إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. حسن أبو الأشبال الزهيري
  4. سلسلة شرح صحيح مسلم
  5. كتاب الجهاد والسير
  6. شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة

شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنةللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الأمر، وهو من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يشرع الجهاد لإزهاق الأرواح، وإراقة الدماء، واحتلال البلاد، وإنما شرع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وقد بين القرآن والسنة ما أعد الله للمجاهدين في سبيله من عز وتمكين في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة.

    1.   

    أهمية الجهاد وفضله في كتاب الله عز وجل

    إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فقد توقفنا عند كتاب الجهاد، وهو من أوجب الواجبات على هذه الأمة في هذه الأيام، ويحسن أن نقدم للكلام عن أحكام الجهاد التي وردت في صحيح مسلم بمقدمة تبين أهمية الجهاد وفرضيته خاصة إذا احتاجت إليه الأمة في وقت من الأوقات، والأمة في حاجة إلى الجهاد حتى آخر لحظة من لحظات حياتها، كما أن هذه المقدمة تعالج عند كثير من الناس ما يشاع عن الجهاد في سبيل الله أو الحرب أو القتال أنه حرب مدمرة وخسارة. فنقول: لا يرتدع الظالم المعتدي إلا بهذا، فإذا كان ذلك وتعين فلا بأس به في لسان الشرع. فنقدم بمقدمة من كتاب الله عز وجل ثم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ندخل في ذكر تفاصيل أحكام الجهاد من خلال الأحاديث في صحيح مسلم .

    آيات القتال في سورة البقرة

    قال الله عز وجل: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ [البقرة:154]؛ لأن الظاهر أن الذي يقتل في الجهاد أنه قد مات، والله عز وجل يضبط هذا الميزان ويقول: بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154] أي: هم عند الله تعالى أحياء حياة لا يعلمها إلا هو عز وجل.

    وقال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].

    وقال الله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة:191] أي: وجدتموهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191] فالفتنة في الدين أشد من أن يقتل المرء لأجل دينه. قال تعالى: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:191] ... إلى آخر الآيات.

    وقال الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [البقرة:193].

    وقال الله عز وجل: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:216] النفس بطبيعتها تكره ذلك، بل النفس تكره أي تكليف مهما كان يسيراً خفيفاً؛ لأنه تكليف؛ ولذلك قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] أي: في مقدورها.

    وقال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

    وقال الله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [البقرة:217]. إذاً: الحرب لا يمكن أن تنتهي، ما دام على وجه الأرض كفر وإيمان فلا يمكن أن تنتهي هذه الحرب مطلقاً، قال تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:217].

    آيات القتال في سورة آل عمران

    وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156].

    وقال تعالى: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران:157]. الموت حق على كل نفس، فلأن يموت الإنسان في سبيل الله خير له من أن يموت وهو يجمع حطام الدنيا، قال تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران:158].

    وقال تعالى: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:168] هو مدرككم في ساحة القتال أو في غيرها ولو كنتم في بروج مشيدة.

    قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].

    آيات القتال في سورة النساء

    قال تعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74].

    وقال تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:75-76].

    وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ [النساء:77] يخشون الناس بعد أن فرض الله تعالى عليهم القتال كما يخشون الله تعالى أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:77].

    وقال تعالى: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا [النساء:84].

    وقال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء:89] أي الكفار يودون ويتمنون أن نكفر ككفرهم فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:89].

    آيات القتال في سورة الأنفال

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ [الأنفال:15]. فإذا لقيتم الأمريكان يزحفون إلى أرض الأفغان فلا تولوهم الأدبار. هذا معنى كلام الله عز وجل في واقعنا الذي نمر به؛ ولذلك يتعين القتال على أهل هذه المنطقة وعلى من تلاهم؛ حتى يردوا العدو إلى أرضه خاسراً خاسئاً، أو يقتلوه ويجعلوا أرض أفغانستان مقبرة للأمريكان. هذا هو الواجب على المسلمين في هذا الزمان، ومن استطاع أن يذهب إلى هناك بغير خسارة فقد تعين عليه الجهاد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:15-16] ويريد أن يقاتلهم من ناحية أخرى، أو أن يلحق بسرية أو كتيبة في مكان ولو كان بعيداً عن ساحة القتال، المهم أنه ما ولى الدبر إلا لأحد هذين الغرضين، وإلا فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:16].

    قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] أي: إن دخلوا في الإسلام وتابوا من الكفر فإن الإيمان والإسلام يجب ما كان قبله وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ [الأنفال:38].

    وقال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الأنفال:39].

    وقال تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ [الأنفال:47] بطراً: أشراً وعجباً ورياء وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:47].

    وقال تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ [الأنفال:57] أي: إذا وجدتهم يا محمد أنت ومن معك .. أنت وأمتك في الحرب فشرد بهم، قال تعالى: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:57-58].

    وقال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال:60].

    ولم يقل: أعدوا لهم كما هي عدتهم، وتسلحوا لهم بسلاحهم، وإنما يكفي أهل الإيمان بأن النصر من عند الله عز وجل، ويجب عليك أن تلتمس الأسباب وإن كانت هذه الأسباب قليلة وضعيفة، المهم أن هذه الأسباب هي التي في مقدورك واستطاعتك، فأنت لا تكلف إلا أن تتخذ الأسباب المتاحة والمستطاعة، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].

    قال تعالى: تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال:60]

    كان أعظم طاغوت قبل طاغوت الأمريكان هو طاغوت الروس، ومع هذا سقط هذا الطاغوت، وسقط التاج الذهبي من فوق رأسه في الوحل والطين على أرض الأفغان، وعلى أيدي أناس عزل لا يملكون شيئاً، وما كان معهم من سلاح إلى يومنا هذا إلا سلاح الغنيمة التي غنموها من أعدائهم، فهذا يدل على قوة الإسلام في حد ذاته. تصور أن رجلاً واحداً قد أضج مضاجع الكافرين في أوروبا وأمريكا، فلو أن الأمة كلها أسامة بن لادن فماذا كان يصنع الأمريكان أو أوروبا أو غيرهم من سائر ملل الكفر؟ ما كانوا يجرءون أن يتكلموا بكلمة واحدة بل انهزموا في عقر دارهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ونصرت بالرعب مسيرة شهر) أي: على بعد شهر، وقبل أن يخرج العدو من أرضه يغلب ويهزم وهو في أرضه بمجرد أن يسمع بـأسامة بن لادن ، فضلاً عن أن يسمع بالنبي عليه الصلاة والسلام أو الخلفاء الراشدين، أو الدولة الأموية، أو العباسية أو غيرها من هذه الدول القوية.

    والعجيب أن هذه التهمة لم تثبت إلى الآن، وكنا نتمنى أن تثبت، لكنه على أية حال -والواقع نمر به ونعيشه- شرف لا ندعيه، ويا ليته ثبت لكانت القضية حلت منذ أول لحظاتها، ولكنها الحرب بين الإيمان والكفر، أراد شارون الذي ينسب إلى حيي بن أخطب أن يشعل المنطقة العربية ناراً، وأن يفرّغ تلك البقعة الشامية له، فأراد أن يوقع الأمريكان في العرب، ويخرج منها سالماً ليأكل هذه الفريسة وحده، أو ليسهل له اصطياد هذه الفريسة، لكن بوش عنده بعض العقل فتنبه لذلك، وهو الذي يعلم أن سر كل مصيبة على وجه الأرض هم اليهود.

    قال الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ [الأنفال:60] فنحن حقيقة إرهابيون، لكن لأعدائنا وبغير إفراط ولا تفريط، قال تعالى: وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [الأنفال:60] الله تعالى يعطيه لكم أضعافاً مضاعفة وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ [الأنفال:60].

    وقال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال:61] وإن جنحوا هم. لم يأمرنا الله تبارك وتعالى قط بمسالمة الكافرين إلا إذا سالمونا أولاً، فإن جنحوا هم للسلم والأمن والعهد والميثاق أولاً -وأنتم الأعلون- فاجنح لها، فحينئذ تجنح وأنت قوي وعال، أما وأنت ذليل ضعيف خوار خائف تخافهم أكثر من خيفتك لله عز وجل، فهذا بلاء عظيم، قال تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ [الأنفال:61-62] أي: بعد الميثاق والعهد والأمان، فمن طبيعة اليهود الخداع والمكر ونقض العهد والميثاق فإن الذي يتولاك هو الله عز وجل، قال تعالى: فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:62].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال:65].

    وقال تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:66].

    آيات القتال في سورة التوبة

    قال تعالى: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً [التوبة:8] لا يراعون فيكم إلاً ولا ذمة يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ [التوبة:8] كلام معسول جداً، فلا يتكلمون إلا عن السلام العادل والشامل يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة:8-12].

    وهؤلاء القوم نكثوا أيمانهم وطعنوا في ديننا!

    قال تعالى: أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ [التوبة:13] ما الذي يحجبكم عن قتالهم؟ الخشية؟ تخافونهم؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [التوبة:13].

    وقال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:14-15].

    قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29].

    وقال تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة:36].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ لم يقل: تثاقلتم، لكن قال: اثَّاقَلْتُمْ وهذا يدل على الخلود المتناهي في الأرض، وحب البقاء وترك الخير.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا [التوبة:38] أي: جاهدوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ [التوبة:38-39] يعذبكم أنتم عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:39-40] لا بد أن تعتقد أن معية الله تبارك وتعالى ملازمة لك؛ لأنك في معسكر الإيمان، والله تعالى مع المؤمنين معية خاصة، قال: فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].

    وقال تعالى: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41] على الأقدام وركباناً، قلة أو كثرة وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة:123].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9].

    آيات متفرقة من كتاب الله في القتال

    قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].

    وقال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [محمد:4] أي أكثرتم القتل وأمعنتم القتل في رقابهم فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6].

    وقال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:20-21]. رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد:20] لا يحبون القتال، ويعتبرونه هلكة، وقد سمعنا تصريحات كثيرة تقول: حرب؟! لم الحرب؟!

    ثم يقول: الحرب ما شرعت إلا للسلام بعدها، وللكلام بعدها، وللاتفاق بعدها، فإذا كان يمكن الاتفاق والسلام والكلام قبلها فما قيمة الحرب حينئذ؟

    ثم يقول بعد ذلك قائلهم: الحرب دمار وخراب!

    لماذا ينظر إلى الحرب على أنها دمار وخراب شامل للبلاد والعباد، والأموال والأنفس والأرواح؟ لماذا هذه النظرة المشئومة فقط، ولا ينظر إلى أن المؤمن في القتال ينتظر أحد أمرين: إما النصر وإما الشهادة؟ لماذا لا ينظر إلى القتال والحرب والجهاد على أنه عز أهل الإيمان وشرفهم، ومحافظة على الأوطان والبلدان؟ لماذا لا ينظر هذه النظرة؟

    الجواب: لأنه أخلد إلى الأرض ورضي بالحياة الدنيا، بل رضي أن يعيش ذليلاً حقيراً.

    وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] تصور أن الله تعالى يحب أن نكون صفاً كالملائكة في الصلاة، وأن نكون صفاً في القتال كصفنا في الصلاة كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4].

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف:10]؟

    الجواب: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:11].

    هذه بعض الآيات التي إذا سمع المؤمن آية واحدة منها اشتاق إلى لقاء العدو طلباً لمغفرة الله عز وجل.

    1.   

    أهمية الجهاد وفضله في السنة النبوية

    صنف ابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني كتاباً عظيماً جداً في الجهاد فقال في الباب الأول:

    ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الجنة وحض عقب ذكرها على الجهاد

    بيان أن الجهاد من أفضل الأعمال عند الله

    قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: (أي الأعمال خير وأفضل يا رسول الله؟! قال: إيمان بالله ورسوله. قال: ثم أي؟ قال: ثم جهاد في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حج مبرور). وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي ذر بدون ذكر الحج.

    وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ساعتان لا تردان -أو قلما تردان- الدعاء عند النداء، وعند البأس). عند النداء أي: بين الأذان والإقامة. وعند البأس. أي: عند التقاء العدو. (يلحم بعضهم بعضاً). أي: يلتقي الصفان والمعسكران.

    وعن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله عز وجل).

    وعن ماعز قال: (سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله. قال: ثم أي عمل يا رسول الله! أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله).

    وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وتصديق بكتابه وجهاد في سبيله). وفي رواية: (إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيله). وفي رواية: (إيمان بالله وتصديق برسوله وجهاد في سبيله) فهذه أفضل الأعمال.

    وعن عبد الله بن حبشي الخثعمي رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان لا شك فيه، وجهاد لا غلول فيه). والغلول هو: الأخذ من الغنيمة قبل أن يوزعها الإمام، وهي كبيرة من الكبائر وإن غل عوداً من أراك، قال الله تعالى وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161].

    وعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! علمني عملاً يعدل الجهاد) أي: أخبرني بعمل يساوي الجهاد في الفضل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا أجده) ليس هناك عمل أفضل من الجهاد.

    قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد للقتال أن تدخل أنت في محرابك ومسجدك فتقوم لا تفتر، وتصوم لا تفطر؟ قال: لا أستطيع).

    قال أبو هريرة : إن فرس المجاهد ليستن في طوله.

    يستن: أي: يذهب ويجيء في طوله -أي: الحبل- فرس المجاهد المربوط لا يزال في مربطه يروح ويجيء، فإن هذا الرواح وهذا الغدو لهذا الفرس كله في سبيل الله وفي صحيفة حسنات صاحبه، حتى عدو الفرس وطعامه وبوله وشرابه وروثه كل ذلك في صحيفة حسنات صاحبه.

    قال أبو هريرة : إن فرس المجاهد ليستن في طوله فتكتب له الحسنات.

    أي: تكتب لصاحبه الحسنات.

    وعن أبي هريرة : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).

    وعنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم). القائم الذي لا يفتر، الصائم الذي لا يفطر.

    قال: (إن مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم الصائم الخاشع الراكع الساجد).

    تصور أن المجاهد الذي يجاهد ولو ما بين الأذان والإقامة لا يعدل جهاده إلا رجل يقوم فلا يفتر ولا يمل، ويصوم فلا يفطر.

    ومن حديث أبي هريرة قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: لا تستطيعوه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعوه، وقال في الثالثة: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد من الجهاد في سبيل الله عز وجل).

    فتصور أن هؤلاء الذين وقفوا على هذه الثغور في بلاد الإسلام، الواحد منهم بوقوفه فقط وأدائه للفرائض فقط مع رباطه في هذا الثغر يساوي منا أن نقوم أعمارنا فلا نفتر، وأن نصوم نهارنا جميعاً فلا نفطر، وهذا يدل على شرف الجهاد في سبيل الله عز وجل.

    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله). وكل حديث من هذه الأحاديث قد ورد بروايات متعددة واللفظ واحد.

    بيان ما أعده الله للمجاهدين في سبيله

    قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشعري : (إن الله أعد للمجاهدين في سبيل الله مائة درجة -أي: في الجنة- بين كل درجتين ما بين السماء والأرض) ونحن نعلم أنه بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، اضرب خمسمائة عام في مائة فتكون هذه منازل المجاهدين في سبيل الله في جنة عرضها السماوات والأرض.

    ومن حديث أبي هريرة في الصحيحين قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية) حتى لا تعتقد الأمة بعد ذلك أن الجهاد فرض عين. (ولكن لا أجد حمولة) أي: لا أجد ما أحمل عليه، وليس عندي ما أحمل الأمة عليه، فمنه ما هو فرض عين ومنه ما هو فرض كفاية.

    وعن عبد الله بن حبشي : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له: أي الجهاد أفضل؟ قال: من جاهد المشركين بنفسه وماله. قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: من أهريق دمه وعقر جواده) أي: من ذهب دمه وذهب جواده، فهذا أشرف القتل.

    وعن أبي فاطمة أنه قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله. قال: عليك بالجهاد في سبيل الله فإنه لا مثل له).

    وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات ولم يغز وليس في نفسه -أي ولم تحدثه نفسه بالغزو- مات على شعبة من شعب النفاق).

    وعن أنس بن مالك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (المجاهد في سبيل الله علي ضامن -الله تعالى يضمن من خرج في سبيله- إن قبضته أورثته الجنة، وإن أرجعته أرجعته بأجر وغنيمة). (إن قبضته) أي: قتل في الجهاد كان من أهل الجنة، وإن رجع إلى أهله رجع بأجر وغنيمة.

    وعن الحسن مرسلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال ربكم: من خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء وجهي فأنا له ضامن، إن أنا قبضته في وجهه -أي: في قتاله وجهاده هذا- أدخلته الجنة، وإن أنا أرجعته أرجعته بما أصاب من أجر وغنيمة).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (توكل الله -أي تكفل الله- للمجاهد في سبيله أن يدخله الجنة أو يرجعه سالماً بما نال من أجر وغنيمة).

    وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل: رجل خرج غازياً في سبيل فهو ضامن على الله عز وجل حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل ذهب إلى المسجد -أي: لصلاة الجماعة مع الإمام- فهو ضامن على الله حتى يتوفاه -أي في طريقه هذا- فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله عز وجل). رجل دخل بيته فألقى السلام على أهل بيته فهو ضامن على الله عز وجل. أما المنافق الذي ضمن الله تعالى وتكفل الله تعالى بدخوله النار فسيأتي معنا حديثه بإذن الله تعالى.

    وعن أبي مالك الأشعري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تبارك وتعالى قال لمن انتدب خارجاً في سبيله) أي: لمن تبرع بنفسه وخرج للجهاد في سبيل الله ابتغاء وجهه وتصديق وعده وإيماناً برسله (إنه على الله ضامن، فإما أن يتوفاه في الجيش بأي حبس شاء -أي: بأي طريقة مات بها- فيدخله الجنة، وإما أن يسيح -يذهب- في ضمان الله وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله سالماً مع ما نال من أجر وغنيمة، ومن فصل في سبيل الله فمات أو قتل فإنه شهيد، ومن وقصه فرسه أو فصيله أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه.. بأي حتف شاء الله، فإنه شهيد وإن له الجنة).

    أي وإن كان السهم قد أتاه وهو نائم على فراشه في أرض الرباط والثغر والقتال فهو شهيد، وإن كان يمشي ويروح ويجيء فانفجرت فيه قنبلة أو لغم أو غير ذلك فهو شهيد، وليس بلازم أن تكون الشهادة حين التحام الصفوف، بل يموت الرجل وهو يكون عند الله شهيداً إذا كان ذلك في ساحة القتال بأي طريق وبأي حتف شاء الله.

    وعن أنس قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسة -اسم رجل- عيناً -أي: جاسوساً يستطلع الأخبار- ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الحديث. قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فقال: إن لنا طلِبة -أي: مطلبة- فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا) أي: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه في هذه الغزوة حينما استطلع عير أبي سفيان في غزوة بدر قال: (إن لنا طلِبة، من كان جاهزاً وحاضراً الآن فليركب وليتبعني).

    قال الناس: (فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة) أي: انتظر يا رسول الله! حتى نأتي بالدواب والخيل والفرس وغيرها من أطراف المدينة.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، إلا من كان ظهره حاضراً، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض). وهذا محل الشاهد: أن الجهاد يؤدي إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

    قال: (يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ -كلمة مدح أو عجب- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على قولك: بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها -وهذا شرف عظيم- قال: فأخرج عمير تمرات من قرن -أي: من كيس- كان معه، فجعل يأكل منهن ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه فإنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل).

    وعن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها).

    رجل يروح ويجيء بين صفوف القتال، هذه الغدوة وحدها أو الروحة وحدها خير من الدنيا وما فيها، لكن من يعلم ذلك؟!

    فضل الإنفاق في سبيل الله وتجهيز المقاتلين

    وقال خريم بن فاتك الأسدي : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من أنفق نفقة في سبيل الله كتبت له بسبعمائة ضعف). تصور لو أنك وضعت جنيهاً واحداً، وهذا على الأقل أن تجاهد بمالك.. فإذا عجزت عن الجهاد بالنفس فلا أقل أن تجاهد بمالك وإن قل، فلا تحقرن من المعروف شيئاً فإنك ستحتاج في يوم من الأيام إلى أن تكون قد تصدقت ولو بشق تمرة تكون حجاباً وساتراً بينك وبين النار، فما بالك لو أنك تصدقت بفضل مالك لإخوانك المجاهدين هنا وهناك؟ إنسان يتصدق بجنيه يجده سبعمائة حسنة في عشرة في سبعمائة، والله تعالى يضاعف بعد ذلك لمن يشاء!!

    وقال أبو مسعود البدري: (أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنه قد أبدع بي -أي: انقطع بي السبيل- فاحملني يا رسول الله! قال: اذهب إلى فلان فأقرئه مني السلام وقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك: احملني. فذهب الرجل إلى ذلك المبعوث فحمله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من دل على خير فله مثل أجر عامله) والحديث عند مسلم .

    وعن ابن مسعود : (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة).

    إذاً: ما أنفقت من نفقة أجرت بمثلها سبعمائة ضعف، فلا تستقل!!

    وعن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: (غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة حملت فيها على بكر -أي: على جمل صغير- كان أوثق عملي في نفسي) أي: أوثق الأعمال وأحبها إلى نفسي هو غزوي مع الرسول عليه الصلاة والسلام على قدر استطاعتي.

    وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة حق على الله عونهم) والذي فرض هذا الحق هو الله عز وجل. قال: (المجاهد في سبيل الله) أولهم: المجاهد في سبيل الله بإخلاص؛ ولذلك قيدت النصوص كلها الجهاد بأنه في سبيل الله، أما إذا كانت في سبيل الشيطان أو رياء أو سمعة فإنه لا إعانة له.

    ثلاثة حق الله عونهم: (المجاهد) وشرطه: في سبيل الله، و(الناكح) شرطه: يريد العفاف، أما الناكح الذي يريد أن يتسلى بأعراض الناس فهذا لا يعينه الله عز وجل وإنما يفضحه على رءوس الناس؛ لأنه ما ابتغى بهذا العمل وجه الله، ولا حتى ابتغى أن يعف نفسه ولا أن يعف المرأة، وإنما أراد بذلك أن يتلذذ بأعراض الناس، فإذا فرغ من هذه انتقل إلى تلك، وإذا فرغ من تلك انتقل إلى هذه، فهو يجمع امرأة واثنتين وثلاث وأربع ثم يطلق الرابعة ليستبدل مكانها، ثم يطلق هذه المستبدلة ليستبدل بها وغير ذلك، فهذا لا يريد العفاف وإن أراد العفاف أعفه الله وستره، ومن لا يرد العفاف فإن الله تعالى لا يعينه. وكذلك (المكاتب) وشرط: يريد الأداء. وهو العبد الذي يكاتب سيده على أن يحصل على العتق من الرق في مقابل مبلغ من المال، فإذا كان هذا المكاتب يريد أداء ما كتب عليه فإن الله تعالى يؤديه عنه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله) أتلفه هو. ولم يقل: أتلف الله ماله، وإنما قال: (أتلفه الله).

    وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة بني لحيان: (من رجل يخلف صاحبه؟) في غزوة بني لحيان نادى على بني لحيان وقال لهم: سيخرج نصفكم إلى الجهاد والنصف الآخر لا يخرج، مهمتهم أن يخلفوا المجاهدين بخير في أهليهم وأموالهم وذويهم وأطفالهم.

    فقال: (من رجل يخلف صاحبه؟ -من الذي يقوم في أسرة المجاهد خليفة- للقاعد منهما الذي يخلف الغازي في أهله وماله مثل نصف أجره) أي: لو أن مجاهداً قمت أنت خليفة في أهله وماله وولده وعمله وأغنيت المجتمع بما كان يقوم به ذلك المجاهد قبل أن يذهب إلى الجهاد فلك مثل نصف أجر ذلك المجاهد تماماً بتمام وسواء بسواء.

    وعن أبي سعيد بلفظ آخر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني لحيان: ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله بخير) وهذا شرط: بخير لا بغش وخداع وتخبيب للمرأة وإفساد لها على زوجها وغير ذلك. قال: (كان له مثل نصف أجر الخارج).

    وعن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب إبل ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر) أي: بقاع أملس، كالرخام.

    تصور أن عندك أغناماً وأبقاراً ومواشي وإبلاً وغير ذلك، ولا تؤدي زكاتها، فتأتي هذه الأنعام يوم القيامة فتُطرح لها على أرض ملساء كالصفا، ثم تظل هذه الأنعام تطؤك بأظلافها وأظافرها وأرجلها، كلما فرغت أعادت الدورة من جديد.

    قال: (ما من صاحب إبل ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن. قلنا: يا رسول الله! وما حقها؟ قال: إطراق فحلها) أي: تأذن في الفحل أن يطرق الإناث، ولا تأخذ على ذلك أجراً.

    قال: (وإعارة دلوها) أي: إعارة الدلو الذي تشرب فيه إلى جيرانك.

    قال: (وحلبها على الماء) ليشرب المارة. وقال: (ومنحتها -أي: عاريتها- وحمل عليها في سبيل الله). وهذا موطن الشاهد:

    (وحمل عليها في سبيل الله)، فهذا من زكاة الدواب والمواشي.

    وعن زيد بن خالد الجهني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا). أي: قد غزا بنفسه.

    في أيام الجهاد في أفغانستان -نسأل الله تعالى أن يديمه- كان هناك أناس -وإن كنا لا نعرفهم- يجهزون الغزاة، فكانوا يسألون أهل العلم في بلاد الحجاز: كم يكفي المجاهد في سبيل الله عاماً كاملاً؟ فكان علماء الحجاز يفتون في ذلك الزمان حينما كان هناك خير في تلك البلاد، وكانت هناك وقفة عظيمة بجوار المجاهدين في أفغانستان كانوا يفتون بأن عشرة آلاف ريال تكفي لتجهيز الغازي لعام كامل، فأقبل الناس في دول الخليج إلى التبرع لتجهيز الغزاة بملايين الدولارات، فالناس فيهم خير، ولكنهم يحتاجون إلى من يحرك هذا الخير في قلوبهم، لكنهم إذا خافوا إن دفعوا أموالهم حوسبوا عليها وعوقبوا عليها ووضعوا في السجون، فلا شك أن هذا باب عظيم من أبواب الشر التي تفتح على الأمة.

    قال: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا -أي: فكأنما غزا بنفسه- ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا).

    تذهب إلى بيت المجاهد وتسأل عن امرأته .. عن أحوالها .. طعامها وشرابها، عن الأولاد .. مدارسهم وأحوالهم، وعن حسن تربيتهم وغيره، تتابع أسرة هذا الغازي بخير.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يغز أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة). أي: نزلت عليه من السماء مصيبة قبل يوم القيامة.

    وقال سليمان بن بريدة عن أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من عمله ما شاء) فما ظنكم؟ فيأخذ من عمله ما شاء، وربما أخذ عمله كله؛ لأن له أن يأخذ من عمله ما شاء، فلو أنه أخذ عمله كله فلا حرج عليه ولا بأس حينئذ.

    وعن أنس بن مالك : (أن رجلاً من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد الجهاد وليس لي مال أتجهز به. فقال: اذهب إلى فلان الأنصاري فإنه قد كان تجهز فمرض) رجل أنصاري أعد العدة للخروج إلى القتال والغزو، ولكن منعه المرض. قال: (فقل له: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول لك: أعطني ما تجهزت به. فقال الرجل المريض لامرأته: يا فلانة! ادفعي إليه ما جهزتني به ولا تحبسي عنه شيئاً، فوالله لئن حبستِ منه شيئاً لا يبارك لك فيه) سبحان الله! هذه المرأة هي التي جهزت زوجها!

    المرأة اليوم تقول: نحن نريد أن نبني البيت، ونريد أن نربي الأطفال، ونريد أن نحج، ونريد أن نعتمر، ونريد أن نتفسح، ونريد أن نذهب إلى الإسكندرية للمصيف وليس لنا للمصيف إلا هذا المال. والعربي يقول: هذا المال لا يكفيني إلا للمصيف في لندن أو باريس، وآخر يدفع عشرة آلاف دولار لأسد في حديقة حيوانات جُرِح، وآخر يذهب فيتصدق بعشرة ملايين دولار لحديقة حيوانات في لندن. نعم. له ذلك؛ لأنه حيوان يتصدق لحيوانات، أو ينفق على إخوانه من الحيوانات، وهم بلا شعور ولا إحساس، وهم بلا أدب ولا أخلاق.

    بيان فضل المجاهد الذي اغبرت قدماه في سبيل الله

    عن معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما تغبرت قدما عبد قط ولا وجهه في شيء أفضل عند الله بعد الصلاة المفروضة من الجهاد في سبيل الله عز وجل).

    إذاً: فأعظم مشوار تذهب إليه وتغبر فيه قدماك بعد إدراك الصلاة مع الإمام في جماعة هو الجهاد في سبيل الله عز وجل. وفي رواية: (والذي نفسي بيده ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله).

    وقال عليه الصلاة والسلام: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار). وهذه حرمة عظيمة للمجاهد.

    وعن أبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ مؤمن. أو قال: مسلم). لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم، فإما هذا وإما ذاك، فالذي اغبرت قدماه في سبيل الله أو وجهه في سبيل الله حرم الله بدنه على النار.

    وعن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من خرج في سبيل الله فدخل الرهج -الغبار- في جوفه حرم الله جلده على النار).

    وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن مكاتباً دخل عليها ببقية مكاتبته -أي: أنه دخل عليها ببعض المال ليدفع ما تبقى عليه في المكاتبة- فقالت: إنك غير داخل علي بعد مكاتبتك هذه؛ لأنك ستكون حراً فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرمه الله على النار).

    وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجلين) والله تعالى يعجب كيف شاء ليس كعجب الخلق. قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل سار من فراشه ولحافه -أي: انسل من لحافه وفراشه- من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي. سار من بين لحافه من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله ففر أصحابه، فعلم ما عليه في الفرار -أي: من الوزر- وما له في الرجوع إلى العدو، فرجع حتى أهريق دمه).

    عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل يترك فراشه ويترك زوجه وعروسه ويقوم فينتصب لله عز وجل قائماً في الليل، ورجل فر مع أصحابه من الجهاد ولكنه راجع نفسه وعلم أن هذا فرار من الزحف، وأنه من أكبر الكبائر فاتقى الله ورجع ليقاتل العدو حتى أريق دمه. قال: (قال الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي. رجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي).

    وعن عتبة بن عبد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (القتلى في سبيل الله ثلاثة: مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا) قرف أي: اكتسب، رجل مؤمن لكنه عاص بذنوبه. قال: (رجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل) هو مؤمن صاحب ذنوب ومعاصي وخطايا، لكنه إذا لقي العدو ثبت وقاتل العدو حتى قتل. قال: (فتمصمصه) أي: تطهره.

    إذاً: ليس القتال في سبيل الله هلكة، بل هو مكسب عظيم جداً، فالرجل صاحب الذنوب تمحو الحروب والجهاد خطاياه وذنوبه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتمصمصه فمحت ذنوبه وخطاياه. إن السيف محاء للخطايا) ولم يقل: إن السيف يمحو الخطايا، وإنما قال: (محاء) صيغة مبالغة من المحو، كأن المجاهد لا يبقى عليه في الجهاد والقتل في سبيل الله ذنب قط. (والثاني: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في خيمة من خيام الله في الجنة لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة).

    إذاً: اثنان: مؤمن مذنب وعاص وصاحب خطايا، والسيف محاء لذلك كله، ومؤمن بلا ذنب أو بلا كبيرة، فهذا في الجنة يتلو منزلة الأنبياء والمرسلين مباشرة، ولا تحجبه عنهم إلا درجة النبوة.

    قال: (ومنافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فله الجنة) وفي رواية: (حرمه الله على النار). وفي رواية: (حرم الله وجهه على النار). وفواق الناقة هو: المدة الزمنية بين الحلبتين. وهذا على عادة الناس في الأماكن المختلفة، فالعرب يحلبون نوقهم في كل يوم، أما الفلاحون فإنهم يحلبون نوقهم في كل يوم مرتين: في الصباح مرة وفي المساء مرة، فأياً كان وعلى أقصى تقدير لو أن الواحد قاتل من أول النهار إلى آخره، أو إلى مطلع النهار الثاني في سبيل الله عز وجل حرم الله وجهه على النار.

    وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة). وفي الرواية الأولى: (حرم الله وجهه .. بدنه .. جلده على النار) ثم أثبت المقال في هذه الرواية: (وجبت له الجنة).

    وعن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مقام أحدكم في الصف في سبيل الله أفضل من عبادة رجل ستين سنة). هذا بمجرد أن الواحد يقف في الصف ويتخذ الأهبة للقاء العدو ولم يقاتل بعد، ولم يلتق الجمعان، ولكنه وقف في الصف ابتغاء وجه الله عز وجل قتلاً للمشركين ودحضاً للكفر والكافرين، ودحراً لهم بهذه النية فقط، هذه الوقفة في الصف تعدل عبادة رجل ستين سنة، فما بالك عندما تسمع عن مناقب وسير السلف أن الواحد منهم كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، ومنهم من كان يذهب إلى الثغور ليقاتل إذا نودي للقتال، وإذا كان في وقت السلم علم الناس العلم، والعلم أيضاً باب من أبواب الجهاد.

    وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال: (اجتمعنا في مجلس فقلنا: وددنا أنا علمنا أحب الأعمال إلى الله فعملنا بها، فهممنا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: فبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً، فجعل بعضنا يسأل بعضاً عما اجتمعنا له فلا ندري).

    وهذه في الحقيقة عادة الخلق؛ لأنها فطرة وغريزة، يقولون: أردنا أن ننظر في أحب الأعمال وأحسنها فنسأل عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فنعمل بها، فأرسل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام واحداً واحداً.

    قال: (فبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً، فجعل بعضنا يسأل بعضاً عما اجتمعنا له فلا ندري، فتلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الصف:1]). والشاهد من هذه الآيات: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] فهم عندما سألوا عن أحب الأعمال إلى الله استشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعمل محبب إلى الله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] فكأن الجواب: أحب الأعمال إلى الله الجهاد في سبيل الله.

    هذا هو المجلد الأول من كتاب الجهاد لـابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وبقي لنا مجلد آخر، فربما يكون ذلك في الغد بإذن الله تعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.