إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - تحريم الغدرللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغدر صفة ذميمة وخلق مرذول، والغادر يرفع له يوم القيامة لواء ويفضح على رءوس الأشهاد، جزاء وفاقاً على ما كان يعتمل في صدره من السوء، وكما حرم الله الغدر في السلم فقد حرمه في الحرب، إلا ما يكون من الخدعة في الحرب فإنه جائز لما فيه من تسهيل ظهور المسلمين على أعدائهم، إلا أن يكون في الخدعة نقض لعهد أو أمان فحينئذ يدخل ذلك في الغدر المحرم.

    1.   

    باب تحريم الغدر

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فمع الباب الرابع من كتاب الجهاد: (باب تحريم الغدر).

    شرح حديث: (يرفع لكل غادر لواء ..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة -حماد بن أسامة-. (ح) وحدثني زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد -يعني: أبا قدامة السرخسي - قالا: حدثنا يحيى -وهو ابن سعيد القطان - وكلهم عن عبيد الله بن عمر العمري. (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير -واللفظ له- حدثنا أبي عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع].

    فمدار هذه الأسانيد كلها على عبيد الله بن عمر العمري يروي هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر [قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، فقيل هذه غدرة فلان بن فلان)].

    قال: (إذا جمع الله الأولين يوم القيامة)، (إذا) هنا زائدة وليست للشك، ولا بد أنهم مجموعون يوم القيامة.

    قال: (يُرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان ابن فلان). والغدر هو نقض العهد ونقض الميثاق وعدم الوفاء به. فالغدر: هو النكوث عن الوفاء بالعهود والمواثيق، حتى وإن كان ذلك مع الكفار، والحديث عام: (يُرفع لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان). ولعلكم تلحظون أن المرء ينادى باسمه وينسب إلى أبيه يوم القيامة، ولم يقل: يقال هذه غدرة فلان ابن فلانة. وإنما يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان. وقد انطبع في أذهان العوام أن الناس يوم القيامة ينادى عليهم ويُنسبون إلى أمهاتهم، وهذا خطأ فادح، إنما يُنسب الرجل إلى والده.

    [حدثنا أبو الربيع العتكي قال: حدثنا حماد حدثنا أيوب أيوب بن أبي تميمة السختياني البصري. (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا عفان -وهو ابن مسلم الصفار - حدثنا صخر بن جويرية كلاهما عن نافع]. أي: صخر وأيوب يرويان عن نافع ، وهذا يعني: أنهما متابعان لـعبيد الله بن عمر العمري في الإسناد الأول- [عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث].

    شرح حديث: (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة...)

    قال: [وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -أي: علي بن حجر السعدي - عن إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار -أي: المتابع لـنافع - أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة). وهذا يدل على أن الذي يتولى نصب اللواء بيده هو الله عز وجل، وما تولى الله عز وجل فعل شيء بنفسه إلا لعظم هذا الشيء في الخير للحض عليه، أو في الشر للزجر عنه.

    قال: [(إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة فيقال: ألا هذه غدرة فلان)].

    شرح حديث: (لكل غادر لواء يوم القيامة...)

    قال: [حدثني حرملة بن يحيى التجيبي المصري قال: حدثنا ابن وهب -وهو عبد الله بن وهب القاضي المصري - أخبرني يونس عن ابن شهاب -يونس إذا جاء بين ابن وهب وابن شهاب فهو يونس بن يزيد الأيلي لا ريب- عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لكل غادر لواء يوم القيامة).

    وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار -وهما فرسا رهان في العلم والعمل والعبادة والسن، حتى في سنة الوفاة ماتوا في سنة واحدة- قالا: حدثنا ابن أبي عدي. ح وحدثني بشر بن خالد أخبرنا محمد -يعني: ابن جعفر الملقب بـغندر - كلاهما عن شعبة عن سليمانشعبة إذا روى عن سليمان فإنما هو سليمان بن مهران الأعمش أبو محمد الكوفي الإمام الكبير المشهور- عن أبي وائل شقيق بن سلمة الكوفي عن عبد الله أي: ابن مسعود رضي الله عنه -وإذا ذُكر عبد الله في طبقة الصحابة غير منسوب فإنما هو عبد الله بن مسعود خاصة إذا كان الإسناد كوفياً- قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان)].

    فقد ورد حديث عبد الله بن عمر ، ثم من بعده حديث عبد الله بن مسعود.

    قال: [وحدثنا إسحاق بن إبراهيم -المعروف بـابن راهويه المروزي - أخبرنا النضر بن شميل. (ح) وحدثني عبيد الله بن سعيد حدثنا عبد الرحمن -أي: ابن مهدي - جميعاً عن شعبة في هذا الإسناد]. يعني: عن شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. [وليس في حديث عبد الرحمن : يقال: (هذه غدرة فلان) وإنما فيه: (لكل غادر لواء يوم القيامة) ولم يذكر عبد الرحمن بن مهدي : (فلان بن فلان) واقتصر على ذكر بعض الحديث دون تمامه وكماله.

    [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم عن يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش عن شقيق -وهو أبو وائل - عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به. يقال: هذه غدرة فلان)].

    أما الحديث الثالث وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

    قال: [حدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن ثابت -تلميذ أنس بن مالك وهو ثابت بن أسلم البناني البصري - عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يُعرف به).

    وحدثنا محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا عبد الرحمن -أي ابن مهدي - حدثنا شعبة عن خليد عن أبي نضرةأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة - عن أبي سعيد الخدري - سعد بن مالك بن سنان المدني وهذا هو الحديث الرابع- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة)].

    فلكل غادر لواء يُغرز عند استه. أي: عند مقعدته ومؤخرته، فلو أن كل غادر يعلم فضيحته على رءوس الأشهاد يوم القيامة ما غدر أحد قط، والتزم الناس بمواثيقهم وعهودهم، فالذي يغدر في عهده أو ميثاقه أو في شرطه بغير عذر حري به أن يؤتى يوم القيامة فيُفضح على رءوس الأشهاد، ويُرفع له لواء عند استه ويراه الناس، كما أنه ينادى على الملأ: هذه غدرة فلان ابن فلان.

    شرح حديث: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره...)

    قال: [وحدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا المستمر بن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدره)].

    أي: إذا كانت الغدرة عظيمة جداً يرفع له لواء عظيم جداً، فالزيادة في هذا الحديث تبيّن أن قدر الراية على قدر الغدر، فإذا كان الغدر عظيماً جداً ومضرته متعدية فسيكون اللواء عظيماً جداً والفضيحة أشد عظماً، وإذا كانت الغدرة بسيطة وسهلة ومن الممكن أن تتدارك، فإن اللواء يُرفع على قدر الغدرة. تصور -مثلاً- أن راعياً يغش رعيته، أو أميراً يغش من تأمّر عليهم، أو خليفة يغش أمة بأسرها، فإنه سيكون لواءه أعظم لواء، فعندما تُبعث من القبور ترى لواءه في أرض المحشر، أعظم لواء يراه الناس من بعيد؛ وذلك لغدره الذي غدر به، ضيّع أمته، وضيّع دينه، فحينئذ يكون لواؤه أعظم لواء؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ما من راع يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يدخل معهم الجنة) فإذا لم يكن بقدر المسئولية ولم يأنس من نفسه رشداً كما آنس يوسف عليه السلام: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]؛ لأنه آنس من نفسه رشداً وهو نبي، وذلك لما علم أنه لا أحد في هذا البلد يؤتمن على خزائن المال، ففرض عين عليه حينئذ أن يكون أميناً على خزائن المال، وهذه ليست تزكية للنفس، وإنما هي فرض عين عليه، ولا يصلح في هذا الموطن الهروب وليس من الورع في شيء، أما أن يعلم أنه ليس أهلاً لذلك ويطلب الإمارة أو الولاية أو السلطة ويغدر ويغش رعيته، فالأحرى أن يُفضح في الدنيا والآخرة.

    قال: [(لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة)].

    وليس هناك أعظم جرماً من رجل استرعاه الله تعالى رعية ولم يحطهم بنصيحة ويعلمهم العلم الشرعي، ويقيمهم على الجادة، ويحضهم على السنن، وينهاهم عن البدع، وإذا علمهم وحضهم على السنن ونهاهم عن البدع فلا شك أنه قد أدى ما عليه، وأجره عند الله عز وجل.

    قال الإمام: (اللواء: هو الراية العظيمة، لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعاً له).

    فمعنى (لكل غادر لواء) أي: علامة يُشهر بها في الناس؛ لأن اللواء أعظم خاصية فيه الشهرة والاجتماع عند الرئيس، وقد كان هناك عرب تنصب الألوية في الأسواق المليئة بالناس لغدرة الغادر تشهره بذلك، فيسأل الناس: لمن رُفعت هذه الراية؟ فيقولون: لفلان. إنه غدر في كذا وكذا. فغالب رفع الراية عند العرب للغدر فيما يسمى بالجوار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أجرنا من أجرت يا أم هانئ) والإجارة أو الجوار: هو كف الأذى عن المجار أياً كان مسلماً أو كافراً، وهذا أمر معروف عند العرب للمؤمن والكافر، وأنتم تعلمون أن أبا بكر الصديق دخل في جوار ثم خرج منه، والنبي صلى الله عليه وسلم دخل في جوار وخرج منه، والمشركون دخلوا في جوار النبي عليه الصلاة والسلام وفي جوار أبي بكر وفي جوار أم هانئ.

    وكان المجير يخرج إلى الكعبة وينادي في الناس: إن فلاناً دخل في جواري أو دخل في جوار فلان. وهذا يعني: ألا يتعرض له أحد بإيذاء وإلا فهذا انتهاك لحرمة القبيلة كلها.

    والغادر هو: الذي يواعد على أمر ولا يفي به. وكذلك يقال: غدر يغدر -بالكسر-.

    تحريم الغدر وذم أهله

    في هذه الأحاديث: بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن خطره عظيم، وغدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين. وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر، ولا شك أن الفقير الكذّاب مبغض عند الله، والذي هو أشد منه بغضاً: الملك الكذّاب؛ لأنه ليس في حاجة إلى الكذب. كذلك الكبر من الغني مبغض، لكنه يكون أشد بغضاً من الفقير.

    وكذلك الغادر إذا كان صاحب ولاية عامة فغدره أشد بغضاً وعقوبة وإثماً من الذي لا يتعدى ضرره إلى الآخرين، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر. أي: إمام العامة.

    لكن القاضي عياض ذكر احتمالين. قال: (أحدهما: أن هذا الحديث ورد في ذم الغادر من الأئمة الغادرين، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي تقلدها لرعيته والتزم القيام بها، والمحافظة عليها، ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده).

    أي حينما يُعَيَّن فلان من الناس والياً أو رئيساً أو زعيماً أو غير ذلك فمن الطبيعي أنهم يضعون يده على المصحف ويقولون: احلف باليمين الدستوري.. أقسم بالله.. أقسم بالله.. أقسم بالله أن أعمل بكتاب الله، وبسنة رسول الله، وأن أرعى مصالح الأمة، ومصالح الشعب -أخذوا كأنه شيء عادي.. بلادي بلادي، لكِ حبي وفؤادي- وقبل أن يخرج من المجلس يكون قد غدر بالكتاب، والسنة، والأمة. أليس هذا بغدر؟ بلى.

    انظروا إلى الأحكام الشرعية والمصطلحات الشرعية أصبحت محل استهزاء الناس.

    قال: (والاحتمال الثاني: أن يكون المراد: نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه العصا ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه). والصحيح الأول.

    1.   

    باب جواز الخداع في الحرب

    الباب الخامس: (باب جواز الخداع في الحرب). انظر إلى اللفتة الطيبة للإمام مسلم ، ثم من بعده تبويب الإمام النووي، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يُرفع له عند استه يُعرف به. يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (الحرب خدعة)، فلذلك قام الإمام مسلم بسردها متتابعة في بابين؛ حتى يفرّق بين الغدر، وبين الخداع في الحرب، ويُعلم أن الخداع في الحرب ليس من باب الغدر.

    قال: [وحدثنا علي بن حجر السعدي وعمرو الناقد وزهير بن حرب -واللفظ لـعلي وزهير. قال علي: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا سفيان -أي: ابن عيينة - قال: سمع عمرو جابراًعمرو هو ابن دينار المكي - سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خُدعة)] أو(خدْعة) أو (خُدَعة) على ثلاث لغات.

    [وحدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر بن راشد البصري عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة).

    جواز الخداع في الحرب وتحريم نقض العهد والميثاق

    اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، كيفما أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل، والكلام هذا في غاية الأهمية، فلو أنه نقض عهد أمان أو ميثاق أمان، فهذا نسميه غدراً.

    إذاً: الأول: خدعة. والثاني: غدر.

    ومن الأمثلة على الخدعة في الحرب: الإغارة على العدو بياتاً أو صباحاً، فيأتي المسلمون صبحاً، وليس هناك مجال إلا التسليم ورفع الراية، وذلك بالدخول عليهم من غير إنذار سابق، وقد سبق لهم العلم بالإسلام فلم يدخلوا فيه، وأنتم تعلمون أن مذهب الجماهير بجواز الإغارة على العدو ما دامت الدعوة قد بلغته، ولا يلزم الإنذار الخاص، فحينئذ يجوز التبييت أو التخضيع أو الإغارة ليلاً أو نهاراً بغير إذن، وهذا من باب الخدعة.

    مثال آخر: أن يرسل أمير الجيش إلى العدو: لقد أتيناكم في ألف بعير وخمسمائة فرس، ونحن قادمون إليكم وسنفعل بكم كيت وكيت وكيت، وفي حقيقة الأمر معهم مائة ألف بعير، وهو في رسالته لم يكذب، بل بالفعل أتى ومعه ألف بعير وزيادة، فرتّب العدو جيشه على اعتبار أن جيش المسلمين هو جيش العدو بالنسبة لهم.

    كذلك حفر الخنادق خدعة حتى إذا أتى العدو وقع في الخندق، وغير ذلك من الخدع التي يصطنعها الناس في حروبهم، فالحرب خدعة إلا أن يكون في هذه الخدعة نقض عهد أو أمان فلا يحل حينئذ.

    مثال ذلك: أتيت العدو وأخذ مني عهداً وميثاقاً أن يكون بيننا هدنة عشر سنوات، فقمت أنا بالقتال في العام السابع أو الثامن أو التاسع دون أن ينقض العدو العهد، فهذا لا يحل في الشرع، وإنما يحل الحرب بعد انتهاء المدة المعروفة بيننا، أما في أثناء العهد والأمان فلا يحل بحال إلا إذا نقض العدو العهد أو الميثاق، فحينئذ لم يأت الغدر من قبلي، وإنما أتى من قِبله.

    بيان الحالات التي يجوز فيها الكذب

    وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها: في الحرب، والكذب على الزوجة، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين -الكذب الصريح- لكن بعض أهل العلم قالوا: الكذب هنا المقصود به: المعاريض، وفي حقيقة الأمر مذهب جمهور العلماء: أن الكذب الصريح حلال في هذه المواطن.

    فأقول: معي مائة ألف فرس، ولم يكن معي إلا مائة فرس فقط، فهذا لا شك أنه صريح، لكني ما قلته إلا لإرهاب العدو.

    وكذلك الكذب على الزوجة، كأن تقول لها: ما أجملكِ وألطفكِ وأنعمكِ، وهي في الحقيقة في قمّة الدمامة وثقل الدم وقلة الأدب وغير ذلك، لكنك تقول لها هذا الكلام حتى يتلطّف الجو بينك وبينها.

    وكذلك الصلح بين المتخاصمين، وهذا يقابل النميمة، فالمختصمان كل منهما ثائر وغاضب في وجه صاحبه، وفي غيبته يسبه ويشتمه ويلعنه، فأنت تذهب إلى أحدهما وتقول له: قال فيك فلان: كذا وكذا ويثني عليك خيراً ويحبك، ويعجب من تفريق الشيطان بينكما وغير ذلك، فلا شك أن الثاني مع التكرار يقبل هذا الكلام، وتذهب للثاني وتقول له مثلما قلت للأول، فلا شك أن هذا يبعث في القلوب التآلف والتحاب والتواد.

    أما النميمة، فهي: أن تأخذ كلاماً من فلان وتذهب به إلى علان وتقول: هو قال عنك كذا، بل وتزيد عليه من عندك كلاماً حتى تزيد العداوة بين الاثنين، فهذه هي النميمة، وكفى فيها قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة نمّام) أي: لا يدخل الجنة لأول وهلة، والنميمة كبيرة من الكبائر.

    قال الطبري: إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب. وهذا الكلام يُرد به على الإمام الطبري عليه رحمة الله.

    1.   

    باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء

    الباب السادس: (باب كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء).

    أي: لا تتمن لقاء العدو، لكن إذا لقيته فاصبر، فإذا صار أمراً مقدراً حتماً فإنه يجب عليك في حينه الصبر، فعليك أن تسلك المسلك الطيب والنهج المستقيم، وهو أن تدعو الله عز وجل أن يصرف عنك عدوك مهما كان، حتى لو كان من المسلمين، أن تدعو الله أن يصرف عنك كيد الكائدين وعداوة الأعداء، لكن إذا لقيت العدو فحينئذ وجب عليك الصبر.

    شرح حديث النهي عن تمني لقاء العدو

    [حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو عامر العقدي عن المغيرة -أي: ابن عبد الرحمن الحزامي - عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا)] أي: فإذا كان أمراً واقعاً حتماً مفروضاً فالذي يجب عليكم حينئذ الصبر.

    [حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: عبد الله بن أبي أوفى] وهو صحابي مشهور، مصري.

    وانظر هنا إلى قول موسى بن عقبة : عن أبي النضر عن كتاب رجل من أسلم. أي: أنه لم يسمع، وإنما نقله من كتاب؛ ولذلك العلماء يقولون: من أسانيد التحمل: الوجازة أو الكتابة أو الإجازة، والإجازة شرحها يطول، فنكتفي بالكتابة أو الوجازة.

    ما هي الكتابة؟

    أن أكتب لك بخط أنت تعرفه، مذيلاً باسمي وأقول: ارو عني هذا. فهذه تسمى كتابة مشفوعة بالإجازة. أما الكتابة غير المشفوعة بالإجازة: فهي التي يسميها العلماء بالوجادة. والوجادة: هي أن يترك عالم كتاباً له معروفاً بخطه ومعروفاً بأن هذه الأحاديث من حديثه توجد في مكان يغلب أنها من روايته كالبيت، فإذا مات الرجل وجد هذا الكتاب في بيته، وعلم أن هذه أحاديثه كان يحدّث بها، وأن هذا خطه، لكنه غير مذيل فحينئذ أقول: وجدت في كتاب فلان: (قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان.. إلى آخر الحديث)، كما لو أتيت لتنظر في مسند الإمام أحمد بن حنبل فإنك تجد فيه زيادات لـعبد الله ابن الإمام أحمد . قال: وجدت في كتاب أبي قال: حدثنا فلان، ولا يخفى على عبد الله بن أحمد بن حنبل أحاديث أبيه، كما لا يخفى عليه خطه ابتداء، قد وجد عبد الله كتباً في غرفة أبيه بعد وفاته لم يسمعها منه، فحدّث بها وجادة.

    كذلك أبو النضر يقول: عن كتاب. أي: إني أُحدثكم من كتاب رجل من أسلم يقال له: عبد الله بن أبي أوفى من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. ولو قال أبو النضر : وجدت في كتاب قال: حدثنا فلان، لما كان الحديث صحيحاً. لأنه سيكون فيه انقطاع وجهالة.

    قال: [فكتب إلى عمر بن عبيد الله حين سار إلى الحرورية -ليحاربهم- يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية)] أي: لا تتمنوا لقاء العدو بقلوبكم وألسنتكم، واسألوا الله تعالى بقلوبكم وألسنتكم العافية.

    قال: [(فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب! اهزمهم وانصرنا عليهم)].

    قوله: (اللهم منْزل الكتاب) فيه لغتان: منْزل ومنزّل.

    الحكمة من النهي عن تمني لقاء العدو

    وإنما نهى صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاء العدو؛ لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس، والوثوق بالقوة، وهو نوع من البغي. أي: أن الإنسان يبغي على نفسه في هذا الموطن، إلا أن يلزم من ذلك النزال.

    ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره، وهذا من أعظم أسباب الفشل، كأن تقول: من هي إسرائيل؟ إنما هم قليل لا يتجاوز عددهم مليوني نسمة، فلو أن الواحد منا بصق لأغرقهم. هذا الكلام صحيح، لكن هذا لا يدعونا إلى الاستهانة بقوة العدو.

    قال: (وتأوله بعضهم على أن النهي عن التمني في صورة خاصة، وهي إذا شك في المصلحة فيه وحصول ضرر، وإلا فالقتال كله فضيلة وطاعة). لكن الصحيح هو الرأي الأول، ولهذا تممه عليه الصلاة والسلام بقوله: (واسألوا الله العافية) وقد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية، وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن في الدين والدنيا والآخرة.

    اللهم إني أسألك العافية العامة لي ولأحبائي ولجميع المسلمين -هذا دعاء الإمام النووي - اللهم آمين.

    الصبر آكد أركان القتال

    وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا لقيتموهم فاصبروا) فهذا حث على الصبر في القتال، وهو آكد أركان القتال. فأهم شيء في القتال: الصبر؛ لأن بريق السيوف فتنته عظيمة جداً، ولو أيقن المرء أنه لا يصاب من هذا السيف إلا كما يشعر أحدنا بوخز الإبرة لصبر، لكن بريق السيف فتنة في حد ذاته.

    ولذلك سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: ما بال الناس يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: فوق رأسه فتنة، وقد أغناه ذلك عن أن يفتن في قبره على يد منكر ونكير.

    وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45] والثبات بمعنى: الصبر وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال:45-46] أطيعوا الله ورسوله خاصة في موطن القتال، وموطن المواجهة واللقاء، فلو أن قائد الجيش قال: قاتلوا يمنة، فتقول: لا لا، نحن لا نرى أن القتال يمنة بل نقاتل يسرة. يقول: تقدموا. نقول: تأخرنا. تأخروا تقول: تقدمنا. إذا كان الأمر كذلك فإنه لا يمكن أبداً لهذا الجيش أن يكتب له النصر ولا النجاح، بل لا بد أن يسمع كلام القائد، وإن بدا أن كلام القائد غير صحيح فلا أقل من أنه معذور في ذلك بلا نزاع، حتى وإن كان كلامه في عين الحقيقة ليس كلاماً سديداً، ولكنه بذل وسعه واجتهد رأيه في إقامة الحق، فهذا لا إثم عليه، كما أن هذا لا يبيح للجيش أن يخالف، بل يجب عليهم جميعاً أن يمتثلوا أمره ويلتزموا طاعته، قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي: قوتكم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا [الأنفال:46-47] أي: فخراً وعجباً ورياء بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47] أي: ورياء للناس وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47]. فهذه الآيات قد جمعت آداب الجهاد في سبيل الله وبعض أحكام الجهاد في سبيل الله عز وجل.

    الجهاد في سبيل الله سبب في تحصيل الجنة

    قوله: (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف).

    قال الإمام النووي: (معناه: ثواب الله). هذا تأويل غير سائغ ولا مقبول من الإمام النووي ، بل ينبغي إجراء هذا الكلام على ظاهره، أن الجنة تحت ظلال السيوف. أي يحصّل المرء النعيم السرمدي الأبدي في جنة عرضها السماوات والأرض بسبب الجهاد في سبيل الله عز وجل.

    وفي الحديث: (إن الله تعالى أعد للشهيد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض). وفي رواية: (ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام). فالجهاد هو السبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، فاحضروا فيه بصدق واثبتوا.

    بيان الأوقات التي كان يقاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم العدو

    قوله: (حين سار إلى الحرورية، يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ينتظر، حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس..) إلى آخر الحديث.

    أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقاتل الناس إذا مالت الشمس ناحية الغرب. فمعنى: مالت: تضيّقت إلى ناحية الغرب وظهر الفيء. أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير على العدو ويقاتله بعد صلاة الظهر، وربما يكون ذلك لمصلحة متعلقة بالصلاة، أنه كان يجمع الظهر والعصر جمع تقديم، ويؤخر المغرب إلى العشاء جمع تأخير لحاجة الحرب. والله أعلم.

    قال: في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام انتظر حتى مالت الشمس، فقام فيهم فقال: (يا أيها الناس!) إلى آخره.

    ففي هذا الحديث وفي غيره: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معظم قتاله بعد صلاة الصبح، لكنه كان يؤخر القتال أحياناً لحاجة الحرب أو لجهد أصحابه حتى يأخذ الصحابة قسطاً من الراحة أو غير ذلك.

    قال العلماء: سببه أنه أمكن للقتال -يعني: سبب التأخير إلى الظهر أنه أمكن للقتال- فإنه وقت هبوب الريح ونشاط النفوس، وكلما طال ازدادوا نشاطاً وإقداماً على عدوهم وقد جاء في صحيح البخاري: أخّر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة. قالوا: وسببه: فضيلة أوقات الصلوات والدعاء عندها.

    قوله: (ثم قام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجرى السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم)) فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار. أي: طلب النصر من الله عز وجل.

    1.   

    باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو

    الباب السابع: (باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو) أو التكبير -الله أكبر- في الحرب خاصة عند كل شرف، وهذا مسنون حتى في غير الحرب، فعند أي مكان مرتفع وأنت تصعده تقول: الله أكبر.. الله أكبر، وإذا نزلت تقول: سبحان الله.

    [حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا خالد بن عبد الله -وهو الطحان الواسطي - عن إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب! اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم).

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت ابن أبي أوفى -وهو عبد الله - يقول: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث خالد].

    ولا يظن الظان أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع خالداً يدعو فقام يدعو.

    قال: [بمثل حديث خالد ، غير أنه قال: (هازم الأحزاب) ولم يذكر قوله: (اللهم)].

    قال: [وحدثناه إسحاق بن إبراهيم -الذي هو ابن راهويه - وابن أبي عمر جميعاً عن سفيان بن عيينة عن إسماعيل بهذا الإسناد. وزاد ابن أبي عمر في روايته: (مجري السحاب).

    وحدثني حجاج بن الشاعر حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد: اللهم إنك إن تشأ لا تُعبد في الأرض)] وفي رواية: (يوم بدر)، والجمع بينهما ممكن بإثبات الدعاء في بدر وفي أحد، ولا منافاة بين هذا وذاك.

    هذا كلام فيه حذف، وهذا من البيان، أنه يذكر بعض الكلام ويستغني عن بعضه الآخر للزومه وضرورته، وعدم استقامة الكلام إلا به.

    أما قوله: (اللهم اهزمهم وزلزلهم) أي: أزعجهم وحركهم بالشدائد، يعني: ما دام من تقدير الله تسلّط هؤلاء الكفار علينا، فمن تقدير الله عز وجل كذلك الدعاء الذي يقطع البلاء، فنحن ندعوك أن تهزمهم وتزلزلهم بالفتن والزلازل والبراكين والشدائد، وغير ذلك من البلايا التي تنزل بهؤلاء الكفار.

    قال العلماء: وفي هذا الحديث التسليم لقدر الله تعالى، والرد على غلاة القدرية الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدّر، بل الشر مراد لله عز وجل، لكن إرادة كونية قدرية. وهذا الكلام متضمن أيضاً طلب النصر، وجاء في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا يوم أحد، وقاله يوم بدر، وهو المشهور في كتب السير والمغازي، ولا معارضة، فقد قاله في الغزوتين صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب

    الباب الثامن: (باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب).

    المقصود: بالصبيان: الصبيان الذين لم يشاركوا في الحرب. واليهود يقولون: أليس الدين الإسلامي يحرّم قتل الأطفال، إلا إذا شاركوا في الحرب؟ نقول لهم: ألستم تقتلون الأطفال الفلسطينيين، لأن الأطفال الآن هم الذين يحاربون؟! فإني أعجب ممن يركب الدبابة ويجري خلف الطفل!

    شرح حديث النهي عن قتل النساء والصبيان

    [حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث. (ح) وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن نافع عن عبد الله : (أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كان على رأس هذه الغزوة- مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان).

    فالذين ينهى عن قتلهم: النساء، ثم الصبيان، ثم الشيوخ. والشيوخ بمعنى: كبار السن، إلا أن يخرجوا مقاتلين محاربين إما مادياً أو معنوياً، فحينئذ يقتلون أصلاً. والمشاركة المعنوية: أن يخرج الواحد منهم -أي: من النساء والشيوخ الكبار- لرسم خطة الحرب.

    وأنتم تعرفون أن دريد بن الصمة كان قد تجاوز عمره (100) عام، وخرج مع المشركين للحرب، وليرسم لهم الخطة، فقال: تخرجون بأموالكم ونسائكم وأطفالكم؛ وذلك ليكون المال والنساء والأطفال أعظم حافز لكم على القتال والنزال وترك الفرار، وكانت هذه الخطة وبالاً عليهم، وهوجم الجيش وأُسر منهم مأسرة عظيمة، وقُتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل دريد ؛ لأنه خرج ليضع خطة الحرب، ولم يُنكر النبي عليه الصلاة والسلام قتله مع أنه شيخ، فأمثال هؤلاء إذا خرجوا محاربين وإن كان حرباً معنوياً فحينئذ لا بأس بقتالهم.

    وفي حديث عبد الله بن عمر قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان).

    تحريم قتل النساء والصبيان

    أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فالنساء والصبيان، والشيوخ، والرهبان، والخدم والرعاة -خمسة أصناف- لا يُقتلون إلا إذا قاتلوا، كما أن الفلاح لا يُقتل؛ لأنه ليس محارباً.

    قال الإمام: (أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا). وهذا يعني: أنهم إذا قاتلوا قُتلوا.

    الأمر الثاني: أن العدو إذا تترس بهم قُتلوا تبعاً لا قصداً، كمن يتترس خلف امرأة فتقتل المرأة معه.

    إذاً: إذا تترس العدو بهؤلاء يُقتلون جميعاً، لكن لا يُقتلون إلا تبعاً، مثال ذلك: لم أجرؤ على قتل المرأة إلا لأجل الوصول إلى من وراءها ومن بعدها، فقُتلت تبعاً لا قصداً، وإذا لم يمكن الوصول إلى عدوي إلا بهذا الطريق فلا بأس بذلك، فإن قاتلوا -قال جماهير العلماء- يُقتلون، وأما شيوخ الكفار فإن كان فيهم رأي قتلوا.

    إذاً: النساء، والصبيان، والشيوخ، والخدم، والرهبان -خمسة أصناف- هؤلاء أمرنا الشرع بالكف عن قتلهم؛ لأنهم ليسوا أهل قتال، فإن زالت العلة زال الحكم، فإذا قاتل هؤلاء قتلوا قصداً.

    1.   

    باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد

    الباب التاسع: (باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد).

    الأصل فيهم عدم القتل إلا إذا قاتلوا، و(إلا) وما بعد (إلا) ناسخ لما قبلها.

    قال: (باب جواز قتل النساء والصبيان)، وهؤلاء يسميهم الشرع الذراري، فالذراري: الأولاد والنساء.

    قال: باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد.

    البيات هي: الإغارة على العدو ليلاً، فحينما أغير على العدو ليلاً هل أظل أنقّي وأقول: هذا طفل، وهذه امرأة؟ لا أستطيع؛ لأنني أضرب من بعيد، ولم آت لأفرز: هؤلاء أطفال، وهؤلاء نساء، وهؤلاء شيوخ، وهؤلاء رهبان، فقصدي قتل المحاربين، فلا يمنع أن يُقتل في الحالة هذه غير المحاربين من دون قصد، وحينئذ الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان يُقتلون تبعاً لا قصداً، وفي هذه الحالة يأخذون حكم المحاربين.

    قال ابن عباس : عن الصعب بن جثامة قال: (سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم) .

    أي: أنهم والمحاربون سواء في الحكم، فليس عليكم شيء إن أغرتم عليهم ليلاً فاقتلوهم جميعاً؛ لأن حكمهم واحد: (هم منهم). وفي رواية عن الصعب كذلك قال: (قلت: يا رسول الله! إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين. قال: هم منهم).

    ومن حديث ابن عباس عن الصعب كذلك: (أن النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: لو أن خيلاً أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: هم من آبائهم). يعني: هم وآباؤهم في الحكم سواء في الإغارة ليلاً.

    وتقديره: أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن حكم المشركين الذين يبيّتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل فقال: (هم من آبائهم) أي: لا بأس بذلك؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح، وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد: إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة.

    وأما الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان فالمراد به إذا تميزوا؛ ولذلك يقول الله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ [الفتح:25] أي: لو تميزوا حينئذ لا يحل قتل النساء والصبيان والأصناف التي نهى عن قتلها الشرع. قال: لَوْ تَزَيَّلُوا[الفتح:25] أي: لو تميّزوا وتحيّزوا، هؤلاء في ناحية وهؤلاء في ناحية أخرى، حينئذ لا يحل قتل هؤلاء الأصناف التي نهانا الشرع عن قتلهم، فإن اختلطوا بهم ولم يمكن الوصول إلى المحاربين إلا بقتل هؤلاء؛ فيأخذون حكماً واحداً: (هم من آبائهم)، أي: أنهم في الحكم سواء. وهذا مذهب جماهير العلماء.

    وفي هذا الحديث: دليل على جواز البيات. أي: أن الحرب خدعة. قال: البيات: هي مفاجأة العدو ليلاً في عقر داره.

    وفيه: جواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك. وفيه: أن أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم، وأما في الآخرة ففيهم -إذا ماتوا- خلاف، فمنهم من قال: حكمهم في الآخرة حكم آبائهم -أي: كفار أيضاً- ومنهم من قال بالتوقف. أي: لا نحكم لهم بإيمان ولا بكفر. ومذهب ثالث قال: يُعقد لهم اختبار وابتلاء فإن نجحوا -أي: في التوحيد- ووحدوا الله تعالى دخلوا الجنة، وإلا فهم من أصحاب النار. والصواب: أن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل بلوغ الحلم ولم يجر عليهم القلم فهم في الجنة. هذا الرأي الرابع وهو الصواب. والله تعالى أعلم.

    1.   

    باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها

    الباب العاشر: (باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها).

    أنتم تعلمون أن الشرع قد نهى عن قطع الأشجار، وقد أجاز مع وجود هذا النهي قطع أشجار الكفار وتخريب ديارهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.

    [حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح قالا: أخبرنا الليث بن سعد المصري . وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن نافع عن عبد الله : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وقطع)]. يعني حرّق جزءاً وقطع جزءاً من النخل، وكلمة النخل لا تطلق إلا على نفس التمر والبلح، ونخل بني النضير كان في مكان يسمى البويرة.

    [زاد قتيبة وابن رمح في حديثيهما: (فأنزل الله عز وجل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ [الحشر:5])].

    واللينة هي أنواع الثمر كلها، إلا العجوة كما يقول ابن منظور. وبعضهم قال: بل كل الأشجار والنخيل تسمى لينة للينها وتمايلها. قال تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر:5].

    [حدثنا سعيد بن منصور وهناد بن السري قالا: حدثنا ابن المبارك عن موسى بن عقبة - وهو إمام المغازي والسير- عن نافع عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير وحرق)] أي: أنه قطع جزءاً وحرّق جزءاً، أو قطع النخل ثم حرّقه بعد ذلك.

    قال: [(ولها يقول حسان -أي: حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول لذلك شعراً-:

    وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

    -والسراة: أشرف القوم- وفي ذلك نزلت: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً [الحشر:5] الآية)].

    قال الإمام: (وقد ذكرنا قبل هذا أن أنواع نخل المدينة مائة وعشرون نوعاً). وهذا ليس ببعيد، فأنت إذا ذهبت إلى المدينة المنورة أو مكة المكرمة إلى سوق التمور لوجدت هناك من الأنواع ما لا حصر له، منها الرديء ومنها الجيد، والغالي والرخيص.

    (وفي هذا الحديث: جواز قطع شجر الكفار وإحراقه، وبه قال عبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر).

    1.   

    باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة

    الباب الحادي عشر: (باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة).

    النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (فُضّلت على الأنبياء بخمس. منها: وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)، أما من كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء فقد كانوا يجمعون الغنائم ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذه الغنائم. وهذا دليل على أن الله تقبّل هذه الغنائم من هذا النبي ومن كانوا معه.

    وعلِم الله تعالى ضعفنا وحاجتنا -خاصة في أول الرسالة المحمدية- إلى المال، فأحل الله تعالى لهذه الأمة الغنائم، قال: (فُضّلت على الأنبياء بخمس. منها: وأُحلّت لي الغنائم ولم تحل لأحد من الأنبياء قبلي).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام: (غزا نبي من الأنبياء -قيل: هو يوشع بن نون عليه السلام- فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن) يقول لهم: أنا ذاهب لأحارب، فالذي يريد أن يأتي معي فليأت، ولكن بشرط ألا يكون فيكم من عقد على امرأة ولم يبن بها بعد؛ لأنه سيكون مشغولاً بحبيبة القلب، فهذا لا يصلح للجهاد، ولا بد للمجاهد أن يفرغ القلب تماماً لله عز وجل.

    قال: (وهو يريد أن يبن بها، ولمّا يبن) أي: أنه لم يبن بعد ولكنه سيبني في المستقبل، فـ(لمّا) لنفي الماضي وجواز تحقق المستقبل. (ولا آخر قد بنى بنياناً ولمّا يرفع سقفها)؛ لأن هذا الذي يبني بيتاً يتمنى لو أنه بلغ بهذا البيت التمام والكمال، فهو سيكون مشغولاً بذلك، وهذا لا يصلح للجهاد

    قال: (ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات) والخلفات: هي الحوامل من الغنم والبقر وغير ذلك. قال: (وهو منتظر ولادها) وهذا رأس مال العرب. (قال: فغزا بمن معه، فأدنى للقرية حين صلاة العصر) أي أنه اقترب من القرية التي يريد القتال معها عند صلاة العصر. قال: (أو قريباً من ذلك، فقال للشمس) فهل هذه الشمس عاقلة وتسمع، وتؤمر فتأتمر بالأمر؟ قال الله: فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] جعل الله عز وجل لها إدراكاً ففهمت الأمر وأجابت، ولكل نبي معجزات، فقال هذا النبي للشمس: (أنتِ مأمورة وأنا مأمور) وانظروا إلى هذا الخطاب الجميل جداً بين النبي وبين آية من آيات الله وهي الشمس. أي: أنتِ مسخّرة وأنا مسخّر، كلانا عبد الله عز وجل.

    قال هذا النبي: (اللهم احبسها علي شيئاً) .

    وهذا الحديث غصة في حلوق كثير ممن يُنسبون إلى العلم، فهم يقولون: هذا العلم من الخرافات مع أنه في الصحيحين، كيف يحبس الله الشمس بدعوة رجل؟ نقول هذا: الرجل في نفسه آية من آيات الله، ونبي من الأنبياء. قال: (فحبست عليه حتى فتح الله عليه)؛ وقد يكون ذلك إما لأنهم ما كانوا يحاربون إذا دخل الليل، أو أن ذلك محمول على أنه خشي فوات صلاة العصر، فدعا الله عز وجل أن يحبس عليه الشمس. أي: يوقفها ويثبتها فلا تتحرك ولا تغيب حتى يفتح الله عز وجل عليه هذه القرية. قال: (ففعل).

    قال: (فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه) أي: جمع الغنائم، ثم رفعها في قمة جبل لتنزل النار فتأكلها، فنزلت النار فلم تأكلها ولم تطعمها، وهذه علامة من علامات رد القربان، فمن المؤكد أن هناك شيء؛ لأن علامة قبول القربان والطاعة أن تأكل النار هذه الغنائم.

    فقال هذا النبي للجيش: (فيكم غلول) أي: أنه لا بد أن أحدكم غل وأخذ من الغنيمة وسرق، فقال: (فيكم غلول. فليبايعني من كل قبيلة رجل -يبايعني يعني: يصافحني- فبايعوه فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول. فلتبايعني قبيلتك. فبايعته قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد -أي: ألحقوه ببقية الغنائم على مكان مرتفع- قال: فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا -هذا الشاهد- ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا).

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.