إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الحدود - تابع رجم الثيب في الزناللشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الإسلام بالحفاظ على الحرمات، ومن ذلك حرمة العرض، فحرم الزنا وحد له حدوداً تقام على الزاني بالإقرار منه أو البينة عليه، فإذا كان بكراً فإنه يجلد مائة ويغرب عاماً، وإن كان محصناً يرجم، كما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في ماعز والغامدية والأعراب واليهود، فالرجم ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تابع باب من اعترف على نفسه بالزنا

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وبعد: فما زال الكلام موصولاً عن حديث ماعز الأسلمي ، ومعه حديث المرأة الغامدية في باب: من اعترف على نفسه بالزنا، وكنا قد أخذنا شطر الحديث الأول فيما يتعلق بزنا ماعز ، واليوم نتمم الحديث فيما يتعلق بالمرأة الغامدية .

    شرح حديث بريدة بن الحصيب في رجم الغامدية

    قال: [(ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد -والأزد: هو بطن من غامد- فقالت: يا رسول الله! طهرني. فقال: ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك)] أي: بالأمس أتاك ماعز فقال: إني زنيت فأعرضت عنه، ثم أتاك فقال: إني زنيت فأعرضت عنه أربع مرات، وكأني يا رسول الله! أشعر أنك تفعل معي اليوم ما فعلت مع ماعز بالأمس، فأرجو ألا يكون هذا منك. ومعنى كلامها: أنها زنت، وأنها تعلم معنى الزنا، وكأنها تقول: وعلامة ذلك يا رسول الله! أني حبلى من الزنا فطهرني، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: [(ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟)] هنا شبهة وهي: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أتت هذه المرأة وقالت: (يا رسول الله! أذنبت ذنباً فطهرني، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ويحكِ، ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) رب قائل يقول: هذه المرأة أتت إليه مذنبة والنبي عليه الصلاة والسلام هو المسئول الأول في زمنه عن إقامة الحد ومع هذا قال لها: (ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) وليس في هذا الحديث عند التحقيق شبهة؛ لأن هذه المرأة لما أتت وقالت: يا رسول الله! طهرني، لم تبين نوع ذنبها ولم تقل: إني زنيت، أو إني فجرت أو سرقت أو غصبت أو شيء مما رتب الله عز وجل عليه حداً في كتابه، أو رتب عليه نبيه حداً في سنته، وإنما قالت: (يا رسول الله! إني أذنبت ذنباً فطهرني) والمعلوم أن الطهارة من الذنب تكون في الكبائر والصغائر، فحمل النبي صلى الله عليه وسلم أمرها على أحسن المحامل، وأنها ما وقعت في كبيرة وإنما وقعت في صغيرة؛ فأرادت أن تتطهر من ذنبها حتى وإن كان صغيراً؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ويحكِ! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه) قبل أن يعلم شيئاً، فلما قالت له: (يا رسول الله! أراك تردني كما رددت ماعز بن مالك . فقال: وما ذاك؟) أي: وما هذا الذنب الذي تريدين أن تتطهري منه.

    قال: [(قالت: إني حبلى من الزنا)] هنا أول إعلام للنبي صلى الله عليه وسلم بنوع الذنب.

    قال: [(فقال: أأنتِ -يعني: أأنتِ التي وقعتِ في الزنا- قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك)] أي: لا أقيم عليكِ الحد حتى تضعي ما في بطنكِ.

    قال: [(فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت -كفلها أي: قام على حاجتها، واستوصى بها خيراً- فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية)] هذا الكفيل الذي كفل المرأة هو الذي أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله! المرأة التي كفلتها وضعت حملها.

    قال: [فقال: (إذاً: لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه)] المرة الأولى امتنع عن إقامة الحد لوجود الحمل؛ لأنه لو أقام عليها الحد وهي حامل ربما قتل جنينها بغير جريرة ارتكبها، ثم من الشفقة -أي: شفقة الإسلام على الرضيع- أن نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إقامة الحد على المرضع إلا أن تجد مرضعاً أخرى ترضع هذا الرضيع، لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: [(إذاً: لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها)] يعني: أنا يا رسول الله! أتكفل برضاعه، فرجمها النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير - وتقاربا في لفظ الحديث - قال ابن نمير : حدثنا أبي حدثنا بشير بن المهاجر قال: حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب : (أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله! إني قد زنيت. فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئاً؟ -أي: هل هو مجنون أو سكران؟- فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل -أي: عقله كامل لا بأس به، ليس مجنوناً- من صالحينا فيما نرى)] أي: الذي نظنه أنه من أهل الصلاح والتقوى.

    قال: [(فأتاه -أي: ماعز- الثالثة، فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها -عليه الصلاة والسلام- فلما كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لحبلى -أي: من الزنا- قال: إما لا -أي: حيث إن الأمر كذلك- فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي وهو في خرقة -على عادة النساء في شأن المولود- قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه -أي: حتى يمتنع عن الرضاع- فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله! قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد، بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد ؛ فسبها حينئذ، فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها، فقال: مهلاً يا خالد ! فوالذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها - أي: النبي صلى الله عليه وسلم - فصلى عليها ودفنت)].

    شرح حديث عمران بن حصين في رجم الغامدية وصلاة النبي عليها

    قال: [حدثني أبو غسان -وهو المسمعي مالك بن عبد الواحد- قال: حدثنا معاذ بن هشام - وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - قال معاذ : حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير اليماني حدثني أبو قلابة - عبد الله بن زيد الجرمي البصري - أن أبا المهلب حدثه عن عمران بن حصين : (أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله! أصبت حداً فأقمه علي)] يعني: قارفت ذنباً عظيماً استوجب الحد، فطهرني منه.

    قال: [(فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها)] وهذا على غير عادة الناس فإنهم إذا زنت امرأة آذاها قومها وأولياؤها، والنبي عليه الصلاة والسلام أمر بالإحسان إلى هذه المرأة رغم أنها زانية، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بالإحسان إلى أصحاب الكبائر فما بالك بإحسانه عليه الصلاة والسلام مع أفاضل الصحابة كـأبي بكر وعمر . [(قال: أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها. ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، فشكت عليها ثيابها)] يعني: فشدت عليها ثيابها خلافاً للرجل، فإن الرجل حين إقامة الحد عليه لا يشد عليه ثوبه، إنما المرأة يشد عليها ثوبها ويحفر لها إلى صدرها وترجم وهي جالسة خلافاً للرجل، فالرجل يقام عليه الحد وهو قائم أو جالس، أما المرأة فإنه يقام عليها الحد وهي جالسة. قولاً واحداً.

    قال: [(ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها)]. والله تعالى يقول: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] فرحمة الله عز وجل في صلاة نبيه أمر معلوم يقيناً، لا أمر مظنون كما هو الحال في سائر الناس دون النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [(فقال له عمر : تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟)] وهذا القول من عمر يرد به على من قال: إن صلاة النبي عليها إنما هي الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء، ولو كانت الصلاة في الحديث هي الدعاء دون الصلاة المشروعة وهي صلاة الجنازة لما كان لإنكار عمر على النبي وجه. وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام صلى عليها صلاة الميت.

    قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لقد تابت توبة لو قسمت -أي: وزعت- بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم)] أي: لكفتهم حتى وإن كانوا أصحاب ذنوب وكبائر. والمعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الأنصار قولاً عظيماً، وأثبت فضل الأنصار عموماً، وأثبت فضل كل أنصاري خصوصاً، وأثبت فضل كبار الأنصار من الأوس والخزرج، فكل واحد من فضل كبار القوم له مناقب شتى وجمة منها ما هو في الصحيحين ومنها ما هو في غيرهما، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم منزلة المهاجرين الأنصار في الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام في هذه المرأة الغامدية: [(لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة -أي: من الأنصار- لكفتهم، وهل وجدت -يا عمر- توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى)] يعني: هل هناك دليل على صدق توبة التائب من أنه يأتي ويجود بنفسه وهو يعلم يقيناً أنه سيرجم وأنه سيموت؟ هذه المرأة أصرت على التطهير وقيام الحد عليها بدليل أنها أتت مرة وقالت: (يا رسول الله! إني أصبت حداً). فلما أمرها بالتوبة والرجوع إلى الله والاستغفار قالت: (يا رسول الله! لا تردني كما رددت ماعزاً بالأمس، إني زنيت، وإني حبلى من الزنا، قال: لا نقيم عليكِ الحد وأنتِ حبلى حتى تضعي) فرجعت المرأة، وأتت مرة أخرى وكان بإمكانها ألا تأتي، ولكن لصدق توبتها لفت وليدها في خرقة وأتت به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (لا نقيم عليكِ الحد حتى تفطميه؛ فرجعت). والمعلوم أن مدة الفطام طويلة تبلغ سنتين، فذهبت المرأة حتى أرضعت وليدها وفطمته، ثم أتت به وفي يده كسرة خبز؛ دليل على أنه الآن يأكل ويشرب ويعتمد على نفسه، وقد استغنى عن لبن أمه. فكل هذه أدلة تشهد بصدق توبة المرأة، ولا عليها أنها زنت في لحظة ضعف تسلط الشيطان عليها، أو أن الأجواء هيأت الوقوع في المعصية فوقعت فيها، لكنها سرعان ما فاءت ورجعت إلى ربها، فهل على المذنب من بأس أو حرج إذا كان هذا شأنه وحاله؟ الجواب: ليس عليه من حرج، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (والذي نفس محمد بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله تعالى، فيغفر الله لهم) .

    وقوله: (فيذنبون) كلام عام يشمل كبائر الذنوب وصغائرها. فهذه المرأة أذنبت وماعز أذنب، لكننا لا نحتج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب المذنب من ذنبه، فإنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية إلا إذا تاب المذنب من ذنبه وعلم أن ما كان منه إنما باشره بنفسه، وأن الله تعالى قدره وكتبه في اللوح المحفوظ، وأن العبد له مشيئة في اختيار أفعاله، وأن مشيئة العبد مندرجة تحت مشيئة الله عز وجل وقدره، فالله عز وجل أراد الخير وأحبه، وأمر به أمراً شرعياً، وأذن في وجوده وكونه شرعاً وقدراً، وأن الله عز وجل خلق الشر كما خلق الخير، وأذن في وقوعه وإن كان يكرهه بل وينهى عنه، لكنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد الله تعالى وقدر.

    قال: [وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان بن مسلم - وهو المعروف بـالصفار - قال: حدثنا أبان العطار - وهو ابن يزيد العطار - حدثنا يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد مثله].

    1.   

    كلام النووي في أحاديث رجم الغامدية

    بيان أن الحبلى لا تحد حتى تضع

    ذكر الإمام النووي عليه رحمة الله حديث رجم الغامدية فقال في قوله: (حتى تضعي ما في بطنكِ):

    (فيه: أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا أمر مجمع عليه؛ لئلا يقتل جنينها -بقيام الحد عليها- وكذا لو كان حدها الجلد وهي حامل لم تجلد بالإجماع حتى تضع). يعني: لو كانت امرأة ثيباً أو بكراً ووقعت في الزنا فالإجماع منعقد على أنها إذا حملت من الزنا وتبين حملها في بطنها لا ترجم ولا تجلد حتى تضع حملها؛ حفاظاً على جنينها.

    رجم المرأة المحصنة إذا زنت

    قال: (وفيه: أن المرأة ترجم إذا زنت وهي محصنة كما يرجم الرجل). لا خلاف بين الرجل والمرأة من جهة الإحصان والرجم.

    قال: (وهذا الحديث محمول على أنها كانت محصنة؛ لأن الأحاديث الصحيحة والإجماع متطابقان على أنه لا يرجم غير المحصن). فهذه المرأة الغامدية التي زنت لم يذكر في الحديث أنها محصنة أو غير محصنة، لكننا استفدنا إحصانها من الرجم، ولو كانت غير محصنة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلدها، فلما أمر بالرجم تبين لنا أنها امرأة محصنة.

    ثبوت أن الحمل قرينة على وقوع الزنا

    قال: (وفيه: أن من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع، وهذا أمر مجمع عليه، ثم لا ترجم الحامل الزانية ولا يقتص منها بعد وضعها حتى تسقي ولدها اللبن، ويستغنى عنها بلبن غيرها.

    وفيه: أن الحمل يعرف ويحكم به). وهذا كلام درسناه في الدرس الماضي، وقلنا: الجريمة تثبت بالإقرار والبينة والحمل، وذكرنا خلاف العلماء هناك وقلنا: الراجح: هو مذهب الجمهور أن الحمل قرينة على وقوع الزنا لامرأة لا زوج لها أو لأمة لا سيد لها.

    حكم حد المرضع

    قال: (قوله: (فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت) أي: قام بمؤنتها ومصالحها، وليس هو من الكفالة التي هي بمعنى الضمان؛ لأن هذا لا يجوز في الحدود التي هي لله تعالى.

    قوله: (لما وضعت قيل: قد وضعت الغامدية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها). وفي الرواية الأخرى: (أنها لما ولدت جاءت بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: يا نبي الله! هذا قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فرجموها) فهاتان الروايتان ظاهرهما الاختلاف...).

    في الرواية الأولى قال النبي عليه السلام: (اذهبي حتى تضعي الحمل) فلما وضعت أتت النبي عليه الصلاة والسلام فأقام عليها الحد ولم يردها لأجل الرضاع. وفي الرواية الثانية: أنه ردها لأجل الرضاع، فهنا تعارض في الظاهر.

    إذاً: يجب تأويل الرواية الأولى وحملها على وفق الثانية؛ لأنها قضية عين واحدة. يعني لو قلنا: أن الحالة المعروضة أمامنا هذه متعددة لقلنا: أتت إليه امرأة في أول الأمر فأقام عليها الحد، وأتت إليه امرأة ثانية فأرجأها وأخرها حتى تفطم ولدها، لكن ما العمل إذا كانت القصتان هما قصة واحدة، وأن المرأة في الروايتين هي امرأة واحدة؟ وإذا صح الحديث فلا بد من الجمع بين الروايتين، وإن لم تجمع بين الروايتين الصحيحتين لا بد أن تقول بأن إحداهما شاذة، وهذه نتيجة حتمية، وفي هذه الحالة لا يكون لك بينة، وإما أن تؤلف بينهما، أي: أن تحمل إحداهما على الأخرى أو تؤول إحداهما بحيث تتفق مع تأويل الأخرى، وإلا فإنك سترد إحدى الروايتين، وأهل العلم يقولون: العمل بالدليلين خير من إهمال أحدهما. وهذا في حالة إمكانية الجمع، أما إذا كان الجمع مستحيلاً فلا بد من ثبوت رد إحدى الروايتين.

    قال: (فإن الثانية -أي: الرواية الثانية- صريحة لا يمكن تأويلها)؛ لأن المرأة أتته الأولى والثانية والثالثة، فهي رواية صريحة جداً. أما الرواية الأولى فليست صريحة، فيتعين تأويل الرواية الأولى: (قام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه) إنما قاله بعد الفطام) لا في المرة الأولى، ولكن الراوي اختصر الرواية. (وأراد بالرضاعة: كفالته وتربيته، وسماه رضاعاً مجازاً).

    قال: (واعلم أن مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من مذهب مالك : أنها لا ترجم حتى تجد من يرضعه). وهذا مذهب الجمهور، لا يجوز رجم الزانية حتى تجد من يرضع وليدها.

    قال: (فإن لم تجد أرضعته حتى تفطمه ثم رجمت. وقال أبو حنيفة ومالك -في رواية عنه-: إذا وضعت رجمت ولا ينتظر حصول مرضعة). وهذا كلام يخالف ظاهر الدليلين.

    قال: (وأما هذا الأنصاري الذي كفلها فقصد مصلحة، وهو الرفق بها ومساعدتها على تعجيل طهارتها بالحد -بقيام الحد عليها- لما رأى بها من الحرص على تعجيل ذلك).

    قال: (قوله عليه الصلاة والسلام: (إما لا فاذهبي حتى تلدي) أي: حيث إن الأمر كذلك فاذهبي حتى تضعي حملك. ومعناه: إذا أبيتِ أن تستري على نفسكِ وتتوبي وترجعي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك.

    قوله عليه الصلاة والسلام: (فتنضح الدم على وجه خالد) معناه: ترشش وانصب). يعني: انصب على ثوبه.

    حكم أخذ المكوس وبيان عظيم شأنها

    قال: (قوله: عليه الصلاة والسلام: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) فيه أن المكس من أقبح المعاصي..) هذا حكم جديد، وصاحب المكس عموماً هو آخذ أموال الناس بغير حق، وخصوصاً جامع الضرائب والجمارك، صاحب المكس هو الذي يأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً تحت باب الضرائب أو الجمارك على الحدود وغيرها، حتى تعلموا أن هذا العمل أشد في الحرمة عند الله من الزنا، قال صلى الله عليه وسلم عن هذه المرأة: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس)، فصاحب المكس مطالب أمام الله عز وجل بأن يتوب توبة أعظم من توبة الزانية أو أعظم من توبة الزاني؛ وذلك لأنه يأخذ أموال الناس بغير حق، أما لو أخذ أموال الناس بحق فلا يدخل تحت هذا، فالذي يرسل إلى الناس ليجمع زكاة أموالهم يحرم عليه أن يأخذ أحسن أموالهم، ولا يأخذ من أموالهم إلا أواسط الأموال لا الدرنة ولا القرناء ولا العجفاء ولا الكسيرة ولا الكسيحة، كما أنه لا يأخذ أفاضل الأموال، وهذا طبعاً في الماشية والزرع وغير ذلك.

    أما في الذهب والفضة فإنه يأخذ من أي الأموال شاء؛ لأنه لا فرق في الذهب بين بعضه البعض ولا في الفضة بين بعضها البعض كذلك.

    إذاً: صاحب المكس هو جامع الضرائب، وعمله حرام، ودليلنا في الحرمة هو هذا الحديث وعموم الأحاديث التي وردت في تحريم أخذ أموال الناس بالباطل، لكن هذا الحديث أصرح حديث في حرمة الجمارك وحرمة الضرائب، وبالتالي الأسئلة تكثر، ومرد هذه الأسئلة إلى سؤال واحد: هل يجوز التهرب من الضرائب والجمارك؟ أنا أقول بالجواز قولاً واحداً، فإذا استطعت من غير مضرة تنزل بك، بل كدت أن أصل بالحكم إلى وجوب الهروب من الضرائب والجمارك؛ لأن هذا مالي وأنا لا آذن لأحد قط أن يأخذه مني، عندما آتي بغسالة أو ثلاجة أو كناسة من الخارج فهو مالي قد اشتريت به حلالاً سلعة من بلد معين، أريد إدخالها للانتفاع بها في بلدي، أو بيعها والاتجار فيها، فكيف يؤخذ مني مال فوق ثمن هذه السلعة؟ كما أن هذا ضرب للاقتصاد المصري أو غيره أياً كان هذا الاقتصاد؛ لأني لو أتيت بالسلعة قيمتها (100) جنيه لبعتها بـ (110)، لكن لو أخذ مني جمارك بعتها بـ(200) فهذا تخريب للاقتصاد وليس فيه أدنى منفعة للبلد، فالتجارة لا تروج إلا إذا رفعت الحكومة أيديها عن الناس وعن أبنائها وعن مواطنيها يتاجرون حيث شاءوا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض). فلا يحل للحكومة التدخل إلا إذا كنت أتاجر في سلعة حرمها الشرع، أما التسعير فليس لها علاقة بذلك؛ ولذلك لما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! سعر لنا. قال: إن الله هو المسعر)، (سعر لنا) يعني: حدد لنا السعر. قال: (إن الله هو المسعر) وليس هذا من أسماء الله، ولكن التسعير يقع بقدر الله، هذا معنى الحديث: (إن الله هو المسعر) أي: أن التسعير يقع بقدر الله عز وجل؛ ولذلك لا يزال العامة قبل الخاصة يحفظون أن التجارة عرض وطلب.

    والذي يعمل في التموين ويجلس في المسجد معنا ويقول: الحمد لله، أنا ليس لي علاقة بالحرام، إنما أنا أجمع ضرائب، نقول له: عملك أنت كذلك فيه شيء من الحرمة وشيء كبير وليس بسيطاً، فأصل عملك في التموين الحل؛ لأن موظف التموين ما هو إلا رقيب على جودة السلعة من رداءتها، لكن قيامك كل شهر على هذه المحلات اكتسبت أنت بها الحرمة، فيصير أصل العمل حلالاً، وأنت جعلته بدل الحل حراماً؛ فأنت الآن لا يضرك أن تكون البضاعة كاسدة أو رابحة. هذا أمر لا يعنيك، إنما الذي يعنيك أن تأخذ مال هذا الرجل حراماً فتأكله، فهذا أمر مدفوع الثمن، وأنت لا تعيب عليه شيئاً من ذلك، فإذا ذهب هذا الموظف الذي يعمل في وزارة التموين إلى المحلات، ليأخذ المعلوم الشهري فليعلم أن هذا المعلوم إنما هو نار الله الموقدة يأكلها في بطنه، فلا هنيئاً ولا مريئاً، وليعلم أن صاحب هذا المال وإن هش وبش في وجهه هو والله غير راض عن هذا، وأعظم دليل على ذلك أنه لو أمن جانبك ما أعطاك شيئاً.

    وأعجب من ذلك: أنك تجد موظف التموين يشرط على أصحاب المحلات والأعمال والتجارات مبلغاً معلوماً في كل شهر، وهذا مبلغ نقدي خلافاً للمبلغ العيني، فمن الناس من يكون معه دكان فيه بضاعة قيمتها عشرة آلاف جنيه، وهو يكسب في الشهر مثلاً خمسمائة جنيه، يأكل منها ويشرب، فإذا به يطالب بأنه يدفع نصف المبلغ لموظف التموين. تصور أن موظفاً هذا حاله قد شقي عمره السابق كله لأنه وأباه وأمه وجده لا يملكون قوت يومهم، فتاريخهم الأسود طويل لا نهاية له، وموظف التموين في غمضة عين يركب أضخم السيارات، ويسكن في أحسن العمارات، وينتقل في معيشته انتقالة يلحظها القاصي والداني، ولو أنه طلب حلالاً وترك حراماً لكانت سيرته امتداداً لسيرة أبيه وجده.

    تصور موظف ينزل في حي -مثلاً- من الأحياء الشعبية يمر على أربعمائة محل كل شهر، يأخذ من كل محل (250) جنيهاً، اضرب أربعمائة محل في عشرة جنيهات، وأظن هذا أقل الفسق وليس أقل الإيمان أن يأخذ عشرة جنيهات، 10×400=4000) جنيه في الشهر، ولن يأخذ (4000) جنيه فقط، بل أقل تقدير يأخذ (10.000) آلاف جنيه! فهذا صاحب مكس؛ لأنه يأخذ أموال الناس بالباطل، فجمع الضرائب مصيبة كبرى، وهذه المظالم تجعل الشخص ينتقم لنفسه في الحال، والناس لم يتعلموا العنف والإرهاب إلا بغياب الشرع، ولو كان الشرع هو الذي يحكم الخلق، وعرف كل إنسان ما له وما عليه، فإنك لا تجد إرهاباً إلا مع الأعداء فقط، لكننا نسينا العدو الذي كلفنا بمحاربته، وصار كل واحد من المسلمين يحارب إخوانه؛ وذلك لأنه يشعر بالظلم البين في ليله ونهاره.

    تصور أن شخصاً يعمل لغير الله عز وجل، يعني: يعمل عمل الآخرة يريد به الدنيا، فإن الله تعالى يذله في الدنيا وفي الآخرة، كمن يعفي لحيته رياءً وسمعة، ويجعل نفسه حريصاً على دين الله رياءً وسمعة، ويجاهد رياءً وسمعة، ويعلم الناس أو يتعلم العلم رياءً وسمعة، ثم بعد ذلك يتعرض لابتلاءات عظيمة جداً في حياته، ويكون هو أول من تسعر به جهنم في الآخرة، فلا في الدنيا أخذ حقه، ولا في الآخرة أخذ حقه، فأصبح الذي يحلق لحيته أفضل منه؛ لأنه في نظره استمتع بدنياه، أما أنت فقد حرمت الدنيا وحرمت الآخرة لأجل النية فقط؛ ولذلك العمل لله عز وجل يحتاج إلى إخلاص.

    يقول سفيان الثوري: أعظم شيء عليَّ نيتي، كلما أقمتها اعوجت. يعني: لم يجاهد شيئاً أعظم في التقلب من نيته، كلما أقامها على الجادة وعلى الإخلاص تقلبت عليه، وهذا أمر عظيم جداً، نسأل الله السلامة والعافية.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له) يقول الإمام النووي : (فيه: أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب والموبقات؛ وذلك لكثرة مطالبات الناس له وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس وأخذ أموالهم بغير حقها وصرفها في غير وجهها. وفيه: أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا) أي: حتى لو تاب يقام عليه الحد وجوباً إذا بلغ السلطان، وتوبته لا تعفيه من قيام الحد عليه.

    قال: (وكذا حكم حد السرقة والشرب. وهذا أصح القولين في مذهبنا ومذهب مالك).

    قال: (الثاني -أي: المذهب الثاني-: أنها تسقط ذلك). أي: تسقط التوبة قيام الحد. وهذا إذا لم يبلغ الحد إلى السلطان بالإجماع، أما إذا بلغ السلطان ففيه نزاع.

    قال: (وأما توبة المحارب قبل القدرة عليه فتسقط حد المحاربة بلا خلاف عندنا). أما إذا تاب بعد القدرة عليه -أي: بعد القبض عليه- فإنها لا تسقط الحد.

    قال: (وعند ابن عباس وغيره لا تسقط).

    حكم الصلاة على المقتول حداً

    قوله (فصلى عليها ثم دفنت فيه) مسألة: الصلاة على المقتول في حد، وهي محل نزاع بين أهل العلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على ماعز الأسلمي وصلى على المرأة الغامدية ، فهل يصلى على المحدود أو لا يصلى؟ العلماء في ذلك على مذاهب:

    المذهب الأول: لا يصلى عليه. والمذهب الثاني: يصلى عليه. وهو الصحيح؛ لأن المقتول في حد لا يزال مسلماً، كما أن الذي قتل نفسه لا يزال مسلماً، والذي انتحر لا يزال مسلماً، لكن يفضل ألا يصلي عليه الإمام أو من يشار إليه بالبنان، أو أصحاب الفضل والعلم من باب الزجر لأمثالهم ألا يعملوا عمله؛ ولذلك رأى النبي عليه الصلاة والسلام من المصلحة الشرعية ألا يصلي على ماعز ، حتى لا يبادر آحاد الناس أن يقعوا فيما وقع فيه ماعز ، فيحظوا باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم والصلاة عليهم، وعلم عليه الصلاة والسلام أن المصلحة الشرعية تقتضي الصلاة على الغامدية التي زنت بعد ماعز حتى لا يقول الناس بعد ذلك إجماعاً: لا يصلى على المحدود أو على الزاني وإن حد؛ لذلك صلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بين المصلحتين: جواز صلاة الإمام على أصحاب الذنوب والمعاصي إن تابوا منها وأقيم الحد عليهم، ويترك ذلك أحياناً لزجر الأحياء ألا يقعوا في مثل هذه الجرائم والمهلكات.

    فالراجح: النظر إلى المصلحة، إن دعت إلى الصلاة صلى الإمام، وإن دعت إلى ترك الصلاة ترك الإمام الصلاة وأمر الناس أن يصلوا، لكن في كل الأحوال يصلى على المحدود؛ لأنه لا يزال مسلماً، ولكن الخلاف قوي في: هل يصلي الإمام عليه أم يأمر الناس أن يصلوا ويدع الصلاة هو؟ وهذا ينظر فيه إلى مصلحة الأحياء، لا إلى مصلحة الميت فحسب، والله تعالى أعلم.

    شرح حديث: (... الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث -وهو ابن سعد- (ح) وحدثناه محمد بن رمح أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله)] هذا أعرابي، والأعراب فيهم من الغلظة والجفاء ما فيهم؛ ولذلك أتى هذا الأعرابي بشيء من الجفوة وقال: (يا رسول الله! أنشدك الله) يعني: أحلف عليك بالله أن تقضي بيننا بكتاب الله. أي: بحكم الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بحكم الله فما الداعي إلى أن يقول هذا الرجل مثل هذا القول؟

    قال: [(فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي)] يعني: ائذن لي يا رسول الله! أن أتكلم، وكان هذا الخصم أكثر أدباً من الأعرابي، وإن كان في كلامه بعض الجفوة كذلك.

    قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته)] أي: ابني كان أجيراً عند هذا الرجل فزنى بامرأته، فهذه المرأة محصنة، أما هذا الرجل الذي زنى فكان بكراً.

    قال: [(إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة)] والوليدة: ابنة الناقة. أي: ما دام ابني سيرجم لا ترجموه، وخذوا مني بدل الرجم هذا مائة شاة ووليدة.

    قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام)]. هذا كلام أهل العلم، فهو لما قص عليهم القصة قالوا: لا. ليس عليه الرجم، ولا يصح منك الافتداء بمائة شاة ولا وليدة. وإنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. وهذا يدل على جواز استفتاء أهل العلم في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، أي: في زمنه. كما يدل على جواز استفتاء المفضول في حضرة الفاضل. وهذا الكلام محل اتفاق وليس عليه خلاف.

    قال: [(فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ولدي جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم)] فجواب أهل العلم دل على أن الزاني بكر، وأن الزانية محصنة.

    قال: [(فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد)] أي: الوليدة والغنم رد عليك حتى بعد قضاء القاضي. وهذا يدل على وجوب أن يرجع القاضي في قضائه إذا تبين خطؤه، لا يقول: انتهى الأمر. المحكمة حكمت بالإعدام. وإن قيل: ما زال الرجل لم يعدم. قالوا: لا. لا نحرج على القاضي. فإن قيل: وتقتلون نفساً بريئة حتى لا تحرجون على سيادة القانون؟ إن هذا القانون صنم يعبد من دون الله عز وجل، ولأجل سيادة القانون تراق الدماء ولا حرج.

    قال: [(قال: والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليد والغنم رد)] أي: ترد إلى صاحبها حتى وإن حكم بها.

    قال: [(وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام)] فوافق النبي عليه الصلاة والسلام أهل العلم في هذا الحكم.

    قال: [(قال: واغد يا أنيس !)] وهو أنيس بن الضحاك الأسلمي ، صحابي مشهور من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: [(واغد يا أنيس ! إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)]، فاعترفت، فجيء بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر برجمها فرجمت.

    قال: [(فغدا عليها فاعترفت -أي: أتاها أنيس فاعترفت- فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت)].

    قال: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس -فـعبد الله بن وهب يروي عن يونس بن يزيد الأيلي- (ح) وحدثني عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد المدني قال: حدثنا أبي عن صالح - وهو ابن كيسان المدني - (ح) وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن معمر بن راشد البصري الصنعاني كلهم -يروي- عن الزهري بهذا الإسناد نحوه].

    1.   

    باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا

    (

    باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا).

    يعني: باب وجوب رجم اليهود إذا كانوا أهل ذمة ولجئوا إلى القاضي المسلم ليفصل بينهم، فهناك يهود ليسوا أهل ذمة وإنما هم محاربون، مثل اليهود في فلسطين، فهم يهود، لكن لا ذمة لهم ولا عهد بيننا وبينهم، لكن لو كان هناك عهد أو ميثاق بيننا وبين بعض اليهود فإنه لا يجوز قتلهم ولا قتالهم إلا إذا نقضوا العهد والميثاق، فإذا نقضوا العهد والميثاق لم يكن لهم عندنا عهد ولا ذمة؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد أولاً.

    قال: (باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا) وهذا الباب مبني على أمرين:

    الأمر الأول: أنهم لجئوا إلينا للفصل في هذه الحدود.

    الأمر الثاني وهو محل نزاع عظيم جداً بين علماء الأصول: هل الكفار مطالبون بفروع الشريعة أم لا؟ أي: هل هم مطالبون بفروع شريعة الإسلام من صلاة وصيام وزكاة والتزام للحلال وابتعاد عن الحرام؟

    مسألة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة

    هذه المسألة محل نزاع طويل عند علماء الأصول، والراجح: أنهم مطالبون بفروع الشريعة؛ وذلك لأنهم مطالبون اتفاقاً بأصول الشريعة، وأصول الشريعة هي التوحيد والإيمان، وأن شرع الله عز وجل طالب الناس جميعاً بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وطالبهم بالإسلام، ولذلك اتفق أهل العلم على أن اليهود والنصارى والكفار عموماً مطالبون بأصول الشريعة، وأن شرع الله عز وجل شرع عام للعالمين جميعاً لعالم الإنس مؤمنهم وكافرهم وعالم الجن مؤمنهم وكافرهم. ووقع الخلاف في فروع الشريعة فيما يتعلق بالكفار هل هم مطالبون؟ قال بعض أهل العلم: ليسوا مطالبين بفروع الشريعة ولم يحققوا أصولها، فكيف يطالبون بالفرع ولم يحققوا الأصل؟

    وقال جمهور الأصوليين والعلماء: هم مطالبون بفروع الشريعة وإن لم تقبل منهم إلا بعد أن يحققوا أصول الشريعة. وهذا هو الرأي الراجح؛ ولذلك لما لجأ اليهودي واليهودية إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهما بكتاب الله عز وجل في حد الزنا قضى عليهما بالرجم، والعجيب أن عند اليهود في توراة موسى التي نزلت عليه -عليه السلام- أن حد الزنا للمحصن الرجم، ولكنهم أرادوا إخفاء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففضحهم عبد الله بن سلام الحبر الأعظم من أحبار اليهود، فلما تليت التوراة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وضع القارئ من اليهود أصبعه على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام : (يا رسول الله! مره فليرفع يده عن هذه الآية. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرفع يده فإذا تحتها الرجم)، وهذا يدل على اتفاق شريعة اليهود مع شريعة محمد عليه الصلاة والسلام في أن من زنى وهو محصن فعليه الرجم، وقضى النبي عليه الصلاة والسلام في اليهودي واليهودية بالرجم قضاءً مبرماً في شرعنا. وهذا يؤخذ منه: أن أهل الذمة إذا لجئوا إلى القاضي المسلم ليحكم بينهم وجب عليه أن يحكم بينهم بشرعنا لا بشرعهم.

    قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في اليهودي واليهودية اللذين زنيا

    قال: [... أن عبد الله بن عمر أخبره: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟)] لم يذهب النبي عليه الصلاة والسلام ليستخبرهم ولا ليقضي بين هذين بشريعة اليهود، وإنما ليثبت أن شريعة موسى التي لم تحرف موافقة لشريعته.

    قال: [(قالوا: نسود وجوهمما ونحملهما)] يعني: نلطخ وجوه الزناة بالسواد ونحملهما على الجمل. وفي رواية: (ونجملهما) ومعنى نجملهما: نجعلهما على الجمل.

    قال: [(ونخالف بين وجوههما)] أي: نجعل ظهر الرجل على دبر الجمل أو الحمار، والمرأة ظهرها إلى قبالة الجمل أو الحمار، بحيث يصير الزاني والزانية كلاهما يركبان دابة واحدة، وكل واحد ينظر للثاني، ويطوفون بهما المدينة، ويفضحونهما بين الناس. فقالوا: يا محمد نفعل هذا بالزناة، وهذا الذي نجده في توراة موسى التي نزلت عليه.

    قال: [(قالوا: ويطاف بهما. قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين)] إذا كنتم صادقين في حكمكم هذا وأنكم تجدون حد الرجم على من زنى عندكم أنكم تلطخونه بالسواد، وتخالفون بين وجوههم على الدابة وتطوفون بهم وتفضحونهم فقط؛ فهاتوا التوراة نقرؤها إن كنتم صادقين.

    قال: [(فجاءوا بها فقرؤوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها)]. يعني: التي قدامها والتي وراءها ولم يقرأ الآية نفسها.

    قال: [(فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليرفع يده. فرفعها فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما)]. قوله: (فرجما) يدل على أنهما كانا محصنين. [(قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما. فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)].

    فانظر إلى العشق ما يفعل بأصحابه، فهما في الحفرة يذوقان الموت، ومع هذا يدافع عن عشيقته ومحبوبته حتى في لحظة الموت!

    قال: [... وقال ابن وهب : (أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس)]. وهذا الحديث ليس فيه جهالة؛ لأنه قال: أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس ، كما لو قال: أخبرني مالك بن أنس ، فلو قال ابن وهب : أخبرني رجال من أهل العلم عن فلان فإنه يصير في الحديث جهالة؛ وبالتالي يصير ضعيفاً؛ وذلك لأن هذا المجهول لا نعلم عينه وبالتالي لا نعلم حاله، فإذا جهلنا عين الراوي جهلنا ما إذا كان ثقة أو غير ثقة، عدلاً أو غير عدل، ضابطاً أو غير ضابط، وإذا قال الراوي: حدثني الثقة عن فلان، اختلف أهل العلم في مثل هذا، فبعضهم قال: يصحح الحديث على مسئولية هذا الراوي الذي وثق شيخه وإن أخفى علينا عينه، لكن الراجح وهو مذهب جماهير المحدثين: أن قول الراوي: حدثني الثقة إسناد ضعيف؛ للجهالة؛ لأنه إذا كان عنده ثقة فلم لم يسمه؟ وربما يكون ثقة عنده، ولكنه ضعيف عند غيره وعند التحقيق والتدقيق؛ ولذلك لا بد من التصريح بعين الراوي حتى نعلم حاله.

    فقول ابن وهب هنا: أخبرني رجال من أهل العلم. لو اكتفى بهذا لقلنا: هذا الإسناد ضعيف. لكنه قال: [منهم مالك]، ومالك ثقة، ويصح به الإسناد وحده، فما بالك وقد حدث ابن وهب أناس آخرون من أهل العلم متابعون لـمالك بن أنس ؟

    قال: [أن نافعاً أخبرهم عن ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم في الزنا يهوديين: رجلاً وامرأة زنيا، فأتت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما) وساقوا الحديث بنحوه] أي: بمثل الحديث الأول.

    فإن قيل: كيف رجم اليهوديان بالبينة أم بالإقرار؟ قلنا: ربما كان ذلك بالبينة أو بالإقرار، ولا حرج أن يقام الحد بالبينة أو الإقرار.

    شرح حديث البراء بن عازب في رجم اليهودي الذي زنى

    قال: [... عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمماً مجلوداً -يعني: مسوداً وجهه بالفحم مجلوداً- فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى! أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا)] النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: أستحلفك بالله يا رجل! فأنت حبر من أحبار اليهود، هل في كتابكم حد الزاني المحصن أنكم تسودون وجهه وتجلدونه؟ هل هذا حد الزنا عندكم؟ فأجاب: لا. وهذا يدل على أن يهود الزمن الماضي أفضل من شارون القذر الوسخ ومن معه؛ لأن اليهود لو تستحلفهم مليون مرة يكذبون، ولكن كان جواب اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك) يعني: الأصل فيه الكذب.

    قال: [(ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم)] أي: يا محمد! نجد في كتابنا الرجم.

    قال: [(ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد؛ فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع)] بدلاً من أن نقيم الحد على الوضيع ونترك الشريف نتفق على عقوبة يستوفيها الشريف والوضيع.

    قال: [(فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41] إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [المائدة:41] الآية في سورة المائدة. يقول: ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه)] لماذا؟ لأن هذا يوافق ما افتريتموه، وحاشا النبي عليه الصلاة والسلام أن يوافقهم.

    قال: [(وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا أن تأخذوه)]؛ لأنه سيردكم إلى ما كان من أمركم الأول.

    قال: [(فأنزل الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47])] هذه ثلاث آيات في كتاب الله في سورة المائدة نزلت خاصة في اليهود، لكن مذهب جماهير العلماء أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآيات في المسلم كما أنها في الكافر على تفصيل طويل ليس هذا محله.

    حديث جابر وابن أبي أوفى في الرجم

    قال: [... أخبرني أبو الزبير عن جابر قال: (رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأته)] معنى (امرأته): التي زنى بها، يعني: خليلته وعشيقته وليست امرأته. ولذلك أتى في رواية أخرى: (رجم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم ورجلاً من اليهود وامرأة) ولم يقل: وامرأته. فالمقصود: صاحبته التي زنى بها.

    قال: [... عن أبي إسحاق الشيباني قال: (سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: قلت: بعدما أنزلت سورة النور أم قبلها؟ قال: لا أدري)] عبد الله بن أبي أوفى هذا صحابي مصري كبير، من أجلاء علماء مصر، ومع هذا يقول فيما لا يعلمه: لا أدري. والعلماء يقولون: من أخطأ كلمة (لا أدري) فيما لا يعلم فقد أصيبت مقاتله. أي: فقد قتل نفسه؛ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام.

    قال: [... عن أبي هريرة أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها -بالإقرار أو بالحمل- فليجلدها الحد ولا يثرب عليها -يعني: لا يسبها ولا يشتمها ولا يعيرها- ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر)].

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.