام لأفراد الخاص، وهذه مسألة أصوليه، فمخرج رواية اليهود والنصارى من طريق أبي موسى الأشعري ، وحديث: (لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار) من طريق أبي هريرة، إذاً: فالمخرج مختلف، فيجب العمل بهما جميعاً، وحمل الخاص على العام من باب اعتبار أن الخاص هو أحد أفراد العام، فمثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن إلا مع ذي محرم، ومسيرة يومين إلا مع ذي محرم، ومسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم، ومسيرة بريد أو فرسخ إلا مع ذي محرم)، ثم في الرواية الأخرى: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم).

    والروايات الأولى كلها مقيدة: ثلاثة أيام، يومين، يوم وليلة، بريد أو فرسخ، والرواية الأخرى بغير قيد، فهي رواية مطلقة، وفي هذه الحالة لا يحمل العام على الخاص، والعام لا يحمل على الخاص إلا بشروط أهمها: اتحاد المخرج، أي: أن الروايات من طريق صحابي واحد، وأما إذا تعددت المخارج فلا يحمل العام على الخاص، وإنما يحمل هذا على تعدد الحوادث، أي: أن رجلاً سأل رسول الله: هل تسافر المرأة من غير محرم مسافة ثلاثة أيام؟ فقال له: لا، وجاء رجل آخر وقال: هل تسافر المرأة مسيرة يومين من غير محرم؟ فقال له: لا، وجاء رجل ثالث فقال: هل تسافر المرأة مسيرة يوم من غير محرم؟ فقال له: لا، وسأل رجل رابع: هل يحل للمرأة أن تسافر من غير ذي محرم؟ فقال: لا.

    والنبي عليه الصلاة والسلام أفتى كل واحد على حسب سؤاله، وهذا الذي يعرف عند العلماء بتعدد الحوادث إذا اختلف المخرج، أما إذا اتحد المخرج يحمل فإنه الخاص على العام.

    والحديث الخاص بذكر اليهود والنصارى جاء من طريق أبي موسى الأشعري، وأما حديث أبي هريرة في أن الله تعالى جعل لكل أحد منزلين: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فهذا حديث عام؛ لأنه يشمل كل أحد من اليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم، والمخرج مختلف، فلا بد أن نعمل بالحديثين، فاليهود والنصارى أحد أفراد العموم الوارد في حديث أبي هريرة.

    قال: (ومعنى هذا الحديث ما جاء في حديث أبي هريرة لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار؛ لاستحقاقه ذلك بكفره).

    فالمؤمن يدخل الجنة ويزاد على ذلك مكاناً آخر، ولو أنه كفر أدخل النار، ويزاد على ذلك مكاناً آخر بسبب كفره.

    قال: ومعنى فكاكك من النار: أنك كنت معرضاً لدخول النار لو أنك كفرت، ولكنك آمنت، فهذا اليهودي أو النصراني أو الكافر فكاكك؛ لأن الله تعالى قدر للنار عدداً، فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين.

    وأما قوله: (يجئ يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله) فمعناه: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين، ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين؛ لأن الله تعالى غفرها، والغفران هو المحو، ولا يترتب من محوها معاقبة الغير عليها، وهذا في عالم البشر لعب أطفال، والله تعالى منزه عن هذا كله.

    قال: فمعنى هذا الحديث: أن الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين، ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين.

    وقوله: (يضعها) مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه أنفاً، ولما أسقط سبحانه وتعالى عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم -لأن الكفر لا يغفر- صاروا في معنى من حمل إثم الفريقين؛ لكونهم حملوا الإثم الباقي، فاستحقوا المكان الآخر في النار، وهو إثمهم بكفرهم.

    ويحتمل أن يكون المراد: أنهم يحملون آثاماً بسبب أنهم سنوا الكفر، ودعوا إليه، وعاندوا وجحدوا الإسلام، فتسقط عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها لكونهم سنوها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، والله تعالى أعلم.

    التثبت في سماع الحديث والاستخلاف في ذلك

    وأما استحلاف عمر بن عبد العزيز لـأبي بردة فإنما ذلك لزيادة الاستيثاق والطمأنينة، ولما حصل لهم من السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين؛ فقد كان عنده فيه شك أو غلط أو نسيان أو اشتباه أو نحو ذلك فلهذا استحلف أبا بردة، فلما حلف تحقق انتفاء هذه الأمور، وعرف صحة الحديث، وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز والشافعي رحمهما الله تعالى أنهما قالا: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين، وهو أن يغفر الله تعالى لهم، وهو كما قالا لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم، ولله الحمد والمنة.

    وآخر فائدة هي: قول الإمام في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه).

    قال: الكنف: هو الستر والعفو، والمراد بالدنو هنا: دنو الكرامة والإحسان لا دنو المسافة، والله تعالى منزه عن المسافة وقربها، وهذا كلام الأشاعرة.

    والصواب: أننا نؤمن بأن الله تعالى يدنو من عباده دنواً حقيقياً يليق بجلاله وكماله.