اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الأمر، وهو من العبادات المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يشرع الجهاد لإزهاق الأرواح، وإراقة الدماء، واحتلال البلاد، وإنما شرع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، وقد بين القرآن والسنة ما أعد الله للمجاهدين في سبيله من عز وتمكين في الدنيا، ونعيم مقيم في الآخرة.
أهمية الجهاد وفضله في كتاب الله عز وجل
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستغفره ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:فقد توقفنا عند كتاب الجهاد، وهو من أوجب الواجبات على هذه الأمة في هذه الأيام، ويحسن أن نقدم للكلام عن أحكام الجهاد التي وردت في صحيح مسلم بمقدمة تبين أهمية الجهاد وفرضيته خاصة إذا احتاجت إليه الأمة في وقت من الأوقات، والأمة في حاجة إلى الجهاد حتى آخر لحظة من لحظات حياتها، كما أن هذه المقدمة تعالج عند كثير من الناس ما يشاع عن الجهاد في سبيل الله أو الحرب أو القتال أنه حرب مدمرة وخسارة. فنقول: لا يرتدع الظالم المعتدي إلا بهذا، فإذا كان ذلك وتعين فلا بأس به في لسان الشرع. فنقدم بمقدمة من كتاب الله عز وجل ثم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ندخل في ذكر تفاصيل أحكام الجهاد من خلال الأحاديث في صحيح مسلم .
 آيات متفرقة من كتاب الله في القتال
قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].وقال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [محمد:4] أي أكثرتم القتل وأمعنتم القتل في رقابهم فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6].وقال تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:20-21]. رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد:20] لا يحبون القتال، ويعتبرونه هلكة، وقد سمعنا تصريحات كثيرة تقول: حرب؟! لم الحرب؟! ثم يقول: الحرب ما شرعت إلا للسلام بعدها، وللكلام بعدها، وللاتفاق بعدها، فإذا كان يمكن الاتفاق والسلام والكلام قبلها فما قيمة الحرب حينئذ؟ثم يقول بعد ذلك قائلهم: الحرب دمار وخراب!لماذا ينظر إلى الحرب على أنها دمار وخراب شامل للبلاد والعباد، والأموال والأنفس والأرواح؟ لماذا هذه النظرة المشئومة فقط، ولا ينظر إلى أن المؤمن في القتال ينتظر أحد أمرين: إما النصر وإما الشهادة؟ لماذا لا ينظر إلى القتال والحرب والجهاد على أنه عز أهل الإيمان وشرفهم، ومحافظة على الأوطان والبلدان؟ لماذا لا ينظر هذه النظرة؟الجواب: لأنه أخلد إلى الأرض ورضي بالحياة الدنيا، بل رضي أن يعيش ذليلاً حقيراً.وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] تصور أن الله تعالى يحب أن نكون صفاً كالملائكة في الصلاة، وأن نكون صفاً في القتال كصفنا في الصلاة كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4].وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف:10]؟الجواب: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [الصف:11].هذه بعض الآيات التي إذا سمع المؤمن آية واحدة منها اشتاق إلى لقاء العدو طلباً لمغفرة الله عز وجل.
أهمية الجهاد وفضله في السنة النبوية
صنف ابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني كتاباً عظيماً جداً في الجهاد فقال في الباب الأول:
 بيان فضل المجاهد الذي اغبرت قدماه في سبيل الله
عن معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما تغبرت قدما عبد قط ولا وجهه في شيء أفضل عند الله بعد الصلاة المفروضة من الجهاد في سبيل الله عز وجل).إذاً: فأعظم مشوار تذهب إليه وتغبر فيه قدماك بعد إدراك الصلاة مع الإمام في جماعة هو الجهاد في سبيل الله عز وجل. وفي رواية: (والذي نفسي بيده ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل تبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله).وقال عليه الصلاة والسلام: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار). وهذه حرمة عظيمة للمجاهد.وعن أبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف امرئ مؤمن. أو قال: مسلم). لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم، فإما هذا وإما ذاك، فالذي اغبرت قدماه في سبيل الله أو وجهه في سبيل الله حرم الله بدنه على النار.وعن عائشة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من خرج في سبيل الله فدخل الرهج -الغبار- في جوفه حرم الله جلده على النار).وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن مكاتباً دخل عليها ببقية مكاتبته -أي: أنه دخل عليها ببعض المال ليدفع ما تبقى عليه في المكاتبة- فقالت: إنك غير داخل علي بعد مكاتبتك هذه؛ لأنك ستكون حراً فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما خالط قلب امرئ رهج في سبيل الله إلا حرمه الله على النار).وعن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجب ربنا من رجلين) والله تعالى يعجب كيف شاء ليس كعجب الخلق. قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل سار من فراشه ولحافه -أي: انسل من لحافه وفراشه- من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي. سار من بين لحافه من بين أهله وحبه أو حشمه إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله ففر أصحابه، فعلم ما عليه في الفرار -أي: من الوزر- وما له في الرجوع إلى العدو، فرجع حتى أهريق دمه).عجب ربنا تبارك وتعالى من رجل يترك فراشه ويترك زوجه وعروسه ويقوم فينتصب لله عز وجل قائماً في الليل، ورجل فر مع أصحابه من الجهاد ولكنه راجع نفسه وعلم أن هذا فرار من الزحف، وأنه من أكبر الكبائر فاتقى الله ورجع ليقاتل العدو حتى أريق دمه. قال: (قال الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي. رجع حتى أهريق دمه رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي).وعن عتبة بن عبد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (القتلى في سبيل الله ثلاثة: مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا) قرف أي: اكتسب، رجل مؤمن لكنه عاص بذنوبه. قال: (رجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل) هو مؤمن صاحب ذنوب ومعاصي وخطايا، لكنه إذا لقي العدو ثبت وقاتل العدو حتى قتل. قال: (فتمصمصه) أي: تطهره.إذاً: ليس القتال في سبيل الله هلكة، بل هو مكسب عظيم جداً، فالرجل صاحب الذنوب تمحو الحروب والجهاد خطاياه وذنوبه.قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتمصمصه فمحت ذنوبه وخطاياه. إن السيف محاء للخطايا) ولم يقل: إن السيف يمحو الخطايا، وإنما قال: (محاء) صيغة مبالغة من المحو، كأن المجاهد لا يبقى عليه في الجهاد والقتل في سبيل الله ذنب قط. (والثاني: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في خيمة من خيام الله في الجنة لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة).إذاً: اثنان: مؤمن مذنب وعاص وصاحب خطايا، والسيف محاء لذلك كله، ومؤمن بلا ذنب أو بلا كبيرة، فهذا في الجنة يتلو منزلة الأنبياء والمرسلين مباشرة، ولا تحجبه عنهم إلا درجة النبوة.قال: (ومنافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق).وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فله الجنة) وفي رواية: (حرمه الله على النار). وفي رواية: (حرم الله وجهه على النار). وفواق الناقة هو: المدة الزمنية بين الحلبتين. وهذا على عادة الناس في الأماكن المختلفة، فالعرب يحلبون نوقهم في كل يوم، أما الفلاحون فإنهم يحلبون نوقهم في كل يوم مرتين: في الصباح مرة وفي المساء مرة، فأياً كان وعلى أقصى تقدير لو أن الواحد قاتل من أول النهار إلى آخره، أو إلى مطلع النهار الثاني في سبيل الله عز وجل حرم الله وجهه على النار.وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة). وفي الرواية الأولى: (حرم الله وجهه .. بدنه .. جلده على النار) ثم أثبت المقال في هذه الرواية: (وجبت له الجنة).وعن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مقام أحدكم في الصف في سبيل الله أفضل من عبادة رجل ستين سنة). هذا بمجرد أن الواحد يقف في الصف ويتخذ الأهبة للقاء العدو ولم يقاتل بعد، ولم يلتق الجمعان، ولكنه وقف في الصف ابتغاء وجه الله عز وجل قتلاً للمشركين ودحضاً للكفر والكافرين، ودحراً لهم بهذه النية فقط، هذه الوقفة في الصف تعدل عبادة رجل ستين سنة، فما بالك عندما تسمع عن مناقب وسير السلف أن الواحد منهم كان يحج عاماً ويجاهد عاماً، ومنهم من كان يذهب إلى الثغور ليقاتل إذا نودي للقتال، وإذا كان في وقت السلم علم الناس العلم، والعلم أيضاً باب من أبواب الجهاد.وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال: (اجتمعنا في مجلس فقلنا: وددنا أنا علمنا أحب الأعمال إلى الله فعملنا بها، فهممنا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: فبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً، فجعل بعضنا يسأل بعضاً عما اجتمعنا له فلا ندري).وهذه في الحقيقة عادة الخلق؛ لأنها فطرة وغريزة، يقولون: أردنا أن ننظر في أحب الأعمال وأحسنها فنسأل عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فنعمل بها، فأرسل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام واحداً واحداً. قال: (فبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً واحداً، فجعل بعضنا يسأل بعضاً عما اجتمعنا له فلا ندري، فتلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الصف:1]). والشاهد من هذه الآيات: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] فهم عندما سألوا عن أحب الأعمال إلى الله استشهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعمل محبب إلى الله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف:4] فكأن الجواب: أحب الأعمال إلى الله الجهاد في سبيل الله.هذا هو المجلد الأول من كتاب الجهاد لـابن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وبقي لنا مجلد آخر، فربما يكون ذلك في الغد بإذن الله تعالى.أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - مقدمة فضل الجهاد من القرآن والسنة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net